البستانية الحسناء

١

في الساعة الثانية بعد منتصف الليل كان بعض فتيان الباريسيين الأغنياء مجتمعين في نادٍ لهم يدعونه نادي كريفيس.

وكانوا جالسين في القاعة العمومية يتحدثون بشأن اختفاء دي مورفر أحد أعضاء هذا النادي، فإنه احتجب منذ عامين، ولم يعلم أحد كيف كان اختفاؤه.

وكان بينهم فتى يُدْعَى كازمير، وهو حديث الدخول في هذا النادي، فأشكل عليه فهم هذه الحكاية، فقال للمتحدثين: عفوًا أيها السادة، فإني حديث العهد بينكم، فهل يتفضَّل عليَّ واحد منكم بتفصيل هذا الاختفاء الغريب؟

فانبرى له الفيكونت دي مونتيجرون، وقال: إني أنا أدخلتُك إلى هذا النادي، وأنا أقصُّ عليك ما تتوق إليه من معرفة اختفاء دي مورفر، فاسمع.

إن غاستون دي مورفر كان في السادسة والثلاثين من عمره، وهو أديب جميل، حلو الحديث، وافر الثروة، وكان طلق الوجهة، فرح القلب، فلم يحزن مرة، ولم يتدلَّه بغرام، ولم يَحْدُث له في أدوار حياته الآمنة ما يدعوه إلى الانتحار.

– ومع ذلك ألعله انتحر؟!

– ليس مِنَّا مَنْ يعلم شيئًا من أمره، وحكايته أنه خرج ليلةً من هذا النادي مع شارل هدنوت ابن الصراف الشهير، فذهبا ماشيين إلى شارع مدلين فشارع سيرسنس، حيث يقيم المركيز دي مورفر، وهناك افترقا على أن يلتقيا في اليوم الثاني، فذهب شارل في شأنه، ودخل المركيز إلى منزله.

وقد أخبر بوَّاب منزله في اليوم التالي أنه أعطاه حين عودته تلك الليلة كتابًا أرسل إليه، ففضه وقرأه وقد بدت عليه علائم التأثُّر، فألقى الغلاف على الأرض، ووضع الرسالة في جيبه، ثم خرج لفوره من المنزل، وقال لبوابه: إني لا أعود في هذه الليلة.

وفي اليوم التالي لم يحضر، ثم توالت الأيام دون أن يعود، فتداخل البوليس في أمره، ونشرت الجرائد خبر اختفائه، وأرسلت صورة المركيز إلى جميع الأنحاء، فذهبت كل هذه المساعي أدراج الرياح، وقد أرسلت عائلته عمالًا على نفقاتها إلى إنكلترا وروسيا والولايات المتحدة كي يبحثوا عنه، فلم يهتدوا إلى أثر من آثاره، ولم يعلموا إذا كان ميتًا فيُبكى، أو كان حيًّا فيُطمع بلقائه.

– وهذا الكتاب الذي ورد إليه، فكان علة اختفائه، ألم يعثروا عليه؟!

– إنهم لم يعثروا عليه، بل عثروا على الغلاف، فعلموا أن خطه خط امرأة.

– إذن كان عاشقًا دون شك، فكيف تقولون إنه لم يعشق؟!

– إنه كان يحب إحدى فتيات المسارح كما يحب الرجل جواده، وقد كلفته كثيرًا من النفقات، ولكنه كان واسع الثروة.

– ألم يكن منغمسًا بالدسائس؟

– ذلك ما لا يعرفه أحد غير أن طرق عيشه لا تدل على شيء من هذا.

أحد اللاعبين: أنا لا أعتقد أنه انتحر.

دي منتجوون: وأنا أعتقد هذا الاعتقاد أيضًا، وحقيقة رأيي في هذا الاختفاء الغريب أنه ناتج عن جناية هائلة، وأن يدًا أثيمة قد عبثت به، فقد كثرت هذه الجرائم في باريس منذ عشرة أعوام، وكلها خفية هائلة تكتنفها الأسرار، فلقد اتفق أنه بينما كان العمَّال يهدمون منزلًا رأوا في أحد أقبيته هيكلًا من عظام الإنسان، ولا يبعد أن يكون المركيز مورفر حُبِسَ في قبو من هذه الأقبية السرية، فيتحدث كهول باريس في مستقبل الأيام حين ينقض البناء، ويقولون: هذه جثة المركيز الذي طالما خاضت الجرائد في سرِّ اختفائه الغريب.

وعند ذلك نهض أحد الحضور وقال: لقد مر بنا عام بجملته ونحن لا نتحدث في كل ليلة إلا بحديث هذا المركيز، فتنقبض صدورنا لنكبته، ولا نحلم في الليل إلا بالجرائم والآثام، فبالله ألا رجعتم عن هذا الحديث المحزن، وهلم نتحدث بغرام صديقنا مريون عاشق البستانية الحسناء.

فوافق الجميع على هذا الرأي، وقال مونتجمرون للعضو الجديد: إن غوستاف مريون الذي سنتحدث بأمر غرامه — وهو فتى حلو الشمائل واسع الثروة — عشق البستانية الحسناء منذ عهد قريب، ولا يزال ساعيًا لاسترضائها.

– ومن هي البستانية الحسناء؟ فإني ما سمعت بها قبل الآن.

– لم نعلم شيئًا من أمرها قبل ثمانية أيام، وغاية ما علمنا أنها بائعة زهر تقيم في شارع بلفي، ويقول عاشقها مريون: إنها لو ظهرت في الأوبرا لكشف جمالها جميع تلك الشموس الساطعة فيها.

– ألعلها تحبه؟

– كلا، ويظهر أنها لا زوج لها ولا عشيق، فإنها دائمًا تلبس السواد فيزيدها جمالًا، وجميع خدامها يحترمونها كل الاحترام، وليس بينهم من يعلم مَوْطِنَها، فإن مريون قد أنفق إلى الآن عشرين ألف فرنك في سبيل معرفة شيء من أحوالها، أو إغواء أحد خدامها، فلم يَفُزْ بمراد.

فقاطعه أحد الحضور وقال: لقد فاتتك أخبارها يا مونتيجرون، فإن مريون تمكَّن أمس من إغواء أحد خدامها، وهو الخادم الوحيد الذي ينام في منزلها، فأعطاه مائة دينار، وأخذ منه مقابل ذلك مفتاح الحديقة ومفتاح المنزل، وعليه أن يجد وسيلة للوصول إليها، فقد قال هذا الخادم: إنه منذ دخل في خدمتها لم يرَها أذنت لرجل بالدخول إلى منزلها.

– إذن ما عساه يصنع؟!

– إنه اختار أربعة من أصدقائنا وأنا منهم؛ كي نرافقه في هذه الليلة إلى منزل الحسناء، فنقف في الطريق موقف الحراس ويدخل هو إلى المنزل.

مونتيجرون: ولكن البوليس أيها الصديق منتشر في كل مكان حتى في شارع بلفي.

– وماذا يهمنا من البوليس؟ فإننا سنقف خارج المنزل وهو يدخل إليه، فإذا رضيت تلك الحسناء أن يختطفها كان ذلك من حسن توفيقه، وإذا أبت واستغاثت هربنا، فما علم بأمرنا أحد.

مونتيجرون: إذا كان ذلك كما تقول، فأنا أذهب معكم أيضًا.

وفيما هو يقول هذا القول دخل مريون الذي يتحدثون عنه، فقال: عافاك الله يا مونتيجرون فأصحبك معنا، فالتفت جميع الأعضاء عند ذلك فرأوا مريون داخلًا، فقال له أحدهم: ماذا تقول يا مريون أجادٌّ أم أنت مازح؟

– بل أقول الجِد، وقد جئت بمركبة تنتظرني عند الباب، وهي تَسَعُ خمسة أشخاص، فمن أحبني فليتبعني.

مونتيجرون (ضاحكًا): أيجب أن يكون معنا سلاح؟

– كما تريدون أما أنا فإن مسدسي لا يفارق جيبي.

فقام عند ذلك الخمسة الذين عوَّلوا على الذهاب، فلبسوا قبعاتهم وخرجوا إلى المركبة الواقفة عند باب النادي، وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فقال لهم مريون: إننا نصل إلى منزل هذه البستانية الحسناء بعد نصف ساعة، وفي الساعة الثالثة نجتمع على المائدة كلنا في القهوة الإنكليزية، فدعا الرفاق له بالنصر وركبوا المركبة، فسارت بهم إلى شارع بلفي وهم يضحكون ويمازحون مريون.

٢

وكان الظلام مُدْلَهِمًّا، والبرد شديدًا، والهواء زمهريرًا، غير أن هؤلاء الفتيان لم يكونوا يكترثون لمثل هذه العوارض الجوية، وقد التهبت في أحشائهم نيران الخمر المعتق.

وما زالت المركبة سائرة بهم حتى وصلت إلى بلفي، فأوقفها مريون، فقال له مونتيجرون: ألعلنا وصلنا؟

– كلا، ولكن صوت المركبة في هذا الشارع المقفر قد ينبه أنظارها، وإنما أريد أن أباغتها، فهَلُمَّ بنا نسير فإن البيت قريب.

وقال مونتيجرون: إني لا أرى شيئًا فأين هو؟

– انظر أمامك إلى هذا النور الضعيف؛ فإنه ينبعث من غرفة رقادها.

– ألا يوجد منازل مجاورة له؟

– كلا، إن أقرب منزل منه يبعد عنه مائة متر على الأقل، فهو يعتبر في معزل عن البيوت.

ونزل شبابنا الخمسة من المركبة وساروا في هذا الشارع، الوَحْلُ إلى الرُّكَبِ حتى وصلوا إليه، ورأوا حديقة كبيرة تكتنفه والسكينة سائدة في جميع جهاته، ولم يروا غير نور ضعيف ينبعث من النافذة في الدور العلوي.

وقال مريون: قفوا هنا أيها الرفاق، وادعوا لي بالتوفيق …

ثم أخذ مفتاحًا من جيبه، وسار إلى باب الحديقة ففتحه ودخل، واجتاز رواقًا فيها إلى باب المنزل، فأخرج مفتاحًا آخر من جيبه وفتحه.

كان الظلام شديدًا ولديه علبة من الكبريت الشمعي، فانكشف له على نورها سلم فُرِشَ فوق درجاته بساط ضيق، وصعد على هذه الدرجات، فكان البساط يُخْفِي صوت وقع أقدامه حتى انتهى إلى آخر السلم، فوصل إلى الرواق ورأى في آخر الرواق نورًا، فأطفأ شمعته، ومشى مخففًا وطأه كما يمشي اللصوص، وهو يسترشد بهذا النور.

ولما وصل إلى حيث ينبعث النور رأى غرفة نصف بابها الأعلى من الزجاج، فقال في نفسه: هذه غرفة رقادها فلنرَ.

وعند ذلك مشى إلى الباب بملء الحذر، ونظر من زجاجه إلى داخل الغرفة، فلم يكد نظره يستقر حتى وقف شعر رأسه، وانصبَّ العرق البارد من جبهته، ووقف الريق في حلقه، وانقلب إلى الوراء وقد صاح صيحة رعب بصوت مختنق.

ذلك أنه رأى هذه الغرفة مفروشة بالأثاث الأسود كغرف الأموات، ورأى في وسطها سريرًا فوقه جثة، وأمام هذا السرير امرأة واقفة تنظر إلى الجثة والدموع تنهمل من عينيها.

أما المرأة فكانت البستانية الحسناء، وأما الجثة فكانت جثة رجل عرفه مريون حالًا، إنه المركيز غوستاف دي مورفر الذي اختفى منذ عام، وذهبت مباحث البوليس وأهله أدراج الرياح بعد أن بحثوا عنه عامًا كاملًا في جميع أنحاء الأرض.

٣

ولم يكن مريون قد أغمي عليه حين سقوطه، ولكنه كان قد أصيب بشلل في جسمه وعقله لهَوْل ما رآه، فلم تعد ساقاه تحملانه، وانعقد لسانه، ولم يعد يستطيع الوقوف بعد سقوطه.

ثم رأى أن الباب قد فُتِحَ، وخرجت منه تلك الفتاة التي رآها واقفة أمام جثة المركيز، ولم تكن تبكي، بل كانت عيناها تتقدان كالجمر، وكانت صفراء الوجه مضطربة الأعصاب تدل هيئتها على الغضب الشديد؛ حتى إن جمالها قد استحال إلى قبح، وكاد مريون ينكرها.

فدنت منه، وقالت له بلهجة الأمر: قم.

فنهض مريون لفوره، وقد أَثَرَّت به نظراتها النارية أشد تأثير، فأخذت يده وجذبته إلى تلك الغرفة السوداء وهي تقول: ما زلت تريد فادْنُ وانْظُرْ.

وكانت تجذبه إلى الغرفة بعنف وتعيد عليه هذا القول بلهجة التهكم، فما مرَّ بهذا الفتى ساعة رعب أشد من هذه الساعة، فأدار وجهه ولم يستطع أن يرى، فجذبته أيضًا إلى الشموع المُوْقَدَة حول الجثة، وقالت له: قلت لك انظرْ. ألم تأتِ إلى هنا كي تقف على أسراري؟

فنظر مريون عند ذلك إلى الجثة والرعب ملء فؤاده، فأيقن أنها جثة المركيز، ورأى أن هذا المركيز لا يزال بملابسه التي كان يلبسها يوم اختفائه، ولكن صدرته كانت مفقودة، وقميصه مفتوح يكشف عن صدره، فرأى في ذلك الصدر جرحًا فوق الثدي الأيسر، ورأى الدم عليه، فلم يدر إذا كان أصيب بخنجر فمات غدرًا واغتيالًا، أو أصيب بسيف فمات موت الأشراف.

وكان يرى من أثر الدم وهيئة الوجه أن المركيز لم يمت إلا منذ بضع ساعات، فكيف اتفق ذلك والبوليس يفتش عنه منذ عام؟! وماذا حدث لهذا المركيز في مدة سنتين كاملتين، وهو لم يقتل إلا منذ ساعات؟! إن ذلك مما تحار في إدراك كُنْهِهِ العقول.

وكان ينظر إلى جثة المركيز مورفر والبستانية الحسناء واقفة بالقرب منه تقذف من عينيها لهبًا، وتقول لمريون بلهجة المتهكم: ما بالك خائفًا؟! ولماذا لا تدقق النظر؟!

فكانت أسنانه تصطك من الرعب، وقد خاف من هذه المرأة الحية أكثر مما خاف من ذلك الرجل الميت.

ثم أخذت يده فجأة وهزته بعنف ونظرت إليه نظرة هائلة، فقالت له: والآن أصْغِ إليَّ …

فحاول مريون أن يتكلم فتلجلج لسانه وتَمْتَمَ بعض كلمات لا معنى لها، فقالت له: قلت لك أصْغِ إليَّ، فإنك تأتي كل يوم إلى منزلي منذ شهر بحجة شراء الزهور، ثم لم ترَ ميلًا مني إليك، فأغويتَ أحد خدمي، وتمكنت بفضله من الوصول إلى هذا المكان، وكنت تحسب أنكَ آتٍ لترى امرأة حسناء تهواها فوجدت جثة قتيل، هل شَفَتْك هذه الجثة من ذاك الغرام؟!

ولما رأت أنه لم يجبها بحرف قالت له: أُشفق عليك؛ لأنك لا تزال في مقتبل العمر وغرور الصبا، ولو لم أكن آليتُ على نفسي أن لا أسفك دمًا بشريًّا إلا في سبيل الدفاع، لما كنت الآن في عداد الأحياء، فإذا شئت أن تحيا سعيدًا وتبلغ سن الكهولة فأقسم لي بهذه الجثة أنك لا تبوح بحرف مما رأيت.

فكان مريون يرتجف ويضطرب دون أن يجيب، فهزته هزًّا عنيفًا دل على شدة أعصابها، وقالت له بلهجة التوعد: قلت لك: أقسم بهذه الجثة!

فخُيِّلَ لمريون من لهجتها أن حياته بين أيديها، وأنها إذا فاهت بكلمة بات من الأموات، وكان فتى لم يتجاوز العشرين من عمره، فزاد اضطرابًا، ولكنه لم يقسم، فهزَّته مرة ثالثة، ونظرت إليه نظرة هائلة تبين منها صدق وعيدها، وقالت له: قلتُ لك أقسم …

فوضع مريون يده مكرهًا فوق الجثة، وقال بصوت مختنق: أقسم على الكتمان.

وعند ذاك أُطفئت جميع الأنوار بغتة، كأنما يدًا سحرية أطفأتها، وساد الظلام في تلك الغرفة، فأوشك مريون أن يُجَنَّ من رعبه لما هَالهُ من هذه الأسرار، ثم شعر أن يدها مسكت يده، وسمعها تقول له: اتبعني؛ فتبعها وهو لا يعرف أين يسير حتى وصلت إلى سلم، فنزلت أمامه وهي تقوده كما يُقاد العميان، ولما بلغت آخر السلم فتحت بابًا، وأخرجت مريون، وعادت فأقفلت الباب.

وكان هذا الباب موصلًا إلى الحديقة، فلم يمشِ مريون خطوتين حتى شعر أن قواه قد تلاشت، فسقط مَغْمِيًّا عليه لا يعي شيئًا.

٤

بعد ذاك بمدة ٤٨ ساعة كان أعضاء نادي كريفيس مضطربين اضطرابًا عظيمًا، فإنهم لم يروا مريون ولا رفاقه الأربعة منذ يومين، فسهروا ليلتهم بطولها منتظرين قدوم واحد منهم يخبرهم بما جرى، فلم يحضر أحد.

وكان أحد الأعضاء ذهب إلى منزل مريون ومونتيجرون وبقية الرفاق، فأجابه البوابون أنهم لم يعودوا إلى منازلهم منذ ليلتين.

وطال تحدثهم في سبب اختفائهم، فقال أحد الأعضاء: أرى أن هؤلاء المجانين قد أصيبوا بمكروه، فإني ضعيف الثقة بجسارة وشجاعة مريون، وعندي أن لهذه المرأة التي ذهب إليها زوجًا أو عشيقًا، وأن هذا العاشق ألقى مريون من نافذة المنزل حين دخوله إليه.

فقال أحدهم: إن ذلك ممكن الحدوث.

وقال آخر: إنهم إذا ألقوه من الشباك لا يموت، إن للعشاق وللسكارى إلهًا يحرسهم، فإذا صح ذلك فقد يكون أصيب بجرح أو برِضُوْضٍ فنقل إلى أحد المنازل المجاورة، ولكن ماذا حدث لرفاقه الأربعة كما تعلمون؟

فقال أحدهم: إن معظم سكان شارع بلفي من الأسافل، فقد يتفق أنهم أساءوا إليهم، أو جرى بينهم خصام فشوهوا وجوههم، وخجلوا أن يظهروا أمامنا بمظاهر الخذلان.

وعند ذلك سمعوا صوتًا يقول: لقد أخطأت أيها الصديق، فالتفتوا وصاحوا جميعهم: هو ذا مونتيجرون!

أما مونتيجرون، فقد قال لهم: لقد أخطأتم أيها الأصحاب، فإن أهل بلفي لم يشوهوا وجوهنا، ولم يسيئوا إلينا كما ظننتم …

– ومريون ماذا جرى له؟!

– إنه مجنون.

– ألعله جن جنون غرام؟

– كلا، بل إنه جُنَّ جنونًا مطبقًا، وأرجو أن لا تضحكوا أيها السادة، فإني لا أقول ما أقوله على سبيل المزاح، بل هي الحقيقة بعينها، وأوردها لكم بملء الأسف.

فانكمشت نفوسهم، وبدت على وجوههم علائم الحزن، وجعل مونتيجرون يحدثهم بما جرى لهم، وأخبرهم كيف ذهبوا إلى منزل البستانية الحسناء، وكيف دخل مريون وحده إلى ذلك، ثم أخبرهم كيف أن النور انطفأ بعد أن دخل بنصف ساعة دون أن يسمعوا صوت استغاثة؛ فقلنا: لقد فاز مريون فيما أراد، وإن هذه الحسناء كانت تخدعه بمظاهر نفورها للاستزادة من هيامه لما رأت من حداثة سنه.

وعزمنا عند ذلك على الرحيل، لكني أردت قبل ذلك أن أخبر الخادم أننا عدنا إلى شئوننا؛ كي يخبر مريون بانصرافنا عند انصرافه.

وكان باب الحديقة مفتوحًا، فدخلت إليها ومشيت إلى الباب، ولكني ما سرت بضع خطوات حتى عثرت بجسم ملقى على الأرض، فنظرت وإذا هذا الجسم جسم صديقنا مريون وهو بلا حراك.

فصِحْتُ عند ذلك صيحة رعب، وأسرع الرفاق إلي حين سمعوا صياحي، ووجدنا مريون مَغْميًّا عليه، ولم يكن في جسمه أثر جرح أو رضوض، فأُشْكِلَ علينا سبب هذا الإغماء، وخطر لنا أن نطرق باب هذه المرأة، وأن نكسره إذا أبت أن تفتح لنا، غير أن الحكمة تغلبت على حدتنا لحسن الحظ، فقلنا: يجب أن نهتم بصديقنا قبل كل شيء، ثم نعلم منه بعد أن يستفيق علة هذا الإغماء، فننهج في أعمالنا مناهج الحكمة، وفوق ذلك فإنه هو الذي أساء إلى نفسه بدخوله إلى منازل الناس في ظلام الليل دخول اللصوص، وإذا دخلنا دخوله عرضنا أنفسنا للأخطار.

واستقر رأينا أن نخرج مريون من الحديقة، فحملناه وخرجنا به إلى الشارع، ففعلنا كل ما استطعناه، ولم نتمكن من أن نرجع إليه هداه، ولو لم نكن نشعر بدقات نبضه الضعيف لحكمنا أنه من الأموات.

وكان الفجر أوشك أن يلوح، وخشينا أن يرانا أحد من البساتين، فيقف البوليس على أمورنا، فحملنا مريون إلى المركبة، وسرنا به إلى فندق الرأس الأسود، ووضعناه فوق سرير، واستدعينا له طبيبًا، فأقام ساعة يعالجه بالدعك وشم الأرواح المنعشة حتى فتح عينيه، وجمد الدم في عروقنا؛ لأنه جعل ينظر إلينا نظرًا تائهًا ولم يعرف أحدًا منا.

وكانت أسنانه تصطك من الرعب، وبلغ منه الهذيان شر مبلغ، ثم جعل يبكي ويضحك في حين واحد ويقول: إياكم أن تذهبوا إليها.

ودام هذيانه متصلًا إلى مساء أمس، فخف ما به، وعادت إليه السكينة، وكنا لا نزال حول سريره، وعرفنا جميعنا، ودنوت منه عند ذلك، وحاولت أن أسأله عما جرى له، فعاد إليه رعبه القديم وقال: احذروا من الذهاب إليها.

– سنمتثل، لكن قل لنا على الأقل ماذا جرى لك …

– لا أستطيع أن أقول شيئًا، لقد أقسمت يمينًا محرمة …

ثم عاد إليه الهذيان، ولم يعد يحدثنا بشيء.

وجاء الطبيب ففحصه فحصًا مدققًا، وقال: إنه مجنون، وأخشى ألا يُشْفَى من هذا الجنون.

وقاطع أحد الأعضاء مونتيجرون، وقال له: أظن أنكم أبلغتم البوليس بما جرى.

فهز مونتيجرون كتفيه، وقال: إن من يعمل ما عملناه، ويدخل البيوت كما دخل إليها مريون لا يسعه الافتخار بعمله، ولا ينظر البوليس إلى عمله نظرة استحسان.

– هو ما تقول، ولكن لا بد أن يكون في هذا المنزل سر هائل ذهب بصواب مريون، ويحسن الوقوف على هذا السر.

– وأنا أرى رأيك، ولكني أقسمت أن أكتشف هذا السر بنفسي قبل البوليس، وأن أدخل منزل البستانية الحسناء بالرضا أو بالعنف مهما كابدت في هذا السبيل من الأخطار.

– أتقضي هذه المهمة وحدك؟

– كلا، بل يصحبني من يريد منكم، لكني لا أقبل غير واحد.

فأقبل كل واحد منهم يقول: أنا لها، حتى اضطروا إلى الاقتراع، فأصابت القرعة ذلك العضو الجديد الذي يدعى كازمير، فدنا من مونتيجرون وسأله: متى تريد أن أذهب إلى هذه السيدة؟

– الآن فإن مركبتي تنتظرني عند باب النادي.

وقال لهم: أستحلفكم بالشرف أيها الأصدقاء أن تكتموا هذا الأمر كل الكتمان إلى أن أعود.

فأقسم له الجميع كما طلب، وخرج لفوره مع كازمير إلى النادي.

٥

وكانت هذه الحادثة قد أهاجت فضول مونتيجرون، فعزم على اكتشاف سر الحسناء غير مكترث لما هنالك من الأخطار، ورأى أن رفاقه الثلاثة الذين ذهبوا مع مريون قد ذعروا ذعرًا شديدًا لما رأوه من جنونه، فلم يكاشفهم بقصده، ولكنه أخذ مِفْتَاحَي: الحديقة ومنزل البستانية، وذهب إلى النادي؛ كي يختار رفيقًا له في هذه الرحلة، فأصابت القرعة كازمير كما تقدم.

وخرج وإياه، فركبا المركبة التي كانت تنتظره، وسلحه بخنجر، فسارت بهما المركبة حتى بلغت إلى ذلك المنزل.

وكانت السكينة سائدة والمصباح ينير في نافذة الغرفة كما كان في تلك الليلة، وأخذ مونتيجرون أحد المفتاحين من جيبه، ففتح باب الحديقة، وقال لكازمير: اتبعني، فتبعه وسار بين الأشجار مائة خطوة، فرأى مونتيجرون شبحًا أسود يدنو منه، فهمس في أذن صاحبه وقال له: انتبه.

ووضع يده على قبضة خنجره.

أما الشبح الأسود فإنه ما برح يتقدم حتى تبين لمونتيجرون أنه رجل، ثم سمع صوت هذا الرجل يقول: مَنْ هُنَا؟

فلم يجب، فدنا الشخص أيضًا ورأى مونتيجرون وكازمير، فقال لهما: مَنْ أنتما؟

فانقض عليه مونتيجرون فجأة انقضاض الصاعقة، وضغط على عنقه حتى كاد يخنقه، وهو يقول: إذا فُهْتَ بكلمة فأنت من الهالكين.

فذُعِرَ الرجل وقال بصوت مختنق: رحماكم لا تقتلوني إذا كنتم من اللصوص.

– إني أعرف كثيرًا من الخدم يقتصدون.

– ولكني أقسم لك بكل مقدس إني لست منهم.

غير أن اضطراب صوته كان يدل على أنه كاذب في ادعائه الفقر.

وذكر مونتيجرون أن صديقه مريون قد رشاه بمائة دينار مقابل إعطائه المفتاحين، فقال له: إذا لم يكن لديك غير المائة دينار التي أخذتها من مريون لكفى.

فاضطرب الخادم وقال: أتعرف هذا؟

– بلا ريب، والبرهان أني فتحت باب الحديقة بالمفتاح الذي بعته إياه.

وغير الخادم خطته للفور، وزالت عنه آثار الرعب فقال: أسألك العفو يا سيدي، لقد حسبتك قبلًا من اللصوص، ولكني أرى سيدي من النبلاء.

– إذن علمت السبب في مجيئي إلى المنزل.

– علمت بعض الشيء …

– إذن اجمع حواسك واستشر نفسك.

– ماذا يريد سيدي؟

– أريد أن أخيرك بين أمرين، إما ضربة خنجر أو مائة دينار.

– لا شك أن سيدي يمزح؛ لأنه يعلم يقينًا أن المائة دينار خير من طعنة خنجر …

– أتختار المال؟

– بلا ريب …

– إذن تكلم …

– ماذا يريد سيدي معرفته؟

فمد مونتيجرون يده إلى النافذة التي يشع فيها النور، وقال له: ماذا يوجد فوق؟

فأجاب الخادم بصوت يضطرب: إني يا سيدي أب لخمسة أولاد لا مُعِيْن لهم إلاي، وقد بِعْتُ المفتاح إلى المسيو مريون فنهج مناهج المجانين، أما أنت يا سيدي فيظهر أنك من العقلاء، فإذا أسديتك نصيحة رجوت أن تعمل بها وتقبل نصحي.

– ما هي هذه النصيحة؟

– هي يا سيدي أن تعود إلى منزلك، فإن الليلة باردة والضباب كثيف، وأخشى عليك من الزكام.

فغضب مونتيجرون وقال: ويحك أيها الشقي، أهذا وقت المزاح والحديث عن الطقس؟! قل لي ما أسألك عنه أو أقتلك شر قتل، ثم عاد إلى الضغط على عنقه وإنذاره بالخنجر.

فلما شعر الخادم بوخز الخنجر عاد إليه ذعره، فقال: ليسألني سيدي عما يشاء أجبه.

– لمن هذا المنزل؟

– للسيدة.

– من هي هذه السيدة؟

– ليس هنا من يعرف اسمها، فإن جميع أهل الشارع يدعونها البستانية الحسناء …

– كم بقي لها هنا؟

– عامين …

– من أين أنت؟

– لا أعلم …

وكانت لهجة الخادم تدل على الصدق، فأشار مونتيجرون بيده إلى النافذة التي ينبعث منها النور وسأله: أهذه هي الغرفة التي تبيت فيها تلك السيدة؟

– أظنها غرفتها.

– كيف تظن؟

– ذلك لأني لم أصعد إلى الدور العلوي من هذا المنزل، ولم يصعد إليه أحد غيري من الخدم أو العمال، الذين يشتغلون عند سيدتي في النهار، وكل ما أستطيع أن أقوله لك هو أن شارل مرسيه بات من المجانين.

– من هو شارل مرسيه هذا؟!

– هو فتى من فتيان باريس تَوَلَّهَ بحب سيدتي، فجاء وتسلق جدار الحديقة، ثم أسند سلمًا إلى جدار المنزل، وتسلق درجاته إلى هذه النافذة التي ترى النور ينبعث منها.

– وماذا جرى له؟ ألعلها ألقته من السلم؟

– كلا، ولكنه نزل من تلقاء نفسه، وقد جمد الدم في عروقه، ووقف وجحظت عيناه، فجُنَّ لساعته، ولا يزال مجنونًا إلى الآن.

– ولكن ماذا رأى في تلك النافذة؟

– لا أعلم، لكن سيدي يحسن عملًا إذا عاد من حيث أتى.

– كلا، إن ذلك لا يكون.

– إذن ألا تزال مصرًّا على الدخول إلى المنزل؟

– دون شك، ويجب عليك أن تكون في مكانك، والويل لك إذا خطر لك أن تتبعني.

– لا خطر علي يا سيدي، فإني لا أجسر على الدخول إلى هذا المنزل.

– إذا وجدتك في مكانك بعد أن أعود أعطيتك مائة دينار.

– ستجدني إن شاء الله جالسًا تحت هذه الشجرة في انتظارك.

وقد كان خطر لمونتيجرون أن يبقي كازمير في الحديقة حارسًا على الخادم، غير أن كازمير أبى إلا أن يدخل وإياه، ففتح مونتيجرون باب المنزل، ودخل يتبعه كازمير كما دخل مريون منذ ليلتين، ثم أقفل الباب من الداخل، ووضع الزلاج؛ كي يأمن دخول الخادم في أثرهما، وصعد درجات السلم إلى الدور العلوي، حتى انتهيا منه إلى ذلك الباب الزجاجي، فأطل منه ونظر من خلال زجاجه فذعر ذعرًا شديدًا؛ لأنه رأى نفس ما رآه مريون؛ أي جثة المركيز دي مورفر، ولكن البستانية الحسناء لم تكن في تلك الغرفة السوداء.

ورأى كازمير ما كان من اضطراب رفيقه، فدنا من الباب وصاح صيحة رعب حين رأى تلك الجثة، فشد مونتيجرون على يده، وقال اسكت: وكان مونتيجرون شجاع القلب، فلم تمر به بضع ثوان حتى عادت إليه سكينته، فتَفَرَّس بالجثة مليًّا، ثم همس في أذن رفيقه، وقال: لقد عرفت الآن السبب في جنون مريون؛ فإنه رأى هذه الجثة، وعرف أنها جثة المركيز دي مورفر، ونحن الآن لم نكتشف سرًّا، بل اكتشفنا جريمة هائلة، ويجب أن نستقصي إلى النهاية.

وكان الباب الزجاجي مقفلًا، فحاول أن يفتحه فلم ينجح، فقال: مهما يكن من النتيجة، فلا بد لي من الاستقصاء إلى النهاية.

ثم رفس الباب بشدة، فتحطم زجاجه وفتح.

غير أنه حدث عند ذلك ما يشبه السحر، فإن الشموع التي كانت موقدة حول الجثة أُطفئت فجأة، وساد في تلك الغرفة ظلام مخيف.

ولم يبال مونتيجرون بما حدث، فجَرَّدَ خنجره، وقال لرفيقه: جَرِّدْ خنجرك، ثم تأبط ذراعه، ومشى الاثنان إلى الجثة، لكنهما لم يمشيا خطوتين حتى صاح مونتيجرون صيحة منكرة؛ ذلك أن الأرض قد هبطت تحت قدميه فسقط مع رفيقه في هوة لم يرها.

٦

وشتم مونتيجرون شتمًا قبيحًا، وقال بصوت جلي يدل على أنه لم يسقط من علو شاهق: ما هذه الأسرار التي تكتنفنا في عالم السحر؟!

فأجابه كازمير وقد سقط بالقرب منه: بل نحن في حكايات ألف ليلة وليلة.

مونتيجرون: أأصبت بكسر أو رَضٍّ؟

– كلا فإني سليم وأنت؟

– وأنا أيضًا.

– ولكن أين نحن ومن أين سقطنا؟

– لا أعلم، ولكننا سنعلم، ثم فتش في جيوبه فوجد علبة كبريت، فأنار عودًا منها، ونظر مع رفيقه إلى ما حواليه، فوجد كثيرًا من الأواني مرصوفًا بعضها قرب بعض قد زرعت فيها الأزهار الشتوية، ثم رأى مستوقدًا ووجد فوقه شمعة قد ذاب نصفها، فأسرع إليها وأنارها، وجعل الاثنان ينظران بجلاء إلى المحل الذي سقطا فيه، فوجدا أنهما في غرفة تشبه الحديقة، وفيها أزهار غريبة لا توجد في أوروبا.

