الفصل السادس

نقل القِيَم والتسلح بها

يرى الأب في منامه مشهدًا لمعركة محتدمة بين قوًى متنافرة تستهدف عقول المراهقين الخاوية ووجدانهم، ويبدو الأطفال المحاربون ثابتِين على الرغم من ضآلتهم في هذا الموقف الطاغي.

يصيح القائد «ضوء المعارك» في قواته: «جَهِّزوا دروع القِيَم! راوغوا! صُدُّوا الهجمات! تفرقوا! فُضُّوا الاشتباك!»

تُدوِّي أصوات الضجيج وصليل السيوف وتتصاعد الأدخنة. يستيقظ الأب وهو يتصبب عرقًا ويهز رأسه من طرافة هذا «الكابوس».

يعلم هذا الأبُ مكانَ تواجُد أبنائه المراهقين، الذين ينامون بسلام في أَسِرَّتهم. إنه يدرك أنه وغيره من الأشخاص القائمين على رعاية الأطفال ساعدوا الأطفال في تعلُّم مجموعة من القِيَم يمكنهم الاستفادة منها جيدًا، وخاصة في سنوات المرحلة العمرية هذه التي تشهد بداية تشكُّل استقلالية الفكر والفعل. يقول الأب لنفسه: «دروع القِيَم في موضعها الصحيح، آمل أن تعود عليهم بالنفع!»

يتمثل المقياس الخامس للصحة النفسية الجيدة في قوة تسلُّح الأطفال بالقِيَم التي تتوافق مع الحياة التي من المتوقَّع أن يعيشوها؛ فالأشخاص البالغون المسئولون عن الأطفال يُعلِّمونهم كيفية تصرُّف بعضهم مع بعضٍ وكيفية الإنجاز والمثابرة، على الرغم من المِحَن المحتملة، وكيفية المحافظة على سلامتهم البدنية والنفسية. يبدو التشبيهُ الخاص بالمعركة التي في مقدِّمة هذا الفصل والتي تجسِّد الفكرة الرئيسية في المثال ملائمًا؛ إذ ينبغي غربلة الأشخاص والأحداث والبيئات المحفِّزة للأطفال أو محاربتها من آنٍ لآخر. ورغم أن الأب الوارد في هذا المثال ليس واثقًا أن أطفاله يستخدمون القِيَم التي تعلموها منه بصفة يومية، فإنه مُطْمئن أنه هو والأشخاص الآخرين القائمين على رعاية الأطفال قد علموهم بصورة جيدة، وتُثبِت هذه العلاقات الاجتماعية مرة أخرى أنها جزءٌ لا يتجزأ من التطور النفسي الصحي للأطفال؛ فالصحة النفسية الجيدة في إطار هذا الفصل تعني تعليم الأطفال قِيمًا مهمةً تمثل أساسًا لتَطَورهم على مدار حياتهم.

يرمز اسم القائد «ضوء المعارك» في المثال الوارد إلى دور القِيَم كمنارة للأطفال عندما يواجهون قرارات حاسمة خاصة بسلوكهم؛ فهذه القِيَم تلعب دور الدليل ونقطة الانطلاق عندما يواجه الأطفال مشكلات عسيرة ومعقدة أحيانًا. يمكن أن تكون الحدودُ والتوقعات السلوكية، التي غُرست في الأطفال بأسلوب ودود، الدرعَ الواقية للأطفال أمام التأثيرات السلبية، ولكن هذا يتوقف على مدى تطبيقهم لهذه القِيَم. وفي ظل تعلُّم الأطفال لجوانب الحياة التي يقدِّرها مقدِّمو الرعاية البالغون، فإنهم يصبحون أكثر قدرة على تقييم المعلومات المهمة المتعلقة بتطورهم، وتذكَّرْ ما ورد في الفصل الرابع أن جزءًا من الانتماء الأُسَري ينطوي على مساعدة الأطفال في إدراك مسئوليتهم نحو الآخرين ونحو أنفسهم، والمشاركة بفعالية في تعلُّم اتخاذ القرار باستقلالية؛ فالقِيَم الواضحة التي تنتقل في مودة من جيل لآخر تساعد الأطفال في صنع القرارات. يتمثل أحد المحاور المهمة في هذا الفصل في التطبيع الاجتماعي لِقِيَم الآباء المنقولة إلى الأبناء. ونتطرق أيضًا إلى سمة الديناميكية والتبادلية في نطاق علاقة الوالد والطفل، وتشير الديناميكية إلى عملية نقل القِيَم وسمات المتلقي أو الطفل؛ فالأطفال إما يَقْبلون قِيَم الآخرين أو يرفضونها. تتميز هذه التفاعلات بالتبادلية؛ حيث يَنْقل الأطفالُ بدورهم القِيَمَ التي يؤمنون بها للوالدَين والأشخاص الآخرين.

سنتناول في هذا الفصل بالدراسة الطبيعةَ التبادليةَ للتطبيع الاجتماعي للقِيَم، وعلى الرغم من ندرة البيانات المتعلقة بنقل القِيَم من الأطفال للآباء، فإنها مثيرة للاهتمام بلا شك. يَنْقل الأطفال والآباء التأثيرات الاجتماعية بعضهم إلى بعضٍ، وتمثل ردود أفعال الأطفال نحو قِيَم الآباء أحد الجوانب الجوهرية في التفاعلات الخاصة بالتطبيع الاجتماعي للقِيَم، كما يلعب الأقران دورًا مهمًّا في التطبيع الاجتماعي للقِيَم الخاصة بالأطفال، وسنتفحص الأبحاث المتعلقة بدرجة التوافق بين القِيَم الخاصة بالأقران والآباء.

سنتطرق أيضًا إلى أهمية البيئات والخلفيات الأُسَرية ذات الصلة بنقل القِيَم وتطبيقها، كما أن البيانات المتوفرة حول التطبيع الاجتماعي للقِيَم الأبوية وتجسيدها مستمَدة بلا ريب من قاعدة الأبحاث الخاصة بأُسَر الطبقة الوسطى الأمريكية ذات الأصول الأوروبية. وعلى مدار الفصل، سنناقش بيانات متعددة الثقافات فيما يتعلق بالقِيَم والأفراد المختلفين عندما يتسنى ذلك. إن صعوبات تفسير الأبحاث المتعلقة بنقل القِيَم بين أفرادٍ ذوي خلفيات ثقافية متنوعة أحدُ الجوانب المهمة الأخرى لهذه المناقشة.

استخدمتُ مصطلح «التحصين» في الفصل الرابع لتوضيح أن عمل الأفراد البالغين على تيسير عملية اتخاذ القرارات أمام الأطفال في بيئات آمنة يُعد تدريبًا جيدًا يؤهلهم لسنوات المراهقة؛ فالقرارات الخاصة بصحتهم البدنية والنفسية يمكن اتخاذها مع وضع قِيَم الأسرة في الاعتبار. تتميز عملية نقل القِيَم الخاصة بالآباء إلى الأبناء بأن لها قاعدة بيانات هائلة في علم النفس، وعلى الرغم من أن الأبحاث المتعلقة بتأثير الأفراد البالغين المهمين من غير الآباء ليست مدعومة بالقدر نفسه، يؤكد عدد من الباحثين على أهمية الدور الذي يلعبه هؤلاء الأفراد أيضًا في حياة الأطفال.