ثم نظرا إلى السقف الذي هبطا منه، فوجدا أن أرض الغرفة العليا التي خسفت بهما كانت من الخشب، وأنها كانت شبه باب يفتح بلولب سري، فلما أدير اللولب فتح الباب إلى الجهة السفلى فسقطا.

وجعل يفحص الغرفة والحديقة، فوجد فيها بابًا متينًا لا يمكن فتحه إلا بمفتاحه أو بالآلات الضخمة، ونافذة لم يهتدِ إلى طريقة فتحها، فخطر له أن يكسر برغيًا من براغيها، ثم يعالج رواقدها الخشبية بخنجره فيكسرها، ويفر منها إلى الحديقة الكبرى.

غير أنه وجد بعد الفحص أن هذه النافذة من الحديد، وأنها كانت مدهونة بلون الخشب، فلم يبقَ لديه غير رجاء كسر البرغي.

ثم خطر له أن يرجع كما سقط؛ لأنه رأى طاولة فوضعها قرب الجدار وصعد فوقها، ومد يده فلم تبلغ السقف، وكان الجدار مصقولًا فلا سبيل إلى تسلقه، فلم يجد منفذًا للخلاص إلا بكسر البرغي، فأخذ خنجره — وكان كازمير ينير له — وحاول كسر البرغي فانكسر الخنجر، فاستعمل خنجر كازمير فانكسر أيضًا، فقال: لا سبيل إلى كسره إلا بمبرد، ومن أين نجيء به في هذا السجن؟!

ففطن كازمير أن لديه مدية ذات شفرات كثيرة وأن إحدى شفراتها مبرد، فعرضها على مونتيجرون؛ فسر بها سرورًا عظيمًا، وأخذ يبرد البرغي بصبر عجيب.

وكان كازمير يحمل الشمعة، فقال لرفيقه: إن نورها لا يدوم أكثر من نصف ساعة، فقد التهب معظمها.

– لا حاجة لي بها الآن فأطفئها، ومتى أتممت كسر البرغي عد إلى إنارتها، فأطفأها كازمير، وعاد مونتيجرون إلى كسر البرغي.

ولبث على ذلك نحو ربع ساعة، وعلائم الفوز تبدو له كلما اشتغل حتى أوشك أن يفوز بمرامه، فقال له كازمير: ألا تشعر بما أشعر به؛ فإني أشعر بدوار عظيم؟

– كلا، وربما كان ذلك من رائحة الأزهار، فتجلد فإن الفوز قريب.

فجلس كازمير على إحدى أواني الزهر، وقد زاد دوار رأسه فلم يستطع الوقوف، وجعل مونتيجرون يبرد البرغي، فلم تمر به هنيهة حتى شعر هو أيضًا بنفس الدوار، فقال: لقد أصبت يا كازمير فقد أصابني ما أصابك، فإني أشعر أن الأرض تدور بي.

فلم يجبه كازمير بحرف، فخاف مونتيجرون وسقطت المدية من يده، وقال لكازمير: أنرْ الشمعة فإني لا أرى شيئًا في هذا الظلام، فلم يجبه أحد؛ فأيقن أن رفيقه قد فقد الحس، ومشى في تلك الغرفة يبحث عنه، فعثر به وسقط فوقه، فجعل يصيح صياح المختنق، ثم حاول أن ينهض، فلم يستفق، ثم أطبقت عيناه فلم يعد يشعر بشيء.

وعند ذلك فُتِحَ باب سري في تلك الغرفة لم يكن مونتيجرون وكازمير قد اهتديا إليه، ودخل منه رجل وامرأة: أما المرأة فقد كانت مقنعة، ولكن مونتيجرون لو رآها لعلم أنها البستانية الحسناء، وأما الرجل فقد كان ذلك الخادم الذي لقيه مونتيجرون في الحديقة منذ ساعة وحذره من أن يتبعه.

فقال الخادم للبستانية: إننا لو تركناهما في هذه الغرفة يا سيدتي لما استفاقا إلى الأبد.

– كلا، فإني أقسمت أن لا أسفك دمًا بشريًّا إلا حين الاضطرار، فقل هل أعددت المركبة؟

– نعم فإنها عند الباب منذ ربع ساعة.

– احضر ورفيقك، واحمل هذين المجنونين إلى أحد شوارع باريس المقفرة، فإنهما إذا تنشقا الهواء المطلق يستفيقان من هذا الإغماء.

– إذا لم تحذري يا سيدتي، فإن فجيع ما تجريه لا ينتهي بسلام، فهزت كتفيها وقالت له بلهجة الآمر: اصدعْ بما أمرت.

ثم تركته وانصرفت، فأمر الخادم رفيقه فحملوا مونتيجرون وكازمير، وخرجوا بهما إلى المركبة التي كانت واقفة عند باب الحديقة.

٧

بعد ذلك بيومين كان رئيس البوليس السري جالسًا في مكتبه في الساعة الثامنة من الصباح، وهو منهمك في تلاوة كثير من الرسائل التي وردت إليه في ذلك اليوم، وكلها مكتوبة بالأرقام الاصطلاحية، وهو رجل حاد البصر تدل هيئته أنه خُلِقَ لهذه المهمة، وهو يُدْعَى: المسيو ليبرافيه.

وكانت الحكومة تثق به ثقة شديدة؛ لما أظهره من الحذق في الأعمال الخطيرة الدالة على مهارته، فلما أنشأت قلم البوليس السري — وهو حديث العهد في فرنسا — عهدت إليه برئاسة هذا القلم؛ فحقق الظن به.

غير أنه من يوم توليه هذا المنصب الدقيق لم يرد عليه مشكلة أصعب من مشكلة اختفاء المركيز دي مورفر، فإنه لم يدع محلًّا في باريس لم ينقبه، وأرسل عماله السريين إلى جميع أقطار الدنيا، فلم يعلم شيئًا من أمر هذا الاختفاء الغريب إلى أن قنط من إيجاده فترك البحث عنه، ولكن دلائل الهم كانت بادية عليه لما أصابه من الفشل في هذه المهمة.

وفيما هو منهمك في تلاوة التقارير السرية إذ دخل إليه حاجب بابه، وأعطاه رقعة زيارة مكتوبًا عليها اسم الفيكونت دي مونتيجرون، وقال له: إن صاحب هذه الرقعة يا سيدي يرجو أن تأذن له بمقابلتك.

– ليصبر قليلًا.

– إنه يلح يا سيدي بالدخول، ويقول: إن الأمر خطير.

فانتهره الرئيس وقال: قل له أن يصبر إلى أن أفرغ مما أنا فيه.

فخرج الخادم وعاد رئيس البوليس إلى مطالعة التقارير.

وقد رأى بين هذه الرسائل المكدسة على طاولته رسالة عَلِمَ من طابع غلافها أنها من لندرا، ورأى في زاوية من زوايا الغلاف علامة سرية؛ فارتعش وأسرع إلى فض هذا الغلاف، فسقطت منه صورة فوتوغرافية ما لبث أن تبينها حتى قال بلهجة الدهش: هذا هو بعينه!

وكان هذا الرسم يمثل رجلًا في الثلاثين من عمره، بل يمثل جثة رجل جالس على كرسي، وقد مال رأسه إلى كتفه الأيسر، وفوق ثديه الأيسر طعنة خنجر أو سيف …

ففتح رئيس البوليس درجًا، وأخرج منه رسمًا شمسيًّا يمثل رجلًا واقفًا حاملًا قبعته وآثار الصحة بادية عليه، ثم جعل يقابل بين الرسمين، فرأى أنهما واحد وأن كليهما يمثلان المركيز دي مورفر، فوضع الرسمين على الطاولة، وأخذ الرسالة المرسلة من لندرا، فتلا فيها ما يأتي:

إن هذه الجثة التي أرسلت إليك رسمًا في طي هذا الكتاب وُجِدَتْ أمس في خمارة الملك جورج، في وينغ، وهذه الناحية من شر النواحي في لندرا.

وصاحب الخمارة يُدعى كالكراف، كما يُدعى الجلَّاد في لندرا، ويقال: إنه ابن عمه، وللخمارة شهرة غريبة يخافها الناس خوفًا شديدًا؛ حتى إن البوليس يخافها ولا يجسر على الدخول إليها بعد منتصف الليل، وقد اتفق مرات كثيرة أن البوليس كان يدخل إليها فلا يخرج منها؛ لذلك لم يكتشفوا هذه الجثة إلا بما أذاعه صاحب الخمارة، وهذا ما قاله: كان رجل فرنسي نجهل اسمه يأتي كل ليلة إلى هذه الخمارة، وتصحبه امرأة إرلندية، وافرة الجمال، وكان ينفق معها جانبًا من الليل في تلك الخمارة على معاقرة الشراب.

ولم يكن يُكلِّم أحدًا ولا يسيء إلى أحد، ولم يروه مرة في حالة سكر، ولكنه كان مفتونًا بتلك الإرلندية.

ومن الغرائب أن تلك المرأة كانت ترتدي ثيابًا تدل على الفقر، في حين أنه كان يرتدي خير الثياب، وينفق في تلك الخمارة بملء السخاء، فلم يدفع غير الذهب.

ففي ليلة أول أمس (كما يقول صاحب الخمارة) تخاصم الرجل الفرنسي والمرأة الإرلندية فجأة، فطعنته بخنجر، وقد حاول صاحب الخمارة أن يقبض عليها، غير أنه كان يوجد كثير من البحارة، فحالوا دون قصده، وساعدوها على الفرار.

هذا ما رواه صاحب الخمارة إلى بوليس تلك الناحية، فأخبرني البوليس وذهبت إلى الخمارة فرأيت الجثة، وعرفت في الحال أنها جثة غوستاف دي مورفر الذي نبحث عنه منذ عهد بعيد، ومع ذلك فقد رأيت أن أصوره وأرسل إليك الرسم وأكتب لك أيضًا عما أعلمه.

مانويل

ولما فرغ رئيس الشرطة من قراءة هذا التقرير دخل الحاجب أيضًا، وقال: إن الفيكونت مونتيجرون يا سيدي يقول: إن لديه أمورًا خطيرة خاصة بالمركيز دي مورفر يجب أن يطلعك عليها.

فاهتز الرئيس حين سمع هذا الاسم، وقال: ليدخل في الحال.

ثم وضع الرسم طي التقرير، وخبأه في الدرج.

وعند ذلك دخل مونتيجرون، فأحسن استقباله وسأله عما يعلم، فقال له: إني يا سيدي كنت من أصدقاء المركيز دي مورفر الذي نبحث عنه منذ عام دون أن نجده.

غير أني عرفت باتفاق غريب أن صديقي قد مات مقتولًا، وقد رأيت جثته بعيني منذ ٤٨ ساعة.

فقال له الرئيس: ألعلك قادم يا سيدي الفيكونت من لندرا؟

– كلا، فإني لم أبرح باريس …

– ورأيت جثة المركيز دي مورفر؟

– نعم …

– متى؟

– منذ ٤٨ ساعة كما قلت لك …

– أين؟

– على مسافة مرحلتين من باريس في بيت كائن في الخلاء.

فاضطرب الرئيس ثم فتح درجه، وأخرج الرسم الذي جاء من لندرا، فعرضه على مونتيجرون وقال: أتعرف صاحب هذا الرسم؟

– هو هو بعينه، وقد رأيته في الحالة التي رسم فيها.

فنهض الرئيس نهضة الحائر، وقال: أسألك المعذرة يا سيدي الفيكونت، فإن ما ترويه لي يدعو إلى الجنون.

٨

وجعل كل منهما ينظر إلى الآخر منذهلًا، فيقول الرئيس: ما هذه الحكاية التي يرويها الفيكونت؟! ويقول مونتيجرون: لماذا يدعو سرد روايتي إلى جنون رئيس الشرطة؟ إلى أن افتتح مونتيجرون الحديث، فقال: أرى أن الشرطة قد زارت هذا المنزل بينما كنت مَغْميًّا علي لاختناقي برائحة الأزهار، ودليل ذلك أنه وجد الجثة وأخذ رسمها.

فقاطعه رئيس الشرطة فجأة، وقال: لم أرسل أحدًا إلى هذا الشارع، ولم يكبس أحد هذا المنزل، ولم أفهم كلمة مما تقول.

فتراجع مونتيجرون مبهوتًا، وقال: إذا كنت يا سيدي لم تجد الجثة كما تقول، فكيف وصل إليك رسمها؟!

فبهت رئيس البوليس ونظر إليه نظر الفاحص، وقال: إني لا أرى مع ذلك عليك شيئًا من دلائل الجنون.

– كلا والحمد لله لست من المجانين.

– ولا أنا أيضًا.

– هذا ما أرجوه لك.

– ولكني أرى أننا كلانا من المجانين.

– كيف ذلك يا سيدي؟!

– تقول: إنك رأيت جثة المركيز دي مورفر؟

– نعم.

– في بلفي قرب باريس؟

– نعم.

– من هي صاحبة المنزل؟

– هي امرأة يدعونها البستانية الحسناء، ولا يعرفون لها غير هذا الاسم.

– وهذه الجثة؟

– هي نفس الجثة التي يمثلها الرسم، وقد رأيت الجرح بعيني فوق الثدي الأيسر.

فجمع رئيس البوليس هداه، وقال له: لنفرض يا سيدي الفيكونت أنني لم أقل شيئًا، فلا تهتم لكلامي ولا لانذهالي، بل قُصَّ عليَّ جميع ما اتفق لك بالتفصيل.

فحكى له عند ذلك مونتيجرون جميع ما حدث من غرام مرتون بالبستانية الحسناء، وما أصيب به من الجنون، ثم قص عليه ذهابه إلى ذلك المنزل مع كازمير إلى أن هبط به سقف الغرفة، وأغمي عليه وعلى رفيقه من رائحة الأزهار، وأنه حين استفاق من إغمائه وجد نفسه في منزله على سريره والطبيب واقف يعالجه، فعلم أن البوليس لقيه في شارع مقفر مع رفيقه مَغْمًّا عليهما، ففتش جيوبهما وعرفهما من رقاع الزيارة، فحملهما إلى منزلهما، ثم قال له: إني أقمت في منزلي إلى المساء، وزارني صديقي كازمير، وأخبرني بما جرى له، فاتفقنا على أن نخبر البوليس بما كان، ولهذا أتيت إليك.

وكان الرئيس مصغيًا إليه كل الإصغاء، فلما أتم حديثه فتح الدرج وأخذ الرسالة التي وردت إليه من لندرا وعرضها على مونتيجرون.

ولما اطلع مونتيجرون على هذه الرسالة ذهل ذهولًا شديدًا، فقال له الرئيس: أرأيت يا سيدي؟! أيمكن أن تكون جثة المركيز في لندرا وباريس في وقت واحد؟!

– إني أقسم لك بشرفي إني رأيت جثة المركيز، كما هي ممثلة في هذه الصورة!

– حسنًا، ولكن هذه الصورة أما هي صورة المركيز؟!

– دون شك.

– تقول: إنك رأيت جثة المركيز؟

– نعم.

– أتذكر في أية ساعة؟

– عند منتصف الليل.

فوضع الرئيس إصبعه فوق أحد سطور الرسالة الواردة من لندرا، وقال له: اقرأ، ألم يقل عاملي إنه صوَّر الجثة ليلة أمس، ثم ألم تكن ليلة أول أمس ليلة الخميس؟!

فظهرت علائم الاضطراب على مونتيجرون، وقال: لا أعلم ما أقول! إلا إذا اتفق وجود رجل يشبه المركيز هذا الشبه بالوجه، والتقاطع، والثياب، وبالموت ميتة واحدة في ليلة واحدة بجرح في موضع واحد، لقد صدقت يا سيدي، لا شك أن واحدًا منا مصاب بالجنون.

– هذا ما أراه، ولكن قل لي أيضًا: أأنت واثق من أنك رأيت المركيز نفسه؟

– كل الوثوق.

فجعل كل منهما ينظر إلى الآخر، وهو لا يدري ما يقول.

وعند ذلك رنَّ صوت آلة تلغرافية كانت في غرفة رئيس البوليس، فقام الرئيس إلى الآلة، وعلم أن التلغراف وارد إليه من لندرا، إذ كان له سلك خاص يتصل من غرفته إلى تلك العاصمة، فحل رموزها، وهو كما يأتي:

لندرا: السبت في الساعة الثامنة صباحًا

نُقِلَتْ الجثة مساء أمس إلى المحل الذي يعرض فيه القتلى المجهولون، وكان يحرسها نفران من البوليس فشربا مخدرًا ممزوجًا بالتبغ وهما لا يعلمان فناما، وسرقت الجثة. التفاصيل بالبريد.

مانويل

فلما تلاها الرئيس عرضها على مونتيجرون، وقال له: اقرأ! ثم قال له بعد أن قرأها: إني أشتغل في مهنتي هذه منذ عشرين عامًا، فما وردت علي جناية أعقد من هذه الجناية!

فقال له مونتيجرون: ألا تنوي يا سيدي تفتيش هذا المنزل قبل أن يرد إليك كتاب عميلك؟!

– دون شك، وسأذهب وإياك في الحال، وما دام يوجد جثتان لا بد لنا أن نظفر بواحدة!

٩

بعد ذلك بساعتين كانت مركبته تجتاز شارع بلفي، فوقفت عند باب منزل البستانية الحسناء، فخرج منها المسيو ليبرفيه رئيس البوليس السري واثنان من رجال البوليس وهم متنكرون بالثياب الرسمية السوداء.

وكان وراء مركبتهم مركبة جميلة فيها مونتيجرون وصديقه كازمير.

فطرق الرئيس باب المنزل، وهو ينظر نظرة الفاحص إلى الحديقة المحيطة به، فوجد كثيرًا من العمال يشتغلون بقطف الأزهار وتنسيقها وجعلها طاقات معدة للبيع، وبينهم رجل ضخم الجثة يسير ذهابًا وإيابًا ويلقي عليهم الأوامر، فلم يرَ الرئيس في ظواهر هذا المنزل شيئًا يدل على الريبة.

فلما طرق الرئيس الباب أسرع إليه الرجل الضخم، ففتح الباب وحيَّا الرئيس وجماعته بملء الاحترام لاعتقاده أنهم من الزبائن.

فقال له الرئيس: إننا نريد أن نرى صاحبة المنزل.

– لا شك يا سيدي أنكم من زبائن مدام ليفيك.

فحفظ الرئيس هذا الاسم في ذاكرته، وقال: نعم إننا من زبائنها، ولكننا نحب أن نراها.

– عفوًا يا سيدي، ألعلك لم تضطلع على النشرة التي أذاعتها هذه الأرملة أمس؟! فإنها أعلنت انسحابها من الأعمال، وباعتني كل حدائقها، وتخلت لي عن هذا المنزل.

فقطب الرئيس حاجبيه، وقال: ماذا تُدْعَى أنت؟

– خادمك بوليدور كروسيجان.

– إذن أنت خلفت مدام ليفيك؟

– نعم يا سيدي.

– متى؟

– إن عقد الشراء قد تم بيننا منذ خمسة عشر يومًا، ولكني لم أستلم المنزل وحدائقه إلا أمس.

– ومدام ليفيك ألعلها باقية في المنزل؟

– كلا يا سيدي، فإنها برحته ليلة أول أمس إلى باريس، فإذا شئت أعطيناك عنوانها، فإنها تقيم في شارع تامبل نمرة ٦٩.

ثم تنهد لخيبة رجائه فيهم، إذ كان يعتقد أنهم قادمون لشراء الأزهار.

فتأبط الرئيس ذراعه وسار به إلى الحديقة، وقال له: أرى أنه يجب أن أخبرك من أنا، فإني أُدْعَى ليبرفيه؛ أي رئيس البوليس السري.

فارتعش بوليدور وقال بلهجة دلت على براءته: ماذا عملت يا سيدي؟ وأي شأن لي مع البوليس؟

– إني تبينت براءتك من عينيك، وأنا واثق من أنك لا دخل لك فيما اضطرني إلى زيارة هذا المنزل وقد يسوءني إزعاجك، غير أني لا أجد بدًّا من إجراء واجباتي.

– واجباتك؟

– نعم.

– وكيف ذلك؟

– ذلك أنه يجب علي تفتيش هذا المنزل.

– تفتيش منزلي أنا؟!

– أي تفتيش هذا المنزل الذي كنت أحسب أني أجد مدام ليفيك فيه؛ لذلك أسألك أن لا تدع أحدًا يعلم ما أنا آتٍ لأجله، وأن تستقبلني استقبال صديق تمويهًا على هؤلاء العمال.

فاحمر وجهه وتَندَّى بالعرق، وقال بصوت يضطرب: إني يا سيدي مقيم في هذه الناحية منذ ثلاثين عامًا، فليس فيها من لا يعرفني، ولم أعمل في حياتي ما يحمل على الشك.

– لقد قلت لك: إني واثق بك، ويظهر أنك أسأت فهم كلامي، إني لا أبغي تفتيش منزلك بل منزل المرأة التي يدعونها البستانية الحسناء، ونعم إنك اشتريت منها المنزل، وذلك لا يمنعني عن تفتيشه.

– لماذا تريد تفتيشه؟

– لحدوث جريمة فيه.

فاضطرب الرجل اضطرابًا شديدًا، وقال: إذا صح ما رُوِيَ لك عن حدوث جريمة، فليست مدام ليفيك التي ارتكبتها؛ لأنها من أشرف النساء.

– ألعلك تعرفها منذ عهد بعيد؟

– إني أعرفها منذ عشرة أعوام، وقد توفي زوجها بين يدي، فإنه كان من أصدق إخواني، وإذا أردت يا سيدي بعد هذا التأكيد أن تفتش المنزل، فهلم أدخلك إليه، ولكنك لا تجد فيه شيئًا؛ لأني لم أحضر أثاثي إليه بعد.

– لا بأس فهو واجب لا بد من قضائه.

فمشى بوليدور إلى المنزل، وتبعه رئيس البوليس والبوليسان ومونتيجرون وكازمير، فلما فتح الباب وصعدوا السلم المؤدي إلى الدور العلوي، قال رئيس البوليس لمونتيجرون: هذا هو السلم الذي صعدت إليه؟

أجابه: هو بعينه. وإذا شئت مشيت أمامك إلى الغرفة التي كانت فيها الجثة.

– فعل!

فمشى مونتيجرون حتى بلغ تلك الغرفة ذات الباب الزجاجي، ففتح بابها وولج إليها فتبعه الجميع، لكنه لم يجد الجثة، بل وجد أن جدران تلك الغرفة التي كانت موشحة بالسواد زال السواد عنها، وبرزت بلون أزرق جميل كانت تزيده أشعة الشمس جمالًا.

فاستاء مونتيجرون أشد الاستياء، وخشي أن يشكك رئيس البوليس في روايته، لكن استياءه لم يطل، فقال للرئيس: لا شك أن البستانية الحسناء بعد خروجها من المنزل لم تترك الذي نبحث عنه في هذه الغرفة، ولكن الذي أراه أن إخراج الجثة من منزل ليس بالأمر اليسير، ولا بد لهذه الجثة التي رأيناها أن تكون باقية هنا في محل خفي.

فذعر صاحب المنزل، وقال بلهجة المستنكر: جثة في هذا المنزل؟!

فنظر إليه رئيس البوليس نظرة الفاحص، فما وجد في ملامحه غير الصدق، فقال له: نعم كان يوجد جثة في هذا المنزل.

– ولكن أين كانت؟

– في هذه الغرفة التي نحن فيها، وكانت مغطاة بوشاح أسود، وكذلك جدران هذه الغرفة.

– إني لم أر هذه الغرفة إلا كما ترونها الآن.

فقال الرئيس لمونتيجرون: أذكر أنك قلت لي إن أرض هذه الغرفة قد سقطت بك، فسقطت إلى حديقة تحت هذه الغرفة، وأغمي عليك من رائحة زهورها.

– هو ما قلته لك، وأظن أن أرض الغرفة مقسومة إلى قسمين: قسم ثابت وقسم يتحرك ويفتح بلولب أو غير ذلك.

– وأنا أرى ما تراه فلنبحث عن سر هذا الباب.

وجعلوا كلهم يبحثون في أرض تلك الغرفة الخشبية، فلم يهتدوا إلى طريقة فتح الباب، ولكن رئيس البوليس لاحظ أن الألواح الخشبية المبسوطة في أرض الغرفة جديدة، فخطر له أن البستانية الحسناء قد وضعتها قبيل خروجها من المنزل إخفاءً لآثار الباب، فأمر من معه في المنزل أن ينزعوا تلك الألواح، فنزعوها وظهر تحتها أرض خشبية قديمة.

وبعد البحث الطويل وجد في أسفل الجدار لولبًا صغيرًا مصبوغًا بلون أرض الغرفة بحيث لا تراه العين، فما أوشك أن يديره حتى خسف قسم من أرض الغرفة فجأة، وسقط مونتيجرون وكازمير دون أن يصاب أحد بمكروه؛ لأن العلو لم يكن شاهقًا، فسر رئيس البوليس، وأسرع فوثب إلى حيث سقطت جماعته، فلما اجتمعوا كلهم في أرض تلك الغرفة الجديدة التي هبطوا إليها، شاهدوا في زاوية منها سجفًا، فأزاحوه فوجدوا وراءه ذلك السرير الذي رآه مونتيجرون، وعليه تلك الجثة التي أصيب مريون من أجلها بالجنون.

أما رئيس البوليس فإنه اضطرب اضطرابًا شديدًا؛ إذ أيقن أنها جثة المركيز دي مورفر، ولكنه ما لبث أن دنا منها ولمسها بيده حتى صاح صيحة انذهال، فأسرع إليه مونتيجرون وقال: ماذا؟

– ما هي جثة إنسان، بل هي جثة من الشمع، وقد هزأت بنا هذه المرأة كما تشاء.

ولقد أصاب الرئيس؛ لأن هذه الجثة كانت تمثالًا من الشمع يشبه المركيز أتم الشبه، وهي من تلك التماثيل العجيبة التي تفتخر بها المعامل الإنكليزية.

١٠

من البوليس مانويل إلى رئيس البوليس السري المسيو بيرفيه:

يا حضرة الرئيس

أرسلت إليك أمس نبأً برقيًّا لا أجد بدًّا من إتمام تفصيله بهذا الكتاب، أنت تعلم تعصب الشرائع الإنكليزية بتسليم المجرم إلى حاكمه الشرعي، وبتسليم جثة القتيل قبل عرضه في محل خاص.

وقد كتبت إليك: إني لقيت جثة المركيز دي مورفر، وأرسلت إليك رسمها، ولكني لم أستطع استلام الجثة؛ لأن الشريعة تقضي بعرضها في مكان خاص يدخل إليه من أراد.

وقد عرضت الجثة فعرفها أحد اللوردية وقال: إنه من أصحاب المركيز، وعرفتها أيضًا امرأة فقالت: إن المركيز كان مقيمًا في منزلها، فكتبت عنوان هذه المرأة، وفي المساء ذهبت إليها وأدخلتني إلى الغرفة التي كان يبيت فيها المركيز، فرأيت في المستوقد كثيرًا من الأوراق الممزقة والمحروقة، فجمعت منها بعض قطع لم تصل إليها النار، وضممتها إلى بعضها فاتضح لي منها هذه الكلمات:

… وعُدْ لي أيها الحبيب، لقد عفوت عنك وسامحتك.

ورجعت من عندها إلى دار الحكومة، وحصلت على الإذن بنقل الجثة إلى فرنسا في اليوم التالي، ثم ذهبت لإعداد معدات السفر، وفي الصباح دخل عليَّ البوليس الإنكليزي، وقال لي بلهجة المضطرب: إن الجثة قد سُرِقَتْ.

أما تفصيل سرقة الجثة فهو: أنها كانت موضوعة في غرفة لها نافذة تشرف على البحر، وكان يتولى حراستها بوليسان إنكليزيان، وفيما هما جالسان أمامها يدخنان، تثاقلت أجفانهما وناما نوم تخدير، فتسلق سارقو الجثة إلى نافذة الغرفة، فكسروا روافدها وأنزلوا الجثة إلى قاربهم وهربوا بها.

أما البوليسان فلم يستفيقا إلا في الصباح، ووجدا الجثة قد سرقت.

واتضح بعد التحقيق أن التبغ الذي كانا يدخنان منه كان فيه مادة مخدرة، فقبض على بائع التبغ، وقد شغلت هذه الحادثة جميع بوليس لندرا، فلم يهتدِ إلى شيء بعد، ولكننا لا نزال نرجو أن نجد الجثة. وسأخبرك غدًا بما يكون.

مانويل

ولنعد الآن إلى رئيس البوليس، فإنه عندما ظفر بهذا الوجه الشمعي الذي خدع به كل من رآه، وحسب أنه وجه المركيز دي مورفر، أمر رَجُلَيِ البوليس اللذين كانا معه بحراسته وبمراقبة صاحب المنزل فلا يأذنا له بالخروج، ثم خرج من المنزل مع مونتيجرون وكازمير، وهو يقول لهما: إني سأقبض على هذه المرأة، فإما أن يكون هذا الشخص الذي دلنا على منزلها صادقًا فيكون بريئًا، أو يكون كاذبًا فيكون شريكًا لها في الجريمة.

وذهب مع رفيقه إلى المنزل، وسأل البواب عن البستانية الحسناء فأجابه: إنها سافرت، وقالت: إنها لا تعود إلا بعد ثمانية أيام.

فأخذ الرئيس مفاتيح المنزل منه بعد أن أخبره بصفته، ودخل مع مونتيجرون وكازمير، فلما دخلوا إلى غرفة النوم وجدوا صورة المركيز دي مورفر معلقة بالجدار وهو بثياب الفلاحين، ثم رأى رئيس الشرطة رسالة مختومة فوق منضدة، وعليها هذا العنوان «إلى الفيكونت دي مونتيجرون» فدفعها إليه ففضها وقرأ ما يأتي:

إن هذا الكتاب سيصلك دون شك، بل ربما أخذته بيدك من الموضع الذي تركته فيه، فإنك أردت أن تميط الحجاب عن أسراري، ولما أعجزك الأمر استعنت برجال الشرطة، ولكنك لن تقف ولن يقف الشرطة على شيء من دخائل سري، وسيذهب جهدك وجهدهم عبثًا باطلًا لا فائدة فيه، لا سيما وأنه لا يوجد بينكم من يعرفني؛ إذ لا يوجد بين عصابتكم غير رجل واحد رأى وجهي، لكنه أصبح من المجانين.

والآن اسمح لي يا سيدي الفيكونت أن أسدي إليك نصيحة، وهي أنك غني ولا تزال في مقتبل الشباب، فارجع عن قصدك من اقتفاء أثري أو أصيبك بنكبة تنغص عليك الحياة.

أما البوليس فسيفرغ جهده في البحث عن دي مورفر الميت أو الحي، ثم يرى أنه لا يظفر بمراد، فيمل ويرجع عن البحث، فاقتدِ بالبوليس ذلك خير لك.

وإني لا أنصحك هذا النصح إلا لما أعلمه من صداقتك مع المركيز دي مورفر فاقبل النصيحة، أما أنا فإني سأبرح باريس ولا أعود إليها، قد أعود وقد نلتقي كل يوم عشرين مرة وفي عشرين مجلس ولا تعلم من أنا، وفي الختام أعود ما بدأت به من النصح، فاقبله من امرأة أحبت صديقك وتدلهت بغرامه.

البستانية الحسناء

وفتَّشَ رئيس الشرطة بعد ذلك كل المنزل تفتيشًا دقيقًا، فلم يعثر على أقل أثر لهذه البستانية، وأفرغ جهده بعد ذلك فلم يظفر بالجثة ولا بالمرأة، وذاع هذا الخبر في العاصمة، فاضطرب له الناس، وعاد الشرطي مانويل من لندرا بعد أسبوع دون أن يقف على شيء.

ومر على هذه الحادثة عام فتناساها الناس وكفت عنها الشرطة، غير أنه أشيع بعد عام أنهم شاهدوا المركيز دي مورفر حيًّا في بلاد الهند، واتفق عند انتشار هذه الإشاعة أن إحدى المركبات صدمت الشرطي مانويل فسحقته، وألحَّ وهو في حالة النزع أن يرى رئيس الشرطة في المستشفى، وأسرع إليه الرئيس ولم يعلم أحد إذا كان حديثهما خاصًّا بالمركيز دي مورفر؛ لأن هذه المداولة بقيت في طي الكتمان.

١١

يَذْكُرُ قُرَّاء الجزء السابق — أي رواية ملايين النورية — أن روكامبول ترك رسالة لمرميس تتضمن تعليماته، وأمره أن لا يفتحها إلا إذا مضى على سفره عامان دون أن يعود.

وقد كان مضى على سفره إلى الهند نحو عامين دون أن يعلم أحد شيئًا مما حدث له، ولم يعلم أحد في أوروبا إذا كانت السفينة التي ذهبت به وبالأسرى الهنديين التهمتها النار أو سلمت، وإذا كان روكامبول بقي حيًّا أو ابتلعته الأمواج.

وكانت فاندا ومرميس متلازمين لم يفترقا ومعهما مِيلون، وكأنهم ينتظرون عودة الرئيس بفارغ الصبر ولا يتحدثون إلا بأمره.

وكان ميلون أشدهم جزعًا عليه وأعظمهم يأسًا من لقائه، فكان يهز رأسه بعض الأحيان، ويقول: إنه مات وا أسفاه دون شك!

فتجيبه فاندا: إن هذا محال، وأنا واثقة أنه لا يزال من الأحياء، أتريد أن تعلم ما يحملني على هذا الوثوق؟

– كيف لا أريد، وأنا أكاد أجن من يأسي؟

– إني عصبية المزاج شديدة التأثير، ومن أعظم الناس قبولًا للنوم المغناطيسي، وإذا كثرت هواجسي بالذين أحبهم ظهروا لي في الحلم بالحال التي يكونون فيها.

– وهل رأيتِ روكامبول في حلمك؟

– رأيتُه نحو عشر مرات منذ فراقه.

فهز ميلون رأسه، وقال: إنها أضغاث أحلام، لا تظهر خفيًّا، ولا تبين غيبًا.

– لو كان يوجد هنا من يعرف طريقة التنويم المغناطيسي، لنومني أمامكم وأظهرت لكم أين يقيم روكامبول، وماذا يصنع الآن، وإذا كان في نيته أن يعود.

فتنبه مرميس لقولها، وقال: إذا كنا لا نحتاج إلا إلى منوم لمعرفة حقيقة حالة روكامبول، فإن الأمر سهل ميسور؛ لأني أعرف أين أجد هذا المنوم.

– اذهب يا بني وائتني به.

فقرع مرميس جرسًا وأسرع إليه أحد الخدم، وقال له: قل للسائق ليهيئ لي المركبة في الحال.

وكان مرميس قد تغيرت أخلاقه وحالته بعد موت جيبسي، فبات من الذين يشار إليهم بالبنان لحسن أدبه ولين أخلاقه وشرف طباعه، وإن حبه لجيبسي ونكبته بفقدها وملازمة فاندا له كل ذلك أدبه خير تأديب، وقد زال اليأس من قلبه، ولم يبق من آثاره غير ظواهر السويداء، وإن القنوط لا يتمكن من قلب الفتى وهو لم يتجاوز العشرين.

وقد كان أتم دروسه في مدة هذين العامين؛ أي في غياب روكامبول، فتخرج على أشهر الأساتذة بفضل ثروته، وبات جميع أصحابه ومعارفه من النبلاء وخيرة المتأدبين.

وكانت النساء تتوددن إليه، والأوانس يخطبن وده لأدبه وجماله وماله، غير أن قلبه لم يكن يتسع لغرام بعد فقده من يحب، فكان إذا مال فؤاده إلى التهتك أو دفعه غرور الصبا إلى الاسترسال إلى الملاذ تمثلت له تلك الفتاة التي كان يهواها، وعاد إلى الاكتئاب وكبحت هذه الذكرى جماح ذلك الغرور (راجع رواية ملايين النورية).

ثم إنه كان يحترم روكامبول احترام الآباء، وكان يعلم أنه عُهِدَ إليه بمهمة سرية مختومة لا بد له من قضائها. وإن هذه الثروة التي خلفتها له جيبسي لا يحق له أن ينفقها إلا في وجوه الخير، فكان يقتصد منها كل الاقتصاد إلا في حين إغاثة ملهوف أو إعانة بائس مسكين.

هذه هي حالة مرميس الذي استحال بفضل روكامبول من حال إلى حال، وقد تركناه ذاهبًا إلى المُنوِّم المغناطيسي، وهو رجل أميركي اشتهر بهذا الفن شهرة واسعة في باريس، ولما وصل إليه أخبره بالغاية التي جاء من أجلها فخرج وإياه وعاد به إلى فاندا.

ولما استقر به المقام قالت له فاندا: افحصني يا سيدي لنرى إذا كنت خاضعة للتنويم.

ففحصها وقال لها: بل أنت أشد الناس خضوعًا له.

– إذن نَوِّمْنِي وأذن لمرميس أن يسألني ما يشاء أثناء نومي.

فأجلسها المُنَوِّمُ على كرسي كبير، ووضع يديه فوق يديها، وجعل ينظر إليها تلك النظرات الخاصة، ولم يمر حين وجيز حتى أُطبقت عيناها، وانحنى رأسها، وتنهدت تنهدًا عميقًا، فعلم الأميركي أن التنويم قد تم، وقال لها: انظري. إني أريد أن تنظري.

فارتعشت فاندا هنيهة، وظهرت على وجهها علائم المقاومة، ثم زالت هذه العلائم فجأة ففتحت شفتيها وقالت: أرى …

وكان العرق ينصب من جبين مرميس وميلون لوثوقهما أنهما سيعلمان ما حدث لروكامبول.

وبدأت فاندا بالكلام، وجعلت تفوه بكلمات متقطعة مبهمة مضطربة، كأنما نفسها كانت في عراك لاغتصابها حجاب تلك الظلمات السرية التي تكتنف روح النائم حين طيرانها إلى عالم الأرواح واجتيازها تلك المسافات الشاسعة على بقائها متصلة بجسم النائم.

ثم انقشع الاضطراب عن وجهها وانبسطت نفسها، وظهرت عليها علائم الهدوء والسكينة، وبات كلامها واضحًا جليًّا لا يداخله شيء من الإبهام وقالت: إني أراه.

– من هو الذي ترينه؟

– هو.

فأشار مرميس إلى المنوم إشارة مفادها أننا نعرف الذي تعنيه، ثم همس في أذنه قائلًا: سَلْهَا أين هو؟

فقال المنوم: أين ترينه؟

– إن السماء مرصعة بالكواكب، ومع ذلك فهي قاتمة سوداء … الحر شديد … وهذه الرياح التي تثير الأمواج كأنها من نار … إنها تهب من الغرب … خط الاستواء غير بعيد. إن شراع السفينة تكاد تمزقه الرياح، والأمواج تنشق أمامها فتسير في وديانها، هذا هو … إنه جالس في مجلس الربان رابط الجأش عالي النفس …

إنه يحسن قيادة السفن كما يحسن قيادة الرجال … الرياح موافقة، وكل شيء منتظم في السفينة …

ثم سكتت فقال لها الأميركي: قولي ماذا ترين أيضًا؟

– لا شيء سوى الضباب …

وعادت إلى السكوت.

وقال الأميركي همسًا لمرميس: إن الحالة ستتغير بعد قليل لنصبر.

وبعد عدة دقائق عادت فاندا إلى الارتعاش، ولكن علائم الرعب الشديد ارتسمت فجأة فوق وجهها، وصاحت صياح المستغيث وقالت: رباه!

فقال لها المنوم: ماذا ترين؟

– النار في السفينة … إنها ناشبة في العنبر … ويلاه! … إنها ستصل إلى مستودع البارود …

ثم سكتت هنيهة، وعادت فقالت: لا تزال النار تتأجج … إنهم أنزلوا القارب إلى البحر … نزل فيه الناس. إنهم يبتعدون عن السفينة المحترقة …

– وهو؟

– هو لا يزال باقيًا في السفينة … إني أراه واقفًا على سطحها يشيع القارب بالنظر. رباه! إن لسان النار يندلع … قرب اللهيب من مستودع البارود.

ثم تحركت حركة عنيفة فوق كرسيها، وصاحت بصوت هائل: الانفجار!

فجعل الأميركي ومرميس وميلون ينظر كل منهم إلى الآخر نظرات الذعر، غير أن فاندا انقطعت فجأة عن الارتعاش، وأشرق وجهها بنور البشر وتنهدت تنهدًا طويلًا دل على الارتياح.

فقال لها المنوم: ماذا رأيت؟

– إني ما رأيت ولكني أرى.

– ماذا ترين؟

– أراه … إنه يسبح في المياه مستعينًا بخشبة كبيرة من بقايا السفينة … طلع النهار. لا يزال يسبح … البحر هادئ … هو ذا سفينة قد ظهرت في عرض البحر وهي تدنو منه، ها هي وصلت إليه، فأنزلت القارب … واطرباه! إنه نجا.

فصاح ميلون ومرميس أيضًا صيحة فرح، أما فاندا فإنها صمتت، ولم تعد تفوه بكلمة، فقال ميلون: يجب أن نوقظها.

فاعترضه مرميس وقال: كلا، إذ يجب أن نعلم أين هو، فلا يكفينا أنه حي، ثم أشار إلى الأميركي أن يسألها.

فوضع الأميركي يده فوق جبهتها، فعادت سلطته عليها، وقال لها: انظري فإني أريد أن تنظري.

فاختلجت فاندا، ولكن وجهها ظهرت عليه علائم الارتياح مما يدل على أنها ترى أمورًا تسرها، ثم قالت: إنه فوق صهوة جواد أبيض مسرج بسرج مذهب، وهو يسير بجانب فارس يلبس لباسًا أحمر، وعلى كتفيه رمانات من ذهب، وأمامهما رجال ملابسهم حمراء أيضًا، وهم يسيرون أمامهما بالموسيقى، ووراءهما جنود مختلفة الملابس، وهم قادمون من معركة قاتل فيها «هو» قتال الأسود، والجميع يسيرون في حقول خضراء.

فقال مرميس: هذه بلاد الهند دون شك.

وقال لها الأميركي: إلى أين هو ذاهب؟

– لا أعلم، فإن الليل قد هجم والشمس قد توارت في الحجاب، ولكن لا أزال أسمع صوت الموسيقى.

فالتفت عند ذلك الأميركي إلى مرميس، وقال له: إن السيدة قد تعبت وصار يجب أن تستفيق.

– كما تريد.

فوضع الأميركي يديه على رأسها وذراعيها وكتفيها، وحركها تباعًا ففتحت عينيها وأجالت في الحضور نظرًا حائرًا، ثم ذكرت ما كانت هي فيه فقالت: ماذا جرى للرئيس، أما هو حي؟

قالوا: بلى.

– أين هو؟

– في الهند.

– ألعلي قلت إذا كان يعود؟

فقال لها الأميركي: كلا، فقد تعبتِ وسأنومك مرة أخرى.

فنظرت فاندا إلى مرميس نظرة سرية مفادها أننا لا نستطيع أن نتكلم بحرية بوجود هذا الرجل.

وبعد حين ذهب مرميس بالأميركي، فقالت له فاندا: لا تنسَ يا مرميس أن غدًا موعد فتح كتاب روكامبول.

– سأحضر في الساعة الثامنة من صباح غد، ثم انصرف مع الأميركي.

فقالت فاندا لميلون: أوثقتَ الآن يا ميلون أن روكامبول لم يَمُتْ؟

١٢

أما مرميس فإنه أوصل الأميركي بمركبته إلى منزله، ثم أمر الخادم أن يعود بالمركبة إلى المنزل، وسار ماشيًا يتنزه في شوارع باريس ويتفكر بروكامبول وبموعد فتح الرسالة، وبما عسى أن يكون قد عهد إليه من المهمات.

وكانت الساعة الحادية عشرة مساءً، وقد راقت السماء، واعتل النسيم، وكثر المتنزهون في الشوارع، فبينما كان يسير قرب الأوبرا شعر بيد وضعت فوق كتفه، فالتفت فرأى الفيكونت مونتيجرون.

وكان هذا الفيكونت قد رجع عن البحث عن المركيز مورفر ليأسه من لقائه، فحيَّا صديقه مرميس، وقال له: لقد أحسنت بالتنزه فإن الهواء عليل.

– نعم فإن هذه الليلة تشبه ليالي الربيع، فيحسن استنشاق هوائها.

– بشرط أن يكون الفكر نقيًّا كسمائها طليقًا كهوائها، ثم تنهد.

فقال له مرميس: ما بالك تتنهد أيها الصديق، ألعلك فوجئت بنبأ محزن؟!

– كلا، ولكنه الغرام يا مرميس فقد بدأ به قلبي حين تفرغ منه القلوب.

– كيف ذلك فإني لا أفهم ما تقول؟

– إن التمثيل في الأوبرا ينتهي عند انتصاف الليل، ولا يزال الوقت فسيحًا لإطلاعك على سري، تعالَ معي أيها الصديق إلى هذه القهوة المجاورة للأوبرا أبُح لك بأسراري.

– ليكن ما تريد فليس لي شاغل يمنعني عن أن أذهب معك.

وذهب الاثنان إلى القهوة، فجلس مونتيجرون في مكان يرى منه كل من يخرج من الأوبرا ويدخل إليها، ثم بدأ حديثه مع مرميس، فقال: إني كنت من سن العشرين إلى الثلاثين أبعد رفاقي عن الاندفاع بتيار الشهوات، فكنت أنفق دخل ثروتي بالحكمة والسداد، وأنهى نفسي عن كل غي، ولا أشغل قلبي بهوى حسناء حذرًا من مغبات الغرام، ولا أتجاوز المدى في شأن من الشئون حذرًا من العواقب، ولكني حين تجاوزت سن الطيش والغرور، جريت في حلبة هاتين الآفتين كأنهما من حقوق الصبا، وكأني ندمت لتجاوزي عن هذا الحد، فجعلت أنغمس في كل ملذة، وأتداخل في كل شأن، ألا تذكر حكاية المركيز دي مورفر؟

– أتعني بها حكاية اختفائه؟

– نعم، فقد شغلت نفسي عامين لم يكن همي فيهما إلا اختراق حجب هذا السر …

– ألعلك وقفت على الحقيقة؟

– كلا، وفوق ذلك فقد أوعزت إليَّ عائلته نفسها أن أنقطع عن الأبحاث؛ وذلك أن لهذا المركيز وريثًا فجاءني في صباح يوم، وقال: لقد قابلت رئيس الشرطة، واتفقنا على عدم البحث عن ابن عمي المنكود واعتباره من الأموات، ورجائي أن تكف مثلنا عن البحث عنه.

– ألعلك امتثلت وامتنعت؟!

– لم أجد بدًّا من الوقوف عند حدي، لا سيما أني مللت البحث، ويئست من لقاء ذلك الصديق، لكني كنت تعودت المشاغل وألفت الاهتمام، فرأيت أن قلبي بات بحاجة إلى شاغل جديد.

– أوجدت هذا الشاغل؟

– دون شك إذ أصبحت من العشاق.

فابتسم مرميس وقال: من هي هذه الفاتنة التي ملأ حبها فراغ قلبك؟

– اسمح لي أيها الصديق قبل ذكر اسمها أن أخبرك كيف أعيش منذ شهر؛ أي منذ باض وفرخ هذا الحب في قلبي، فإني أحضر ثلاث مرات في الأسبوع إلى الأوبرا إذ أجد التي أحبها فيها، وإذا رأيتها أخال أن دقات قلبي تبلغ مسامع الناس، فإذا أشرق الصباح امتطيت جوادًا، ومررت به مرتين أو ثلاثًا من تحت نوافذ منزلها في الشانزليزيه دون أن أطمع برؤياها، فإنها تكون نائمة، ولكن يرضيني أن أرى نوافذ غرفتها، وأقنع حينئذ أن أرى من يراها.

ثم إني أذهب كل ليلة لا تمثَّل فيها الروايات في الأوبرا إلى المنزل الذي أعرف أنها تقضي السهرة فيه، فألقاها ولا أكلمها، ولم أكلمها مرة إلى الآن، ولكن عيني كانت تنوب عني فتعرب عن غرامي بأفصح لسان، ولا أدري إذا كانت فهمت لغة عيني وعلمت أنهما رسول قلبي، ولكني لو سئلت الحياة بساعة من قربها لرضيت وما أسفت على الحياة.

فقال له مرميس بلهجة الكآبة: إذن أنت مريض هوى؟

– مجنون غرام لا يرجو الرشاد، وصريع وجد لا يود أن يستفيق.

– إذن إن هذه المرأة بارعة في الجمال؟

– لا أعلم فإن عين المحب لا ترى جمال المحبوب، وليس الجمال رائد الهوى إلى القلوب، غير أنها ذات عينين ساحرتين.

إذا نظرت قلبًا خليًّا من الهوى
تقول له كن مغرمًا فيكون

فهل تريد أن تراها؟

– دون شك، إذ لا موضع في قلبي لهيام العيون.

– إذن اذهب الآن إلى الأوبرا، وانظر إلى اللوجِ الأول تجدها طالعة فيه بين الجميلات طلوع القمر بين النجوم، وإنك تجد بقربها رجلًا ينيف عمره على الخمسة وأربعين، وهو زوجها.

– أهو فرنسي؟

– كلا، بل هو إسباني.

– إذن هي إسبانية مثله.

– كلا، بل أظنها روسية، والحقيقة أنه ليس من يعلم شيئًا من أمرها، فإنها جاءت باريس منذ شهرين، ولا يعلمون من أين أتت، ولكنها تزور أشرف البيوت، وما جرت حفلة في سفارة إلا وُدِعَيت إليها.

فنهض مرميس وقال: لقد هجت فضولي، فأنا ذاهب لأراها في الحال. أتريد أن تكون معي؟

– كلا، بل أبقى هنا وستجدني عند عودتك في مكاني.

– كما تشاء …

ثم تركه وانصرف توًّا إلى الأوبرا، وجلس في لوجه الخاص به وكان مجاورًا للوجها، فلما رآها ذهل لجمالها الباهر، وكانوا يتحدثون عنها في اللوج المجاور للوجه، فأصغى إلى الحديث دون أن ينقطع عن النظر إليها.

١٣

وقد رأى مرميس من جمال هذه المرأة ما يفتن الزهاد، فعذر صديقه مونتيجرون لافتنانه بها وأصغى إلى ما يتحدثون عنها باللوجِ المجاور للَوْجِه.

وكان اثنان مقيمين في هذا اللوجِ وهما يتحدثان باللغة الإنكليزية، غير أنه كان قد أتقن هذه اللغة منذ عهد حبه لجيبسي، فلم تفته كلمة من حديثهما، وسمع ما يأتي:

قال أحدهما: إذن أنت لا تثق أيها الصديق بزواج دون روميو؟

– على الإطلاق.

– ولكنه رقص أول أمس في السفارة الإسبانية؟

– على أي شيء يدل رقصه فيها؟

– يدل على أنه زوج هذه المرأة، إذ لا يجسر أن يصحب خليلته إلى بيت السفير، ويدَّعِي أنها امرأته.

– إذا كان دون روميو حقيقة تزوج هذه المرأة، فهو إذن زوجها الرابع.

– كيف ذلك؟

– ذلك أني عرفت أزواجها الثلاثة، وإن هذه المرأة ليست روسية ولا إنكليزية كما يتوهمون، بل هي فرنسية، وأنا واثق أنها ولدت في باريس، ومع ذلك فقد رأيتها أول مرة في لندرا.

– متى كان هذا؟

– منذ خمسة أعوام، وكانت في ذلك العهد زوجة اللورد هرنج، فادعت أنها تزوجته في لندرا، وكانت تعيش في لندرا عيشة رخاء كما هي عائشة هنا.

– وكانت تُدْعَى اللادي هرنج؟

– كما تُدْعَى هنا دون روميو، وكما تدعى في الآستانة البرنسِس كولوتين، وفي مرسيليا مدام كاتلان.

– إن ما تقوله عجيب يبعد تصديقه أيها البارون.

– ولكنه الحقيقة بعينها، وأنت تعلم أني تركت باريس منذ عهد بعيد، فلا أزورها غير مرة أو مرتين في العام، ولا تطول زيارتي أكثر من يومين، فقد لا تراني في المرة؛ لأني مسافر غدًا.

– وإذا رأتك؟

– يصفر وجهها وتغدو كالأموات.

– ألعل ذلك لما تعلمه من علائقك مع أزواجها؟

– كلا، بل لعلائقي معها، فقد وقفت على الكثير من أسرارها.

– لقد هجت فضولي أيها البارون.

– ولكني أقسمت أن لا أبوح بشيء مما عرفته من أسرارها.

– ألستُ بصديقك المخلص؟!

– ومن أجل أنك صديقي أريد أن أكتم عنك ما عرفته عن هذه المرأة؛ كي لا تلقى بسبب ذلك ما يسوءك، على أني سأخدمك بقدر ما أستطيع، فهل أنت حقيقة مغرم بها؟

– ومَنْ ذا الذي يراها ولا يهواها؟!

– إذن فاسمع، إن الفصل الأخير من هذه الرواية سينتهي تمثيله، وسنخرج قريبًا من الأوبرا، فتتأبط ذراعي، وتقف عند الباب إلى أن تمر.

– تريد بذلك أنها تراك وتراني معك؟

– نعم …

– وبعد ذلك؟

– عليك أن تسعى لمقابلتها في المسرح والمتنزهات أو المنازل، فإذا اجتمعت بها قل لها: إني أحبك يا سيدتي، وأنا صديق البارون «س».

– أتظن أني أظفر برضاها بعد هذا؟

– ربما، وقد قال البارون هذه الكلمة وهو يبتسم ابتسام الساخر، فلم تخف الابتسامة عن مرميس، كما أنه لم تفته كلمة من هذه المحادثة، فلما انتهى تمثيل الرواية سبق الرجلين إلى باب الأوبرا ووقف ينتظر.

وبعد هنيهة أقبل البارون «س» ورفيقه، ثم جاءت بعدهما دون روميو وهي متكئة على ذراع زوجها، فجعل مرميس يحدق بها وبالبارون.

أما هذه المرأة فإنها عند بلوغها إلى الباب رأت فجأة هذا البارون، فاصفر وجهها، ووضعت منديلها في فمها كي تكتم صيحة دهش خرجت من صدرها، ثم نظرت نظرة بغض هائلة إلى البارون، وسارت مع زوجها فاقتفى مرميس أثرهما.

١٤

وما مشى مرميس في أثرهما خطوات حتى وجدت الفيكونت مونتيجرون واقفًا في عرض الطريق، وقد اصفر وجهه حين رآها مرت أمامه، ووهت قواه حتى أوشك أن يسقط.

وكانت هي ركبت المركبة مع زوجها وابتعدت، فشغل مرميس بصديقه مونتيجرون عن لحاقها، فإنه حين رآه مقبلًا إليه تحول لون وجهه من الاصفرار إلى الاحمرار.

فقال له مرميس: ماذا أصابك ألعلك رأيتها؟!

فتأبط مونتيجرون ذراعه، وجره بعنف إلى القهوة، وهو يقول: تعال معي فإني أظن أن صوابي قد فُقِدَ وأصبحت من المجانين.

فاضطرب مرميس للهجة كلامه، وقال له: ماذا دهاك وما دعاك إلى الجنون؟!

– إنها ابتسمت لي حين مرورها.

– لك أنت؟

– نعم أيها الصديق، فإنني أشعر أن البراكين النارية تتأجج في صدري. إنها نظرت إلي وابتسمت لي، وما كنت أطمع بأكثر من هذا الابتسام.

– إذن أي سبب يحملك على الجنون، فإن ابتسامها لك دليل رضاها عنك، وغاية ما يقال عنك أنك رجل سعيد.

– نعم غير أن من فرح النفس ما يقتل.

ثم نظر إليه محدقًا، وقال: أنت مخلص لي يا مرميس؟

– أعندك شك في إخلاصي؟

– إذن لا تدعني وحدي، فإني أخشى على صوابي، وتعال معي إلى القهوة، فنتعشى ونبقى فيها إلى أن يطلع الصباح. أتريد أن تبقى معي؟

وكان مونتيجرون في أشد حالة من الاضطراب، فما وسع مرميس مخالفته، وقال له: هلم بنا، ولكني لا أجد داعيًا لهذا الاضطراب بعد أن ابتسمت لك.

– بل إن هذا الابتسام يرعبني.

– لماذا؟

– لأنها قد تسألني بعده حياتي وثروتي وشرفي فأبذلها.

فابتسم مرميس وقال: إنه ثمن فاحش.

وفيما هما جالسان حول مائدة يأكلان ويشربان دخل إليهما الخادم يحمل رسالة على صينية من الفضة، وقال: لقد أتى الآن خادم إلى القهوة، وسأل إذا كان الفيكونت مونتيجرون يتعشى هنا، فلما أجبناه بالإيجاب دفع إلينا هذه الرسالة، وقال: يجب إيصالها إليه في الحال.

فاصفر وجه مونتيجرون، وأشار مرميس إلى الخادم أن ينصرف، ثم نظر الفيكونت إلى الرسالة وهي لا تزال على الصينية كأنه لا يجسر أن يفتحها، فاختلج وارتعش وقال: لا أجسر أن أفضها.

مرميس: ماذا أصابك؟ أمن أجل ابتسامة تبلغ هذا الحد من الضعف؟!

– ولكنك لا تعلم ممن أتت هذه الرسالة التي لا أجسر على فتحها.

– أتحسبها منها؟

– دون شك فخذها وافتحها عني.

فأخذ مرميس الرسالة وفتحها، وقرأ بصوت منخفض ما يأتي:

إذا كان الفيكونت دي مونتيجرون لا يزال شجاعًا كما يعهد به أهل باريس، فليحضر في الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى وراء كنيسة العذراء يجد مركبة ذات جوادين.

ولم تكن الرسالة مذيلة بتوقيع، فقال مونتيجرون: إنها منها دون شك؛ فقد أنبأتني دقات قلبي.

– ألعلك نويت الذهاب إليها؟!

– كيف تشكك في ذلك؟

فقطب مرميس جبينه، وخيل له أن هذه الرسالة شرك نصب لصديقه، ولكنه لم يظهر له شيئًا من ريبة، فنظر مونتيجرون في ساعته، وقال: يجب أن أنتظر ساعة أيضًا ستكون كالأدهار.

فأجابه مرميس: لا بأس فسنتعاون على قتلها، ولكني لا أعلم بعد ذلك ما ينبغي أن أصنع، فلقد عاهدتك أن أبقى معك إلى الصباح، فإذا ذهبت إلى هذا الموعد فماذا أفعل؟

– تنتظرني هنا.

– وإذا لم تعد؟

– إذا لم أعد إلى الساعة السادسة فأنت مطلق السراح.

سأنتظر كما تريد، ولكني أرجوك أن تأخذ معك هذا المسدس من قبل الحذر، فإننا في أيام المرافع، والحذر في مثل هذه الأمور محمود.

فأخذ مونتيجرون المسدس من مرميس، ولما دقت الساعة الثانية ركب مركبته، وسار إلى كنيسة العذراء.

أما مرميس فإنه لبث في تلك القهوة، فجعل تارة يتلهى بالألعاب، وتارة بقراءة الجرائد حتى بزغ الصباح، ودقت الساعة السادسة، فلبس قبعته وحاول الانصارف، ولكنه رأى أن باب الغرفة التي كان فيها قد فتح فجأة، ودخل مونتيجرون وعيناه تتقدان كالجمر، فقال لمرميس: إني سأتبارز بعد ساعة في الغابات، وأنت شاهدي فهَلُمَّ بنا إلى صديقي كازمير.

– ولكن قل لي على الأقل من هو خصمك؟ قال: هلم فسأخبرك باسمه على الطريق، فإن المركبة تنتظرنا على الباب وفيها السيوف.

حين خرج مونتيجرون من القهوة الإنكليزية، وغادر فيها مرميس كان شديد الاضطراب؛ حتى إنه خشي أن يلقاه أحد أصدقائه في الطريق فيعلم أمره، أو يثنيه عن قصده، فركب مركبة مقفلة حتى إذا وصل بها إلى قرب كنيسة العذراء أوقفها ونزل منها، فسار إلى وراء تلك الكنيسة، فوجد المركبة التي وصفت له بالرسالة واقفة في انتظاره.

فمشى مونتيجرون إلى تلك المركبة مِشْيَةَ السكران، وهو يخشى كلما دنا منها أن يسقط لتزايد اضطرابه، فلما وصل إليها برز منها رأس امرأة مبرقع بحجاب كثيف، فلم يعرفها مونتيجرون إلا من دقات قلبه.

ثم شعر أن يدًا ناعمة مسكت يده، وسمع صوتًا رخيمًا يقول له: اصعد، فامتثل مونتيجرون، وصعد إلى المركبة وهو بين حي وميت.

وكان السائق قد تلقى الأوامر من قبل دون شك، فأطلق عنان الجياد فسارت إلى جهة الشانزليزيه.

وعند ذلك بدأت المرأة الحديث فقالت: إني أعلم يا سيدي الفيكونت أنك باسل وأنك تهواني.

– ماذا تريدين يا سيدتي؟ أتريدين أن أموت من أجلك؟

– بل أريد أن تخاطر بحياتك الثمينة عندي، ثم نظرت إليه نظرة من تحت نقابها اخترقت صميم قلبه، فقال: إني مستعد يا سيدتي أن أبذل في سبيل رضاك أكثر من هذه الحياة.

– إذن اعلم يا سيدي أن مبارحتي باريس غدًا وعدم رجوعي إليها إلى الأبد؛ منوط بك، فعليك يتوقف بقائي في هذه العاصمة، وأنت وحدك تستطيع أن تحملني على حبك.

وقد قالت هذا القول بلهجة أولئك الإسبانيات اللواتي يعرضن حبهن على البواسل جزاء الانتقام لهن عن إهانة؛ فبرقت أَسِرَّةُ مونتيجرون بأشعة الفرح، وقال: مُرِيْ يا سيدتي أفعل ما تريدين.

– يوجد رجل تجاسر على إهانتي بعد أن يئس من رضاي، فاستحال حبه إلى كره، وتبدل غرامه بحقد عظيم دفعه إلى الانتقام مني، فهو يختلق النمائم والأكاذيب، وكلما رأيته في بلد هربت منه، ولكنه لا يلبث أن يعلم المكان الذي قررت إليه فيدركني فيه.

فأجابها مونتيجرون بملء البساطة: إذن سأقتل هذا الرجل.

– إن زوجي غيور وحشي، ولكني لا أحبه، ولا أريد أن أعتمد عليه بانتقامي.

– اذكري يا سيدتي اسم هذا الرجل وعلي البقية.

– إن هذا الرجل باسل شديد الميل إلى الخصام لا يرهب عدوًّا، ولكنه إذا علم أني أنا التي سلحت يدك يأبى مبارزتك ولو أهنته كي لا يفوته الانتقام مني، حتى إنه قد يهرب منك ولا يخشى العار.

فتحمس مونتيجرون وقال: تبًّا له من نذل جبان!

– أقسم لي أنك ستجد حجة تمتنع بها عن ذكر اسمي.

– أقسم لك أقدس قسم.

فضغطت على يده ضغطًا لطيفًا، وقالت: إنك إذا قتلت هذا الرجل أصبحت عبدة لك، وتركت كل شيء في هذا الوجود من أجلك، وسرت معك إلى أقصى مكان في الأرض.

فطاش رأس مونتيجرون من الوعود، وقال: اذكري لي اسمه يا سيدتي بالله.

فأظهرت المرأة شيئًا من التردد، ثم قالت: وإذا كان هذا الرجل من أصحابك.

– لا أبالي.

– وإذا كان من أصدقائك المخلصين؟

– إنه الآن ألد عدو لي بعد أن تجاسر على إهانتك.

– إذن فاعلم يا سيدي أن هذا الرجل الذي أهانني والذي أريد له الموت، والذي سأبيعك قلبي بالانتقام منه هو البارون هنري «س».

فارتعش مونتيجرون لأن هذا البارون من أصدقائه، وهو من أعضاء نادي أسبرج، وكان يعرف عنه أنه غريب الأطوار، سافر أسفارًا كثيرة منذ عدة أعوام، ثم انقطع إلى الإقامة في أراضيه، فلم يكن يزور باريس إلا في القليل النادر، لكنه إذا زارها فلا بد له من الحضور إلى النادي.

ولم يكن بين البارون وبين مونتيجرون علائق وداد متينة، بل كان يعرفه كما يعرف جميع أعضاء ذلك النادي، فلما ذكرت له اسم البارون تنهد تنهد المنفرج، وقال لها: سأقتله يا سيدتي أو يقتلني.

فأوقفت المركبة عند ذلك، وقالت لمونتيجرون: إذن إلى اللقاء، بل إلى الغد؛ فإني أرجو أن أراك.

– أين أراك يا سيدتي؟

– في نفس المكان الذي رأيتني فيه الليلة وفي الساعة ذاتها.

ثم أعطته يدها فجعل يلهبها بقبلاته الحارة، وقالت له: اذهب بأمن الله فإن روحي تحميك.

وخرج مونتيجرون من المركبة، وهو يكاد يفقد الرشد، وجعلت عينه تتلفت إلى المركبة فمتى بعدت عنه تلفت قلبه.

ووقف حينًا وقفة الحائر المضطرب، ثم ثاب إليه رشده فسار ماشيًا كي تطول المسافة ويجد وقتًا لتقرير الخطة التي يجب أن ينهجها مع البارون هنري.

وما زال سائرًا حتى وصل إلى نادي أسبرج، فوجد أعضاءه يقامرون ويلعبون الباكارا، وكان البنك بيد البارون هنري عدوه الجديد.

١٥

وكان اللاعبون منهمكين في المقامرة — وجميع أعضاء النادي مشتركون به — فكان كلهم يربحون ما خلا أصحاب البنك؛ أي البارون هنري، فإن الخسارة كانت مختصة به وحده، فكان حين دخل مونتيجرون منقبض الصدر لفداحة خسارته مقطب الحاجبين، على أنه كان وافر الثروة، ولكنه كان من أولئك الذين تؤثر بهم خسارة القمار أشد تأثير، فكان يتململ ويقول: أفٍّ لهذه الليلة! ما أنكد بختي فيها! فإني لم أربح مرة واحدة.

ثم لما رأى أن الخسارة مستمرة قال: إني أطلب تغيير هذا الورق فهو شؤم عليَّ.

فنظر إليه الحاضرون بجملتهم نظرات الإنكار، فقال لهم: ما بالكم تنظرون إلي هذه النظرات؟ ألا يحق لي تغيير الورق؟! إني لا أطلب إلا حقي.

فانبرى مونتيجرون من وراء اللاعبين، وقال: أرجوكم أيها السادة أن تعذروا حضرة البارون، فإنه صار من أهل الاقتصاد.

وقد ضحك إثر هذا القول ضحك تهكم واستهزاء، فقطب البارون حاجبيه، وقال: كيف تقول يا حضرة الفيكونت أني بِتُّ من أهل الاقتصاد؟!

فأجابه بلهجة المتهكم: هذا ما يقوله الناس يا سيدي وأنا أرويه عنهم.

– ألعلك تحسب الاقتصاد جريمة؟

– كلا، بل هو واجب، ولا سيما على من يكون في حالتك.

فنظر إليه البارون ببرود، وقال: ماذا تعني بما تقول؟

– لا أقول شيئًا إذ ليس ذلك من شأني.

– أتريد بما قلته أني أصبحت فقيرًا فاضطررت إلى الاقتصاد؟

– كلا، بل إني أعتقد أنك لا تزال من كبار الأغنياء.

– إذن ماذا أردت بما قلت؟

– أردت به يا عزيزي البارون أني سمعت الناس يتحدثون أنك محتاج إلى حفظ ثروتك لورثائك.

– أما ورثائي فليس لي وارث غير ابن أخت هو أغنى منى، وأنا أرجو أن لا يرثني إلا بعد دهر طويل.

– وأنا أرجو معك هذا الرجاء غير أن الناس لا يقصدون بورثائك هذا الوريث؟

– ماذا يقصدون؟

– يقولون يا سيدي إنك عشت زمنًا طويلًا في أراضيك.

– ذلك لأني أحب الخلاء، وأَفضِّل العيش في اللورين.

– ولأن بنات اللورين بارعات في الجمال.

فظهرت على البارون علائم نفاد الصبر، وقال: ما هذا الهزء يا فيكونت، وأي غرض لك فيه ونحن في مقام اللعب؟!