يقدم المعلمون والزعماء الدينيون والمجتمعيون نماذجَ يُقتدى بها، فضلًا عن التوجيه المباشر لكيفية تطور الأطفال إلى أشخاص ذوي قِيَم متأصلة؛ الأمر الذي يساعد على ضمان صحتهم وصحة الآخرين. كما سنتطرق لبعض الأبحاث المرتبطة بمفهوم الأشخاص البالغين الأَكْفاء الذين يقومون بأدوار المعلمين وينقلون القِيَم في بيئات خارج المنزل.

سنتناول أيضًا كيفية قيام الأشخاص البالغين بتعليم معايير الصواب والخطأ وتجسيد نماذج لها، وكيف تعزِّز هذه المعايير العلاقات وتُيَسر التمتع بحياة مثمرة. تذكَّرْ أن وضع النماذج للاقتداء بها والحثَّ عليها يُعدَّان من ضمن الوسائل الرائعة لتعليم الأطفال. كما سنتطرق في هذا الفصل لمجالَين من مجالات نقل القِيَم: الاستقلالية والتحصيل الدراسي.

(١) القِيَم انعكاس لنا

يُحكم على الناس في كثير من الأحيان وفقًا لمجموعة القِيَم التي يتبعونها في حياتهم، فما المقصود بكلمة «قِيَم»؟ يستطيع أغلب الناس على الأرجح الإتيان بتعريف للقِيَم، بل وربما يأتون ببعض الأمثلة للقِيَم التي يرون أنها جديرة بتناقلها بين الأجيال. ويأتي تعريف القيمة في إطار هذا الكتاب كالآتي: «تعبِّر القيمة عن أي توجُّه أو سلوك يُعتقد أنه يعزِّز من نمو الذَّات والآخرين؛ أي إنها نموذج أو معيار للسلوك.» إن القِيَم تشبه كثيرًا سيناريو للحياة؛ فالقِيَم تساعد الإنسان في تحديد كيفية الاستمتاع بحياة مثمرة. كما أن الأشخاص البالغين ممن يدركون القِيَم المساعدة في عملية اتخاذ القرارات يكونون أكثر قدرة على توجيه الأطفال في حياتهم وتعليمهم. ما الأشياء التي يَعتبرها البالغون ذات قيمة؟ سنطرح فيما يلي قائمة من الاحتمالات قبل أن نتحدث بالتفصيل عن الأبحاث المتعلقة بمجالين من مجالات نقل القِيَم: الاستقلالية والتحصيل الدراسي.

ما الأشياء التي نوليها القيمة؟

  • (١)

    مراعاة مشاعر الآخرين.

  • (٢)

    الإنجاز.

  • (٣)

    الاستقلالية.

  • (٤)

    التقاليد.

  • (٥)

    التديُّن.

  • (٦)

    الأمن (سلامة النفس والآخرين).

هل ما زلتَ تُصيغ قائمة القِيَم الخاصة بك؟ رائع! تختلف قِيَم الأشخاص من أسرة لأخرى ومن دولة لأخرى، بل وحسب ظروف كل شخص. يؤمن الناس بالقِيَم نتيجة لعدة عوامل، مثل تأثير الآباء، وكثيرًا ما تقترن هذه التأثيرات بالعوامل التي يُطلِق عليها علماء النفس «الخصائص السكانية». وتشير المعلومات السكانية إلى الموطن الأصلي للأشخاص — الذي يمثِّل أهميةً تاريخيةً في ماضي الأجيال وحاضرها — والحالة الاجتماعية الاقتصادية؛ بمعنى الدخل والمستوى الاقتصادي المحقق، والمستوى التعليمي والنوع البيولوجي، فضلًا عن الفئة العمرية، بما في ذلك الجماعات التاريخية. تشير عبارة «الجماعات التاريخية» إلى أولئك الأشخاص الذين يشهدون أنماط الأحداث نفسها بسبب تواريخ ميلادهم؛ فالأشخاص البالغون في الولايات المتحدة مثلًا ممن شهدوا حرب فيتنام، سواء كمجندين أو كمراقبين، يشتركون في تلك الحقبة التاريخية مع جميع الأشخاص الآخرين في فئاتهم العمرية، وربما طوَّرت هذه الجماعة التي عاصرت حرب فيتنام قِيَمًا تتضمن مثلًا حسًّا مُلِحًّا بمساعدة الآخرين على الصعيد الدولي، أو أهمية الحرية التي تكفل انتقاد الحكومة في نظام ديمقراطي.

هناك عدد كبير من العوامل التي تؤثر في قِيَم الأشخاص، ولتيسير عقد المقارنة مع قائمة القِيَم المذكورة أعلاه، قارِن العوامل التالية بقائمة القِيَم السابقة:

العوامل المرتبطة بالقِيَم

  • (١)

    عوامل أسرية، من بينها نمط تربية الأبناء والتعليم.

  • (٢)

    العوامل السكانية، الموطن الأصلي الحالي والخاص بكبار السن، والحالة الاجتماعية الاقتصادية والمستوى التعليمي والنوع البيولوجي والفئة العمرية والجماعة التاريخية.

  • (٣)

    الآخر الاجتماعي ذو الأهمية، مثل الأقارب والأقران والمعلمين وأصحاب العمل.

  • (٤)

    الخبرة والتطور الشخصيَّان.

لكننا لا ندرك جيدًا كيفية ارتباط هذه المؤشرات أو العوامل بتطور قِيَمٍ معينةٍ على حساب قِيَمٍ أخرى، سيساعدنا أحد الأمثلة الواردة في البحث في إدراك هذا التعقيد. انظر إلى القائمة الأولى من القِيَم المحتملة التي سيكتسبها الأشخاص، تشير القيمة السادسة إلى «الأمن (سلامة النفس والآخرين)»، ولْتُلْقِ نظرةً الآن على القائمة الخاصة بالعوامل التي يمكن أن ترتبط بمثل هذه القيمة. انظر إلى العامل الثاني في هذه القائمة التي تتضمن «العوامل السكانية؛ الموطن الأصلي الحالي والخاص بكبار السن …» فهل تمثل السلامة قِيمة يهتم بها المواطنون في الولايات المتحدة بصفة يومية؟ ربما تستحوذ على الاهتمام بدرجة كبيرة الآن مقارنةً بما قبل مأساة الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، ولكن أَيَصِلُ هذا الاهتمام إلى الحد الذي يجعل معظم الناس ينظرون إلى السلامة كَقِيمة؟ هذا بعيد الاحتمال، إلا أنه خضعت هذه القيمة للدراسة، ووُجد أنها تمثل أهمية بالغة للشباب الذين يعيشون في إسرائيل، وذلك في الدراسة التي أجراها أحد خبراء علم النفس في مجال القِيَم الأُسَرية لدى الإسرائيليين، ويدعى أرييل نافو (٢٠٠٣).

اكتشف نافو في دراسته أن هذه القيمة تأتي من ضمن أبرز ثلاث قِيَم لدى الآباء والمراهقين الإسرائيليين. إن السياق التاريخي والحالي للحياة في إسرائيل يجعل من السلامة قيمة عملية ويومية تؤثر في أسلوب حياة الناس، ورغم أن الأشخاص في الولايات المتحدة اليوم قد ينتابهم بعض القلق إزاء استقلال طائرة للسفر، فإن المواطنين الإسرائيليين يدركون قيمة السلامة في كل يوم؛ إذ يتطلب السياق التاريخي والحالي حالة من اليقظة ووضع السلامة كأولوية تأتي قبل العديد من القِيَم الأخرى.

وقد يساعدنا ذِكر مثال آخر عن التعقيدات التي ينطوي عليها تشكيل القِيَم عند الأطفال في فهمنا للقِيَم الخاصة بالآباء كعوامل مرتبطة بتطورهم.