– إذا كان لم يرق لك، فعد إلى اللعب وافترض أني لم أقل شيئًا.

وكان مونتيجرون يشفع كل كلمة بلهجة تهكم ظاهرة، فوقف البارون هنري وقال: كلا فإنك جريت شوطًا بعيدًا ولم يعد بد من التوضيح.

– أي إيضاح تريد؟

– أريد أن تقول لي من هم هؤلاء الورثة؟

– ولكنك تعرفهم أكثر مني أم تريد أن يعرفهم جميع الحاضرين؟

وقد قال هذا القول وهو يبتسم ابتسام التهكم والهزء، بحيث اتضح لجميع الحاضرين أنه يقصد مخاصمة البارون بانتحال الأسباب.

فاصفر وجه البارون، وقال: نعم، أريد أن يعلم جميع الحاضرين وجميع الناس.

– إذن، ليعلموا أن ورثاءك خادمة منزلك وأولادها.

فوقع هذا القول على البارون وقع الصاعقة، وقال بصوت متهدج من الغضب: إنك كاذب نمام، وما هذه الفرية إلا من مختلقاتك.

أما مونتيجرون فإنه أخذ قفازه بملء البرود، وضرب به البارون وهو يقول: إن كلمة كاذب كبيرة يا بارون، وسأعيدها إلى صدرك.

فأخذ البارون القفاز عن الأرض فوضعه على المائدة، وقال: إنك تجدني يا فيكونت في الساعة السابعة من هذا الصباح في الغابات، وأحضر معك سيوفك وغداراتك؛ إذ يجب أن يموت أحدنا أو كلانا في هذا الصباح.

– هو ما تقول وسألاقيك في الموعد المعين.

ثم خرج من النادي والناس حائرون لهذا الخصام.

وجعل الحاضرون يستغربون اعتداء الفيكونت الظاهر، ويسألون البارون هنري عن الأسباب إلى أن أقسم لهم بأنه لا يعلم شيئًا من أسبابه، وأن الفيكونت كان كاذبًا فيما اتهمه به، فكفوا عن سؤاله، وعادوا يلعبون إلى الصباح، فخرج البارون هنري، وذهب إلى صديقين له من الضباط، وطلب إليهما أن يكونا شاهديه، وسار الثلاثة إلى الغابات، والبارون يفكر ويقول في نفسه: لقد فاتني أن أسأل أصحاب مونتيجرون إذا كان مصابًا بداء الغرام؛ فإني أخاف أن يكون لتلك المرأة يد في هذا الخصام.

وعند الساعة السابعة وصل مونتيجرون مع شاهديه مرميس وكازمير، فوجد البارون ينتظره مع شاهديه.

١٦

عندما خرج الفيكونت مع مرميس من القهوة الإنكليزية إلى بيت كازمير، حاول مرميس وهما على الطريق أن يقف على سر صديقه والسبب الذي دعاه إلى المبارزة، فلم يجبه الفيكونت، ولكنه قال له بعد إلحاحه: افرض أني أتبارز مع زوج امرأة أحبها.

فأضَلَّ هذا الجواب حساب مرميس، وظن أن مونتيجرون ذهب لمقابلة المرأة، فباغتهما زوجها واضطر إلى مبارزته، ولكنه كان يقول في نفسه: ألعل ذلك خيانة أم هو فخ نصبته تلك المرأة التي سمع ما كان يقول عنها البارون هنري في الأوبرا؟!

وحاول مرات كثيرة وهما على الطريق أن يقف على الحقيقة، ولكنه لم يظفر بمراده إلى أن وصلا إلى بيت كازمير، فدعاه الفيكونت وذهب الثلاثة في مركبة إلى الغابات.

وحاول كازمير أيضًا أن يستجلي الحقيقة، فما لقي غير ما لقيه مرميس من الخيبة.

ولما دنوا من المكان المعين للمبارزة قال مونتيجرون لشاهديه: إني أسألكما أن تقسما لي بشرفكما أنه مهما كانت نتائج هذه المبارزة فلا تحاولا البحث عن أسبابها.

فقال كازمير: إذن أنت تريد أن تكون نتيجة هذه المبارزة قتل أحدكما؟

– دون شك، وكل ما أطلبه إليكما أن تقسما لي هذا القسم، كي أقاتل مطمئن البال.

فأقسما له …

وبلغت المركبة بهم الغابات، فوجدوا مركبة في انتظارهم تقل ضابطين والبارون هنري، فلم يعلموا أيهم خصم صديقهم مونتيجرون حتى نزلوا من المركبة، ورأى مرميس أن الخصم هو البارون هنري صاحب الحديث عن المرأة في الأوبرا، فالتفت منذعرًا إلى مونتيجرون، وقال له مشيرًا إلى البارون: أهذا هو خصمك؟

– نعم …

– إذا كان ذلك فإني أسألك أن تسمع ما سأقوله لك قبل المبارزة.

فنفر الفيكونت وقال: أية فائدة من ذلك؟

– لو لم تكن هذه المباحثة واجبة لما طلبتها إليك.

– وإذا كنت لا أريد؟

– إني ألتمسها منك التماسًا.

فأفلت منه وانضم إلى الجماعة، وهو يقول: أرجوكم أيها السادة الإسراع.

غير أن مرميس لم يقنط من صديقه، فدنا منه وقال له بصوت منخفض: لقد علمت الآن لماذا دعتك هذه المرأة إلى مقابلتها، فإنها لم ترد بذلك غير حَمْلِك على قتل البارون هنري.

– حسنًا وبعد ذلك؟

– لا يحق لك أن تبارزه.

فضحك مونتيجرون ضحكًا عاليًا وقال: ألعلك تطلب إلي أن أسترضيه ونحن في ساحة المبارزة؟!

فتنهد مرميس، وأيقن أنه لا رجاء له بإقناعه فتركه وشأنه.

أما مونتيجرون فإنه دنا من كازمير وقال له: أصغ إليَّ، واسمع إرادتي الأخيرة، إني أريد أن تكون شروط المبارزة أن لا ينفصل أحدنا عن الآخر إلا بالموت.

فأطرق كازمير وكانت شروطًا هائلة، وخلاصتها: أن يقف كل من الخصمين على مسافة ثلاثين خطوة من رفيقه، ويطلق عليه رصاصتين، وإذا لم يسفر القتال عن قتل أحدهما عادا إلى إتمام المبارزة بالسيف.

وكان مرميس مصفر الوجه ينذره قلبه بمصاب أليم، فوقف المتبارزان في المواقف المعينة، وأشار أحد الشهود ببدء المبارزة، فتقدم البارون هنري خطوتين وأطلق غدارته، فلم يتحرك مونتيجرون؛ لأن الرصاصة مرت من فوق رأسه، فأخطأته ولم يطلق غدارته؛ لأنه انتظر أن يطلق خصمه غدارته الثانية.

وبعد لحظة أطلق البارون غدارته الثانية، فسقطت يد مونتيجرون التي كان يقي بها رأسه فجأة إلى جنبه؛ لأن رصاصة البارون كانت قد اخترقتها.

فأخذ مونتيجرون غدارته بيده اليسرى، وأطلقها على خصمه فلم يصبه، فصاح صيحة غضب وأطلق الثانية، فاضطرب البارون لكنه لم يقع، فأسرع الشهود ورأوا أن رصاصة مونتيجرون قد اخترقت ساقه، وقال أحدهم: كفى! إنكما لم تعودا تصلحان للقتال.

أما مونتيجرون فأبى، وقال: إننا نتم المبارزة بالسيف حسب الاتفاق.

فقال له مرميس: إن يدك اليمنى قد أصيبت، ولا تستطيع إدارة السيف بها.

– لا بأس، فإني أحسن استعمال اليسرى، إلا إذا كان البارون قد عجز عن القتال.

فأجابه البارون بسكينة: كلا إني لا أزال أستطيع الوقوف.

ولم يجد الشهود سبيلًا إلى معارضتهما، فأعطوا كلًّا منهما سيفًا، وعادا إلى القتال.

وجرى بينهما قتال هائل طال زمنه لمهارة الاثنين في قتال السيف.

وفيما هما يتقاتلان، وقد أخذ منهما التعب كل مأخذ، سمع الشهود صيحتين في حين واحد.

وذلك أن مونتيجرون هجم على خصمه هجمة منكرة، فاخترق بحسامه صدر خصمه، ولكن سيف خصمه اخترق صدره أيضًا عند هجومه، فسقط الاثنان على العشب في حين واحد.

١٧

في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم الذي حدثت فيه تلك المبارزة الهائلة ذهب مرميس إلى نادي أسبرج، فوجد جميع أعضائه يبحثون في سر هذه المبارزة الخفي، وكلهم منقبضو الصدر؛ لأنهم علموا أن مونتيجرون قد مات والبارون في حالة النزع.

وكان مرميس قد بقي أمام صديقه مونتيجرون إلى أن ذهبت روحه، وقد توسل إليه قبل موته بالدموع كي يخبره شيئًا عن المرأة التي سببت قتله، فأبر بقسمه ولم يبح بحرف، ولكنه قال له قبل الوفاة: خذ خصلة من شعري بعد موتي، وأرسلها إلى تلك المرأة فإنك تعلم أين تقيم.

ثم مات وهو يناجيها، فكان آخر كلمة قالها: أحبك.

فهاج فضول مرميس؛ لأنه أيقن أن تلك المرأة التي كانت سبب المبارزة هي نفس المرأة التي سمع البارون هنري يتحدث عنها في الأوبرا، ولكنه أحب أن يعلم مَنْ هي، فجاء إلى نادي أسبرج عَلَّه يقف على شيء من تاريخها.

وكان الأعضاء يتحدثون عن هذه المبارزة كما قدمناه، فاتفقوا جميعهم على القول: إنه لم يكن بين المتبارزين سبب ظاهر يدعو إلى القتال، إلى أن قال أحدهم: إن السبب فيه المرأة، وإن كليهما كانا يعشقانها.

فأجابه مركيز من الأعضاء: وأنا أرى ذلك محالًا؛ لأن البارون هنري لم يكن مقيمًا في باريس ولا يزورها إلا نادرًا.

– ليس في ذلك ما ينفي غرامه بإحدى نسائها.

– إنه كان يهوى الفتاة جورجيت، ولكنه جفاها وتناسى غرامها منذ عامين.

– قد يكون عالقًا بامرأة من البيوت الكريمة.

– ولكن المأثور عنه أنه لا ينتاب المنازل، وإذا جاء باريس لا يذهب إلا إلى الأوبرا وهذا النادي.

فتداخل عند ذلك مرميس، وقال: أما أنا فإني أؤكد لكم، أيها السادة، أن سبب هذا القتال لم يكن إلا المرأة؛ لأن مونتيجرون كان من عشاقها.

فقال المركيز: مَنْ هذه التي كان يعشقها؟

– هي امرأة حسناء لا أعرف اسمها، ولكني رأيتها وعلمت أنها واعدته على اللقاء في الليلة الماضية، وقد بقيت معه إلى الساعة الثانية من الصباح؛ أي إلى حين فارقني وذهب للقائها، وعاد في الصباح ينذرني بتلك المبارزة.

فقال له المركيز: تقول إن مونتيجرون ذهب للقائها في الساعة الثانية، وفي هذه الساعة كان البارون هنري في النادي معنا، ولم يفارقنا إلا بعد خصامه مع مونتيجرون، فكيف اتفقت هذه الغيرة والعاشقان لم يجتمعا لدى المرأة؟!

– هو ما تقول، غير أن البارون هنري كان في الأوبرا عند نصف الليل، وكنت أنا في لوج مجاور للوجه، فسمعتهم يتحدثون عن تلك المرأة التي يعشقها مونتيجرون.

– إذن من هي هذه المرأة؟

– لا أعلم! ولكني سمعت البارون يذكرها بكل سوء، وأنا واثق من صدقه في ما قاله عنها؛ لأنها كانت السبب الوحيد في تلك المجزرة، ثم إني أعتقد أنه يجب أن ننتقم لمونتيجرون، وأن نعاقب هذه المرأة أشد عقاب؛ ولهذا أتيت إليكم.

ونظر الجميع إلى مرميس نظرة انذهال، وقال له المركيز: كيف ننتقم منها ونحن لا نعرفها؟

– لكن البارون يعرفها، وهو لم يمت بعد.

– بل إن جرحه مميت وهو في حالة الاحتضار، لكنه لم يفقد الرشد.

– إذن ليذهب بي أحدكم إليه؛ لأني أثق أنه يخبرني باسم تلك المرأة متى أخبرته بما عرفته عنها.

– أنا أذهب بك إليه فإن منزله قريب.

وعند ذلك خرج مرميس والمركيز من النادي، وبعد عشر دقائق وصلا إلى منزل البارون، وطلبا مقابلته، فقال لهما أحد أصدقائه: لقد جئتما بعد فوات الأوان وا أسفاه!

فاضطرب مرميس وقال: ألعله مات؟!

– كلا، لكنه يحتضر، فلندعه يموت بسلام.

– ولكن يجب أن ننتقم له بعد الموت؛ لأنه مات ضحية خيانة امرأة، وكلمة تصدر من فمه تكشف لنا السر، وتمهد لنا سبل الانتقام، فدعني بالله أراه فقد أسمع منه هذه الكلمة.

وكان مرميس يكلمه بلهجة المتوسل، فلم يسعه إلا إجابته إلى ما أراد، فأخذه بيده ودخل به إلى البارون.

وكان البارون في حالة النزع غير أنه لم يفقد رشده، فلما رأى مرميس عرف أنه كان شاهد خصمه، فابتسم له، وتَمْتَمَ كلمة شكر.

أما مرميس فإنه دنا منه، وقال له: لقد كنت يا سيدي البارون في الأوبرا ليلة أمس، فسمعتك تذكر امرأة دون روميو، وإن مونتيجرون كان يحب تلك المرأة.

فاتقدت عينا البارون، كأنما قد نفض عنه غبار الموت، وأصغى إليه كل الإصغاء، فقال له مرميس: إن هذه المرأة يا سيدي هي التي سلحت مونتيجرون ودفعته إلى مبارزتك، فأستحلفك بالله يا سيدي أن تذكر لي اسم هذه المرأة كي تنال عقابها قبل أن تعاقب في السماء.

فتأثر البارون تأثرًا لا يوصف حين سمع أقوال مرميس، واستوى جالسًا في سريره، واتقدت عيناه بلهب، ثم انطفأت تلك الشعلة فجأة، وسقط ميتًا لا حراك فيه، ولكنه قبل أن يموت خرجت من فمه تلك الكلمة مع نفسه الأخير، وكانت تلك الكلمة «البستانية الحسناء».

١٨

وكان مرميس يعرف شيئًا من تاريخ هذه المرأة منذ عام، فإنه عرف من أعضاء نادي كريفيز حكاية هذه المرأة مع المركيز دي مورفر، الذي أعجز الشرطة أمر اختفائه كما تقدم في أول هذه الرواية، فلما سمع من فم البارون حين موته اسم تلك المرأة الهائلة ارتعش ارتعاشًا عظيمًا، غير أن البارون لم يذكر الاسم إلا لمرميس، فلم يسمعه إلا تلميذ روكامبول.

أما المركيز الذي صحب مرميس والأطباء الذين كانوا في ذلك المنزل، فإنهم لم يعلموا إلا أن البارون قد توفي، فلما خرج إليهم مرميس من غرفة الميت قال لهم: لقد أتيت بعد فوات الأوان.

وبعد هُنَيْهَة برح ذلك المنزل مع المركيز.

وكان مرميس يقول له وهما على الطريق: إني واثق من أنه لو علم البارون أن مونتيجرون يريد مبارزته من أجل تلك المرأة، لأكره خصمه بكلمة واحدة أن يرجع عن هذا القتال، وأن يصافحه مصافحة الأصدقاء.

– ومن هي تلك المرأة السرية؟

– أصغِ إلي أيها المركيز، ألا ترى على وجهي علائم الاضطراب؟!

– نعم وأرى أيضًا علائم العزم الأكيد على أمر يجول في خاطرك.

– هو ما تقول أيها المركيز، لقد أقسمت يمينًا منذ خمس دقائق أمام جثة البارون.

– وما هذه اليمين؟

– هي أن أنتقم لمونتيجرون وللبارون.

– ولكن كيف تنتقم لهما؟

– أتقسم لي بالشرف أن تبقي ما أقوله لك طي الكتمان؟

– نعم أقسم.

– إذن اعلم أن البارون قبل أن يموت ذكر اسمًا، وهذا الاسم سيرشدني بإذن الله إلى كشف جريمة هائلة.

– ألعلك محتاج إليَّ؟!

– لا أحتاج إلى مساعدتك الآن، ولكني إذا احتجت إليها أذهب إليك.

– وأنا أكون سعيدًا لخدمتك.

– إذن إلى اللقاء أيها المركيز.

– ألا تذهب معي إلى النادي؟

– كلا.

– وإذا سألوني عما جرى فماذا أقول لهم؟

– قل إنه مات حين دخولنا إليه، فلم نقف منه على شيء.

ثم افترق الاثنان فعاد المركيز إلى النادي، أما مرميس فإنه نظر في ساعته، وقال: لا تزال أمامي ساعتان لفض رسالة روكامبول.

ثم ذكر أن مونتيجرون أعطاه خصلة من شعره كي يعطيها بعد موته لتلك المرأة، فقال: لا يزال الوقت فسيحًا لدي، فلأذهب إليها بهذه الحجة.

وركب مركبة من مركبات الأجرة، فأمر سائقها أن يذهب به إلى الشانزليزيه رقم ٦٩.

وبعد حين وصلت المركبة إلى ذلك المنزل، فأطلقها مرميس، وجعل يفحص ذلك المنزل الذي وقف أمامه، فشاهد منزلًا جميلًا كائنًا في وسط حديقة تكتنفها أشجار باسقة، ولم يرَ غير نور واحد ينبعث من خلال إحدى النوافذ.

وعَوَّل مرميس على الدخول وطرق الباب، فأقبل خادم وفتح له، فلما رآه الخادم أظهر الانذهال، وقال بأدب: أظن أن سيدي مخطئ ضل عن القصد.

– كلا، أليس هذا منزل دون روميو فيجير؟

– نعم.

– ألعل دون روميو في المنزل؟

– كلا، يا سيدي فهو في النادي.

– والسيدة؟

– هي في المنزل، ولكنها لا تقبل زيارة أحد حين غياب زوجها.

فأخرج رقعة زيارة، وقال له: اذهب بها إلى السيدة، فمتى وصلت إليها تستقبلني دون شك.

ثم دخل إلى الحديقة غير مكترث للخادم، ولكنه بدلًا من أن يعطيه رقعة زيارة زيارة باسمه أعطاه رقعة من رقاع مونتيجرون.

فسار بها الخادم إلى سيدته وهو يتبعه حتى دخلا إلى المنزل، فسبقه الخادم إلى غرفة السيدة، فأعطاها الرقعة ثم عاد إليه، وقال له: إن مولاتي تنتظر سيدي الفيكونت.

فدخل مرميس إلى تلك المرأة التي قتلت رجلين بكلمة من فمها، فوجدها جالسة على مقعد شرقي، فنظرت إليه نظرة تدل على السلامة، وقالت له: يسرني أن أراك يا سيدي الفيكونت مونتيجرون؛ لأن زوجي دون روميو طالما حدثني عنك.

فقال في نفسه: لقد بدأت تمثل دهاءها فلنحذر، ثم دخل وأخذ يتمعن في وجهها، فوجدها مبتسمة ساكنة، ولم يبد عليها شيء يدل على التأثر.

وبعد أن جلس قالت له: لقد عرفت يا سيدي، ما دعاك إلى هذه الزيارة؟

– كيف عرفت ذلك يا سيدتي؟

– لقد أخبرني زوجي أنه ربح منك في النادي ليلة البارحة مبلغًا كبيرًا، وأنك آت لوفائه حسب العادة المتبعة بينكم، فإن دين القمار يجب وفاؤه قبل مرور ٢٤ ساعة عليه.

فلما رأى مرميس تماديها في التنكر أراد أن يضع لها حدًّا، فقال: لقد اشتد بيننا سوء التفاهم يا سيدتي.

– كيف ذلك؟

– ذلك لأني لست الفيكونت مونتيجرون.

فوقفت وقالت له بلهجة الإنكار: إذا لم تكن الفيكونت مونتيجرون، فمن أنت؟!

– صديق له.

– إذن أنت قادم من قبله؟

– دون شك يا سيدتي، ثم أخرج من جيبه محفظة صغيرة فأخرج منها خصلة الشعر التي أعطاه إياها الفيكونت وقدمها لها، فتظاهرت بالانذهال العظيم، وقالت: ما هذا المزاح؟

– إني لا أمزح يا سيدتي، فإن الفيكونت تبارز في صباح اليوم مع البارون هنري.

فلم تظهر المرأة شيئًا من علائم التأثر، وقالت: من هو البارون هنري؟

– هو رجل كان قبل هذه المبارزة من أصدقاء خصمه.

– ولماذا تبارزا؟

– من أجل امرأة كان البارون يقول: إنها من شر النساء، وكان الفيكونت يحبها حب جنون.

– وما كانت نتيجة المبارزة؟

– مجزرة يا سيدتي، الفيكونت مات بعد ظهر اليوم.

– والبارون؟

– مات منذ ساعة.

– إنك تروي لي خبرًا هائلًا يا سيدي، أحقيقة أن هذه المبارزة كانت مجزرة؟

– أصغي إلي يا سيدتي إن الفيكونت عهد إلي قبل موته أن أذهب إلى تلك المرأة، فأقول لها إنه مات سعيدًا؛ لأنه مات من أجلها، وكلفني أن أقص خصلة من شعره وأعطيها لهذه المرأة، ثم قدم لها خصلة الشعر.

فتراجعت المرأة إلى الوراء ونظرت إليه نظرة هائلة، ثم قالت: لا شك أنك منخدع يا سيدي، فما أنا تلك المرأة التي مات من أجلها الفيكونت.

– ولكنه ذكر اسمك يا سيدتي.

– هذا محال.

– ألست امرأة دون روميو؟

– دون شك.

– إذن أنت هي المرأة التي مات من أجلها الفيكونت.

فقالت له بلهجة دلت على اضطرابها: إن موعد رجوع زوجي من النادي قد اقترب، وإننا وإن كنا في زمن المرافع فقد لا تعجبه منك هذه الممازحة التي جسرت عليها.

– قلت لك يا سيدتي: إني لا أمزح، وإذا شئتِ برهانًا على ما أقول فاعلمي أن الفيكونت كان له صديق يدعى المركيز مورفر.

فاضطربت المرأة اضطرابًا خفيفًا، وقالت: اعذرني يا سيدي فإني غريبة لا أعرف أعيان العائلات الفرنسية.

– اصبري يا سيدتي، فإن هذا المركيز قد اختفى ويظنون أنه قتل.

فظهرت عليها علائم نفاد الصبر، وقالت له: ماذا تهمني هذه الأمور؟

– ألم أقل لك: إن المركيز كان صديق الفيكونت؟

– حسنًا وبعد ذلك؟

– لقد كان للمركيز المختفي أو المقتول صديق آخر يُدعى البارون هنري، ولإحدى النساء يدٌ في اختفائه بل في قتله على الأرجح.

فوقفت عند ذلك وقالت: يظهر لي أنك مختل الشعور، فحوادثك قد تراكمت حتى بِتُّ مكرهة لأسألك إرجاءها إلى الغد.

– كلمة أيضًا يا سيدتي قبل أن تطرديني، ثم وقف بينها وبين الباب كي يحول عدم خروجها، وقال: هذه المرأة التي سببت قتل الفيكونت ومورفر قد ذكر لي البارون هنري اسمها الحقيقي قبيل وفاته، وهذه المرأة تُدْعَى البستانية الحسناء؛ أي أنت يا سيدتي.

فتراجعت منذعرة إلى الوراء وقالت: مَنْ أنت أيها الرجل؟

– أنا هو الرجل الذي سيريح الأرض من شرورك، وينتقم للموت بالموت، فذعرت البستانية حين رأت الخنجر يلمع في يد مرميس.

١٩

وكان ذعر البستانية شديدًا، فقالت له بصوت يتهدج: رحماك لا تقتلني.

ثم ضمت يديها وجعلت تنظر إليه نظرة المتوسل، فقال لها: ليس الفضول الذي جاء بي إليك، ولكني أقسمت يمينًا لا بد لي من البر بها …

– ماذا تريد مني؟

– أريد أن أعلم.

– ماذا؟

– إذا كنت حقيقة تلك المرأة الملقبة بالبستانية الحسناء.

– نعم أنا هي.

– إذن أنت تعلمين ما حدث للمركيز دي مورفر؟

وركعت وقالت: لا تسألني عن هذا المركيز.

– بل أريد أن أعرف كل خفي من أمره، أو أقتلك في الحال شر قتل.

وكانت علائم الرعب بادية في وجهها حتى أيقن مرميس أنها باتت في قبضة يده، فقال لها: إننا الآن في الغرفة، وفيها نافذة تشرف على الحديقة، فإن خطر لك أن تستغيثي قتلتك وهربت من النافذة قبل أن يصل إليك أحد.

فعضت يديها من اليأس، ثم قالت: ولكن أسرار هذا المركيز ليست أسراري.

– سيان عندي، فقد أقسمت أن أعلم أين مات المركيز وكيف مات، ولا بد لي أن أعرف كل شيء.

ولما تبينت هذه المرأة صدق العزم من لهجة مرميس، وعلمت من اتقاد عينيه أنه يقتلها لا محالة إذا أصرت على الإنكار، قالت له: إن حكاية المركيز مورفر طويلة يا سيدي، وقد كتبتها بجملتها ووضعتها في هذه الخزانة التي تراها، وهذا مفتاحها.

ثم أخرجت مفتاحًا صغيرًا كان معلقًا في عنقها، فدفعته إليه وقالت: إذا كنت غير واثق بي فافتحها بيدك.

فأخذ مرميس المفتاح وذهب إلى باب الغرفة وأقفله من الداخل، وعاد إلى الخزانة ففتحها، فقالت له: ألا ترى درجًا صغيرًا في الجهة اليمنى؟

– نعم.

– افتحه تجد فيه تلك الأوراق.

ففتحه دون حذر، ولكنه ما لبث أن فتح حتى خرج منه دوي شديد، وبرزت من جوف الجدار المسندة إليه الخزانة آلتان من الحديد امتدتا كالذراعين طوقتا بغتة مرميس، ثم انضمتا عليه فلم يعد يستطيع حراكًا.

وذلك أن هذه الخزانة كانت من تلك الخزائن التي اخترعوها للوقاية من اللصوص، فوضعت فيها تلك الآلة السرية للقبض على السارق، وجعل الدوي للتنبيه إليه، فإذا فتح الدرج يضغط على لولب فيه متصل بالآلة السرية، فيمتد الذراعان الحديدان ويلتفان على من يعثران به.

ويوجد كثير من الصناديق الحديدية التي توضع فيها أموال المصارف إذا فتحت على غير طريقتها المعروفة خرج منها رصاصة قتلت السارق، غير أن خزانة البستانية الحسناء كانت آلتها معدة للقبض على السارق والتنبيه إليه فقط دون أذيته.

ولما علم مرميس بالمكيدة وأحس بتلك الآلة الضاغطة صاح صيحة منكرة أجابته البستانية عليها بقهقة الساخر.

وبينما هو يحاول التخلص من هذا القيد الشديد عبثًا دنت منه، وقالت له: إنك أصبحت يا سيدي في قبضة يدي، وبكلمة واحدة تخرج من فمي يقضى عليك، ولكني أشفق على شبابك وأسديك النصيحة نفسها التي أسديتها إلى مونتيجرون من قبلك، وهي: «لا تتدخل في شئوني.»

ونظر مرميس إلى وجهها فوجد عليها علائم الهزء، ولكنه رأى عينيها تتقدان، وكان الخادم قد سمع دوي الآلة فأقبل وطرق الباب، فقالت له البستانية من داخل الغرفة: عد إلى شأنك فلست محتاجة إليك.

ثم ذهبت إلى النوافذ فأقفلتها إقفالًا محكمًا، وأسدلت عليها الستائر ودنت من الجدار، فضغطت على لولب، ففتح باب سري لم يره مرميس من قبل وخرجت منه.

وبقي مرميس وحده يحاول التخلص من قيده فلا يستطيع، وقد أنهكت قواه، ودخل الرعب قلبه، ثم رأى نورًا قد اتقد فجأة بالقرب منه، وجعل يخرج منه دخان أبيض كدخان تبغ فيملأ الغرفة، ثم يتكاثف ويصبح كالغيوم المتلبدة.

وانذهل لهذا الدخان الفجائي ورآه يدنو وهو يحمل رائحة عطرية تملأ خياشيمه، ثم تكاثر الدخان وأحاط به، فسر برائحته العطرية ووجد بها لذة عجيبة سكنت غضبه، وكان شأنه شأن من يعالج همه بشرب الراح، فلا يشرب بضع كاسات حتى تنجلي الغمامة السوداء عن مستقبله، ويراه بلون الورد إذ ينظر إليه من خلال أقداح الخمر.

ثم جعل ذلك النور الذي رآه قد اتقد فجأة يضعف ويأخذ بالخمود حتى أصبح كالجمر، ثم انطفأ، ولكن الدخان كان لا يزال يتكاثف، وهو يتنشق رائحته بملء الارتياح ويشعر بتخدير جسمه تباعًا.

وبعد ربع ساعة أطبقت عيناه، فأطلقت الآلة الحديدية سراحه وارتدت إلى موضعها، غير أنه لم يخطر له الفرار في بال، وانطرح في أرض الغرفة، وجعل يتلذذ بتلك الرائحة العجيبة، وقد استرخت مفاصله وانحلت قواه، ومع ذلك فقد كان يشعر أنه أسعد إنسان.

٢٠

وكان مرميس في حالة سكر شديد تشبه حالة متعاطي الحشيش، فكانت عيناه مطبقتين، ولكنه لم يكن نائمًا، بل كان يشعر بكل ما يجري حوله.

وقد حاول أن يقف مرتين فلم يستطع، ولكنه أفرغ جهده في المرة الثالثة، فمشى خطوتين وهو يتمايل حتى وصل إلى الكرسي الذي كانت جالسة عليه البستانية، فسقط أمامها خائر القوى وعاد إلى حالته القديمة.

ثم شعر فجأة أن الدخان قد تبدد، وشعر بنور جديد دخل إلى الغرفة، ففتح عينيه ولم ير شيئًا، ولكنه شعر أن جميع حواسه منصرفة إلى البستانية الحسناء، وأن تلك المرأة التي هجم عليها بخنجره قد تمثلت له بجمال باهر يدهش الأبصار، فأغمض عينيه وقال: ما أجمل هذه المرأة! وكم يجب أن تُحَب؟!

وعند ذلك سمع وقع خطوات في الغرفة، ففتح عينيه ورأى البستانية تدنو منه وهي تبتسم ابتسامًا يفتن العابد، فجلست على الكرسي وهو منطرح تحت قدميها، وقالت: ألا تظن أنه يجب أن يحبني الناس؟

– نعم فإنك أجمل امرأة على الأرض، ولعلك هاربة من السماء.

فأخذت يده بين يديها، وقالت له بدلال: وأنت ألا تحبني؟

فلم يدر ماذا يجيب، وحاول أن ينهض ويطوق عنقها بذراعه فلم يستطع الوقوف.

– أرى أنك تحبني، فكيف أحببتني؟ أما كنت منذ هنيهة عازمًا على قتلي؟

– لا أعلم سوى أني أحبك، مُرِي أطع فإني أصبحت من عبيدك …

وطوقته البستانية بذراعيها، وقالت: إنك فتى جميل باسل تستحق أن تحل في قلبي، ولكني أحب أن أعلم لماذا تريد أن تنتقم لمونتيجرون؟

وكأنما هذا الاسم قد أثر تأثير الكهرباء بمرميس، فاتقدت عيناه ببارق من الصواب، وحاول أن يجمع هداه، لكن المخدر كان مؤثرًا به شر تأثير، فقال: مونتيجرون من هو هذا الرجل، فإني لا أعرفه؟!

وعلمت البستانية أن جسمه قد تخدر تمامًا ولا سبيل إلى الوقوف على الحقيقة منه، وعادت إلى مداعبته والهزء به إلى أن أطبق عينيه، وطار فكره إلى عالم الأرواح.

•••

ولما استفاق مرميس من هذه السكرة وفتح عينيه شعر بهواء بارد، ورأى أنه كان نائمًا على أرض رطبة، وتطلع إلى ما فوقه، ورأى السماء ملبدة بالغيوم، وأن الفجر قد انبثق، وكل ما كان يراه من آثار البستانية قد زال.

وقد وجد نفسه مستلقيًا على ظهره في أرض يبنون فيها منزلًا، وقد رض جسمه، ووجد أن حواسه لا تزال مضطربة من آثار ذلك الدخان الذي كان يستنشقه فأسكره تلك السكرة التي أضاعت رشاده.

ونهض وجعل يحرك أعضاءه حركات عنيفة كي يعيد إليها لينها العادي، ثم خرج من ذلك المكان الرطب الذي نام فيه ليلته فافترش الأرض والتحف السماء.

وكان أثناء سيره يذكر ما مر به من الحوادث، فذكر قتل مونتيجرون والبارون هنري، ثم ذهابه إلى البستانية الحسناء، وتلك الآلة الحديدية التي قبضت عليه وجعلته عاجزًا عن الدفاع، ورائحة الدخان العطرية، ونظرات تلك المرأة التي كان منطرحًا تحت قدميها، فثار غضبه وهاج فؤاده وقال: إن هذه المرأة قد عبثت بي كما عبثت بمونتيجرون، والبارون هنري، ودي مورفر، غير أني تلميذ روكامبول، وسترى هذه الحسناء ما يكون مني.

وما مشى بضع خطوات حتى اهتدى إلى طريقه، فسار توًّا إلى منزل فاندا.

وكانت فاندا تنتظره بفارغ الصبر، فقالت له: كيف تأخرت إلى الآن؟ ألعلك نسيت كتاب الرئيس؟

– لقد أصبت؛ فقد كان موعد فتحه أمس في منتصف الليل، فاعذريني فليس الذنب ذنبي.

ثم جلس بقربها دون أن يخبرها بشيء مما جرى له، وفض ذلك الكتاب المحتوي على أوامر روكامبول.

٢١

إن الغلاف الذي فضه مرميس كان محتويًا على رسالة وكراس ضخم، فوضع الكراس على حدة وقرأ الكتاب، وهو كما يأتي:

يا أصحابي

إني بعد دقائق قليلة أكون قد برحت باريس إلى الهند، فإذا صدق حسابي عدت من تلك البلاد بعد عامين، على أني إذا لم أعد فعليكم أن تنفذوا إرادتي فأصغوا إليَّ.

إنك يا فاندا كنت سيدة عظيمة، ثم هبطت إلى الحضيض قبل أن أعرفك.

وأنت يا مرميس كنت لصًّا سفاكًا قبل أن ألتقي بك وأهديك.

وأنت يا ميلون، إنك الوحيد بيننا الذي لم ترتكب إثمًا فيما مضى من أيامك الطاهرة، ولكنك أصبحت مثل رفيقيك شريكًا لروكامبول الذي انقلب من الشر إلى الخير، ويجب أن تعمل ما يعملانه.

إني عندما هربت من سجن طولون أيها الأصحاب علمت أن الله لم يطلق حريتي إلا على أن أنفق كل ساعة من ساعات حياتي في صنع الخير استغفارًا عن زلاتي، وأنتما يا فاندا ويا مرميس قد أذنبتما مثلي وتبتما توبة صادقة مثلي، فوجب عليكما أن تضحيا حياتكما في سبيل الخير مثلي، فإن حياتنا لم تعد لنا، بل لكل بائس منكود وشقي مظلوم.

إذن اسمعوا، إني بينما كنت أمس أعد معدات سفري جاءني كتاب دون توقيع، فقرأت فيه ما يأتي:

إذا كان الرجل الذي يدعو نفسه روكامبول والماجور أفنتار لا يزال نصير المظلومين وعدو الظالمين، فليتفضل بالحضور إلى شارع منيلمونتان نمرة ١٦ حيث يجد أتعس إنسان في الوجود.

فلما تلوت الكتاب ذهبت مسرعًا إلى ذلك الشارع، ولما بلغت المنزل أسرع إليَّ غلام صغير هزيل تدل عيناه على الذكاء، وسألني: هل أنت يا سيدي الذي يدعونه روكامبول؟

– نعم …

إذن اتبعني فإن أمي كانت واثقة من حضورك.

ثم سار أمامي فتبعته إلى غرفة حقيرة في آخر دور من أدوار المنزل، ودخل الغلام إلى الغرفة وقال: هو ذا روكامبول يا أماه!

ودخلت في أثره ووجدت سريرًا خشبيًّا في زاوية الغرفة، وعليه امرأة صفراء الوجه هزيلة الجسم تدل عيناها على الضنك، غير أن آثار الجمال النادر لا تزال بادية عليها.

وجعلت تلك المرأة تنظر إلي وتبتسم، ثم مدت إلي يدها، وقالت: لم يكن عندي شك بحضورك، أما أنا فقد خيل لي أني أعرف هذه المرأة منذ عهد بعيد، ولكني لم أذكرها، ولما رأتني أحدق بها هذا التحديق قالت لي: إنك لم تعرفني، ولكني عرفتك، ألا تذكر الفيروزة يا روكامبول؟ (راجع رواية التوبة الكاذبة).

فانذهلت وقلت: أنت هي الفيروزة؟

– نعم إنك عرفتني منذ عشرة أعوام حين كان عمري ٢٠ عامًا.

– ولكن ماذا أصابكِ؟ وكيف بلغتِ إلى هذا الشقاء؟!

– إن حديثي طويل لا أستطيع أن أقصه عليك؛ لأني أشعر بدنو الأجل، لكني كتبت جميع حكايتي.

ثم مدت يدها إلى تحت وسادتها، وأخرجت هذا الدفتر الذي ترونه في طي الغلاف، وأعطتني إياه وقالت: أتعلم أني كنت آخر خليلة للمركيز «دي مورفر»؟

فانذهلت انذهالًا عظيمًا؛ لأني كنت عرفت اختفاء هذا المركيز، فابتسمت وقالت: لقد كنت خاطئة كما كنتَ أنت، وارتكبت ذنوبًا هائلة كما ارتكبت أنت، ولكني تبت توبتك، وبِتُّ أرجو عفو الله ولا أبالي بالموت، ولكني مشفقة على هذا الصغير الذي أوصلك إليَّ.

ألعله ابنك؟

– كلا، إنه يعتقد أني أمه، ولكنه ابن المركيز دي مورفر.

– ولكن المركيز دي مورفر قد اختفى.

– نعم …

– ألعله قُتِل؟

– كلا …

– ولكنه مات …

– كلا فإنه لا يزال حيًّا يرزق.

– إذن أين هو؟ وماذا جرى له؟

– اقرأ هذا الدفتر تعلم منه كل ما تريد.

– وأعطتني الدفتر وقد اصفر وجهها وغارت عيناها، فقالت: إني واثقة من أني سأموت هذه الليلة.

– بل تعيشين عمرًا طويلًا، وسأهتم بك كل الاهتمام.

– بل أقصر همك على هذا الغلام، أما أنا فإني سائرة إلى الأبدية، أما ترى الموت يجول بين عيني؟ فأقسم لي بالله أنك تقرأ ما كتبته في الدفتر، وأنك تنتقم للمظلوم.

ولما أقسمت لها قالت: لقد أصبت باعتمادي عليك، ثم مدت يدها إليَّ شاكرة واغرورقت عيناها بالدموع.

أما أنا فقد رأيت علائم الموت بادية بين عينيها، وأنها لا تعيش إلا بضع ساعات، ولكني مع ذلك أحضرت لها طبيبًا وممرضة، وقلت لها: إني سأعود صباح غد لأراك.

ثم خرجت من عندها ومعي الدفتر.

وفي صباح اليوم التالي أعددت معدات السفر إلى الهافر، وذهبت لعيادة الفيروزة، ووجدت أنها قد ماتت في الليل، وكان الغلام واقفًا يبكي، فدفعت إلى بواب المنزل نفقات دفنها، وأخذت الغلام إلى دير للراهبات في شارع البوسطة، فوضعته فيه، ودفعت عنه راتب ثلاثة أعوام مقدمًا، وقيدت اسمه بدفاتر الدير باسم «مكسيم لوران» فقبلوه بهذا الاسم.

والآن إذا فتحتم كتابي بعد مضي عامين؛ أي إذا لم أعد من الهند قبل انقضاء هذه المدة، فاعلموا أنه يجب عليكم أن تفعلوا ما عُهِدَ إليَّ بفعله، وإذا كنتم قد فتحتم هذا الكتاب، فاعلموا أني قد مت في الهند، وخلفت لكم هذه المهمة إرثًا تتقاسمونه على السواء، فاحذروا من التهاون في قضائها، فإني أقسمت يمينًا للفيروزة قبل أن تموت.

روكامبول

٢٢

لما تلا مرميس كتاب روكامبول دفعه إلى فاندا، وقال لها: اقرئي.

فقرأته فاندا بصوت مرتفع أمام ميلون، فتحمس ميلون وقال: لنفعل ما يريده الرئيس.

فقال مرميس: أظن أني بدأت بإنفاذ أوامر الرئيس دون أن أعلم.

فقالت له فاندا: كيف ذلك؟!

– أصغيا إلي، فسأوضح ما قلت: إن هذا الكتاب الذي قرأناه الآن يدل على أن هذا الدفتر الذي لم نقرأه بعد، خاص بالمركيز دي مورفر، وقد رَوَيْتُ لكم في العام الماضي حكاية اختفاء هذا المركيز، وما كان له من التأثير.

ثم أزيدكما على ما تعلمانه أن صديقه مونتيجرون قد بذل جهده للوقوف على آثاره فلم يفز، وقد قُتِلَ هذا المسكين أمس في مبارزة، والذي قتله صديق له يُدْعَى البارون هنري.

فقالت فاندا: وما سبب المبارزة؟

– إن مونتيجرون كان يهوى امرأة تكره البارون هنري.

– ومن هي هذه المرأة؟

– هي تلك البستانية الحسناء التي وجدوا في منزلها، منذ ثلاثة أعوام، مِثَالًا من الشمع يشبه المركيز دي مورفر شبهًا عجيبًا خدع به رئيس البوليس نفسه.

– إذن هذه المرأة مقيمة في باريس؟

– نعم، وقد أنفقت جانبًا من الليل بقربها.

ثم حكى لهما جميع ما اتفق له تلك الليلة مع البستانية الحسناء، التي انتحلت لنفسها اسم دون روميو.

ولما انتهى من سرد حكايته قال لفاندا: والآن فإني أستشيرك فيما يجب أن أفعله، فهل ينبغي أن نقرأ هذا الدفتر الضخم؟ أم نستوثق قبل قراءته إذا كانت البستانية لا تزال في باريس؟!

فقالت فاندا: إني أرى الرأي الأخير أولى بالاتباع، فإننا نستطيع أن نقرأ الدفتر في كل حين.

فقال عند ذلك مرميس لميلون: هلم معي لنغير زِيَّنَا ونذهب إلى بيت البستانية.

وامتثل ميلون ودخل الاثنان إلى الغرفة، وبعد ربع ساعة خرجا منها وهما متنكران أشد التنكر، بحيث إن فاندا نفسها أوشكت أن لا تعرفهما.

فقال مرميس: إن هذه الحسناء التي كنت عاشقها بالأمس إذا عرفتني بعد هذا التنكر لا أكون من تلامذة روكامبول.

ثم سار مع ميلون إلى بيت البستانية، فقال له على الطريق: إنك ستقول في ذلك البيت الذي نحن ذاهبان إليه أني ابن أخيك، وأني من الماهرين في سوق المركبات، وقد بلغك أن دون روميو محتاج إلى سائق لمركباته، فجئت بي لإدخالي في خدمته، وفي خلال الحديث نعلم إذا كانت البستانية الحسناء باقية في باريس أم لا.

وذهب الاثنان حتى وصلا إلى ذلك المنزل، فقرع مرميس بابه الخارجي ففتح الباب، واستقبلهما الخادم وسألهما عما يريدان.

– بلغنا أن الدون روميو محتاج إلى سائق، أليس كذلك؟

– لا أعلم.

– إني جئت كي أعرض عليه خدمة ابن أخي هذا، فإنه من حُذَّاق الماهرين في هذه الصناعة.

– إن سيدي قد خرج الآن من المنزل على جواده.

– متى يعود؟

– في الساعة الحادية عشرة.

وعند ذلك فتحت نافذة الغرفة المشرفة على الحديقة، وبرز منها وجه البستانية الحسناء، فرآها مرميس، وقال لميلون بلغة اصطلاحية: هذه هي، فرآها مليون أيضًا.

ثم خرج الاثنان وقالا للخادم: إننا سنعود حين عودة سيدك، ولما بعدا بضع خطوات عن المنزل قال مرميس لميلون: يجب أن تبقى هنا لمراقبة المنزل.

– وإذا خرجت منه؟

– اتبعها إلى حيث تسير فلا يفوتك أثرها، أما أنا فإني عائد إلى فاندا، ثم تركه وانصرف.

وجلس ميلون فوق حجر ضخم على بعد عشرين خطوة من المنزل، فكان بابه ظاهرًا له بحيث لا يخرج أحد منه دون أن يراه، ولبث على ذلك ساعتين، ورأى الخادم خرج كثيرًا، فكان يغيب حينًا ثم يعود دون أن ينتبه إليه.

ثم رأى فارسًا وصل إلى باب المنزل فترجل عن جواده، ودخل وقد تمعن به ميلون فوجده رجلًا قويًّا يبلغ الأربعين من العمر، أسمر الوجه، تدل ملامحه على أنه من الإسبانيين.

فلما رأى ميلون أنه دخل إلى المنزل ورآه ممتطيًا جوادًا، أيقن أنه دون روميو نفسه، فأقبل إلى البواب ففتح له، وقال: إنك تريد أن ترى دون روميو؟

– نعم، فإني أحب أن أعرض عليه خدمة ابن أخي.

– أين هو ابن أخيك؟

– لقد طال عليه الانتظار، فأرسلته يتجول في باريس، ولكنه سيعود قريبًا، فأرجوك أن تذكرنا أمام مولاك.

– بل ستكلمه أنت، فإنه سيخرج قريبًا مع السيدة، ألست أنت حوذيًّا كابن أخيك؟

– نعم.

– إذا لم يكن لديك عمل فقد وجدت لك عملًا.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن سائق مركبات سيدي مريض، والذي يسوق مركبته الآن يخشى منه، لا سيما وأن الجياد قوية، فإذا جمحت لا يستطيع كبحها.

فقال ميلون في نفسه: إن مرميس أمرني أن أقتفي أثر هذه السيدة أين ذهبت، وهذه خير فرصة لاقتفاء أثرها دون مشقة، ثم قال للخادم: إني اعتزلت هذه المهنة منذ عهد غير بعيد، ولكني سأعود إليها راجيًا أن تروق خدمتي لسيدك فيُعَيِّن ابن أخي.

– إذن تعال معي إلى الإصطبل لإعداد المركبة، فامتثل له ميلون.

وبعد ساعة كان ميلون جالسًا مجلس السائق في مركبة البستانية الحسناء وبقربه خادم، ثم أقبل دون روميو والبستانية الحسناء وصعدا إلى المركبة.

فسأل ميلون الخادم: إلى أين يريدان الذهاب؟

– إلى سانت مالديه، فإنهما استأجرا منزلًا في الغابة للمصيف فيه، وأرسلت إليه العمال لإصلاحه فهما ذاهبان لتفقد الأعمال.

فقال ميلون في نفسه: لم يبق سبيل للخوف من سفر هذه البستانية، وهي قد استأجرت منزلًا للمصيف.

وأطلق أعنة الجياد فانطلقت تنهب الأرض من شارع إلى آخر، حتى بلغ بها إلى منزل معتزل تحيط به الأشجار من كل الجهات، أوقفه الخادم عند بابه وقال: لقد وصلنا.

ثم نزل وفتح باب المركبة، فخرج منها دون روميو والبستانية، ودخلا إلى ذلك المنزل.

وكان بالقرب من ذلك المنزل حانة يختلف إليها العمال حين فراغهم، فأشار الخادم لميلون إليها، وقال له: هلم بنا إلى هذه الحانة نشرب كأسًا من الخمر، فإن سيديَّ لا يخرجان من المنزل قبل ساعة.

– حبًّا وكرامة، ونزل ميلون من المركبة فتركها عند باب المنزل، وسار مع الخادم إلى الخمارة فدخلا إليها.

وكانت تلك الخَمَّارة مقفرة لا يوجد فيها غير صاحبتها وهي عجوز شمطاء، فطلب إليها الخادم زجاجة بيرا، وجلس حول مائدة مع ميلون يشربان.

ولم يفرغا من شربها حتى دخل اثنان من العمال إلى الخمارة، ثم دخل عامل آخر، ثم تلاه اثنان أيضًا، فجلس جميعهم حول المائدة التي كان جالسًا عندها ميلون والخادم.

وعند ذلك قامت تلك العجوز إلى باب الخمارة، فأحكمت إقفاله من الداخل، فداخل الرَّيْب قلب ميلون، وقال لرفيقه: لماذا تقفل المرأة هذا الباب؟

– سوف تعلم أيها الرفيق.

ثم أشار إشارة إلى أولئك العمال الذين دخلوا، فانقضوا فجأة على ميلون، وألقوه على الأرض بالرغم عن دفاعه الشديد وقوته الهائلة.

٢٣

وبينما ميلون قد وقع في الفخ، كما تقدم، كان مرميس قد ذهب إلى فاندا، وجعلا يقرآن دفتر الفيروزة الضخم، وكان عنوان هذا الدفتر «الميت الحي»، وهو منقسم إلى أبواب وفصول كالكتب المعدة للطبع.

ففتحه مرميس وبدأ يقرأ ما يأتي:

الفصل الأول من كتاب الفيروزة

في ليلة اشتدت أنواؤها من ليالي الشتاء الباردة سنة ١٨٢٣، وقفت مركبة في شارع لوفوا، ونزل منها رجل، وكان هذا الرجل متشحًا برداء كبير، فدفع أجرة السائق وأطلق سراحه.

ثم سار في ذلك الشارع، وهو كلما سار خطوة يلتفت إلى الوراء، كأنه يخشى من يقتفيه إلى أن اجتاز شارع لوفوا، ودخل في شارع شابانيس فوقف عند المنزل رقم ١٤ وطرق بابه.

ففتح له البواب ودخل في رواق مظلم انتهى منه إلى سُلَّم.

وكان البواب نائمًا عند الباب، ففتحه دون أن ينهض عن مضجعه، وقال: من الداخل؟ فلم يجبه الرجل، واستمر في صعوده السلم، وحسب البواب أنه من سكان المنزل وأنه تأخر في أحد المراسح، وتركه وشأنه وعاد إلى النوم.

أما الرجل فإنه حين انتهى من صعود السلم سار في رواق طويل إلى باب كان ينبعث منه نور ضعيف.

وكان مفتاح الباب في قفله من الخارج ففتحه، ودخل إلى ردهة وجد في يمينها ويسرتها بابين، ففتح أحد هذين البابين، ودخل منه إلى غرفة معدة للنوم، وسمع منها أنينًا.

غير أن هذا الأنين انقطع حين سمع صاحبه وقع أقدام الرجل، ثم سمع هذا الرجل صوت امرأة تقول بلهجة مضطربة تدل على الألم الشديد: أهذا أنت يا أرمان؟

ولم يجب الرجل بحرف، ولكنه دنا من السرير الذي كانت المرأة نائمة فيه وأزاح الستائر.

ولم يكن من نور في الغرفة غير نور اللهب المنبعث من المستوقد، ورأى الرجل على هذا النور الضعيف امرأة تعض يديها، وعلى وجهها علائم الألم الشديد.

وعادت المرأة فقالت: أهذا أنت يا أرمان؟! … ويلاه من هذه الساعة! فإني أحسبها ساعتي الأخيرة، ثم جعلت تعض اللحاف كي تمتنع عن الصراخ.

أما الرجل فإنه خلع عنه الوشاح فجأة وكان يستر وجهه، فلما رأته المرأة ذعرت ذعرًا أنساها آلامها وصاحت صيحة منكرة ارتجت لها جوانب الغرفة.

غير أن الرجل لم يدعها تصيح غير هذه الصيحة، فضغط على عنقها بيده، وقال لها: إذا فُهْتِ بكلمة واحدة قتلتك دون إشفاق.

وكان خوفها عظيمًا، حتى إنها نسيت ما هي فيه من آلام الولادة؛ لأن هذا الرجل الذي رأته لم يكن أرمان الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر.

ولما رأت هذا الرجل وما كان منه جمد الدم في عروقها، وقالت له: أهذا أنت؟!

أما هو فإنه ذهب إلى الباب وأقفله من الداخل، وعاد إليها فقال بصوت الهازئ المتهكم: إني أعلم شيئًا من علم الطب والجراحة، وسأغنيك عن الطبيب الذي ذهب أرمان لإحضاره.

وقالت له: اقتلني كما تشاء؛ لأن ذلك من حقك؛ لأني خنتك وأنا امرأتك، ولكن لا تهزأ بي بالله في هذه الساعة.

– إني لا أهزأ ولا يدور المزاح في خاطري وأنا في هذا المقام، بل إني أعيد عليك ما قلته لك، وهو أني ملم بفن الطب والجراحة، وسأنوب عن الطبيب الذي تنتظرينه كما سترين.

– أوَّاه إني أقرأ بين عينيك صورة العقاب بموتي.

وأجابها ببرود: إنك مخطئة أيتها السيدة، فلا أريد لك الموت.

– أين أرمان، ولماذا لم يعد؟!

– لأني قتلته، فهو لن يعود.

فاضطربت اضطرابًا شديدًا، ونهضت وهزت هزًّا عنيفًا ذلك الرجل الذي كان زوجها فخانته، وأتت تستر زلتها في بيت حقير، واتقدت عيناها بلهب الحقد، وجعلت تهزه وتقول له: تبًّا لك من قاتل سفَّاك.

غير أنه لم يغضب لما سمعه من إقرارها، بل جلس على كرسي أمام سريرها، وقال بملء السكينة: لقد عدت يا سيدتي اليوم من إسبانيا، ولم يعلم أحد من الناس بعد أني في باريس، وجميع الناس هنا يحسبون أنكِ الآن مقيمة في أراضينا في نورمانديا …

ثم إن زَلَّتَكِ لم يعلم بها أحد بعد، ولا يجب أن يدري بها أحد ويقول: إن الدوقة دي فنسترانج خانت زوجها وولدت بالإثم والخيانة.

وهي خيانة يا سيدتي لا يعلمها غير ثلاثة في الوجود وهم: أرمان، وأنت، وأنا. أما أرمان فقد قضى السهرة بقربك، ولما شعرت بقرب الولادة أسرع لإحضار الطبيب، لكني لقيته في الطريق قبل أن يصل إليه وتصديت له، وقلت: إني عالم بكل شيء.

ففهم ما أردتُ وذهب معي إلى مكان معتزل، وتبارزنا ولقي الموت من حسامي جزاء بغيه، ولكنه تمكن من أن يخبرني قبل مماته بما أنت فيه وأرشدني إلى مكانك.

بقي ذلك الخادم الذي أخبرني بسر خيانتك، لكني سأصحبه معي إلى إسبانيا، وهناك أتخذ الاحتياطات اللازمة كي لا يعود، ولا يبقى من المطلعين على هذا السر غير أنا وأنت، فلا تروق لك الفضيحة مهما صغرت نفسك بهذه الحياة، فلا تبوحي بسرٍّ تكون فضيحتك بعده أكثر من فضيحتي، وأما أنا فإني رجل كثير الطموح إلى المعالي، فلا أشغل نفسي بالاهتمام بخائنة، وقد صغرت في عيني فلا أتدانى إلى الانتقام منك، إذن ثقي أني لا أقتلك.

وأنت الآن مقيمة في هذا المنزل متنكرة باسم غريب، فاتخذي ما تجدينه صالحًا من الاحتياطات؛ لتعودي غدًا إلى قصرنا في شارع سانت دومنيك دون أن يعلم أحد شيئًا.

وكان الدوق يقول لها هذه الأقوال بملء السكينة، غير أن تلك المرأة كانت قد اشتدت عليها آلام الولادة فلم تفقه حديثه.

أما الدوق فقد كان عارفًا بفن التوليد كما قال، فأخذ يعالج امرأته إلى أن ولدت في الساعة الثانية من الصباح مولودًا ذكرًا، وأغمي عليها.

ولَفَّ الدوق الطفل بملاية السرير وخبأه تحت وشاحه وانصرف، فلما استفاقت الدوقة من إغمائها لم تجد زوجها ولا ذلك المولود.

الفصل الثاني من كتاب الفيروزة

بعد شهر من هذه الحادثة الغريبة التي وردت في كتاب الفيروزة كانت فرقة من الجنود الفرنسية تحتل قرية من جبال كاتولون تُدعى أوجاكا.

وكان احتلالهم لهذه القرية إثر الحرب الثانية التي نشبت مع إسبانيا سنة ١٨٢٣.

وكانت هذه الفرقة مؤلفة من فصيلتين من الفرسان بقيادة الكولونيل فنسترنج، وهو الدوق دي فنسترنج الذي جرى له مع امرأته ما رويناه في الفصل المتقدم.

وكان هذا الدوق يناهز الثلاثين من العمر، شديد القوى، عُرِفَ بالقسوة، وقد خدم في روسيا في عهد الإمبراطورية الأولى، وجرد السلاح على مواطنيه الفرنسيين، ولم يكن الجيش الفرنسي يميل إليه، غير أنه كان معروفًا بالشجاعة فلم ينكرها عليه أحد.

على أنه مع شجاعته كان ذكي الفؤاد حسن التدبير شديد الصرامة في تنفيذ النظام العسكري، وإذا غلب لا يعرف قلبه الرحمة بالمغلوب.

وكان قد احتل قرية أوجاكا في الصباح، فأصدر أمره بإعدام اثني عشر رجلًا من أهلها اتُّهِموا بإجراء حرب المناوشات ومشاكسة الفرنسيين، ولم يمهلهم غير يوم وليلة، فقبض على هؤلاء المساكين، وزُجُّوا في سجن مظلم كانت تتولى خفارته الجنود، إلى أن تحين ساعة الإعدام، وهي في فجر اليوم التالي.

وكان بين هؤلاء الأسرى شيوخ وفتيان، حتى إنه كان بينهم غلام لا يتجاوز خمسة عشر ربيعًا، جاءت أمه باكية معولة، وانطرحت على قدمي الدوق تستعطفه ابنها، فرفسها هذا الدوق الوحشي برجله، وأمر أن يكون ابنها أول المقتولين.

وكان أيضًا بين أولئك الأسرى رجل يناهز الأربعين، صبغت أشعة الشمس وجهه الأبيض بلون الذهب، فصار يشبه وجوه العرب، وهو يدعى مينوس.

ومن صفات هذا الرجل أن عينيه كانتا تدلان على الجرأة والميل إلى الفتك، وهو عصبي المزاج، أنوف، قليل الكلام، وقد انطرح في زاوية من السجن بعيدًا عن رفاقه لا يكلم أحدًا، وإذا كلموه لا يجيب.

وحكايته أنه لم يكن من أولئك الإسبانيين الذين يدافعون عن بلادهم، ولم يكن أعداؤه تلك الجنود الفرنسية، بل كان ربيب الجبال وعدو الهيئة الاجتماعية بأسرها والناس بجملتهم، فقد كان من مشاهير زعماء اللصوص.

وكان السبب في أسره، أنه كان يهوى فتاة في تلك القرية، فكان يزورها في كل ليلة، ولم يكن أحد من رجال عصابته يعتدي على القرية إكرامًا لها.

وكانت الفتاة قد أحبته أيضًا حبًّا شديدًا، ثم علمت أنه أحب سواها، فأضمرت له الشر وعزمت على الفتك به، إلى أن حانت لها الفرصة يوم احتلال الفرنسيين لقريتها، فسقته مخدرًا ممزوجًا بالخمر، وذهبت إلى قائد الفرقة فوشت به أنه من الخوارج.

فلما صحا وجد نفسه مقيد الرجلين، مكتوف اليدين، في سجن مظلم وبقربه كثير من الأسرى المقيدين.

وقد علم كما علم بقية الأسرى أن موعد إعدامه عند الفجر. وكان جميع رفاقه قد ناموا في الليل واستسلموا إلى الأقدار، أما هو فلم يغمض له جفن طول ذلك الليل.

وفيما هو يفكر في مصيره، فُتح باب السجن ودخل إليه جنديان فرنسيان، وبيد أحدهما مصباح، فأيقظ النائمين، وقال لهم: من منكم يدعى مينوس؟

فانبرى له اللص قائلًا: هو أنا، فماذا تريد؟

فدنا منه الجندي ففك قيد رجليه، وقال له: قم واتبعنا.

فأجابه مينوس قائلًا: إلى أين؟ ألعلكما تريدان شنقي قبل أن يطلع الصباح؟

– كلا، ولكننا ذاهبان بك إلى قائدنا؛ لأنه يريد أن يراك.

فمشى مينوس بين الجنديين وهو موثق اليدين حتى وصلا إلى حيث يقيم الدوق فنسترنج، فدخل شامخ الرأس، غير مكترث بما رآه من دلائل العظمة، فنظر إليه الدوق، وقال: أتريد أن أعفو عنك؟

فانذهل مينوس وقال: إني أريد العفو دون شك، إذ لم أقنط بعد من الحياة، ولكن لماذا تريد أن تعفو عني؟

– لأني محتاج إليك.

– قل إذن شروطك.

وكان يوجد في الغرفة التي كان فيها الدوق مهد فيه طفل لا يزيد عمره عن شهر، وهو الطفل الذي ولدته امرأته، فأشار بيده إلى المهد، وقال لمينوس: انظر هذا الطفل، إنني أكرهه كرهًا لا حد له حتى إني أريد له الموت، ولكني لا أحب أن أقتله.

– إذن تريد أن تعتمد عليَّ.

– نعم، ولكن أصغِ إليَّ. أتعلم ما أريد منك؟ وكيف أنك تشتري حريتك؟ ذلك أني أريد أن تأخذ هذا الطفل إلى الجبل الذي تقيم فيه، فتربيه بين رفاقك اللصوص، وتأتي كل عام إلى بوسطة بايون، وذلك في يوم عيد الميلاد، فتجد كتابًا باسمك يحتوي على مائتي ليرة، نفقات الطفل.

فانذهل مينوس وقال: إذن لا تريد قتله؟

– كلا، بل أريد أن تعلمه مهنتك وتجعله لصًّا مثلك، فقد يأتي يوم يحكم عليه فيه بالشنق.

– وإذا نجا من المشنقة؟

– إنك تأتي في كل عام إلى البوسطة، فتقبض النفقات التي أرسلها إليك إلى أن يبلغ هذا الطفل ٢٠ عامًا فيأتي ويجد كتابًا باسمه.

– رضيت وسأفعل ما تريد.

– أتقسم لي على الوفاء؟

– أقسم بما تشاء.

– حسنًا، فخذ الطفل، وسأرسل معك بعض الجنود كي يخفروك إلى الجبل.

ثم نادى أحد الضباط، فأمره بإرسال مينوس والطفل مخفورين إلى الجبل، وبعد ساعة برح مينوس تلك القرية، وهو يحمل بيديه ذلك الطفل الذي ولدته امرأة الدوق دي فنسترنج، وبلغ أمر اختفائه جميع أهل باريس.

الفصل الثالث من كتاب الفيروزة

مر على هذه الحادثة ١٤ عامًا، والغلام يُربَّى بين عصابة مينوس.

وكان ذلك في عام ١٨٣٧؛ ففي أحد أيام فبراير من هذا العام، كانت مركبة بوسطة قادمة من بيون، فوصلت في الصباح إلى قرية أوجاكا التي تقدم ذكرها.

وكانت سياسة البلاد قد تغيرت في هذا العهد، فوضعت الحرب الأجنبية أوزارها، ونابت منابها الحروب الداخلية، فانقسم الإسبانيون قسمين: قسم تحزب للدون كارلوس وأراده ملكًا على الإسبان، وقسم مال إلى تأييد الملكة إيزابيل، ولكل من الحزبين زعيم شديد يدفع البلاد في تيار الحرب الأهلية.

ولذلك كان السفر في إسبانيا شديد الخطر على المسافرين، فلما وصلت المركبة إلى أوجاكا دنا منها أحد الضباط، وأزاح ستارها فوجد فيها امرأة ناحلة مصفرة يظهر أنها مصدورة، وبقربها غلام يبلغ الخامسة عشرة، وعلى الاثنين دلائل النعمة والترف.

فسأل الضابط تلك السيدة عن البلدة التي تسافر إليها، فقالت له: إني أُدعى المركيزة دي مورفر، وهذا ولدي يُدعى بعد قتل والده: المركيز غوستاف دي مورفر — هو ذلك المركيز نفسه الذي تقدم خبر اختفائه في أول هذه الرواية — ونحن مسافران يا سيدي إلى قاديس للاستشفاء بهوائها من دائي كما وصف لي الأطباء.

– إني أدعو لك بالشفاء العاجل يا سيدتي، غير أن الطريق غير آمنة، وسأعطيكِ جوازًا يقيكِ اعتراض الجنود، غير أني لا آمن عليكما مكر اللصوص في الجبال، إذ لا بد لكما من اجتيازها، ومن يمر بها لا يسلم من قبضة مينوس إلا بفدية عظيمة.

فاصفر وجه المركيزة، وظهرت عليها دلائل الخوف، ورأى ولدها علائم خوفها، فاتقدت عيناه، وقال: ما بالك خائفة يا أماه وأين أنا؟! ألا أستطيع أن أحميك؟!

فتنهدت وقالت: لا أنكر بسالتك يا بني، ولكن ما عساك أن تصنع مع عصابة لصوص؟!

ثم استأنفت الحديث مع الضابط، وقالت: من هو مينوس هذا؟ وكيف السبيل لاتقائه؟

– إنه يا سيدتي زعيم لصوص هائل، وقد عقد حزبنا اتفاقًا معه، فهو لا يعتدي على جنودنا، ونحن لا نخفر المسافرين إلى الجبال التي يقيم فيها.

– وإذا وقعنا في شَرَكِه فهو يطلب فدية كما تقول؟

– نعم، ولكنها فدية جسيمة؛ فهو لا يقنع بالقليل.

– وإذا عجزتُ عن دفعها؟

فأطرق الرجل برأسه دون أن يجيب، وكان جندي واقفًا معه يسمع الحديث، فقال: من لم يدفع الفدية يا سيدتي يقتل دون إشفاق.

فنزلت المركيزة مع ولدها من المركبة إلى الفندق الذي وقفت أمامه وهي مفكرة مهمومة، وكانت صاحبة الفندق علمت بأمرها، فدنت منها وقالت لها بصوت منخفض: إنك إذا بِتِّ يا سيدتي هذه الليلة في فندقي فقد أرشدك إلى طريقة تنقذك من هذه الأخطار.

فرضيت المركيزة شاكرة، وأقامت يومها في غرفتها ولم تخرج منها.

ولما أقبل المساء، وترصعت سماء تلك القرية بالكواكب اللامعة، تفرقت الجنود، ولم يبق في ذلك الفندق غير صاحبته والمركيزة وابنها وبعض الخدم.

وعند ذلك دخلت صاحبة الفندق إلى غرفة المركيزة، وقالت لها: لقد وعدتك يا سيدتي أن أسهل لك سبل الوصول إلى قاديس دون خطر، وها أنا سأفي بوعدي.

ففرحت المركيزة، وقالت: كيف ذلك؟

– إننا في هذه القرية يا سيدتي نحب اللصوص، فإن زعيمهم مينوس لم يسئ إلينا بشيء.

وكانت صاحبة الفندق جميلة وهي في ريعان الشباب، فأدركت المركيزة قصدها وابتسمت، فقالت الفتاة: إن هؤلاء اللصوص لا يأتون إلى قريتنا في النهار، بل يأتون في الليل للادخار والتموين، فيتغاضى الجنود عنهم لما بين الفريقين من الاتفاق.

– نعم لقد عرفت أمر هذا الاتفاق من الضباط.

– وإن بيدرو يأتي كل ليلة إلى هذا الفندق.

– من هو بيدرو هذا؟

– هو نائب الزعيم مينوس في رئاسة العصابة، وإن الزعيم يحبه كما يحب الغلام برديتو.