يَدخل أحد المراهقين مع والديه إلى متجر لبيع القمصان القصيرة الأكمام (تي شيرت) أثناء إحدى الرحلات، يختار الفتى قميصًا مطبوعةً عليه صورة أربعة من كبار زعماء السكان الأمريكيين الأصليين، وهناك عبارة مكتوبة على القميص تقول كلماتها: «الأمن الوطني: مكافحة الإرهاب منذ عام ١٤٩٢.» يقول الأب للمراهق: «هل أنت متأكد أنك تريد شراء هذا القميص؟ إنه قد يمثل إساءة لبعض الأشخاص.» يردُّ الفتى المراهق قائلًا: «نعم، إنني أدرك ما تَعْنيه هذه العبارة، وأعلم أيضًا أن حكومتنا أخطأت في التعامل مع السكان الأصليين لأمريكا.» فيحاول الأب أن يُثْني الابن عن قراره مرة أخرى قائلًا: «إنني أتفق معك يا بُنيَّ؛ فرغم أنني أعتقد أنه يُفترض بنا أن نعبِّر عن آرائنا بصراحة عندما نرى أوضاعًا خاطئة، فقد يَحْكم عليك المعلمون أو الأشخاص البالغون الآخرون بشكل سلبي عندما يقرءون ما هو مكتوب على القميص دون أن يعرفوا حقيقتك.» فيجيب الفتى المراهق بأنه يدرك وجهة نظر والده، ولكن هذا لم يَزِدْه إلا إصرارًا على شراء القميص وارتدائه، ويشتري الفتى القميص ويرتديه بكل فخر.

ما القِيَم التي تقدِّرها هذه الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد؟ قِيَم عديدة، على الأرجح غُرس بعضها بواسطة الوالدَين، ويمكن استنتاج هذه القِيَم التي يؤمنان بها من النقاش الذي دار بين الأب والابن:
  • (١)

    يجب على المواطنين التحدث علانية عن الأخطاء التي ترتكبها حكومتهم؛ حرية التعبير عن الرأي.

  • (٢)

    التورية اللفظية يمكن أن تُشيع المرح؛ روح الدعابة لها قيمة.

  • (٣)

    السماح بإبداء وجهات النظر المختلفة مع الأكبر سنًّا؛ ينطوي الحثُّ على مَنْح الأطفال فرصةَ التعبير عن موقفهم.

  • (٤)

    يحتاج المراهقون إلى درجات استقلالية متفاوتة في عملية اتخاذ القرار؛ الاستقلالية تفوق في أهميتها وجهات نظر الأشخاص الأكبر سنًّا.

لا يؤمن كل مواطني الولايات المتحدة بهذه القِيَم الأربع، فربما لا تسمح بعض الأُسَر للمراهقين باتخاذ هذا النوع من القرارات؛ فالجدال مع أحد الوالدَين قد يُنظر إليه باعتباره وقاحة، أو عدم التزام بمبدأ بِر الوالدين. وربما لا يرى بعض الأمريكيين من السكان الأصليين في العبارة المكتوبة على القميص أيَّ شكل من روح الدعابة، بل وقد يمتعضون من تصوير زعمائهم الكبار على هذا النحو الكسبي. إنَّ نَقْل القِيَم عمليةٌ معقدة تناوَلَها علماء النفس بالدراسة منذ بضعة عقود فقط، ولكننا لدينا بالفعل بعض البيانات التي تساعدنا في إدراك هذا الجانب المهم المقترن بأن نكون أفرادًا جديرين بالثقة تجاه الأطفال في حياتنا.

(٢) التطبيع الاجتماعي للقِيَم الأبوية

يبعث الآباء برسائل يومية إلى أطفالهم حول القِيَم التي يؤمنون بها، ويكتسب الأبناء قِيَم الآباء من خلال محاكاة السلوك والتفكير المنطقي والتوجيه المباشر. ساد اعتقاد تاريخي في علم النفس يشير إلى أن الوالد الحازم أو الوالد الذي يستخدم الود والمنطق في التعامل مع أبنائه يُرجَّح أن يتحلى أبناؤه بنفس نَسَقِ القِيَم الذي يؤمن به. ظهرت في الوقت الحالي نظريات أكثر تعقيدًا حول الطرق التي يجري من خلالها نقل القِيَم، ولكن تؤكد الأبحاث على الأهمية الشديدة للتعامل الودود مع الأبناء.

تَصِفُ جرازينا كوتشانسكا (٢٠٠٢)، المتخصصة في علم النفس التنموي، الروابطَ بين الوالدين والأطفال التي من شأنها تعزيز اتساق القِيَم. واكتشفت كوتشانسكا من خلال البحوث التي أجرتها أن الآباء المتجاوبين الذين يتمنون تحقيق السعادة لأطفالهم من المرجح أن يعتنق أبناؤهم القِيَم نفسها التي يؤمنون بها. إن علاقة الأخذ والعطاء التي تقترن بمراعاة الوالدين لمستويات التطور الخاصة بالأطفال وحالاتهم المزاجية وسلوكياتهم — بما في ذلك المخالفات — يُعتقد أنها تسهم في عملية اتساق قِيَم الآباء والأبناء. وتشير الدراسة إلى أن الأطفال الذين يشعرون بأنهم محبوبون وفي الوقت نفسه مطَّلعون على المعايير السلوكية مع توفر وسائل تحفيز مناسبة عند الحاجة، سيلتزمون بالقِيَم التي يؤمن بها آباؤهم كأنها قِيَمهم الخاصة، وتطلق كوتشانسكا على هذه العملية «التوجيه المتجاوب المتبادل»؛ فالآباء يدركون احتياجات الأطفال أثناء إكسابهم القِيَم والمعايير السلوكية الخاصة بهم. ويُعتقد أن هذه المرونة أو الديناميكية المتأصلة في مثل هذا التفاعل الإيجابي ستعزِّز القِيَم المشتركة بين الآباء والأبناء.

توحي هذه الرؤية عن إدراك الآباء لاستجابات الأطفال تجاه وصاياهم بوجود نوع من «التبادل الثنائي الاتجاه» فيما يتعلق بالتطبيع الاجتماعي للقِيَم. يشير التبادل الثنائي الاتجاه ببساطة إلى أن الأطفال ليسوا مطلقًا صفحاتٍ بيضاءَ أو قِطَعَ إسفنجٍ تَمتص كل التوجيهات، ولكن هذا التبادل الثنائي الاتجاه يعني أن الأطفال يستجيبون للرسائل المتعلقة بالقِيَم التي يبعث بها الأشخاص البالغون استنادًا إلى عدة عوامل.

تشير عالمة النفس جوان إي جروزيك، الخبيرة في مجال التطبيع الاجتماعي الخاص بالقِيَم، إلى أنه يجب على الأطفال إدراك الرسائل الواردة من الوالدين حول القِيَم بدقة، فضلًا عن الالتزام بها باعتبارها القِيَم الخاصة بهم؛ بحيث يحدث التطبيع الاجتماعي الخاص بالقِيَم؛ وهذا يعني أن التوجيه المباشر من قِبَل الآباء وتجسيد القِيَم التي يتمنون أن يتحلى بها أطفالهم يجب أن يتَّسما بالتوافق أو الاتساق مع قِيَمهم الخاصة. وفي هذا الصدد، أعتقد أن القاعدة البديهية القديمة التي تشير إلى أهمية «أن نفعل ما نقول» تتصل بهذا الطرح (انظر جروزيك وكوتشينسكي ١٩٩٧).