– ومن هو برديتو؟

– هو غلام تبناه مينوس منذ ١٤ عامًا.

فالتفت المركيز إلى أمه، وقال لها باحتقار: أيكون لهؤلاء اللصوص أولاد كسائر العائلات؟

فنظرت إليه أمه نظرة الموبخ، وعادت صاحبة الفندق إلى الحديث، فقالت: لا بد أن يأتي بيدرو هذه الليلة، ومتى أتى طلبت إليه أن يحميكما فيفعل.

– أنستطيع عند ذلك اجتياز الجبل آمنين؟

– إذا وعد بيدرو بحمايتكما فلا خطر عليكما، وسأحمله على أن يعد، صبرًا إن زمن حضوره قد دنا.

وبعد هنيهة سمعت صاحبة الفندق وقع حوافر جواد، فاحمر وجهها وقالت: هو ذا قد حضر.

ثم أخذت مصباحًا ووضعته على النافذة، إشارة إلى أنه يستطيع الدخول إلى الفندق. فلم يمض زمن وجيز حتى فتح باب الغرفة ودخل منه هذا اللص.

وكان هذا اللص فتى يبلغ الثلاثين من العمر، رشيق القوام، حلو الشمائل، تدل عيناه على السلامة، وعلى أنه لم ينخرط في سلك اللصوص إلا لأسباب أكرهته على امتهان هذه المهنة السافلة، ولما رأى المركيزة وابنها قطب حاجبيه، ولكنه ما لبث أن ارتاح لرؤيتهما لما رأى عليهما من مخائل النبل والدعة.

أما صاحبة الفندق فإنها خرجت به من تلك الغرفة وتداولت معه هنيهة، ثم عادت إلى المركيزة وقالت لها: إن بيدرو رضي يا سيدتي أن يتولى حمايتكما، وأقسم لي على الوفاء بالقديس يعقوب حامي إسبانية، لكنه يقول: إنه يجب أن تسافرا الآن؛ لأن الزعيم مينوس عازم على الغارة على الضواحي عند الفجر.

– أية علاقة لغارته بسفرنا؟

– ذلك لأنك لا تستطيعين اجتياز الجبل آمنة إلا بجواز من مينوس، ويريد بيدرو أن يدركه قبل الفجر للحول على هذا الجواز.

فوافقت المركيزة على السفر، ونفحت صاحبة الفندق بمبلغ من المال جزاء إخلاصها، وبعد حين سارت المركبة بها وبولدها وهي واثقة ملء الثقة بيمين هذا اللص.

الفصل الرابع من كتاب الفيروزة

وسارت بهم المركبة، فكانت المركيزة وابنها جالسين في داخلها، وبيدرو جالسًا بجانب السائق.

وبينما كانت المركبة تسير في ظلام الليل في تلك الطرق المقفرة دار بين المركيزة وابنها الحديث الآتي، فقال المركيز: إنني قد بلغت السادسة عشرة من عمري وصرت رجلًا، أليس كذلك يا أماه؟

فتنهدت والدته وقالت: نعم يا بني.

– إنك تستطيعين الآن أن تخبريني بكل شيء.

فبدت عليها علائم الاضطراب، وقالت: ماذا تعني بهذا القول؟

– أحب يا أماه أن أعرف …

أريد أن أعرف كيف مات أبي؛ لأني حين كنت صغيرًا وكنت أسأل يجيبونني أنه في الجيش.

– وهو كذلك يا بني، فقد كان ضابطًا في الجيش.

– وبعد ذلك قيل لي إنه قد مات.

– وهذا أكيد أيضًا.

– ولكن كيف توفي؟

فتنهدت المركيزة وسكتت، فقال لها بلهجة احترام: بالله لا تخفي الحقيقة عني يا أُمَّاه، فقد علمت أن أبي قُتِلَ غدرًا، وإنما أقول غدرًا؛ لأن الأطباء وإن كانوا قرروا أنه قتل بضربة سيف، غير أننا لم نعثر على الشهود ولا الخصم، وأنا أنتظر يا أماه أن أعرف الحقيقة منك؛ لأنك تعلمينها دون شك.

فتنهدت والدته أيضًا وقالت: إن دائي قد استفحل يا بني، وأنا أعلم أن ساعات حياتي باتت معدودة، وكنت أنتظر إلى أن تبلغ العشرين من عمرك لأبوح لك بهذا السر، غير أني لا أعيش وا أسفاه إلى ذلك اليوم، ولا أجد بدًّا من الإباحة لك بالسر.

– تكلمي يا أماه، فإني لا أبلغ غير الخامسة عشرة من عمري، ولكني أعد نفسي في مصاف الرجال، ولا بأس من إطلاعي على الحقيقة قبل الأوان.

– إني يا غوستاف أبكي أباك منذ أربعة عشر عامًا، وكنت أعبده عبادة مع أنه كان مسيئًا إلي، واعلم يا بني أنك وُلِدْتَ بعد أن مضى على زواجنا عامان، كنا في خلالهما أسعد خلق الله، لتبادل الحب بيننا، وكنا نحيا كالحمامتين في قصرنا في مورفان، وكنا نحسب حدائقه جنات أُعِدِّتْ لنا.

ثم انتهت أجازة أبيك، فعاد إلى منصبه في الجيش، وعدت معه إلى باريس، فما مر بنا ثلاثة أشهر حتى أصبحت أتعس امرأة في الوجود؛ ذلك أن امرأة أخرى جذبت فؤاد أبيك وحلت في قلبه مكاني.

ودام ذلك نحو عام وأنا مقيمة حول مهدك، متآسية بقربك، لا أراك تبتسم لي حتى أتوجع لشفاء أبيك، وكان لا يجيء إلى المنزل إلا في آخر الليل، ثم انقطع عنه عدة أسابيع لم أره فيها مرة.

وفيما أنا ساهرة ذات ليلة، وقد ثارت هواجسي لاحتجابه، وبزغ الفجر وأنا جالسة أبكي قرب مهدك، سمعت طرق الباب الخارجي فأوجست شرًّا، وقلت: من عساه يجيء في هذه الساعة؟

ثم أسرعت إلى النافذة المطلة على الباب فرأيت البواب يفتحه، ثم رأيت جنودًا يتقدمهم بوليس دخلوا بعده، وتلاهم أربعة رجال يحملون جثة وضعوها فوق محمل، وكانت الجثة جثة أبيك.

وهنا لا أذكر لك ما أصابني من اليأس، فسألت البوليس عن القاتل، فقال: إنه لا يدري، وذهبت إلى الملك وانطرحت على قدميه، والتمست منه إجراء التحقيق فأصدر أوامر مشددة، وبحث البوليس ثلاثة أشهر فلم يهتدوا إلى القاتل.

غير أن رئيس البوليس جاءني مساء يوم، وقال لي: إن زوجك يا سيدتي لم يقتل غيلة، بل أثر مبارزة.

– ومن كان خصمه؟!

– زوج المرأة التي كان يهواها.

فقال المركيز: لكن ألم يخبرك رئيس البوليس عن اسم هذا الرجل؟

– كلا؛ لأنه أبى أن يخبرني، لكني عرفته من سواه.

– بالله إذن اذكريه لي.

وفيما كانت تحاول إخباره، إذ وقفت المركبة فجأة، وأحاط بها كثيرون من لصوص الجبال وجميعهم مسلحون.

وكان هؤلاء اللصوص قِسْمًا من عصابة مينوس، والمكان الذي وصلت إليه المركبة محطتهم الأولى، فلما عرفهم بيدرو وثب من المركبة، وأسرع إليهم قبل أن يطلقوا نيرانهم، فعرفهم بنفسه، فامتثلوا له وأذنوا للمركبة بمواصلة السير، فاطمأنت المركيزة وعادت إلى حديثها، فقالت لابنها ما يأتي: مر على مقتل أبيك يا بني خمسة أعوام، ففيما أنا مقيمة في قصرنا في باريس ذات يوم، جاءني خادم عجوز بَيَّضَتْ السنون شعره، وقال لي: يوجد يا سيدتي امرأة على فراش الموت، تحب أن تراك قبل وفاتها، لأمر خطير.

وتفرست في وجه الخادم فرأيت علائم السلامة تجول بين عينيه، فقلت له: من تكون هذه المرأة؟

– لا أستطيع أن أذكر لك اسمها، وإنما تريد أن تستغفر منك قبل الموت!

– أين هي؟

– في بيت قريب من هنا إذا شئت يا سيدتي سرت بك إليه.

وكان يتكلم بلهجة المتوسل المستعطف، ودلائل الصدق بادية في حديثه، فما وسعني إلا الامتثال له، لا سيما وقد خطر لي أن هذه المرأة قد تكون هي التي سببت قتل أبيك؛ لأنها تقول: إنها تريد أن تستغفر مني، ولم يسئ إلي أحد سواها.

فأمرت الخادم أن يسير أمامي، وتبعته حتى وصلنا إلى ذلك المنزل، ففتح بابه بمفتاح كان معه، ودخل بي إلى منزل كبير سرنا به من رواق إلى ردهة، فانتهينا إلى غرفة أدخلني إليها وانصرف.

ورأيت في تلك الغرفة امرأة مضطجعة فوق سرير، فكانت آثار الجمال بادية عليها، غير أن دلائل قرب الموت كانت ظاهرة على وجهها المصفر.

فلما رأتني اتقدت عيناها كأنما قواها قد عادت إليها، وقالت لي: حسنًا فعلت يا سيدتي المركيزة بقدومك إليَّ؛ لأني أنا هي تلك المرأة التي كان يهواها زوجك، وأنا الدوقة دي فنسترنج.

فنظرتُ إلى تلك المرأة التي كانت السبب في قتل أبيك نظرة شفت عما في قلبي من الاحتقار، وكأنها أدركت معنى هذه النظرة، فقالت لي: رُحْمَاكِ لا تنظري إليَّ هذه النظرات، إني على فراش الموت.

فتهيبت هذا الموقف وزالت من قلبي آثار الضغينة، فمددت يدي إلى يدها، وقلت لها: إني غفرت لك فموتي بسلام وعسى أن يغفر الله لك.

فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت: أشكرك خالص الشكر يا سيدتي، ولكني لن أموت قبل أن أطلعكِ على سر هائل.

– تكلمي يا حضرة الدوقة إني مصغية إليك.

ثم دنوت منها لما رأيت من خفوت صوتها؛ كي لا أحملها مشقة الكلام، فقد كان صوتها خفت وتجمعت كل دقائق حياتها في عينيها.

واعترفت لي عند ذلك بكل ما حدث، وقالت: إنه حين سقط المركيز قتيلًا من سيف الدوق فنسترنج، كانت تعاني آلام الولادة في منزل استأجرته خاصة لستر زلتها، وجاءها زوجها بعد ساعتين، وولدت بحضوره غلامًا هو في الحقيقة ابن المركيز دي مورفر لا ابن زوجها الدوق، فهو يا بني أخوك من أبيك.

فارتعش المركيز وقال: إذن لي أخ؟

فأجابته أمه: لا أعلم إذا كان لا يزال حيًّا، أو أنه بات من الأموات؛ لأن الدوقة لم تكن تعلم حقيقة أمره قبل وفاتها؛ لأنها عندما ولدته أغمي عليها، ولما استفاقت من إغمائها لم تجد زوجها، ولم تجد الطفل، وقد طالما سألت زوجها الدوق عن الطفل فلم يجبها بحرف.

واتقدت عينا المركيز بأشعة الغضب، وقال: أرجو على الأقل أن يكون هذا الدوق باقيًا في قيد الحياة.

– دون شك، وفوق ذلك لقد ترقى في مراتب الجندية حتى بلغ إلى رتبة جنرال.

– ليكن مارشالًا إني لا أدعوه إلا بقاتل أبي.

– هو ذاك يا بني. إن أباك قتل دون أن ينتقم له أحد.

– سأكون أنا هذا المنتقم، يا أماه، وإني أقسم لك على ذلك بتربة أبي.

وفيما هو يقسم هذا القسم وقفت المركبة لإحاطة اللصوص بها في محطة، فأسرع إليهم بيدرو وعرفهم بنفسه، وتابعت المركبة سيرها، لكنها عادت إلى الوقوف بعد ربع ساعة.

وفي هذه المرة دنا من المركبة أحد هؤلاء اللصوص، ففتح بابها وقال باللغة الإسبانية: من أنتم؟

وقد انعكست أشعة مصباح المركبة على وجهه، فلم تلبث أن رأته المركيزة حتى صاحت صيحة دهش ممتزجة بالرعب، وذلك أن هذا الوجه الذي رأته كان وجه غلام في الرابعة عشرة من عمره، أسمر الوجه، أسود الشعر، برَّاق العينين، وكان يشبه ولدها المركيز شبهًا عجيبًا لا يتفق إلا بين الأخوين.

وكذلك الغلام فإنه لما رأى المركيز صاح مثل تلك الصيحة؛ لأنه رأى ما رأته المركيزة من الشبه العجيب.

الفصل الخامس من كتاب الفيروزة

كان مينوس قد شاخ لتقدم الأيام به وابيض شعره، ولكن رونق الشباب كان لا يزال جائلًا بين عينيه، ولا يزال لصوته الرنان لهجة السيادة؛ لأنه يتولى منذ ٢٠ عامًا السيادة المطلقة على الجبل.

فكان الإسبانيون بجملتهم يخافونه، حتى قواد الأحزاب، فكان كل منهم يخطب وده كي يضمه إليه ويستعين بعصاباته على خصمه، فتردد مدة طويلة في الأمر، ثم قرر أن يكون مستقلًّا.

ومن أقواله المأثورة في هذا المعنى: إن الملوك لا يستحقون أن نقاتل لأجلهم، وإن مهنة نهب المسافرين أشرف من مهنة القتال من أجل الملوك، فبقي لصًّا مع افتخاره بأن الملوك تكاتبه وتسترضيه.

وكان في جباله يشبه الملوك في عواصمهم؛ إذ كان له بلاط وحاشية وأعوان.

وكان في عهد شبابه كثير الشغف بالنساء وله في كل قرية حظية، وقد اتفق مرة أن عصابته عثرت بستة من البدو وأربع نساء من البدويات بينهن فتاة في الرابعة عشرة من عمرها وفتاة في العاشرة، فقتل الرجال الستة وتزوج إحدى المرأتين على الطريقة النورية وهي كسر الإبريق، وأمر رجاله أن يقترعوا على المرأة الثانية.

أما الفتاتان فإنه أنعم بواحدة منهما على نائبه بيدرو، فأبى قبولها مدعيًا أنه مولع بحب سواها، فاتخذها الزعيم لنفسه، وأدخل في ذلك الجبل مبدأ تعدد الزوجات، أما الفتاة الصغيرة التي عمرها ١٠ أعوام فإنه جعلها خطيبة لبرديتو، ولنذكر الآن من هو برديتو.

يذكر القراء تلك الليلة التي كان فيها مينوس سجينًا في قرية أجاكا يتوقع تنفيذ إعدامه عند الفجر، وكيف أن جنديين أتيا به إلى الدوق دي فنسترنج، فأعطاه طفلًا وعهد إليه أن يربيه مقابل إنقاذه من الإعدام.

وكان برديتو ذلك الطفل، فتبناه مينوس وكان يذهب في عيد الميلاد من كل عام إلى بوسطة بايون، فيجد كتابًا باسمه وفي طي الكتاب نفقة هذا الغلام التي كان يرسلها الدوق.

وقد وَفَّى الدوق بما وعده به من إرسال النفقة، وكذلك مينوس فقد أَبَرَّ بيمينه، وربى الغلام كما أراد الدوق، فقد قال له حين دفعه إليه: أريد أن تجعله لصًّا مثلك، فجعله كما أراد ولم يُخِل بشيء من الوصية.

وأفضى الأمر بمينوس أنه بات يحب برديتو كابنه، وعلمه جميع أسرار مهنته بإخلاص، فشبَّ الغلام على القسوة والجرأة، وما بلغ اﻟ ١٤ من سنيه حتى فاق معلمه.

وكان حين يقضي مينوس بقتل أسير لم يدفع الفدية، يبادر برديتو إلى مينوس ويلتمس منه أن يأذن له بقتله، إذ كان يجد لذة عظيمة بسفك الدماء.

وكانت تلك الفتاة النورية التي جعلها مينوس خطيبة لبرديتو فتاة متوقدة الذهن، بارعة الجمال، تُدْعَى روميا، وكانت معجبة بخطيبها كل الإعجاب، حتى إنها كانت تصحبه في غزواته، وتبدي من دلائل التفنن والدهاء على حداثة سنها، ما يدل على أنها خليقة بهذا اللص وأنه أهل لها، فكان مينوس يحب الخطيبين حبًّا مفرطًا؛ لاعتقاده أنهما زَرْع يده وأنهما يدعيان إلى المباهاة.

وكثيرًا ما كان يتفق أن مينوس يضطجع في ظل شجرة، فتجلس روميا عند قدميه وتنشد له أناشيد البدويات حتى ينام متلذذًا بصوتها الرخيم.

لذلك كان برديتو وروميا الوحيدين بين أهل العصابة الحائزين على ثقة الزعيم وحنوه، فكانا يدلان عليه كل الإدلال، ويحكمان في ذلك الجبل كما يريدان دون أن يرد لهما حكم.

ففي تلك الليلة التي كانت فيها المركيزة تجتاز الجبال مع ولدها في مركبة بحماية بيدرو، كان مينوس جالسًا بظل شجرة يعد خطة غزو ضَيْعَة مجاورة وأسر شيخها طمعًا بثروته، فاختار من رجال العصابة من يصلح لهذه الغزوة، وأمر نائبه بيدرو الذي كان يذهب كل ليلة إلى ضيعة أجاكا أن يعود قبل الصباح.

وقبل الصباح كان مينوس قد صحا من رقاده، وجعل ينتظر عودة بيدرو، فجاءه برديتو وهو تام العدة والسلاح، فقال له مينوس: لماذا تأهبت هذا التأهب؟ ألعلك تريد أن ترافق الغزاة؟

وكانت روميا واقفة بجانبه، فقالت: وأنا أذهب معه.

فحاول مينوس أن يمنعها قائلًا: إنه قد تحدث معارك أخاف عليك فيها؛ إذ لا بد من تبادل إطلاق الرصاص.

فاتقدت عيناها وقالت: إنه مشهد جميل، وهذا جُلُّ ما أتمنى أن أراه.

وقال برديتو: ألا تصحب الَّلبُوَة الأسد يا أبي في طلب القنص؟!

– إذن اذهبا يا ولدي وكونا حذرين.

فذهب الاثنان، وبعد ذلك بربع ساعة عادت روميا وحدها إلى مينوس، وكانت عيناها متقدتين بلهب، وشعرها منبوش تعبث به الرياح وعليها علائم الهياج الشديد.

فاضطرب مينوس عندما شاهدها، وقال لها: ما هذا الهياج؟ ولماذا عدت وحدك؟

– إن برديتو وبيدرو يتخاصمان.

– لماذا؟

– لأن بيدرو يريد حماية امرأة وغلام عثرنا بهما في مركبة، وإن برديتو يريد قتل أحدهما فيمنعه بيدرو.

– لماذا يريد قتله ألعله لم يدفع الفدية؟

– كلا، إنه لا يريد قتله لهذا السبب …

– إذن لماذا يريد قتله؟

– لأن الغلام المسافر يشبهه شبهًا عجيبًا، ثم قالت بكبرياء: ويحق لبرديتو أن لا يشبهه أحد من الرجال.

فارتعش مينوس لذكر هذه المشابهة، وقال: هلمي معي إلى محل الحادثة، فإني أريد أن أتحقق بنفسي.

الفصل السادس من كتاب الفيروزة

لما وصل مينوس إلى حيث كانت المركبة دُهِش دهشًا عظيمًا لما رآه من التشابه بين المركيز وبين برديتو، ولم يشكك في أنهما أخوان.

وقد رأى الاثنان ينظر كل منهما إلى الآخر نظرات العداء والحقد، ويحاول الهجوم على خصمه لو لم يكن بيدرو حائلًا بينهما يمنع الخصام، والمركيزة واقفة تضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح، وهي لا تدري ما يكون.

وكان برديتو يقول للمركيز: بأي حق أيها الكلب الفرنسي تشبهني؟

فيقول المركيز: لا أعلم أي اتفاق سيئ جعل بيننا هذا الشبه، ولكني أمنعك أن تمد يدك إليَّ.

ولم يكن للمركيز سلاح غير نظراته، ولكن هذه النظرات الدالة على الغضب والاحتقار كانت تهيج برديتو كل الهياج، ولولا بيدرو لأطلق عليه النار.

وكانت المركيزة تتوسل إلى ابنها أن يعود إلى المركبة، فيجيبها بيدرو ويقول: لا تخشي يا سيدتي، فقد وعدتكما بالسلامة، ووعدي مقدس لا يُنكث.

وعند ذلك دخل مينوس بين اللصوص، وقال: ما بالكم وماذا جرى؟!

وابتعد اللصوص حين سمعوا صوت زعيمهم بملء الاحترام حتى إن برديتو نفسه انقطع عن إنذار المركيز.

فتقدم بيدرو وقال: إني وجدت يا حضرة الزعيم في قرية أجاكا هذه السيدة وابنها وهي مريضة كما تراها، وصف لها الأطباء الذهاب إلى قاديس استشفاءً بهوائها، وقد أخذت جوازًا من زعيم حزب دون كارلوس ومن زعيم حزب الملكة إليزابيث غير أنها لا تستطيع اجتياز الجبال إلا بإذن منك.

فقال مينوس: ألعلك توليت حمايتها؟

– نعم …

– أتعهدت لها بحمايتها؟

– نعم يا حضرة الرئيس، وأقسمت لها.

فنظر الزعيم إلى برديتو نظرة تأنيب، وقال: يجب احترام العهود يا ابني.

فتراجع برديتو منخذلًا صاغرًا، ولكنه التفت بعد أن تراجع بضع خطوات وتهدد المركيز بنظرات هائلة، فأجابه المركيز بنظرة احتقار.

أما مينوس فإنه دنا من المركيز، وقال لها: اطمئني يا سيدتي، فإن نائبي قد تعهد بحمايتك، وستخرجين من هذا الجبل آمنة كما دخلت إليه.

فانحنت المركيزة شاكرة، وعاد مينوس إلى التأمل بالمركيز، فقالت له المركيزة: أراك تعجب نفس إعجابي لما تراه من الشبه بين الغلامين، فهل هذا الغلام ولدك؟

– كلا …

– من أين أتى إليكم، وكيف اتفق وجوده بينكم؟!

– ذلك سر يا سيدتي لا أستطيع الإباحة به، وقد تعهدت بكتمانه للرجل الذي عهد إلي بهذا الغلام.

– لا أحاول اكتشاف أسرارك يا سيدي، ولكني ألتمس منك أن تخبرني في أي عهد دفع إليك هذا الغلام.

– منذ أربعة عشر عامًا، وكان طفلًا في المهد.

فذكرت المركيزة ما قالته لها الدوقة دي فنسترنج، وقالت: لقد عرفت الحقيقة الآن، فإن الرجل الذي دفع إليك الغلام هو فرنسي يدعى الدوق دي فنسترنج، وهو برتبة كولونيل في الجيش.

– يسوءني يا سيدتي أني لا أستطيع أن أبوح بشيء.

فقالت له بلهجة المتوسل: بقيت لي كلمة واحدة عن هذا الغلام أرجو أن تأذن لي بقولها.

– ألعله ابنك؟!

– كلا، بل هو ابن زوجي، وقد خلفت له أمه ثروة عظيمة في فرنسا، فإذا رضي أن يسير معي إلى فرنسا لاستلام تلك الثروة أتعترضه؟

فارتعش زعيم اللصوص وامتعض لون وجهه، وبات فريسة الاضطراب الشديد، فإنه كان يحب برديتو حب الآباء للأبناء، ولكنه تغلبت عليه عوامل المروءة، فقال: كلا يا سيدتي، لا أعترضه، وآذن له بالذهاب معك إذا شاء.

بعد ذلك بساعتين أمر مينوس أن يعدوا مركبة المركيزة وابنها، وأمر بيدرو أن يخفرها مع عشرة من أعوانه إلى آخر الجبل، وجعلت المركيزة تكلم برديتو بواسطة مينوس، فقالت له: إني أعرف أهلك، فإذا رضيت أن تسير معي إلى فرنسا تغدو من النبلاء الأغنياء.

فنظر إليها باحتقار وقال: لماذا تريدين أن أسير معك؟

– لأني كنت صديقة لأبيك …

– ليس لي أب غير مينوس.

فقالت له بلطف: إني عرفت أمك يا بني.

فهز كتفيه وقال: ولكنك لست أمي في كل حال؛ لأن الإنسان لا يكره أمه، وأشعر أني أكرهك وأكره ابنك أشد الكره.

ثم نظر إلى المركيز نظرة حقد، فأجابه المركيز بمثلها وكأن كليهما كان يقول للآخر: سوف نلتقي.

ولما رأت المركيزة أن لا رجاء لها بحمله على السفر أمرت المركبة بالمسير، وانطلقت تجري بخفارة بيدرو.

الفصل السابع من كتاب الفيروزة

بعد خمسة أعوام — على هذه الحوادث التي بسطناها — كان شاب وصبية يظهر من ملابسهما أنهما من الإسبان يدخلان مدينة بايون في يوم من أيام الصيف الشديد الحر، وطافا في شوارعها حتى انتهيا إلى مطعم فدخلا إليه.

كان الشاب في الثانية والعشرين من عمره، والفتاة في السابعة عشرة، وكلاهما جميل الوجه، غير أن جمالهما كان مختلفًا، فكانا يلفتان إليهما أنظار الناس.

وكان الفتى طويل القامة، أبيض الوجه، أسود الشعر، براق العينين تدل عيناه على القسوة والشراسة، على أنه بالرغم عن ملابسه الدالة على الفقر المدقع، فإنه كان يمشي مِشْيَةَ المعجب بنفسه المحتقر لأبناء جنسه، كأنما كل ما في الوجود تحت مطلق سلطانه.

وكانت الفتاة تسير متوكئة على ذراعه، وهي شقراء الشعر يتدفق النور من محياها، وقد لوحت الشمس وجهها فصبغته بأشعتها الذهبية، ولها عينان سوداوان تنفثان السحر وتبسطان نفوذهما في كل قلب، وهي رَبْعَةُ القوام عصبية المزاج، أحسن ما فيها أن كل ما فيها حسن.

وكان الناس ينظرون إليها معجبين بهذا الجمال، فينظر إليهم الفتى نظرات وحشية، كأنه يخشى عليها العين من تلك العيون.

وجلس معها حول مائدة في ذلك المطعم، وجاءهما الخادم ليسألهما ما يأكلان، فقال الفتى: خبز وجبن وخمر، وقد قال هذا القول بلهجة المباهاة، كأنه طلب أثمن مأكولات المطعم، وامتثل الخادم وأحضر لهما ما طلبا.

وجلسا يأكلان ويتحادثان، فقال الفتى: يا روميا أرى هؤلاء الناس كثيري الفضول، فلنتحدث بلغة النور التي علمتني إياها أيام الحداثة.

– ليكن ما تريد يا برديتو، فإني بعد موت مينوس لم أعد أحب سواك، فأنت حبيبي وسيدي.

فتنهد برديتو متأسفًا على زعيمه، وقال: لقد سلبتنا إياه الأقدار، وكنت أرجو أن يكون معنا في هذه المدينة.

فقالت الفتاة: ليست يد الأقدار التي سلبتنا إياه بل يد الخيانة، فإنه كان يثق بجواني كل الثقة، فخانه وباح بسر قدومنا إلى الجيش الملكي.

– لقد صدقت وإن نجاتنا نحن كانت من العجائب.

– هو ذاك فإن رجال عصابتنا أُبيدوا بين قتيل وأسير، أتظن أنهم شنقوا مينوس؟

– دون شك؛ فإنه حاول أن يقتل نفسه، ولكنهم طوقوه وأعدموه شنقًا.

– إن بيدرو كان أشد منه حظًّا، فإنه قُتِل في ساحة المعركة.

فقاطعها برديتو، وقال لها بعنف: لا تذكري لي اسم هذا الرجل.

– ألعلك لا تزال حاقدًا عليه؟!

– دون شك إذ لولاه لما منعني مينوس عن قتل ذلك المركيز الفرنسي الذي يشبهني.

– تريد به أخاك؟

– لا أعلم إذا كان أخي، ولكن الذي أعلمه أني إذا لقيته في أي مكان قتلته لا محالة …

– أعلمت السبب الذي يدعوك إلى هذا الحقد عليه والسعي لقتله؟

– كلا، ولكني أشعر أني أكرهه كرهًا لا حد له حتى إني قد ألتذ بمص عروقه وشرب دمائه.

– إذن فسأكرهه أنا أيضًا نفس الكره، وأتمنى له الموت.

– بل لا بد لي من قتله متى ظفرت به، فإن حياته قد طالت.

– أرى هذا الكره دليلًا على أنكما أخوان.

– قلت لك: لا أعلم، ولكني سأعلم هذه الحقيقة بعد ساعة.

فانذهلت روميا، وقالت: كيف ذلك؟

– أصغي إليَّ، فإنه منذ عشرين عامًا؛ أي منذ ولادتي كان يحضر مينوس في كل عام مرة إلى بايون، فيأخذ كتابًا يحتوي على مبلغ كبير من المال لنفقاتي، ولأجل هذا أتيت بك إلى هنا مشيًا على الأقدام كي أستعلم عن أمر هذا الكتاب.

– أيعطونك الكتاب؟

– دون شك، فإنه سيكون هذه المرة معنونًا باسمي.

– كيف علمت ذلك؟

– من مينوس، فإن الرجل الذي دفعني إليه في عهد طفوليتي قال له: سأرسل لك نفقاته باسمك عشرين عامًا، وبعد ذلك أرسل إليك كتابًا باسمه يتضمن تعليماتي.

– أتظن أن الكتاب يحتوي على المال حسب العادة؟

– هذا ما أرجحه، لكن اهتمامي بهذا الكتاب ليس من أجل المال؛ بل لأني أرجو أن أقف منه على أسرار مولدي، بل أرجو أن تصدر لي الأوامر فيه بالتفتيش على ذلك الفرنسي الذي يشبهني وأقتله.

– إذن هَلُمَّ بنا إلى البوستة.

ونادى برديتو الخادم، فدفع له ثمن الطعام، وانصرف مع روميا وهو يقول لها: هذا آخر فلس بقي لدي.

وخرجا من المطعم تشيعهما الأبصار.

ووصل الاثنان إلى البوسطة، فلقيا موزع البريد جالسًا قرب شباكه يطالع جريدة، فنظر إلى برديتو بازدراء، وقال له: ماذا تريد؟

– إني أدعى برديتو بن مينوس، ولا بد أن يكون لديك كتاب باسمي فإني جئت أطلبه.

– ألديك أوراق تثبت أنك صاحب هذا الاسم.

– كلا.

– اذهب من حيث أتيت إلى أن يتيسر لك الحصول على هذه الأوراق.

ثم عاد إلى مطالعة الجريدة دون أن يكترث له، فتداخلت عند ذلك روميا في أمره، وقالت للموزع وهي تبتسم خير ابتسام: إننا لا نعرف أحدًا يا سيدي في هذا البلد، وقد جئنا من محل بعيد وكابدنا كثيرًا من المشاق فلا سبيل لنا إلى الرجوع.

فلما رأى الموظف ذلك الجمال الفتان رق فؤاده، وعاد إلى برديتو، وقال له: أعد ذكر اسمك.

فذكر له اسمه، فأخرج الموظف غلافًا ضخمًا وأعطاه إياه، فشكرته الفتاة وخرجت بخطيبها.

وخرج الاثنان إلى الشارع، فذهبا إلى منعطف مقفر وفتح برديتو الكتاب، فتناثرت منه أوراق التقطتها روميا، وفرحت بها فرحًا لا يوصف إذ وجدت أنها أوراق مالية.

أما برديتو فإنه أخرج الكتاب من الغلاف وقرأ ما يأتي:

إن الغلام الذي تبناه اللص مينوس إذا وصل إليه هذا الكتاب، يجب عليه أن يخلع ملابسه الإسبانية ويتزيا بزي الفرنسيين، ثم يذهب إلى فندق تولوز فيستأجر خير غرفة فيه.

وفي طي الكتاب، كتاب آخر مختوم، فإذا لم يحضر إليه أحد بعد ثمانية أيام، فليفتح الكتاب الثاني ويطلع على ما فيه.

وكان الكتاب خاليًا من التوقيع، لما قرأه أمام روميا قال لها: ماذا تُشِيْرِين علي أن أفعل؟

– أرى أنه يجب أن تمتثل لما جاء في هذا الكتاب.

فوافقها برديتو على ذلك، وذهب الاثنان إلى أشهر محلات بيع الملابس، فاشتريا أفضلها وخلعا ثيابهما الرثة، ثم انطلقا بذلك الزي الجديد إلى الفندق الذي ذكر لهما في الكتاب فنزلا فيه، وجعلا كل يوم يخرجان إلى النزهة بأجمل المركبات، فتحوم عليهما الأبصار كالنطاق.

إلى أن قال برديتو لروميا في ليلة: لقد حان لنا أن نفتح هذا الكتاب ونرى ما فيه.

– كلا، إذ لم يبق لنا في هذا الفندق غير ثمانية أيام، وموعد فتحه غدًا فلنصبر إلى الغد.

– وقبل أن تتم كلامها دق باب الغرفة التي كانت فيها مع برديتو، فقام برديتو إلى الباب ففتحه، فظهر له رجل طويل القامة وخط الشيب رأسه، وقد وضع في عروة سترته زرًّا أحمر إشارة إلى أنه من أصحاب الرتب، فدخل إلى الغرفة وقال لبرديتو: أنا هو ذلك الرجل الذي تنتظره.

الفصل الثامن من كتاب الفيروزة

لندع هذا الرجل يتباحث مع برديتو وروميا في فندق تولوز في بايون، ولنعد إلى باريس فنقول: كانت المركيزة دي مورفر قد توفيت مصدورة لم يجدها نفعًا هواء قاديس، وكان ابنها المركيز دي مورفر قد بلغ الحادية والعشرين من عمره.

وكان غنيًّا جدًّا تقضي عليه تلك الثروة والحرية بالجري في مضمار الشباب، غير أنه لم يكترث بملاهي الصبى ولم يغتنم اللذات، بل كان دائم الهم كثير التفكير؛ لأنه كان أقسم على أن ينتقم من قاتل أبيه، لم يتيسر له البر باليمين، ولبث الدوق فنسترنج في قيد الحياة تكتنفه المهابة والاحترام.

ولم يكن ذلك جبنًا من المركيز، فقد كان مشهودًا له بالبسالة، غير أن السبب في ذلك أنه يوم وفاة أمه لم يكن قد بلغ سن الرشاد، فذهب إلى منزل الدوق وكان يعيش في الشانزليزيه عيشة العزلة، فلقيه وقال له: لقد دفنت يا سيدي أمي التي ما قتلها غير الحزن على أبي الذي قتلته، أعلمت السبب في قدومي إليك؟

– نعم فإنك تريد الانتقام لأبيك ومعرفة السبب في قتله.

– دون شك.

– إن طلبك حق لا سبيل إلى مراجعتك فيه، غير أني أسألك الإذن بإبداء ملاحظة بسيطة، وهي أنك لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرك بعد.

– وماذا يهمك عمري؟

– يهمني إذ لا يحق لي أن أبارزك قبل سن البلوغ، فاذهب وعد إلي بعد خمسة أعوام تجدني طوعًا لأمرك.

فعلم المركيز أن الدوق مصيب في اعتراضه فتركه وانصرف.

وبعد خمسة أعوام؛ أي في اليوم الذي جاء فيه برديتو وروميا إلى بايون، بلغ المركيز سن الرشد، فدفع إليه الوصي أمواله وسلمه حساباته ووصية أمه، ففتح الوصية وقرأ فيها ما يأتي:

أكتب يا بني هذه السطور من قاديس، فلا تقرأها إلا حين بلوغك سن الرشد؛ أي حين يكون الموت أقصاني عنك وحكم علينا بفراق الأبد.

وإني أطلعتك على كل شيء حين اجتيازنا الجبل، ولكني أخبرتك عن مقابلتي مع الدوقة دي فنسترنج وهي على فراش الموت، واعلم الآن بقية حديث هذه الدوقة:

إنها أعطتني قبل وفاتها أوراقًا مالية أودعتها باسمك عند وكيل أعمالك، وقالت: إن الولد الذي سلبني إياه الدوق دي فنسترنج هو ابن زوجك المركيز أرمان دي مورفر، فأقسمي لي باسم هذا المركيز الذي أحببناه كلانا وبكيناه أنك تفعلين كل ما أطلبه إليك.

فلما أقسمت لها قالت لي: إني بعت جميع ما لدي، وحولت ثروتي إلى هذه الأوراق المالية التي أعطيتك إياها، وهذه الأوراق تبلغ قيمتها ثلاثة ملايين فرنك، وهي لابني، فأسألك أن تبحثي عنه فإذا وجدته فادفعي إليه هذا المال، وإذا وثقت من موته فإن هذه الأموال ترجع إليك، وتكون ملكًا حلالًا لك ولابنك من بعدك.

إذن فاعلم يا بني بأنك رأيت كما رأيت أنا ذلك اللص الذي عهد بتربيته إلى مينوس وهو ابن الدوقة وابن أبيك، فمتى فتحت كتابي هذا فابحث عنه جهدك وادفع إليه هذه الأموال، وإذا وثقت من موته فاحفظ الأموال لنفسك.

هذا هو الكتاب الذي كتبته المركيزة قبل وفاتها، فلما اطلع عليه المركيز قَبَّلَه باحترام، وقال: سأصدع بأمرك يا أماه، ولكني قبل ذلك يجب أن أنتقم لأبي.

ثم وضع الكتاب في محفظة بين أوراقه، وخرج من منزله إلى منزل الدوق دي فنسترنج، فسأل البواب عنه فقال: إنه مسافر.

– إلى أين؟

– لا أعلم.

– متى يعود؟

– بعد شهر …

– حسنًا، سأنتظر عودته.

وعاد من حيث أتى …

وفي المساء ذهب إلى النادي وجعل يطالع الجرائد، فاستلفت نظره المقطع الآتي وهو:

تمكنت الحكومة بعد الجهد من القبض على مينوس زعيم اللصوص الشهير وجميع عصابته، فقتل بعضهم بالبنادق، وقُتِلَ الآخرون شنقًا بحيث لم يبق أحد من أولئك اللصوص، واستراح الناس من شر تلك العصابات التي تعيث فسادًا في جبال إسبانيا منذ ٢٠ عامًا.

فأيقن المركيز أن برديتو قد هلك مع رجال العصابة، وقال: إذن قد أصبحت تلك الملايين لي.

الفصل التاسع من كتاب الفيروزة

ولنعد الآن إلى برديتو الذي غادرناه مع روميا والدوق دي فنسترنج في فندق طولون، فإنه حينما دخل عليهما هذا الرجل الأشيب، وقال لبرديتو: أنا هو الرجل الذي تنتظره.

حاولت روميا تأدبًا أن تخرج من الغرفة كي تخلي لهما المكان فمنعها الدوق، وقال لها: ابقي بيننا يا ابنتي، فإنك الفتاة التي طالما كنت أبحث عن مثلها كي تكون عونًا لهذا الصديق العزيز، فاجلسي بيننا واسمعي حديثنا.

وكان يقول هذا القول بلهجة الساخر، وهو يبتسم ابتسام الأبالسة، وينظر إلى برديتو نظرات كهربته، فلم يستطع مقاومته على الرغم مما عرف به من الجسارة.

ثم جلس بجانب روميا وأخذ يدها بين يديه، وقال لها: إن جمالك فتان تستطيعين أن تغوي به كل قلب.

فاضطرب برديتو ونظر إليه نظرة وحشية، فقال: لا تقل لها مثل هذه الأقوال.

فأجابه بلهجة الساخر: لماذا يا بني؟

– لأنها إذا خانتني فلا يكون جزاؤها غير القتل.

– لقد أحسنت، ولكننا لا نريد الآن البحث في هذه المواضيع.

– إذن ماذا تريد؟

– لقد قلت لك: إني أنا الرجل الذي تنتظره.

– ولكني لم أعلم من هذا القول من أنت.

– أنا الرجل الذي عهد بك إلى مينوس منذ ٣٠ عامًا.

– إذن أنت المركيز دي مورفر؟

– كلا …

– لقد حسبت أنك أبي.

– كلا لم يكن لي هذا الشرف.

– إذن لماذا عهدت بي إلى مينوس، وكنت تدفع نفقاتي في كل عام؟

– هذا سري.

– إذا كنت تكتم عني هذا السر، فلماذا أردت أن تراني؟

فارتعش الشيخ وقال: لقد كانت تمر بي ساعات أرتاب فيها بفساد أخلاقك، فلقد كنت أقتفي آثارك منذ ولدت إلى اليوم، وعلمت من نفسك فوق ما تعلمه منها إلى أن بلغت العشرين من سنيك، وصرت من مشاهير اللصوص والسفاكين حتى أوشكت أن تقتل أخاك.

– إذن أنت تعرف أني ابن المركيز دي مورفر؟

– دون شك.

– أي أخو ذلك الفتى الذي يشبهني كل الشبه؟

– هي الحقيقة بعينها …

فقال له برديتو بلهجة وحشية ارتعش لها الدوق: إني إذن لم أقتله فليس الذنب ذنبي، ولولا مينوس لما كان الآن في عداد الأحياء.

– أكنت تكرهه إلى هذا الحد؟!

– بل وددت لو شربت من دمه.

– ألا تزال تكرهه إلى الآن؟

– لا أزال على كرهه ما دام بين جنبي قلب ينبض.

– ولكن هذا الفتى لم يسئ إليك بشيء.

– إني رأيته مرة فأثار الحقد في نفسي عليه، والبغض مثل الحب؛ قد يكون من أول نظرة.

– إذن لو علمت أن هذا الفتى قد اختلس ثروتك، فماذا كنت تصنع؟

– هو سرقني؟!

– دون شك، وقد اختلس منك ثروة عظيمة تقدر بالملايين.

ففتح برديتو سترته فظهر من تحته قبضة خنجر هائل، وقال: إني إذا التقيت به أغمدت هذا الخنجر في قلبه.

فابتسم الدوق وقال: إني لا أمنعك عن قتله غير أن الوقت لم يحن بعد.

– ماذا تريد بهذا القول؟

– أريد أنك محتاج الآن إلى إتمام تربيتك.

– كيف ذلك؟

– لأن طعنة الخنجر لا يقدم عليها غير العوام، فإنها تقتل الخصم بلحظة فتريحه، وما هكذا يكون الانتقام.

– وكيف تريد أن أقتله؟

– أريد أن تميت المركيز دي مورفر، لكن بعد نزع طويل هائل ترتعد لذكره الفرائص.

– يبدو أنك تكرهه مثلي …

– بل إن كرهي له فوق كل حد.

– ولم هذا الكره؟

– لأنه ابن الرجل الذي ثلم عرضي ودنس شرفي.

– إذن قد عرفت مَنْ أنت فإنك زوج أمي.

– هو ما تقول …

فنظر إليه برديتو نظرة مستطيلة، وقال: أرى أننا خلقنا لنتفق.

– لأني لم أقتصد في تربيتك يا ولدي العزيز. أريد بعد أن أفسدت نفسك وجعلتك من أفظع اللصوص أن أنير فكرك وأهذب عقلك، فإنك الآن لص جاهل، وأنا أريد أن تكون ممتازًا على أقرانك في كل شيء.

– وبعد ذلك؟

– بعدها أخبرك بذلك الانتقام الرهيب الذي أعددته لأخيك المركيز دي مورفر.

ثم أخذ الدوق يد روميا، وقال لها: وأما أنت أيتها الحسناء، فإني أريد أن تكوني بين العالم مثال الهول، فتلقي الذعر في القلوب وتزرعين الابتسام فتجني الجثث، فإنك خير امرأة صالحة لإلقاء المفاسد والشرور، فاستعدي للسفر فإننا مسافرون غدًا جميعنا.

– إلى أين؟!

– إننا سنطوف أوروبا، وإني قد تبنيتكما منذ اليوم فأنتما ولداي.

وفي اليوم التالي برح الدوق دي فنسترنج وبرديتو وروميا مدينة بايون إلى إيطاليا.

•••

لما وصلت فاندا ومرميس إلى هذا الحد من كتاب الفيروزة توقف مرميس هنيهة عن القراءة ونظر إلى الساعة، وقال: لقد بلغت الساعة الأولى بعد الظهر، ولم يعد ميلون بعد، وأظنه باقيًا في موقفه يراقب البستانية الحسناء.

وجعلت فاندا تقلب صفحات الكتاب، وتقول: إننا لم نعلم أمرًا جوهريًّا مما طالعناه إلى الآن.

فقال لها مرميس: لقد أخطأت فإني علمت منه أمرًا خطيرًا، وهو أن البستانية الحسناء هي نفس روميا.

– وأنا أرى رأيك.

– إذن لنُتِمَّ قراءة الكتاب.

قالت فاندا: أظن أن الأولى بنا أن نعلم ما فعل ميلون في مراقبته البستانية الحسناء.

– إني واثق من أنه لا يزال في موقفه.

– إذن عد إلى القراءة.

فأخذ مرميس الدفتر وقرأ ما يأتي:

الفصل العاشر من كتاب الفيروزة

وبينما كان الدوق دي فنسترنج مسافرًا إلى إيطاليا مع برديتو وروميا، كان المركيز دي مورفر ينتظر بصبر عودة قاتل أبيه، ولكن الوقت الذي عينه الخادم لعودته انقضى دون أن يعود الدوق، ثم مضى شهر وتلاه آخر إلى أن مضى عام ولم يعد.

وكان المركيز قد أفرغ جهده في سبيل البحث عن عدوه فلم يعلم مكانه.

ثم أشيع في باريس أن هذا الدوق قد مات، ولكن هذه الإشاعة لم تثبت، فلم يعول عليها المركيز إلى أن ورد إلى باريس جريدة اسمها أوريان؛ أي الشرق، وهي جريدة عثمانية، فقرأ فيها الباريسيون ما يأتي:

خرجت الباخرة مركيز من ميناء كندا أمس مستظلة بالراية العثمانية، وثارت عاصفة شديدة أغرقتها بمن كان فيها على مسافة ١٠ أميال على الشاطئ.

وقد حدثت هذه الفاجعة في الليل، وكان الضباب كثيفًا، فمرت بها باخرة حين غرقها، وحاولت إنقاذ ركابها فلم تستطع، فغرق جميع البحارة والركاب، وكان فيهم كثير من أهل الوجاهة والشهرة بينهم الجنرال الفرنسي الدوق دي فنسترنج، الذي كان مسافرًا إلى أزمير لأسباب صحية، ولا شك أن فقد هذا الجنرال سيكون له دوي شديد في فرنسا، فقد كان من مشاهير رجال الجيش.

ولما اطلع المركيز دي مورفر على هذا النبأ تنفس الصعداء، وقال: لقد عاقبه الله عني، فالحمد لله.

وصفا باله بعد ذلك، وجعل يعيش عيشة هادئة مطمئنة وهو واسع الثروة بما خلفه له أبوه، وقد زاد ماله بثروة برديتو؛ لاعتقاده أن هذا اللص قد شنق؛ فضم ماله إلى أمواله.

وقد بدأ بالتجول والسياحة، فساح نحو أربعة أعوام في جميع أنحاء الأرض، ثم عاد إلى باريس وعاش عيشة راضية لا تكدرها الهموم، ولا تعكر صفوها الحوادث، إلى أن بلغ الثامنة والعشرين من عمره فنفذت إلى قلبه أشعة الغرام، وغيرت عيشه كل التغيير.

وحكاية غرامة أنه كان عائدًا في إحدى الليالي من النادي إلى منزله، فلما وصل إلى الشانزليزيه سمع صوت امرأة تستغيث وهي في مركبة قريبة منه كان يراها على ضوء القمر، فأسرع ورأى رجلين واقفين عند بابها يحاولان إرغام المرأة على النزول منها.

وكان السائق قد أركن إلى الفرار؛ لأنهما تهدداه بالقتل، وكانت المرأة تصيح مستغيثة منهما وقد ملأ الخوف قلبها.

ولم يكن لدى المركيز من السلاح غير عصا في داخلها حربة، فجردها من غمدها وهجم بها على الرجلين، فدافعا في البدء وطعنه أحدهما بخنجر فخدش كتفه خدشًا صغيرًا، ثم تركاه مع المرأة وهربا.

فلما أمن المركيز كيدهما أقبل على هذه المرأة، فرآها تضطرب اضطرابًا عظيمًا، وقد بللت دموعها ثيابها.

وكانت صبية بارعة في الجمال، وقد زادها الخوف والبكاء جمالًا، فقالت له بصوت حنون: أشكرك يا سيدي ألف شكر، فقد أنقذتني من مخالب الموت، ولولاك لما أبقى علي هذان الرجلان.

– ماذا كانا يبغيان منك يا سيدتي؟ ألعلهما يريدان سرقة ما عليك من الحلي؟!

فهزت رأسها وقالت: كلا؛ فإن أحدهما زوجي، والثاني أخي.

– لا بأس عليك، إني سأتولى حمايتك، فهلمي معي نذهب سيرًا على الأقدام، فإن سائق المركبة سيعود إليها.

فامتثلت وتأبطت ذراعه فسار وإياها.

أما هذه المرأة فإنها ابنة تاجر في أنفرس، وقد تزوجت جوهريًّا هولانديًّا، فسلب الزوج مهرها بعد أن عاملها أسوأ معاملة، ثم تخلى عنها.

وكان لها أخ طلبت إليه أن يحميها فجاءها إلى باريس؛ لأن زوجها كان فيها، وكانت لا تزال تحبه، فاعتقدت أن أخاها سيصلح بينهما.

غير أن أخاها كان فاسد الأخلاق فاتفق مع زوجها على قتلها لاتهامها بالخيانة، ودس لها السم في الطعام فلم تمت إلى أن لقيها هذه الليلة في الشانزليزيه، فجاهر بقصده وحاول قتلها، وكاد يقتلها لو لم ينقذها المركيز.

هذه هي حكايتها التي قصتها عليه فصدقها، ورأى أنه لم يعد له بد من حمايتها فعرضها عليها، فقبلتها شاكرة وأتت معه إلى منزله.

الفصل الحادي عشر من كتاب الفيروزة

وأحبها المركيز حبًّا عظيمًا وأحبته، فاستأجر لها منزلًا معتزلًا، وجعل يزورها فيه وولدت منه غلامًا، ولم يكن يكدر صفوهما مكدر.

وقد مضى على عهد حبهما عام لم يلق الحبيبان فيه غير الغبطة والنعيم. إلى أن جاءها ليلة ورآها واجفة جازعة، وقرأ بين عينيها صورة الرعب الشديد، فقال: ما بالك أيتها الحبيبة وما أصابك؟!

– لقد خفت يا غوستاف خوفًا شديدًا هذه الليلة، فإني رأيت رجلين يدوران حول المنزل وينظران إليه نظرات منكرة، فما شككت أنهما يريدان قتلي.

– إن ذلك محال فإنك لا تخرجين من هذا المنزل المعتزل، ولا سبيل لهما إليك، وبعد أفلست أنا جنبك ومَنْ يجسر أن يمد إليكِ يدًا؟

– إنهما إذا رأياني يغتنمان الفرصة ويقتلاني دون إشفاق، وأنا أحبك يا غوستاف حبًّا لا يحيط به وصف كاتب، ولكني بِتُّ ميالة إلى الهرب.

فارتعش وقال: لماذا؟

– لأن لي سرًّا خفيًّا أحب أن يبقى طي الكتمان.

– إني أقسم لك بشرفي أني لا أسألك عن سرك، ولا أسعى أقل سعي للوقوف عليه.

– وأنا واثقة من قولك، ولكني أرجوك أن تنقذني، فلست آمنة على نفسي في هذا المنزل.

– ممن تخشين؟ أمن زوجك؟!

– لقد خدعتك أيها الحبيب قبل أن أحبك فليس لي زوج.

– إذن تخشين من الذي كان يحبك؟

– لم يكن لي عشيق، وقد أقسمت لي أنك لا تسألني عن سري.

– وإنني أجدد القسم.

– إذن، إذا كنت تحبني فأنقذني.

وكانت تقول هذا القول وأسنانها تصطك من الخوف، فارتعش المركيز، وقال لها: ولكن ممن تريدين أن أنقذك؟

– لا أستطيع أن أقول …

– أتريدين أن أبقى معك في الليل والنهار فلا أفارقك لحظة؟

– كلا بل يجب أن أسافر من هنا، وأن تخبئني في مكان خفي خارج باريس.

وكان المركيز يحبها حبًّا شديدًا ولا يطيق بعادها، فاتفقا على أن يُمَوِّهَا على الخدم بأنهما قد انفصلا، فتسافر هي إلى بلجيكا فتقيم فيها أسبوعًا، ثم تعود متنكرة، فيطردان الخدم بعد أن يذيعوا أن العاشقين قد انفصلا وأن العشيقة قد سافرت، وتعود إلى المنزل بزي جديد، ويعينان خدمًا جددًا فيعتقد الذين تخشاهم ويزول عنها الخطر.

وفي الحال تظاهرا أمام الخدم بالانفصال، فأعطاها أمامهم مائة ألف فرنك تمويهًا عليهم أنه أرضاها بهذا المبلغ من المال، ثم ركبت القطار في الليلة نفسها وسافرت إلى بلجيكا.

وبعد أسبوع عادت إلى المنزل نفسه وهي متنكرة بزي الإنكليزيات، وأحضرت معها خادمين إنكليزيين، وعاد المركيز معها إلى عيشهما السابق وهو يحسب أن كل خطر قد زال.

وقد احترم المركيز يمينه، فلم يسألها شيئًا عن أسرار حياتها، وغاية ما كان يعلمه عنها أنها تُدْعَى جوليا وأنها لا عائلة لها، وأن اللذين كانا يريدان قتلها لم يكونا زوجها وأخاها.

ولكن جوليا على ما كانت فيه من الأمن كانت تخشى دائمًا هذين الرجلين، وتقول: إنهما إذا عثرا عليَّ فلا بد لهما من قتلي.

وكان المركيز يأتي ممتطيًا جواده، فاتفق أنها بينما كانت ليلة بانتظاره في النافذة سمعت صفيرًا فهلع قلبها، ثم رأت شبحًا أسود ظهر في الحديقة على أثر الصفير، فتراجعت خائفة إلى الغرفة وأيقنت بوقوع المصاب.

أما هذا الشبح الذي رأته جوليا فقد كان يدنو من النافذة، وهو شبح رجل معتدل القامة خفيف الحركات، فإنه حين وصل إلى النافذة وثب إليها كما يثب النمر، وولج منها إلى تلك الغرفة التي كانت فيها جوليا بين حية وميتة لما تولاها من الرعب.

وكان رعبها شديدًا حتى إنها لم تفطن إلى دق الجرس ومناداة الخدم به، وعقد لسانها فلم تستطع أن تستغيث، ولكنها ركعت أمام الرجل الذي كان يتهددها، وقالت: رحماك لا تقتلني.

أما الرجل فقد كان مشهرًا خنجرًا بيده، فنظر إليها نظرة هائلة، وقال لها: أبحث عنك أيتها الخائنة منذ عام.

فجعلت تستجير به وتقول: رحماك لا تقتلني.

– كيف لا أقتلك أيتها الخائنة وقد هزأت بنا ونكثت بعهودك؟!

– إني لم أجسر على تنفيذ أوامركم.

– لماذا؟

فنهضت بعد أن كانت جاثية، ورجعت إلى الوراء وقد عادت إليها جسارتها، فقالت: اقتلني كما تشاء، فإني أوثر الموت على أن أكون آلة لتنفيذ أغراضكم السافلة.

– ولكن لماذا لا تجسري على تنفيذها؟

– لأني أحبه.

فزأر هذا الرجل زئير الوحوش الضارية، وقال: أنت تحبينه؟

– وسأحبه ما بقيت في قيد الحياة.

فبرق الخنجر بيده وهوى عليها، وكاد يطعن أحشاءها بخنجره، ولكنه صاح فجأة صيحة دهش وتوقف عن قتلها؛ إذ رأى بقربها مهد طفل، فأن أنين الموجع وقال: لقد عرفت السبب الآن …

وكأنما جوليا أدركت قصده فأسرعت إلى طفلها، وحومت حول مهده كأنها تريد أن تحميه.

وكان هذا الرجل برديتو تلميذ مينوس، وشقيق المركيز دي مورفر، فقال: لقد علمت السبب الآن، وسيكون هذا الطفل الذي حملك على خيانتنا رهينة عندنا إلى أن تعودي إلى الوفاء.

وكان الخنجر قد سقط من يد برديتو حين انذهاله لرؤية الطفل، فلما علمت جوليا قصده التقطت الخنجر عن الأرض، ووقفت بين برديتو وطفلها، وهي تقول: ادْنُ منه الآن إذا استطعت.

فضحك برديتو ضحك الساخر، وقال: إني أستطيع قتلك متى شئتُ، ولكني أحب أن أحادثك قبل استعمال القسوة، فقد أصبحتِ أمًّا كما يظهر.

– إنك ترى ولدي الذي أدافع عنه.

– وأنت تحبين مورفر؟

– أعظم حب.

– أهكذا تبرين بقسمك، وبمثل هذه الخيانة يكون وفاء الوعود؟

– لا أنكر أني وعدتكم أن أكون آلة بيدكم لتنفيذ أغراضكم، ولكني ما حسبت قلبي يهوى المركيز.

– أظن أن هذه هي المرة الأولى التي عرف قلبك فيها الغرام.

فأطرقت جوليا هنيهة، ثم رفعت رأسها وقالت: إني لا أعلم ما كنت فيه حين ساقتني الأقدار إليكم ورمتني بين أيديكم، ولا أنكر أني كنت فتاة سافلة لا أتردد في الاتفاق مع أمثالكم على ارتكاب كل منكر، فأقمت مع المركيز ثمانية أيام وأنا عازمة على تنفيذ مقاصدكم ثم …

– ثم أحببتِه أليس كذلك؟

– نعم أحببتُه وأحبه وسأحبه إلى آخر ساعة من حياتي.

– ستحبينه كما تشائين، ولكن لا بد لك من الامتثال لنا.

– هذا محال.

– ولكني أراه سهلًا ميسورًا، أليس هذا ابنك الذي أراه؟

– إذا كنت تجسر على الدنو منه فافعل.

فهز برديتو كتفه إشارة إلى الاحتقار، وقال: دافعي بخنجرك ما تشائين، فإننا إذا لم نأخذ ابنك اليوم أخذناه غدًا، وهو يكرهك على الخضوع لنا متى بات في أيدينا.

قال هذا وتقدم منها خطوة، فوقفت جوليا في موقف الدفاع، فقال لها: أجيبي أتخضعين لنا؟

– كلا.

– لم يبق علي لوم، فقد حذرتك.

ثم انقض عليها انقضاض الصاعقة غير مكترث لخنجرها، فجعلت تصيح وتستغيث وتضربه بخنجرها بيد مضطربة، وجرحته بذراعه وكتفه جراحًا أسالت دمه على ثيابه، فهاج برديتو لمنظر الدماء، وحمل عليها حملة منكرة وهي تصيح وتطعنه حتى قبض على وسطها وألقاها إلى الأرض.

وعند ذلك سمع وقع خطوات الخدم وقد أسرعوا منذعرين لصياح مولاتهم جردها من خنجرها، وأغمده في صدرها، وهو يقول: إنك لا تبوحين بشيء على الأقل.

ثم أسرع إلى النافذة فهوى منها إلى الحديقة، وتوارى عن الأنظار.

أما الخدم فقد جاءوا بعد فوات الأوان، فلم يستطيعوا القبض على القاتل، ووجدوا سيدتهم غارقة بدمائها ويداها ممدودتان إلى مهد طفلها، كأنها تحاول أن تحميه حتى بعد الموت.

الفصل الثاني عشر من كتاب الفيروزة

بينما كانت خادمة غرفة جوليا تحاول إنهاضها، وثب أحد الخدم من النافذة في أثر القاتل وجعل يستغيث، ولكن المنزل كان معتزلًا فلم يسمع صياحه أحد وكان برديتو قد احتجب.

أما جوليا فإنها كانت لا تزال حية، فلما سمعت صياح الخادم قالت لخادمتها: ناديه لا فائدة من صياحه.

وكان الدم ينصب غزيرًا من جرحها، فتمكنت الخادمة من إنهاضها، فأجلستها على كرسي وقالت لأحد الخدم: أسرع وائتنا بطبيب.

فأوقفته جوليا وقالت: إن جرحي قاتل لا تنفع فيه حيلة الأطباء، فأقفلوا النوافذ والأبواب وأصغوا إليَّ.

وكان الطفل نائمًا في مهده نوم الملائكة، فقالت جوليا: إني قد أعيش ساعة بعد، فاجتهدوا أن تسدوا الجرح بما يمنع سيل الدماء.

فأخذت الخادمة منديلها وضمدت جرحها، فنظرت جوليا نظرة حنو إلى طفلها، وقالت لمن حولها من الخدم: احرصوا عليه كل الحرص إلى أن يعود المركيز دي مورفر، ولا تفارقوه لحظة حتى يأتي.

وكان صوتها يخفت، وبدأت قوتها تتلاشى، فنظرت إلى الخادمة، وقالت لها: إنك تجدين في عنقي مفتاحًا صغيرًا، وهو مفتاح صندوق صغير في غرفتي، فإذا مت انزعيه من عنقي وأعطيه للمركيز، وقولي له: إنك تجد في الصندوق إيضاح السر.

وكان هذا آخر ما قالته، فتلاشت قواها وتجمعت حياتها في عينيها التي كانت تنظر بهما طفلها النائم، ثم أطفئ نظرها وأطبقت عيناها، فأدركتها الوفاة وعادت تلك الروح إلى مبدَئها.

وجعل كل من أولئك الخدم ينظر إلى رفيقه نظرات تدل على الرعب، وكانوا حديثي العهد بخدمتها، فلم يتعلقوا بها بعاطفة الإخلاص، غير أنهم كانوا شاعرين بثقل وطأة تبعة هذه الحادثة عليهم، فجعلوا يتساءلون عما يجب أن يصنعوه.

فقالوا: إن سيدتنا أوصتنا بالحرص على الطفل، وهو ما يدل على أن الطفل معرض للخطر. وإذا بقينا بقربه، ألا نتعرض نحن أيضًا لهذا الخطر؟

فاعترضتهم الخادمة وقالت: لقد وعدنا هذه السيدة القتيلة أن نحمي طفلها، وأن لا نبرح هذه الغرفة حتى يأتي المركيز.

فخجل الخدم حين رأوا تحمسها، وحملوا القتيلة إلى سريرها، وعادوا إلى الغرفة التي كان فيها الطفل، فلم يطل انتظارهم حتى سمعوا وقع حوافر جواد؛ فأيقنوا أنه جواد المركيز.

ودخل المركيز إلى ذلك المنزل وهو يتوقع أن يرى جوليا في الدار، فلم ير أحدًا.

وكان الخدم حين حملوها إلى غرفتها مروا بها من الدار، فسالت دماؤها عليها، ولم يكن هناك نور، فشعر المركيز أن قدميه تدوسان فوق مادة سائلة، فأخذ علبة الكبريت من جيبه وأشعل عودًا من عيدانها، فرأى الدم وصاح صيحة منكرة وجعل ينادي جوليا فلم يجبه أحد.

فأسرع عند ذلك إلى غرفتها، وفتح بابها بيد تضطرب، فوجد شمعتين منارتين حول سريرها، ورأى حبيبته مسجاة على السرير ميتة لا حراك فيها، فأيقن أن أحد هذين الرجلين الخفيين قتلها، فتهدد السماء بقبضته، وأقسم على الانتقام من قاتلها، وكانت ساعة يأس هائلة.

ثم جاءه الخدم وأخبروه بما كان، وأعطته الخادمة مفتاح الصندوق، فأمر الخدم أن ينصرفوا إلى غرفهم، وأخذ الصندوق ففتحه وأخرج منه كتابًا مختومًا مكتوبًا على غلافه هذا العنوان:

إن هذا الكتاب إلى غوستاف دي مورفر الذي طالما أحببته بعد وفاتي، ولا يحق له فتحه ما زلت في قيد الحياة.

وجلس المركيز على كرسي بجانب سرير القتيل، وفض الكتاب، وقرأ فيه ما يأتي:

حبيبي غوستاف

كنت كل ليلة حين تفارقني أخاف أن لا يكون بعد الفراق لقاء، فينقبض صدري ويستولي عليَّ رعب شديد.

إني محكوم علي بالقتل، أيها الحبيب، وإنما هم يريدون قتلي؛ لأني عصيتهم فيك.

ألم تسمع بتلك الجمعيات السرية، التي كانوا يدعونها في العصور الوسطى بجمعيات القضاة الأحرار؟!

إن قوانين هذه الجمعيات كانت تقضي بإعدام كل من لا ينفذ أوامرها، إذا ما عينته لقتل عدو لها.

وأنا أصبت بهذا الحكم؛ لأنهم أمروني بقتلك، ولكنهم لم يريدوا أن تموت موتًا سريعًا، بل موتًا بطيئًا سريًّا فعصيتهم، وكنت أقسمت لهم على تنفيذ أوامرهم فنكثت بهذه اليمين.

وبدلًا من أن أقضي عليك ذلك القضاء الهائل أحببتك وعبدتك، وكان قلبي يحدثني أني سأموت من أجلك وفي سبيل هواك.

ولقد خدعتك يا غوستاف شهرًا كاملًا وكذبت عليك؛ لأني لم أكن تلك المرأة المسكينة التي يضطهدها زوجها وأخوها كما قلت لك؛ لأن ما حدث يوم لقيتني في الشانزليزيه لم يكن غير فخ نصبناه لك.

ويا ليتك لم تمر تلك الليلة في تلك الساعة، ويا ليتني لم أرك، فمن يراك ولا يهواك وأنت على ما عرفتك به من النبل والجمال؟

إني كنت من شر خلق الله نفسًا وأدبًا، فلما أحببتك طهرت نفسي من آثامها، وتمثل لي ذلك الإثم الفظيع الذي عهد إليَّ تنفيذه بأقبح الصور، فأنفت من الجرائم كأني لم أرتكبها في حياتي.

ولو علمت ماضي سيرتي وكيف اتصلت بأولئك الذين استخدموني؛ لقتلك العجب مما طرأ علي من الانقلاب.

وهذه خلاصة سيرتي فاسمعها: إني في جميع ما رويته لك من الأكاذيب لم أكن صادقة، إلا فيما رويته لك عن أصلي، فإني بلجيكية وقد وُلِدْتُ حقيقة في بروكسل.

وبدء سيرتي أن أحد الألمان اختطفني وأنا في السادسة عشرة من عمري، وكان يحبني حب جنون، فأنفق علي أموالًا كادت تذهب بثروة أهله.

وكان في مقتبل الشباب، فلما رأى أهله ما فعل بسببي فصلوه عني، وحبسوني في أحد السجون عامين.

ثم خرجت من السجن، فعدت إلى بلدي فقيرة معدمة، ولم يكن لي أهل ولا أصدقاء، فنزعت منازع الفساد وسرت أقبح السير، فبدأ سواد تاريخي منذ ذلك العهد.

ثم برحت بروكسل إلى باريس، وبرحت باريس إلى هولاندا مع رجل كان يعيش عيشة السعة، ويدعو نفسه الكونت بت، وحقيقة أمره أنه كان رجلًا يهوديًّا من فينيسيا برع براعة عظيمة في سلب باعة المجوهرات.

وكان لديه عصابة منظمة لا تخالف أمره، فتسير معه إلى عواصم أوروبا، ويرتكبون فيها أقبح المنكرات.

وقد كنت خليلة هذا الرجل، ولكني كنت أجهل جرائمه، وأحسب أنه حقيقة من الأشراف، فكان يحسب الناس أنني امرأة له.

فاتفق أننا كنا مرة في لاهاي، فذاع خبر سرقة محل من أعظم محلات باعة الألماس.

ولم يكن في سبيل إلى الظن بالكونت بت؛ لاتصاله بالعائلات الكبرى ورفعة منزلته، ولكن أحد رجال عصابته خانه، إذ لم ينل ما يستحقه من الغنيمة، فهرب من هولاندا بعد أن ترك كتابًا لرئيس البوليس يخبره فيها بتفاصيل السرقة.