أشار أحد الأمثلة الواردة في الفصل الخامس إلى استعداد الأم لمساعدة ابنتها بعد خلاف مع رفيقتها؛ فالفتاتان الصغيرتان لم تتمكَّنا من التوصل إلى اتفاق حول النشاط الذي ستمارسانه، وخرجت الفتاة الضيفة من المنزل، وبدا أنها لن تعود. استغلت الأم الفرصة لمناقشة الموقف مع ابنتها، ومن خلال عباراتها وأسئلتها فضلًا عن أسلوبها، تمكَّنت الأم من توصيل عدة رسائل لابنتها عن الموقف محل الخلاف وأهمية التوصُّل لحلولٍ للنزاعات ومراعاة شعور الآخرين. وقد دعَّمت الأم مشاعر ابنتها ومشاعر الفتاة الضيفة في الوقت نفسه؛ الأمر الذي أسهم في إبراز أهمية قِيمَة المعاملة الحسنة. وقد طلبت الأم من الفتاة أن تطرح رؤيتها حول ما يمكن أن يحدث في المرة القادمة؛ مما يُظهر قيمة التعاون والمسئولية الشخصية. استخلصت الفتاة من هذه المناقشة الطويلة نصائح حول حُسن التصرف، وهذا يشتمل على التحكم في الذات والأمل في المستقبل. ولِحُسن حظ كافة الأطراف الواردة في المثال، فقد تمكَّنَت الفتاة المضيفة من الالتزام بملاحظات والدتها لدى عودة الفتاة الضيفة لممارسة اللعب ثانية. ذَكَرَت الأم القِيَم الخاصة بها بوضوح وطرحتها للنقاش بأسلوب ودِّي، وأنصتت الفتاة للقِيَم الخاصة بوالدتها، بل وتمكنت من تطبيقها حالما انتهت المناقشة.

استفادت الأم من واقعةٍ حدثت في حياة الفتاتين الصغيرتين ويمكن أن تحدث بصفة يومية. إن المحاولات الصعبة لمعالجة الخلافات يمكن أن تعود علينا بنتائج بنَّاءة إذا ما استخدمنا قِيَم المسئولية والاهتمام. يتساءل الباحثون عما يجب أن تفعله هذه الأم أيضًا للمساعدة في نقل القِيَم الخاصة بها، يجب على هذه الأم تجسيد سلوكيات المسئولية الشخصية والاهتمام عندما تواجِه صعوبات وصراعات في حياتها الشخصية. وسواء كان الأمر متعلقًا بالتوصل لحل وسط بسيط مع الأصدقاء بشأن اختيار أحد الأفلام لمشاهدتها، أو كان الأمر متعلقًا بقرار أكثر صعوبة مع الزوج حول الموارد المالية للأسرة؛ فعندما تقوم الأم بتجسيد القِيَم التي طرحتها عندما كانت توجِّه ابنتها، فإنها بذلك تزوِّد الفتاة بحلقة أخرى مهمة تربط بين توجيهات الأم وما تجسده من سلوكيات من حيث الاتساق.

ولكي يتبنى الأطفال القِيَم الخاصة بالوالدين كقِيَمهم الخاصة، يجب أن تُقدَّم لهم رسائل واضحة من خلال وسائل متعددة للتوجيه ومحاكاة السلوكيات تعكس المعايير الحياتية المتوقعة، يسهم هذا الوضوح في تعزيز فَهْم القيمة وإدراكها بدقة. وقد يؤدي عدم الاتساق بين هذه المعايير إلى اختلاط الأمر على الأطفال إزاء القِيَم الخاصة بالوالدين، وقد يواجهون صعوبات في تمييز القِيَم التي يؤمن الوالدان بأهميتها. عند توصيل رسالة واضحة عن القيمة المتوقعة، تسهم عوامل أخرى في تثبيط أو تعزيز تقبُّل الأبناء للقِيَم الخاصة بالآباء.

تتفق جروزيك مع كوتشانسكا في أن الأشخاص البالغين الذين يقدمون إشارات سلوكية للقِيَم، مع مراعاة وجهة نظر الطفل ومستوى تطوره، يهيئون بذلك بيئة قوامها الود والاهتمام يتجاوب الأطفال معها. وفي ظل هذه الظروف، من المُتوقَّع أنْ يتقبل الأطفال القِيَم الخاصة بالأشخاص البالغين ذوي الأهمية في حياتهم؛ فالأطفال الذين يتمتعون بالقدرة على تنظيم سلوكياتهم مع مراعاة القِيَم الخاصة بالآباء، إنما يفعلون ذلك بفضل التفاعلات الإيجابية مع هؤلاء الأشخاص البالغين.

(٣) أبحاث حول قيمة الاستقلالية

مع نمو الأطفال، يمنحهم الكبار قدْرًا متزايدًا من الحرية لاستكشاف عوالمهم واكتساب مفاهيم وسلوكيات جديدة، ودون وجود قَدْر من حرية الاستكشاف، لا يمكن اكتساب مهارات أساسية مثل المشي، فضلًا عن اكتساب القِيَم. تعمل الخبرات الجديدة على تيسير تطورنا، وهذا جزء لا يتجزأ من الطبيعة الإنسانية، وقد وصف العالم الشهير جان بياجيه هذه العملية بأنها تَبْني تطورنا الشخصي في البيئة (انظر جروبر وفونيش ١٩٧٧). يَمنح الأشخاصُ البالغون الاستقلالية للأطفال لاستكشاف العوالم المحيطة بهم، استنادًا إلى درايتهم بالأطفال والعالم والقِيَم الخاصة بهم، ولكن القواعد الاجتماعية المرتبطة بقيمة الاستقلالية تتفاوت بحسب الثقافات المختلفة.

لا يؤمن جميع الناس بقِيَم الاستقلالية نفسها، ويَعتبر العديدُ من الثقافات أن الأسرة أو الجماعة التي ينتمي إليها الفرد تحظى بتقدير أعلى من الاستقلالية الفردية. ستمنحنا دراسةُ القِيَم المعمول بها في مختلف الثقافات رؤيةً متعددة الثقافات حول أية ظاهرة، وعلى الرغم من أن المراهقين حول العالم كثيرًا ما يُمنحون حرية ومسئولية أكبر من الأطفال، حسب كل ثقافة، فإن مَنْحَهم الاستقلالية يتفاوت؛ على سبيل المثال، تختلف السن التي يسعى فيها المراهقون للاستقلالية، بمعزل عن فكر الآباء وأفعالهم. ومن المتوقع أن يسعى الأطفال الذين نشئُوا في سياق ثقافات جماعية أكثر، مثل الثقافات الآسيوية، إلى الاستقلالية في سنٍّ متأخرة مقارنة بالأطفال الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية، وذلك عندما يصلون إلى مرحلة المراهقة، كما يُرجح أن يُعبِّروا عن التزامهم نحو آبائهم وأُسَرهم، ويحافظوا على هذا الالتزام على مدًى طويل حتى سنوات البلوغ.

وقد حاول الباحثون تفسير كيفية التزام العديد من الشباب البالغ بالقِيَم والمطالب السلوكية التي يؤمن بها الآباء، حتى على مدار حياتهم؛ على سبيل المثال، يشير أستاذ علم النفس المتعدد الثقافات هاري سي تريانديس إلى أن الآباء في الثقافات التي تؤكد على الولاء للأسرة، مثل الهند واليابان، هم من يختارون في أغلب الأحيان شركاء الحياة لأبنائهم المراهقين، ويؤكد أيضًا أن الزواج من شخص آخر يمثل زواجًا من الجماعة، بل ويعكس قدرة الأسرة على الحكم السديد والنجاح والأمل في المستقبل. وتُلقَّب الثقافات التي تتسم بهذا النوع من الولاء للمجموعة بالثقافات «الجماعية»؛ فكل شخص له قيمة، ولكن المحكَّ الحقيقي لأي شخص يتجسد في ولائِه للجماعة ومراعاتِه للأشخاص الآخرين في جماعته. ولْتقارِنْ بين مستوى الاستقلالية هذا أو تبعية القِيَم الفردية للقِيَم الخاصة بالآباء، وبين الثقافة «الفردية» مثل الثقافة السائدة في الولايات المتحدة (انظر تريانديس ١٩٩٤).

يشير تريانديس إلى أن مذهب الفردية هو مفهوم يجعل الفرد محور التطوير، وغالبًا ما ينتشر هذا المفهوم في الثقافات التي تتسم بالثراء والتعقيد وانتشار المبادئ الصناعية على مدار فترة زمنية طويلة. يحظى الناس في الثقافات الفردية بالعديد من الخيارات لتطوُّرهم ويتنافسون في سبيل تحقيق النجاح المادي، كما يجري التأكيد على قيمة الاستقلالية بشكل عام، وتخضع رغبات الجماعة لرغبات الفرد، وتُعدُّ هذه هي طبيعة العديد من المجموعات الأُسَرية في الولايات المتحدة. ورغم ذلك، يوجِّه تريانديس تحذيرًا بأنه من الخطأ افتراض وجود سمة موحدة لدولة أو ثقافة أو ثقافة فرعية بعينها، وعلى الرغم من أنه يمكن اعتبار أن ثقافة واحدة تنطوي إما على قِيَم فردية أو جماعية، يمكن أن تكون هناك أيضًا اختلافات قائمة على عوامل مثل الأوطان الأصلية للأُسَر.

إن استيعاب العديد من الجماعات للثقافة السائدة في الولايات المتحدة يمثل أحد العوامل التي ظهرت أهميتها عند دراسة قِيَم الاستقلالية. يشير مفهوم «التلاقح الثقافي» ببساطةٍ إلى عمليةِ تقبُّل الناس لمعتقدات وقِيَم الثقافة التي يعيشون بها؛ على سبيل المثال، يَذْكر تريانديس أن الأشخاص من ذوي الأصول الإسبانية في الولايات المتحدة، ممن تأثروا بالقِيَم الأمريكية الأوروبية، يميلون للفردية أكثر من نظرائهم ممن هاجروا إلى الولايات المتحدة مؤخرًا ولم يتأثروا ثقافيًّا بالقدْر نفسه، فكيف نطبِّق هذه النتيجة على المثال المذكور آنفًا الخاص بشريك الحياة؟ قد يطلب بعض الأشخاص البالغين في الهند أو اليابان أن يتزوج أبناؤهم من شركاء الحياة الذين يختارونهم لهم. في السابق، كان المواطنون من ذوي الأصول الإسبانية في الولايات المتحدة يطلبون الأمر نفسه من أبنائهم، ولكن يُرجَّح أن يتبنى الجيلان الثاني والثالث من العائلات التي تُربي أبناءها في الولايات المتحدة توافقًا بين الثقافتين الفردية والجماعية، وذلك حسب تواريخ هجرتهم إلى الولايات المتحدة أو تواريخ ميلادهم بها، ومن الممكن أن يُعبِّر المواطنون الأمريكيون ذوو الأصول الآسيوية أو الإسبانية في الوقت الحاضر عن التزامهم نحو الأسرة واهتمامهم بأزواج الأبناء، ولكن في الوقت نفسه يسمحون للأبناء باختيار أزواجهم بقدر كبير من الاستقلالية.

ما القيمة المثلى؟ يرى تريانديس أنه لا يمكننا البت في ذلك؛ إذ تتخذ كلُّ ثقافة أو مجموعة أُسَرية قراراتٍ حول المطالب الخاصة بالاستقلالية بناءً على ماضيها والأمورِ التي صبَّت في صالحها منذ زمن بعيد، ولكن تريانديس يعتقد أيضًا أن التطرُّف في الثقافة الجماعية أو الفردية يحمل بين طياته مخاطر؛ فالجماعية الشديدة قد تتسبب في اندلاع حرب مثلًا بسبب القِيَم المتعلقة باعتبار الجماعة المفضلة متفوقةً على كافة الجماعات الأخرى التي لا تستحق الحياة. وعلى النقيض، قد تؤدي النظرة الفردية المتشددة إلى إهمال الأشخاص الضعاف للدفاع عن أنفسهم دون ردِّ فعل من الجماعة التي ينتمون إليها. يبدو أن هذه التنبيهات توضح أن تريانديس يؤيد التوازن بين النزعتين الفردية والجماعية لدى الأُسَر؛ فالأسرة الأصلية والموطن الأصلي والتعددية الثقافية تمثل اللبِنات التي تساعدنا في إدراك تطور القِيَم المتعلقة بالاستقلالية، وقد ثبت أن العوامل الأخرى المؤثرة في الأُسَر تؤثر أيضًا في التطبيع الاجتماعي للقِيَم.

وفي دراسة أخرى مهمة أجراها عالِمُ الاجتماع هونج شياو في الولايات المتحدة (٢٠٠٢)، وُجِد أن جنسَ الوالد القائم بالتربية، والقِيَمَ — في أغلب الأحيان — التي تؤمن بها الأم والطبقةَ الاجتماعيةَ التي تنتمي إليها، هي أمور تتنبأ بالقيم الأبوية المنقولة للأبناء. وعند فحص البيانات التي تضمها دراسته، سنجد أن الآباء المنتمين إلى الطبقة الوسطى يقدِّرون قيمة الاستقلالية، ولكنْ من المرجح أكثر أن يثمِّن الآباء من الطبقة العاملة الامتثال إلى سلطة الجماعة على حساب الاستقلالية الفردية. ويمكننا إدراك الفروق بين الطبقات الاجتماعية بناءً على قدر الاستقلالية الذي يُعتقد أن العاملين يتمتعون به، سواء أكان ذلك في بيئات العمل المكتبية أو اليدوية.

تناوَلَ شياو أيضًا بالدراسة الفروقَ بين الذكور والإناث فيما يتعلق بالاستقلالية. خَلَصَت البحوث السابقة الخاصة بالتطبيع الاجتماعي لقيمة الاستقلالية على مستوى الولايات المتحدة إلى أن الأولاد تُوجَّه إليهم رسائل خاصة بالاستقلالية أكثر من الفتيات؛ بمعنى أن الأولاد جرى تشجيعهم على استكشاف بيئاتهم بشكل مستقل، بينما جرى تشجيع الفتيات على الالتزام أو الارتباط بأشخاص آخرين في سلوكياتهنَّ. يُرجِّح شياو أنه منذ الحركة النسائية في سبعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة، بدأت هذه الرسائل المتعلقة بالاستقلالية في التغيُّر، واكتشف أن السيدات المنتميات إلى الطبقة المتوسطة قدَّرْن قيمة الاستقلالية أكثر من الرجال المنتمين للطبقة نفسها؛ مما يرجح اختلاف الرسائل التي يتلقاها الأولاد والفتيات اليوم عما كان عليه الوضع قبل بداية هذا القرن. وتوضِّح هذه النتيجة الجديدة مدى أهمية النماذج التاريخية المتعلقة بالتطبيع الاجتماعي للقِيَم. وتثير تغيُّرات تاريخية أخرى أسئلة جديدة تتعلق بالمقارنة بين الاستقلالية في مقابل الارتباط بالآخرين.

يقوم معهد بحوث التعليم العالي التابع لجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس بدراسة البيانات الخاصة بالطلاب المستجدين كل عام على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال الفترة الزمنية القصيرة التي شملت العامين ٢٠٠٤ و٢٠٠٥م، بدا أن العديد من الطلاب الملتحقين المستجدين طرأ عليهم تغيُّر من حيث القِيَم الخاصة بمساعدة الآخرين. وبحلول عام ٢٠٠٥م، أفاد ٦٧٪ من مجموع طلاب السنة الأولى أنهم سيعملون على الأرجح في مجتمعاتهم بهدف إصلاح أحوال الآخرين. تشير هذه الزيادة، على الرغم من أنها تُقدَّر ﺑ ٣٫٩ في المائة فقط عن العام السابق، إلى أن ٥٠ ألفًا من الطلبة المستجدين على المستوى الوطني أعربوا عن استعدادهم لمساعدة الآخرين مقارنة بالعام السابق. ويَعتقد القائمون على الدراسة أن هذه الزيادة قد ترجع بصورة أو بأخرى إلى الأحداث العالمية التي تتمثل في إعصار تسونامي في المحيط الهندي في عام ٢٠٠٤م والأعاصير التي حدثت في خليج المكسيك في عام ٢٠٠٥م. وعندما يجري التعبير عن احتياجات الآخرين، يستجيب العديد من الشباب في العصر الحالي في الولايات المتحدة على نحو يعكس القِيَم الجماعية في الولايات المتحدة (معهد بحوث التعليم العالي ٢٠٠٥).

تَتعزَّز الاستقلالية كقيمة من خلال عوامل أُسَرية مثل تأكيد الآباء عليها، والمتغيرات السكانية مثل محل الميلاد والطبقة الاجتماعية والجنس، علاوة على ارتباطها أيضًا بأحداث تاريخية تحدث خارج نطاق الأسرة. يتلقى الأطفالُ العديدَ من الرسائل عن قيمة الاستقلالية، ويجب عليهم إدراك الأمور ذات الأهمية للآخرين وقبول القِيَم التي يؤمن بها الآخرون أو رفضها، وذلك على مدار تطورهم الشخصي في العديد من السياقات التي تتضمن أحداثًا تاريخية. ولْننتقلِ الآن إلى مناقشة التطبيع الاجتماعي لإحدى القِيَم، والتي يُطلق عليها «التحصيل الدراسي».

(٤) التحصيل الدراسي

التحصيل الدراسي تعبير شائع نسبيًّا يشير إلى درجة النجاح التي يحققها الأطفال على مدار سنوات الدراسة، واكتشف الباحثون أن تقدير الوالدين لقيمة النجاح المدرسي يؤدي إلى تبنِّي الأبناء للقيمة نفسها عادة بصفتها قيمة خاصة بهم.

قد تكون قيمة التحصيل الدراسي التي يقدِّرها الآباء واحدةً من أقوى القِيَم التي تدعمها المؤلفات البحثية، وعادةً ما يصنِّف الآباء هذه القيمة باعتبارها أهم قيمة ينقلونها لأطفالهم، علاوةً على ذلك، تبشِّر هذه القيمة بالنجاح الدراسي أفضل من أي قيمة أخرى جرت دراستها. وفي دراسة أجرتها ميشيل إم إنجلاند، المتخصصة في علم النفس التنموي وزملاؤها (٢٠٠٤)، وُجد أن القِيَم التي تؤمن بها الأم فيما يتعلق بالنجاح الدراسي للأبناء في السنة الدراسية الأولى تتنبأ بما إذا كان هؤلاء الأطفال سيلتحقون بالتعليم الجامعي عندما يبلغون من العمر ٢٣ عامًا؛ وتعني هذه النتائج أن الأمهات اللاتي يؤمنَّ بقيمة النجاح الدراسي يلتحق أبناؤهن بالكليات الجامعية، كما أكد العديد من الباحثين على وجود صلة بين المستوى التعليمي للأمهات والتحاق أبنائهن بالكليات الجامعية. واستنادًا إلى هذه البيانات، تتضح الصلة بين أهمية وجهات نظر الأمهات المتعلقة بالتحصيل الدراسي، والتي يعبِّرْنَ عنها في صورة القِيَم التي يؤمِنَّ بها، وبين التحاقهنَّ بالتعليم الجامعي. ومن المرجَّح أن تُنقَل هذه القِيَم إلى الأبناء عن طريق الاهتمام والتوجيه وتجسيد النماذج السلوكية، ونذكر في هذا المقام جيمس كومر ثانية.

عندما كتب جيمس كومر الطبيب النفسي الذائع الصيت عن رحلته حتى أتم تعليمه، أقرَّ بفضل قيمة التحصيل الدراسي التي أولتها والدته تقديرًا خاصًّا باعتبارها واحدةً من أهم القوى المحفِّزة في حياته (انظر كومر ٢٠٠٤). وكَتَبَ كومر عن قيمة التحصيل الدراسي التي كانت والدته تؤمن بها في كتابه «الحلم الأمريكي لماجي: حياة أسرة سوداء ويومياتها». يروي كومر في هذا الكتاب أن والدته كانت ترى أن من بين أسباب التمتع بحياة سعيدة أن يكون الشخص متعلمًا، وعلى الرغم من عدم التحاقها بالتعليم الجامعي، فقد غرست ماجي كومر في أطفالها كيف أن التعليم يمكن أن يساعدهم على تحقيق النجاح في المجال الذي يحلمون به. استكمل كومر مسيرته حتى صار من أبرز رُوَّاد إصلاح التعليم على مستوى الولايات المتحدة، فضلًا عن كونه أحد أكثر الأطباء النفسيين تبجيلًا في جيله. واستنادًا إلى سنواتٍ من البحث، إلى جانب تجربته الشخصية، يدرك كومر حتمية اعتبار التحصيل الدراسي قيمة يجب أن ينقلها الآباء من الأصول كافة إلى أطفالهم.

تناوَلَ باحثون آخرون المؤثرات السلبية على التحصيل الدراسي للأطفال، مثل العوز الاقتصادي. ورغم ذلك، كثيرًا ما تَنسب البحوثُ الفضلَ إلى تقديرِ الآباء لقيمة التعليم باعتباره أبلغ أثرًا من الحالة الاقتصادية والاجتماعية، أو دعْمِ الأقران. ومن المؤكد أن هذا الوضع انطبق على والدَي جيمس كومر اللذين عَمِلَا بكدٍّ ولكنهما عانيا وضعًا اقتصاديًّا سيئًا. وفي البحث الذي أُجري في عام ٢٠٠٥م، قام كلٌّ من أندريا سميث وباري إتش شنايدر ومارتن دي راك بدراسة المراهقين الذين حققوا نجاحًا في المدرسة، وقد اكتشفوا أن آباء هؤلاء المراهقين من ذوي الدخول المختلفة قدَّروا قيمة التحصيل الدراسي ودعَّموه؛ ومن ثَمَّ خلص البحث إلى أن تقدير الآباء لقيمة التعليم ودعمَهم إياها يمثلان مؤشرَين أقوى تأثيرًا من الحالة الاقتصادية الاجتماعية للأسرة أو الدعم الذي يتلقاه الأطفال من أقرانهم؛ فالأطفال الذين ينتمون إلى أُسَر تعاني ظروفًا اقتصادية سيئة يمكن أن يحققوا نجاحًا دراسيًّا في حالةِ أن يهتم آباؤهم بشدةٍ بقيمة التحصيل الدراسي.

نحن نعلم أن العديد من الآباء في الولايات المتحدة ينقلون قيمة التحصيل الدراسي لأطفالهم، ولكن الدراسة الشهيرة التي أجراها عالما النفس هارولد ستيفنسون وشين ينج لي وزملاؤهما تفيد بأن هناك ثقافاتٍ أخرى يُعد التحصيل الدراسي فيها القيمةَ «الأقوى» عند الآباء، والتي ينقلونها إلى أبنائهم (انظر ستيفنسون وَلي ١٩٩٠). وقد اكتشف الباحثون أن الأمهات في الصين واليابان قدَّرْنَ قيمة التحصيل الدراسي أكثر من الأمهات الأمريكيات، كما ثبت أن الأمهات الآسيويات كُنَّ أكثر صرامةً وإلحاحًا فيما يتعلق بالتحصيل الدراسي مقارنة بالأمهات الأمريكيات. ورغم أن الأمهات الأمريكيات يؤمنَّ أيضًا بأهمية النمو المعرفي لأطفالهنَّ، فإن هذا المنظور كان مختلفًا عن «التحصيل الدراسي» الذي يعرِّفه هؤلاء الباحثون على نحو أكثر تحديدًا. ويعتقد هؤلاء الباحثون أن هذا الاختلاف في القيَم يلقي الضوء على التفوق الذي يحققه الأطفال الأمريكيون من ذوي الأصول الصينية واليابانية في مدارس الولايات المتحدة أكثر من زملائهم الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية.

هناك قاعدة هائلة من البحوث التي أُجريت حول قيمة التحصيل الدراسي التي تُنقَل من الآباء إلى الأبناء؛ فالطبقة الاجتماعية والنوع البيولوجي والنماذج التاريخية والنماذج السائدة في ثقافة بعينها، تسهم في استيعابنا لكيفية نَقْل القِيَم للأطفال. على الجانب الآخر، هناك بحوث أخرى تدعم فكرة الارتباط الإيجابي بين القِيَم الخاصة بالأقران والأشخاص البالغين ذوي الأهمية خارج المنزل وبين نجاح الأطفال في المدرسة. وعلى الرغم من أنها أقل قدرًا من الأبحاث الخاصة بالعلاقة بين الآباء والأطفال، يسهم عدد محدود من الدراسات في إدراك أهمية الأشخاص الآخرين غير الوالدين في التطور الصحي للأطفال.

(٥) الأقران

هل تذكُرُ المثال الوارد في الفصل الخامس حول الصديقتين اللتين بدا أنهما ستَتَسبَّبان كلٌّ منهما في متاعبَ للأخرى في المدرسة وقرَّر مسئولو المدرسة فصلهما؟ شعرَت الفتاتان بسعادة وتركيز أكبر عندما لُمَّ شملُهما ثانية. هذه هي الطبيعة الإيجابية للعلاقات الاجتماعية ذات الأهمية الموجودة خارج المنزل؛ فعلى مدار عملية نمو الأطفال، ترتبط القِيَم الخاصة بالأقران بالقِيَم التي يتقبلها الأطفال باعتبارها القِيَم الخاصة بهم. ويُعتقد أن تأثير الأقران يبلغ أقصى مداه في عمر الرابعة عشرة وحتى الخامسة عشرة للأطفال، ويبدأ في الانحسار عند وصولهم إلى سن الثامنة عشرة. ورغم أن العديد من الأشخاص البالغين يعبِّرون عن حزنهم لتأثير بعض الأقران على بعض، فإن الأقران يساعدون الأطفال في التواصل مع عالم اجتماعي أقل هرمية من ذاك الذي عليهم اجتيازه عند التعامل مع الأفراد الكبار. وقد أَخذَت الأبحاث المتعلقة بقِيَم الأقران مقابل قِيَم الآباء منعطفًا مفاجئًا في السنوات الأخيرة؛ إذ تشير هذه الأبحاث إلى وجود نوع من الاتساق بين قِيَم الآباء وبين الأقران.

لا تدعم البياناتُ المعتقدَ الشائعَ في الولايات المتحدة بأن تأثير الأقران سلبيٌّ في أغلب الأحيان، ولكن ما يراه علماء النفس هو أن الآباء الأَكْفاء يهيِّئون حياة أطفالهم بحيث يتمثل دور الآباء في تيسير اختيار رفاقِ الأطفال وأصدقائهم. وكما ناقشْنَا في الفصل الخامس، يَضْمن الآباء الذين يراقبون علاقات الصداقة الخاصة بأطفالهم وينتقونها زيادةَ فرصِ التوافق بين القِيَم الخاصة بهم وقِيَم أطفالهم وبين القِيَم الخاصة برفاق أطفالهم، بل إن عالم النفس أرييل نافو (٢٠٠٣) اكتشف أن الآباء يختارون المدارس التي يلتحق بها أطفالهم بناءً على القِيَم الخاصة بهم؛ على سبيل المثال، من المرجح أن يختار الآباء الذين يؤمنون أكثر بالقِيَم الدينية التقليدية مدارسَ دينيةً تقليديةً لأطفالهم. يتضح من ذلك أنه مع اتباع عدد أكبر من الآباء لهذا السلوك، فإنهم يؤثِّرون رسميًّا في البيئات المدرسية لأطفالهم باختياراتهم هذه، كما يختار الآباء الآخرون الذين يريدون أن يظل أطفالهم في بيئةٍ تقليديةٍ المدارسَ نفسَها.

تتفق في الغالب القِيَم التي يؤمن بها الآباء مع القِيَم الخاصة بالأقران على مدار حياة الأطفال، وفي حين أن المراهقين قد يتفاعلون بالتوافق مع الأقران، فيما يتعلق بموضوعات مثل صيحات الملابس، فإن القِيَم الجوهرية (مثل الاهتمام بالآخرين أو التحصيل الدراسي) يؤمن بها في أغلب الأحيان مجموعاتُ الأصدقاء الخاصة بالمراهقين أيضًا. ربما تتسم تأثيرات الأقران بالإيجابية أو بالسلبية، ولكن قاعدة القِيَم الراسخة التي ينقلها الآباء لأطفالهم كثيرًا ما تَظهر وسط أقران هؤلاء الأطفال أيضًا؛ فالأطفال يختارون الانضمام إلى أطفال آخرين متشابهين معهم في صغرهم، كما تؤثِّر توجيهات الآباء في هذه الخيارات أيضًا. وعلى الرغم من الميل إلى «التجريب» في سنوات المراهقة، فإن المراهقين المتشابهين يجدون بعضهم بعضًا في أغلب الأحيان ويكوِّنون مجموعات صداقة تحترم العديد من القِيَم الجوهرية التي اكتسبوها من المنزل.

قد يؤثر الأقران في الأطفال من خلال قِيَمهم المتعلقة بأمور مثل الملابس أو المظهر إلى الحد الذي قد يَشعر فيه الآباء بالانزعاج، وقد يرغب الأطفال الذين يَشْرَعون في تقدير قيمة الاستقلال عن البالغين، ولكنهم لا يزالون متأثرين بالأقران، في «مجاراة الاتجاه السائد»؛ فقد يكون الشعر الطويل بالنسبة للأولاد أو سراويل الجينز الممزقة تعبيرًا عن الاستقلالية عن الأشخاص البالغين، ورغم ذلك لا يُرجح أن يُسفِر هذا التأثير عن نتائج سلبية للأطفال؛ ففي ظِل استيعاب القِيَم الجوهرية جيدًا، تُعد هذه «التجارب» طبيعية، بل ولها ميزات تتمثل في أنَّ تمتُّعَ الأطفال ببعض الحريات يساعدهم على التعرف على العالم؛ فعندما يقرر المراهق البحث عن عمل مثلًا، قد يصادف أصحابَ عملٍ محتملين يقولون له بكل صراحةٍ: «إذا أردت أن تعمل هنا، يجب أن يكون مظهرك لائقًا، فيُحظر عليك إطالة الشعر أو ارتداء سراويل جينز ممزقة.» وحينئذٍ، يمكن أن يراجع المراهقُ أيُّ الكفتين ذات أولوية عنده؛ قيمة «المظهر العصري» أم الحصول على عمل. وتتحول هذه الموازنة إلى نموذج توجيهي للعمل على مدار حياته.

وبينما نتحدث عن الأزياء الرائجة بين الأطفال، فإن هذا يمثل أحد المجالات التي يُعتقد أن الأطفال يؤثِّرون بها في القِيَم الخاصة بالآباء. في بداية هذا الفصل، أشرت إلى حدوث نوع من التطبيع الاجتماعي المتبادل للقِيَم بين الأطفال والآباء؛ إذ يمكن أن تنتقل القِيَم الخاصة بأزياء الملابس أو الموسيقى من الأطفال إلى الوالدين، ونؤكِّد ثانية أن اهتمام الأطفال بالأفكار الجديدة والثقافة الشعبية يمكن أن يعكس تركيز الأطفال على الأفكار الجديدة والثقافة الشعبية في قِيَم بعض الآباء، على الرغم من أن هذا التركيز ليس بالأهمية نفسها التي تمثلها قيمةٌ مثل التحصيل الدراسي في حياة الفرد.

(٦) تأثير البالغين الآخرين من غير الآباء في القِيَم

من المحتمل أن يؤثِّر المعلِّمون وقادة المجتمع والأقارب الآخرون إيجابيًّا في تطور القِيَم الخاصة بالأطفال؛ فالمعلمون الذين يقدِّرون قيمة التحصيل الدراسي ولديهم توقعات عالية للأطفال يساهمون في النجاح المدرسي للأطفال. ويرى عالِما النفس كلود إم ستيل وجوشوا أرنسون أن النظم المدرسية ككلٍّ لا بد أن تعكس قيمة التحصيل الدراسي في سلوكياتها، بما في ذلك سلوكيات المعلمين؛ لكي يتمكن جميع الأطفال من تحقيق النجاح المدرسي. وثبتت فاعلية هذه الأفكار بالنسبة للأطفال من كافة الأعمار، وذلك من خلال التجارب المعملية وفي البيئات التعليمية العملية؛ فالمعلِّمون والإداريون الذين يؤمنون بقيمةٍ تنطوي على أن النجاح الدراسي لكل طفل هو مسيرة متتابعة تتميز بالمرونة، يوفرون بيئات مدرسية فعالة. تنتقل هذه المعلومات والتوقعات الإيجابية إلى الأطفال الذين سيطوِّرون بدورهم هذه القيمةَ بصفتها قيمة نابعة منهم؛ فالقيمة التي تراعي قدرات كل طفل ستُترجم إلى نتائج إيجابية للأطفال ومدارسهم ومجتمعاتهم ككلٍّ (انظر ستيل وأرنسون ١٩٩٥).

ومثلما اكتشف أرييل نافو، على الأغلب يختار الآباء مدارس أطفالهم بناءً على القِيَم التي تُبَثُّ هناك؛ فالمعلمون والإداريون الذين يؤمنون بقِيَمٍ مماثلةٍ للقِيَم الخاصة بالآباء يوجِّهون الأطفالَ عدة مرات على مدار الأسبوع فيما يتعلق بالمقرر الدراسي، وينقلون القِيَم إليهم أيضًا. يقترح العديد من التربويين في الولايات المتحدة أن تعكس طبيعةُ الفصل الدراسي في الولايات المتحدة في حد ذاتها قِيَمَ الاستقلالية والديمقراطية، وأن يُحترَم التحصيل الفردي ويحظى كل طفل بفرص تحصيل متساوية. ورغم أننا نعلم أن الظروف الاقتصادية غير المواتية قد تجعل تجارب العديد من الأطفال في المدارس غير إيجابية، فإن الأطفال يقدِّرون قيمة التحصيل الدراسي إذا رأوا أن المعلمين والإداريين يقدِّرون هذه القيمة إلى جانب الوالدين أيضًا.

(٧) القِيَم والشخص

لخَّص عالم النفس الشهير لورانس شتاينبرج أهمية كلٍّ مِن نَقْل القِيَم والطفل في طريق النمو (انظر شتاينبرج ٢٠٠٤). يتأثر الأطفال على مدار نموهم بالأشخاص ذوي الأهمية في حياتهم. كما تساعدهم خلفياتهم، بما في ذلك تجاربهم وسلوكياتهم الشخصية وأساليب الحياة الخاصة بالآباء، في تشكيل نُظُم القِيَم الخاصة بهم. ولْنتذكَّرِ الملحوظات الواردة في بداية هذا الفصل، التي تضمنت معلومات حول الطبيعة الديناميكية المتأصلة لعملية نقل القِيَم؛ فقد يتقبل متلقُّو المعلومات الخاصة بالقِيَمِ هذه القِيَمَ أو يرفضونها. ورغم أن غالبية القِيَم الخاصة بالمراهقين تبدو متشابهة للغاية مع القِيَم الخاصة بآبائهم، فإنهم يتمكنون من استخدام مهاراتهم المعرفية والاجتماعية المتطورة لدراسة قِيَم الوالدين بموضوعية أكثر؛ إذ إن خبرات المراهقين تمنحهم معلومات عن العالَم ربما تكون مختلفة عن تلك الخاصة بآبائهم، وبذلك يتسنى لهم التحققُ من القِيَم التي تربَّوا عليها، وتحديدُ القِيَم التي سيحافظون عليها باعتبارها جزءًا منهم.

يستطيع الأشخاصُ البالغون المسئولون عن تعزيز الصحة النفسية لدى الأطفال الشعورَ بالارتياح؛ لأنَّ الكثير من القِيَم الخاصة بهم سيتقبلها الأطفال الذين ساعدوا في تربيتهم. في الولايات المتحدة، تحظى قيمتَا الاستقلال الشخصي واستقلال الفكر بالتقدير، وبالنسبة للمراهقين الذين يستكشفون عوالمهم والقِيَم الخاصة بهم حديثًا، نرجو أن تقترن استقلاليتهم بتبنِّي تقدير أعمق بكثير لتلك الجوانب الحياتية التي تعزز تطور الجميع. وربما تزداد مشاعر الاهتمام بالآخرين مع مرور الوقت، وذلك كما رأينا في دفعة طلاب السنة الأولى بالجامعة لعام ٢٠٠٥م. وفي هذه الثقافة التي تَسُودُها النزعة الفردية، ربما ستؤدي احتياجات الآخرين إلى توطيد قِيَم أقوى تتعلق بترابطنا واستغلال الطاقات لمساعدة الآخرين. إن الأطفال الأصحاء نفسيًّا يحملون قِيَمًا تتضمن عناصر النزعة الفردية والجماعية، فهم يثمِّنون الإنجاز الشخصي ومساعدة الآخرين. ومرة أخرى، نتذكر مدى اعتماد الصحة النفسية الجيدة على العلاقات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