وفي اليوم التالي كبس البوليس المنزل الذي كنا فيه، فوجد المجوهرات المسروقة، وقبض على هذا الكونت الكاذب وعلى من معه، فحاولت إثبات براءتي ولكنهم لم يصغوا إليَّ، وبعد التحقيق علموا أن هذا الكونت يهودي من لصوص فينيسيا وأني شقية من بنات الهوى.

وقد صدر الحكم عليَّ وعليه بالسجن وبالكَي في الكتف إشارة إلى جرائمنا، إنما كان الحكم علي شديدًا لا يحتمل، فقد كان منه أنه بعد أن يُكْوى كتفي بتلك الإشارة الخاصة بالمجرمين، أنفى إلى إحدى المستعمرات، وأزوج على الكره مني بأحد المجرمين المنفيين، وهو حكم هائل لو وجدت سبيلًا للانتحار حين صدوره لفعلت.

والعادة في هولاندا أن تسفير المجرمين إلى المنفى يجري مرة كل ثلاثة أشهر، وقبل السفر بليلة يحضرون آلة الكي إلى السجن، فيحمونها بالنار ويكوون المجرم الذي يريدون تسفيره أمام المسجونين.

فأقمت في ذلك السجن أحد عشر أسبوعًا أنتظر ذلك العقاب الهائل في سجن فسد هواؤه، وقل الطعام فيه، فكنت في أسوأ حالة من القنوط، غير أن رفيقاتي في ذلك السجن المظلم، كن يقضين النهار والليل ضاحكات لاعبات، يترنمن بالأغاني والأناشيد، كأنهن في حفلة طرب، بل كن يتغزلن بأولئك الأزواج الذين سيتزوجن بهم في المنفى، كأنهن سائرات إلى نعيم.

أما أنا فكنت إذا تمثلت يد الجلاد يكوي كتفي، وما سألاقيه في المنفى، يجمد الدم في عروقي من الرعب.

وفيما أنا على هذه الحال أرسلت إلي الأقدار شيطانة بصورة إنسان، فعرضتْ عليَّ إنقاذي من السجن على أن أعدها بقتل رجل أعرفه.

ولما وصل المركيز إلى هذا المقطع من الكتاب خيل له أنه سمع وقع خطى في الحديقة، فقام إلى النافذة وأطل منها، فلم ير أحدًا فحسب نفسه واهمًا لاضطرابه، وعاد إلى الكتاب يتم تلاوته فقرأ ما يأتي:

إن هذه المرأة التي اقترحت علي هذا الاقتراح كانت تلقب المصرية، وهي في الثانية والعشرين من عمرها بارعة الجمال، وكانت مسجونة مثلي ومحكومًا عليها كما كان محكومًا عليَّ. إنما لم يعلم أحد منا نوع جريمتها التي سيقت من أجلها إلى السجن.

ولما جاء مأمور السجن، وأبلغنا أن موعد كي أكتافنا غدًا، شعرت بخوف هائل، وتمكن مني الذعر فجعلت أبكي بكاءً شديدًا وأعض كفي من اليأس.

فدنت مني تلك التي يلقبونها بالمصرية، وقالت لي وهي تبتسم: يظهر أنك خائفة.

– كيف لا أخاف وموعد تنفيذ العقاب غدًا؟!

فتمعنت بي هنيهة ثم قالت لي: إنك بارعة في الجمال، ولا بد أن تكوني فتنت كثيرًا من القلوب.

فأجبتها: ولكني سيقضى علي غدًا، ولا أحسب أني أحيى إلى تنفيذ العقاب.

– بماذا تكافئينني إذا أنقذتك من السجن؟

– أهبك حياتي وأسفك من أجلك دمائي بشرط أن لا يمسني الجلاد، وأن لا ينفوني إلى مستعمراتهم فيزوجوني بأحد اللصوص.

فنظرت إلي نظرة طويلة ثم قالت: ألديك سر مقدس تقسمين به فلا تنكثين؟

– ليس لدي أقدس من تذكار أمي التي توفيت حين ولدتني.

– أتريدين النجاة؟

– لا أريد سواها، ولكن من عساه ينقذني؟!

– أنا!

فنظرت إليها نظرة انذهال، ثم غلب علي الشك بأمرها، وحسبتها تهزأ بي. فعدت إلى البكاء وقلت لها: ولكنك سجينة مثلي فكيف تستطيعين إنقاذي؟

– إني أنقذك وأنقذ نفسي.

وقد قالت لي هذا القول بلهجة تبينت منها الجد فأجبتها: إذن اشترطي علي ما تشائين. إني أرضى بما تقترحين.

– أتقسمين على الوفاء؟

ورفعت يدي وحاولت أن أقسم، فأوقفتني وقالت: لا تقسمي الآن إذ يجب أن تعلمي قبل القسم ما أريده منك.

– تكلمي إني مصغية إليك.

– لي عشيق يهواني ويغار علي غيرة شديدة، حتى إنه ليقتلني إذا نظرت إلى سواه، وأنا أهواه كما يهواني. غير أن له عدوًّا شديدًا نغص عيشنا وقد أقسمنا على قتله.

ولكن طريقة الموت التي أعدها له لا تتم إلا على يد امرأة تحمله على الوقوع في شرك هواها وهي ميتة بطيئة هائلة.

وقد عرضت نفسي لهذه المهمة، فرفض طلبي باحتقار وقال لي: إنه إذا لمس يدك فإني أقتلك قبله.

وإنما رفض طلبي لشدة غيرته علي وشغفه بي، فهل تريدين أن تكوني تلك المرأة التي نطلبها؟

فارتعشت لهذا الاقتراح، وقلت: ما هذه الجريمة التي تعرضينها علي؟ إنها عظيمة هائلة؟

فقالت لي ببرود: إذا أبيت الامتثال لنا إني أجد كثيرات يقبلن بشرطي بين هؤلاء السجينات، وإني أمهلك ساعة فاختاري بين ما تعده لك الحكومة من العقاب وبين ما أعده لك من النجاة.

فاضطربت ونازعت نفسي إلى أن تمثل لي ذلك الجلاد بناره، فذعرت وهانت لدي الجرائم.

وبعد ساعة عادت تلك المرأة وقالت: إن الصباح أوشك أن ينجلي، وقرب وقت مجيء الجلاد، فوافقيني على النجاة قبل فوات الأوان.

فتغلب الرعب على عواطفي، وقلت: إني أرضى بما تريدين.

ثم أقسمت لها على الوفاء والخضوع مدة سنتين لها ولعاشقها وشيخ هو صديق العشاق، فقالت لي: إذن قَرِّي بالًا، فستخرجين من هذا السجن بعد ساعة.

فانذهلت وقلت: كيف يكون خروجنا؟

– إنه سهل ميسور، فإننا رشونا السجان بالمال الجزيل، وسوف ترين أننا نخرج منه دون أن يعترضنا أحد كما يخرج المرء من منزله.

وقد وفت بوعدها فإنها غادرتني هنيهة، ثم عادت إليَّ وقالت: أسرعي فقد حان موعد قدوم الجلاد.

فاضطربت لذكر هذا الاسم، وخرجت معها متأبطة ذراعها إلى ردهة السجن، فلم يعترضها أحد، ثم دنونا من السجان وأنا لا أصدق بالنجاة، ورأيت السجان قد غض نظره كأنه لا يرانا.

فخرجنا وقد بدأت أشعة الصباح تنجلي، وركبنا مركبة وانطلقنا بها إلى الميناء، وركبنا قاربًا صغيرًا وسرنا به إلى سفينة شراعية كبيرة كانت متأهبة للمسير، فاستقبلنا فيها عاشق تلك المرأة، وسارت بنا السفينة إلى فرنسا فبلغناها بعد ثمانية أيام.

وبعد شهر عزم أولئك الأشقياء على قتلك قتلًا فظيعًا، لا يخطر في بال الأبالسة.

أتريد أيها الحبيب أن تعرف كيف كانت طريقة هذا القتل الهائل؟ إذن فاسمع.

•••

وكانت الصفحة قد انتهت عندما وصل بالقراءة إلى هذا الحد، وبينما هو يقلب الصفحة التي بعدها ليقف على حقيقة هذا السر الرهيب سقط فجأة على قفاه.

وذاك أن الشمعتين أطفئتا، وسمع دوي غدارة، وشعر بمادة مائية أصابت وجهه. فسقط على الأرض طائش الرشد، وأفلت كتاب جوليا من يده.

وعند ذلك دخل رجل من النافذة المفتوحة، فأسرع إلى المركيز والتقط الكتاب، ثم عاد مسرعًا من حيث أتى قبل أن يثوب المركيز إلى رشده ويتمكن من النهوض.

أما ما أصاب المركيز فقد كان مؤلمًا وغريبًا في حين واحد، ووجه الغرابة فيه أنه سقط على الأرض بقوة غير منظورة إلا أنه لم يرها، وأما كونه مؤلمًا فإنه شعر أن جميع جسمه كأنه قد احترق بمياه غالية، وأحس بمادة أكالة قد دخلت في عينيه.

وقد أصيب بألم شديد، حتى إنه بقي عدة دقائق ضائع الرشد، لا يعي على شيء، ولم يستفق من إغمائه إلا بعد ربع ساعة، فشعر باختناق، وشم رائحة في هواء الغرفة تهيج القيء.

وكان أول ما فعله أنه أسرع إلى النافذة وهي لا تزال مفتوحة، فاستنشق الهواء النقي، وعاد إليه صوابه، فافتكر بما حدث له، وأيقن أن ذلك من نتائج مادة أطلقت عليه ففعلت هذه الفعال.

وحاول أن يدنو من المستوقد ليقرع الجرس، فلم يستطع لملاشاة قواه؛ ولأن هذه الرائحة المقيتة قد زادت فلم يجد بدًّا من الالتجاء إلى النافذة التماسًا للهواء النقي.

وكانت الغرفة المقيم فيها مشرفة على الحديقة، والخدم يبيتون في غرفة لهم في تلك الحديقة، فنادى أحدهم بصوت أبح فأجابه، فقال له: اصعد إلي حالًا بمصباح فلا نور عندي.

فأنار الخادم مصباحًا، وصعد به إلى مولاه، ولكنه ما خطا خطوة في تلك الغرفة حتى حدثت أعجوبة أخرى، ارتعدت لها فرائص المركيز والخادم.

ذلك أنه حدث انفجار عظيم والتهبت النار تلك الغرفة فجأة، كأنما كانت مملوءة من الغاز، فعلقت النار بشعر الخادم وملابسه، فترك المصباح وهرب منذعرًا، وهو يصيح صياح الألم لا يلوي على شيء.

ثم علقت النار بعده بالمركيز دي مورفر، لكنه لما رأى أن الغرفة بجملتها قد التهبت وأنها أصبحت كانون، أسرع وألقى بنفسه من النافذة إلى الحديقة، فوصل إليها سالمًا وأطفأ ما علق بثيابه من النار.

لكنه على ما أصابه من هذه الكوارث الفجائية لم يفقد رشده، ففكر بطفله وركض إلى الغرفة التي كان نائمًا فيها، فوجده في مهده ورأى الخادمة جالسة بقربه وهي لا تعلم ما حدث.

فأخذه من مهده وخرج به فتبعته الخادمة، ولو تغافل عنه هنيهة لذهب فريسة النار.

وامتد اللهيب بسرعة من غرفة إلى غرفة حتى التهم المنزل بجملته، وباتت تلك القتيلة المسكينة كتلة رماد.

•••

وقد مضى زمن طويل على تلك الحادثة الهائلة التي خفي سرها على المركيز إلى أن ذهب عنه تأثيرها وراق باله، فذكر أنه قرأ مرة في إحدى الصحف الهولاندية عن اختراع علم من سر ذلك الحريق.

وهذا الاختراع هو أن أحد علماء هولندا اكتشف طريقة لصيد الطيور بالبنادق، دون أن تقتل أو تجرح أو تصيب بأذى.

وذلك أنه يحشو البنادق بالبارود حسب العادة المعروفة، ثم إنه بدلًا من أن يضع فوق هذا البارود قطعًا من الورق والقماش حسب المعتاد، يضع قطعة من الشمع تسد مخرج البارود سدًّا محكمًا، ويملأ أنبوبة البندقية من الماء، ثم يسد فم الأنبوبة بقطعة أخرى من الشمع، فتمنع القطعة الأولى اتصال البارود بالماء، وتمنع القطعة الثانية خروج الماء من أنبوبة البندقية، قبل إطلاقها.

ثم يخرج بعد ذلك إلى الصيد، فإذا رأى طائرًا أراد صيده وحفظه سالمًا، صوب عليه البندقية وأطلقها، فينفجر البارود ويطرد بقوته المياه. فتخرج شبه إعصار وتسقط على الطائر، فتضيع رشده، وتبل أجنحته فلا يستطيع الطيران ويسقط على الأرض؛ فيأخذه الصياد حيًّا بفضل هذه الحيلة الغريبة.

•••

فلما ذكر المركيز دي مورفر هذا الاختراع، أيقن أنهم أطلقوا عليه بندقية حسب الطريقة نفسها، ولكنهم بدلًا من أن يضعوا فيها ماءً وضعوا مادة غازية، فلما أطلقوها انتشر الغاز بالغرفة، ثم دخل الخادم بالمصباح فالتهب.

غير أن هذه الحيلة لم تخطر له في تلك الليلة لشدة ما أصابه من الاضطراب، فلم يكن يعي على شيء.

ولقد تقدم لنا القول إن هذا المنزل الذي كان يقيم فيه المركيز مع جوليا كان معتزلًا في شارع مقفر، فلما أنقذ الطفل من الحريق خرج به إلى الحديقة، وتطلع إلى المنزل ورأى أن النار قد علقت بجميع جوانبه، ولم يجد سبيلًا لإطفائها، فهرع مع الخدم إلى الخارج وجعلوا يصيحون ويستغيثون، فأسرع الناس لنجدتهم.

ولكن النار كانت قد التهمت المنزل بجملته، وجعلت تأكل نفسها إذ لم تجد ما تأكله.

أما جثة جوليا فقد ذهبت طعمة للنار، كأنما الأقدار أرادت كتمان سر مقتلها الذريع، وعاد المركيز دي مورفر إلى منزله في باريس، وقد أخذ منه الاضطراب كل مأخذ.

ثم أطلق سراح الخادمين الإنكليزيين والخادمة الذين كانوا في خدمة جوليا، بعد أن أنعم عليهم بالمال الجزيل، وسألهم كتمان سر مقتل سيدتهم.

قالت الفيروزة: وفي اليوم التالي عهد المركيز بطفله إلى مرضع، فعنيت بهذا الطفل دون أن تقف على سره الهائل، الذي لا يزال إلى الآن من الألغاز الخفية.

الفصل الثالث عشر من كتاب الفيروزة

إني أكتب هذا الكتاب لك يا روكامبول؛ لأنك موضع ثقتي، وأنت رجائي الوحيد.

إنك علمت ماضي حياتي حين كنا ننغمس سوية في حمأة الجرائم والآثام، وحين كنت وإياك آلة لتنفيذ أغراض أندريا السافلة.

وأنت تذكر دون شك تلك الضربة الهائلة التي ضربتنا إياها باكارا، فكانت السبب في توبتنا الصادقة.

وأما أنا فإني جننت بعد تلك الضربة الشديدة، فنقلوني إلى مستشفى المجانين، وأقمت فيه خمسة أيام.

ثم قدر لي الشفاء فخرجت تائبة مستغفرة، ألتمس عفو الله عن ذنوبي السابقة، وأرتزق بالعمل الشريف، وإن تلك الحسناء التي كانوا يلقبونها بالفيروزة، والتي لعبت بفرناند روشي وليون رولاند، والتي كانت تجرح خطرات النسيم خديها، ويدمي الحرير بنانها، باتت عاملة فقيرة تشتغل الليل والنهار، فتعيش من كسب يديها، وتنفق ما زاد عنها على الفقراء لإيثارها عيشة الصلاح على عيشة الفجور.

إن ما لقيته من المتاعب والمشاق لم يؤثر على جمالي، فكنت أبذل كل جهد كي أحجب هذا الجمال، فلا أتأنق بملبس ولا أحفل بزينة، ولكن كل ذلك لم يمنع ازدحام العشاق، فكانت رسائلهم ترد إلي من كل صوب، فلم أكترث لأحد منهم لاعتقادي أن قلبي ماتت فيه عواطف العشق.

وكان بجوار منزلي أرملة تناهز الأربعين، وعندها غلام في الثانية أو الرابعة من سنيه، فاستحكمت أواصر الصداقة بيننا، وكنت أحسب في البدء أن الغلام ولدها، ولكنها أخبرتني أنه ليس ولدها، وأنها لا تعرف اسمه ولا أهله؛ لأن رجلًا عهد به إليها، وعين لها نفقته مائة فرنك في الشهر، فكانت تعيش وإياه من هذه النفقة.

وكان يجيئها في الأسبوع رجل شاب، يرتدي بملابس العمال، فيتفقد الغلام.

وقد قال لهذه الأرملة: إني لست والد الطفل، لكن أهله عهدوا إليَّ بمراقبته والاعتناء بأمره، وهم من غير هذه البلاد.

وكنت أزور جارتي في كل يوم، فاتفق مرات كثيرة أني رأيت عندها ذلك الرجل، فكنت أتمعن به وأتفرس في وجهه، فلا أرى هيئته توافق ملابسه الرثة، وعلمت من يديه الناعمتين أنه من أهل الترف، وليس من أهل المهن في شيء، وإنما كان متنكرًا بأزياء العمال لغرض من الأغراض خفي علي في ذلك الحين.

وكان صبوح الوجه، جميل الطلعة، رشيق القوام، حلو الحديث، ولا يتسع المقام الآن لتفاصيل الحب، فأقتصر على القول: إني شعرت بعد ستة شهور أني جذبت إليه، وأن قلبي تنبَّهَتْ فيه تلك العواطف القديمة فأحببت هذا الرجل، وهو المركيز دي مورفر.

وكان المركيز قد أسف أسفًا شديدًا على جوليا وبكاها زمنًا طويلًا، ثم دَملتْ الأيام جرحه وتحول حنانه إلى غلامه، وبقي مفكرًا مهمومًا؛ لأنه كان يخشى على الغلام من الذين قتلوا أمه، ولهذا كان يتنكر بملابس العمال حين يتفقده كي لا ينبه إليه أنظار أولئك الأعداء الذين لم يعرفهم فلا يعرفون مكان الطفل.

وبعد عام كنت أراه في خلاله معظم الأيام، فقد ماتت تلك الأرملة وعهد بغلامه إليَّ، فعشت معه وأحبني حبًّا شديدًا، وباح لي بجميع تلك الأسرار التي بقيت خفية، ولو لم ينتزعوا منه كتاب جوليا لزال الخفاء عن كل هذه الغوامض.

وكان كلما كبر الولد ونما يزيد قلق المركيز عليه، ويكثر اهتمامه بمستقبله، وقد قال لي يومًا: أصغي إلي، إن الذين قتلوا أمه هم أعدائي، وذلك لا ريب فيه عندي.

غير أني لا أعرف هؤلاء الأعداء، فإني أعرف أنه كان لي عدوان لدودان وهما: الدوق دي فنسترنج وبرديتو وكلا الاثنين ماتا، فإن أحدهما مات غريقًا، والآخر أُعْدِمَ شنقًا، فلا بد إذن أن يكونوا غير هذين العدوين، وقد يكون أعدائي محيطين بي وأنا لا أعلم إذ لا أعرف لي عدوًّا غير هذين.

وإن لي ثروة عظيمة ولست بمتزوج، فإذا مت فجأة أو قُتِلْتُ دون أن أكتب وصيتي يرث هذه الثروة الطائلة أقارب بعيدون عني يتسمون باسم عائلتي لكني لا أعرف منهم أحدًا.

ولذلك اتخذت الاحتياطات اللازمة حتى إذا مت فجأة لا يصبح ولدي من غير مال.

فقلت له: ماذا فعلت؟

– إني أخذت ثروة الدوقة دي فنسترنج، وأضفت إليها كل ما لدي من المال، بحيث لم أبقِ غير ما عندي من المنازل والأراضي.

وقد بلغ هذا المال الذي جمعته أربعة ملايين فرنك، وكله أوراق مالية فخبأته في مكان لا يستطيع أحد أن يدري به إلا أنا وأنت، وإني أحب أن أدلك على المكان كي تدفعي بالمال لولدي إذا أصبت بمكروه.

وكانت الساعة العاشرة حين كان يقول لي هذا القول، وكان الغلام نائمًا فقال لي: هلمي معي إلى منزلي في الشانزليزيه فقد خبأت المال فيه.

وكان عندي خادمة شديدة الإخلاص فعهدت إليها بالطفل، وسرت مع المركيز فركبنا مركبة وذهبنا إلى منزله في الشانزليزيه.

الفصل الرابع عشر من كتاب الفيروزة

وكان للمركيز قصر في ذلك الشارع له باب خاص في شارع سيرسنس لا يدخل منه سواه ويكتنفه حديقة متسعة الأرجاء.

فدخل بي المركيز من الباب الخاص، واجتاز بي الحديقة ثم دخلنا إلى المنزل، ولم يكن فيه أحد، فسر المركيز وقال: يسرني أن لا يراكِ أحد عندي كي لا ينتبه أحد إلى ولدي.

ثم دخل بي إلى غرفة متسعة، فأنار شمعة كانت على المستوقد، وقال لي: يوجد في هذه الغرفة ٤ ملايين فرنك أتعلمين أين هي؟

– أين لي أن أعلم؟ ألعلها في هذه الخزانة؟

– كلا.

– أفي هذا الدرج؟

– كلا، ولكن تقضين العمر باحثة على هذا المال في هذه الغرفة دون أن تهتدي إلى مكانه.

ثم أشار بيده إلى إناءين من الأواني التي توضع فيها الأغراض المنزلية، وقال لي: إن المال في أحد هذين الإناءين فابحثي عنه.

– في أيهما؟

– لا أعلم، إن الخدم يغيرون مواضعهما في كل يوم.

فدنوت من أحدهما ورفعت منه صندوق الصفيح الذي توضع فيه الأزهار فلم أر تحته شيئًا.

ابتسم وقال لي: ابحثي علك تجدين.

حسبت أنه يوجد أيضًا صندوق سري، فمددت يدي وجعلت أبحث راجية أن أظفر بلولب سري فلم أظفر بشيء.

وكان بجانب الإناء عمودان من الخشب ملتصقان به بالظاهر، فدنا المركيز من أحد العمودين، فضغط على زر يشبه طابع المسمار، فانفصل العمود عن الإناء، فأخذه المركيز وقال لي: إن هذا العمود مثقوب من الداخل، وقد خبأت فيه المال فانظري …

ثم ضغط على زر آخر في العمود، ففتح غطاء الثقب، فمد يده وأخرج لفافة من الأوراق المالية قيمتها ٤ ملايين فرنك، وبعد ذلك ردها إلى موضعها، وأرجع العمود إلى جانب الإناء فالتصق به كما كان.

فقلتُ له: لقد أجدت غاية الإجادة باختيار هذا المكان لتخبئة المال؛ إذ لا يخطر هذا الموضع لأحد في بال، ولكننا لنفرض أنك مت ذلك الموت الفجائي الذي تخشاه ألا يبدءون بوضع الأختام على منزلك؟!

– دون شك.

– ألا يستولي ورثاؤك على ما فيه، فكيف أنال هذين الإناءين؟

– لقد أخطأت، إني توقعت كل شيء، وذلك أني كتبت وصيتي، فأوصيت بجميع أملاكي وأطياني لعائلتي التي تسمى باسمي، ولكني وهبت كثيرًا من أصدقائي هدايا مختلفة مثال ذلك: أني وهبت مكتبتي للفيكونت مونتيجرون، ومجموعة أسلحتي للبارون هبنسون، ووهبتك أنت هاتين الآنيتين باسم حنة دلاكور الملقبة بالفيروزة، فمتى اطلع ورثائي على هذه الوصية يقنعون بأموالي، ويسلمون هذه الهدايا لأصحابها، فتأخذين الإناءين وفي إحداهما المال.

– لقد علمت الآن، وقاك الله ما تخشاه ولا أصابك مكروه.

ومر على ذلك العهد عدة شهور، وكان الولد يشب وينمو والمركيز يهدأ ويطمئن، إلى أن ورد إليه ذات يوم كتاب من لندرا اضطربت له حواسه، فدفعه إلي بعد تلاوته، وقرأت ما يأتي:

بينما المركيز دي مورفر يتنعم بملذاته آمنًا مطمئنًّا في باريس، وهو يعتقد أنه ليس عليه واجب يقضيه، نجد عدوه الهائل وعدو كل أسرته يهزأ به وهو مقيم في إنكلترا على أتم الهناء والغبطة.

إن المركيز دي مورفر حسب أن الدوق دي فنسترنج قد مات وأكلته أسماك البحار، ولكنه أخطأ في زعمه فإن هذا الدوق لا يزال حيًّا يرزق، وقد أوهم المركيز دي مورفر أنه مات كي ينجو من انتقامه.

فإذا كان المركيز دي مورفر لم ينس اليمين التي أقسمها لأمه قبل موته، وإذا كان لا يزال راغبًا في الانتقام لأبيه، فليبرح باريس في الحال وليسرع إلى لندرا، فإذا وصل إليها فليذهب توًّا إلى خمارة الملك جورج في ناحية وينغ، وليقل لصاحب هذه الخمارة واسمه كالكراف: أنا ذلك الذي كتب إليه أن يحضر وهو يخبره عند ذلك أين يقيم الدوق دي فنسترنج وكيف يجده.

وكان هذا الكتاب دون توقيع، فلما قرأتُ ما فيه حدثني قلبي أن هذا الكتاب فخ نصب للمركيز، وقلت له: إياك أن تذهب إلى لندرا.

انذهل لكلامي وقال: لماذا؟!

– لأني أخاف أن يكون الكتاب مكيدة.

لم يكترث لكلامي، وقال: إذا كان الدوق حيًّا كما يقولون في هذا الكتاب لا بد لي من الانتقام لأبي.

وقد بكيت كثيرًا وتوسلت إليه أن لا يسافر فلم يجد البكاء، ولم ينفع التوسل وسافر في الليلة نفسها.

وفي اليوم التالي وردني منه هذه الرسالة:

الكتاب زور وكالكراف لم يفهم شيئًا مما قلت له، ولم يسمع في عمره اسم الدوق دي فنسترنج، سأعود في هذه الليلة وأكون غدًا في باريس.

ولكنه لم يعد في اليوم التالي كما قال، وتوالت الأيام وكنت أعد ساعاتها دون أن يعود.

وبعد ثمانية أيام بينما كنت مسترسلة إلى عوامل اليأس إذ دخل علي المركيز، فصحت صيحة لم تكن صيحة فرح لعودته، بل صيحة ذعر لرؤياه؛ فإني وجدته قد نحل حتى بات كأنه خيال نفسه.

الفصل الخامس عشر من كتاب الفيروزة

ولقد قلت: إن مورفر قد نحل وبات خيالًا، وهي حقيقة لا مجاز فيها، فإن لون وجهه كان يشبه الأموات، وإذا مشى يسقط لضعفه ولا تستقر قدماه، وقد شَخَصَ بصره واسترخت شفتاه.

ولما رأيته على هذه الحالة ذعرت ذعرًا شديدًا، وقلت: بالله قل لي ما دهاك؟

ولكنه لم يجبني بل ذهب إلى الغرفة الثانية التي كان فيها ولده.

وكان الغلام نائمًا فدنا منه، وجعل ينظر إليه ويتأمل وجهه دون أن يفوه بكلمة، كأنه كان يلتمس من النظر إلى ولده قوة تعينه على الكلام.

وبعد حين عاد إلي وعيناه مغرورقتان بالدموع فمد يده لمصافحتي وقال: اغفري لي.

– عن أي شيء تريد أن أغفر لك؟

فارتعش المركيز وقال: لا أعلم …

ثم ابتسم ابتسام الأبله، وعاد فقال: لا أعلم … إني مجنون … لا تسأليني عن شيء الآن … أخبرك بكل شيء.

ولم تعد ساقاه تحملانه، فسقط على كرسي واهي القوى.

وأقام في منزلي مدة شهر لم يخرج منه، وكان ذلك في زمن صيف، ومعظم أصحابه برحوا باريس للاصطياف، فلم ينتبه أحد لاحتجابه، وكان الناس يعتقدون أنه لا يزال في باريس.

وبعد شهر عاد إليه هداه، وعادت معه العافية فزالت آثار البلاهة والجنون، وانطلق لسانه بالكلام فقال لي يومًا: أتعلمين أيتها الحبيبة أني كنت في عداد المجانين؟

فنظرت إليه ولم أجسر على سؤاله.

– نعم إني كنت مجنونًا، وكان جنوني من الغرام حتى نسيتك ونسيت ولدي، بل إني نسيت نفسي ولم أذكر اسمي.

والآن فقد زال والحمد لله ما كنت أشكوه على أني لا أزال أعتقد أن هذه المرأة ليست من البشر، ولا شك أنها من الأبالسة فقد سحرتني.

فاضطربتُ لكلامه ورأى مني دلائل الاضطراب، وقال: اطمئني أيتها الحبيبة فسأخبرك بكل شيء كي تعلمي أن جنوني قد زال وعاد إليَّ الصواب، وهذه خلاصة ما رواه من قصتها:

إنه سافر إلى لندرا من باريس في الساعة الثامنة مساءً، فبلغ إليها في الساعة الخامسة من الصباح، واستراح هنيهة وأكل، ثم ركب مركبة وأمر الساق أن يذهب إلى وينغ.

وقد ذهل السائق حين رأى رجلًا تدل ملابسه وملامحه أنه من الأعيان، يحاول الذهاب إلى تلك الناحية التي لا يذهب إليها غير الرعاع، وقد زاد انذهاله حين أمره المركيز أن يذهب به إلى خمارة الملك جورج؛ لأن هذه الخمارة كانت مشهورة لدى الخواص والعوام، لا ينتابها غير اللصوص وكبار المجرمين.

غير أنه لم يسعه إلا الامتثال، فأوصله إلى باب تلك الخمارة، ودفع له المركيز أجرته وأطلق سراحه.

ودخل المركيز إلى الخمارة، فذهب توًّا إلى صاحبها كالكراف (الذي تقدم ذكره في الروايات السابقة) فقال له: أأنت كالكراف صاحب هذه الخمارة؟

– نعم ياسيدي.

– إذن أنا هو الرجل الذي تنتظره …

وقد قال له نفس العبارة التي قرأها في الرسالة الواردة إليه.

أما كالكراف ظهر منه الاندهاش، وقال له: إني لا أنتظر أحدًا يا سيدي.

فأخذ المركيز الرسالة من جيبه وأطلعه عليها.

فزاد اندهاشه، وقال: إنه لا يعلم شيئًا من هذا الحديث.

– ولكن ألا تعرف الدوق دي فنسترنج؟!

– هذه أول مرة يا سيدي سمعت فيها هذا الاسم.

وكان يتكلم بلهجة تدل على الصدق لم تدع أقل مجال للشك بصدقه.

وعاد المركيز إلى الفندق الذي كان نازلًا فيه، وأرسل إليَّ ذلك التلغراف الذي ذكرته من قبل.

وأقام في غرفته بقية يومه إلى أن حان موعد السفر، وذهب إلى المحطة كي يعود إلى باريس فوجد القطار قد سافر فاضطر للانتظار إلى الصباح.

وعاد إلى الفندق، وقال في نفسه: لا ريب أن هذا الدوق لا يزال حيًّا، وقد أجده في خمارة الملك جورج، فإن الرجل الذي كتب لي هذا الكتاب قد يكون أراد أن يخبر كالكراف بما كتبه لي، ثم حال حائل دون قصد، إذ لا يعقل أن يكتبوا لي مثل هذا الكتاب كي أحضر فلا أجد أحدًا، ولا شك أن كاتب هذا الكتاب عارف بجميع أمري، ولا بد إذن أن يكون في الأمر سر سأكتشفه في الخمارة.

وكان يعلم أنه لا بد له من التنكر إذا أراد الذهاب إلى تلك الخمارة، فإن من يذهب إليها من كرام الناس في الليل كان الخطر عليه شديدًا، وذهب إلى بائع ملابس فاشترى بدلة بحار قديم، ثم خلع ملابسه ولبسها، وبعد ساعة كان في تلك الخمارة الهائلة.

ولما وصل إليها وجدها غاصة بالشاربين، ورأى من فظاعة أولئك السكارى وروائح شرابهم ما هاله، ولكنه صبر راجيًا أن يقف على شيء من أمر الدوق، فجلس على مائدة وطلب من الخادم أن يأتيه بكأس من الشراب.

الفصل السادس عشر من كتاب الفيروزة

وكان المركيز لا يرى شيئًا من حوله حين دخوله؛ لكثرة دخان التبغ المتكاثف في تلك الخمارة.

ولكن نظره لم يلبث أن ألف ذلك الدخان، فجعل ينظر إلى زبائن الخمارة، فلم يجد بينهم غير بحارة ولصوص ومومسات، وكلهم يشربون ويضحكون، فلم ينتبه أحد منهم إليه؛ لأنه كان متنكرًا بملابسهم حتى إن صاحب الخمارة نفسه تظاهر أنه انخدع بتنكره فلم يلتفت إليه.

وكان بين النساء فتاة أرلندية شقراء الشعر ذات جمال فضاح استلفتت إليها جميع العيون.

وكانت تغني غناءً بدويًّا بصوت رخيم، فيصفق لها الحضور تصفيقًا عظيمًا لافتتانهم بها وبصوتها، والمركيز ينظر إليها مع الناظرين دون أن يفهم كلمة من أناشيدها.

وكان يتطلع إليها ويشعر باضطراب كأنما عيناها قد سحرتاه وجذبتا فؤاده بمغناطيسهما.

وكانت ظواهر الفتاة تدل على أنها متسولة، وأنها تغني في تلك الخمارة للارتزاق، فكانت لا تنقطع عن الغناء إلا لشرب كأس يقدمه لها أحد المفتونين بها، فتنظر إليهم نظرات تدل على عدم الاكتراث حتى إذا رأت المركيز نظرت إليه نظرة خاصة، كأنما قد راق في عينيها فتكهرب جسمه لهذه النظرات.

ثم تعود إلى الغناء فإذا أنشدت نغمًا حنونًا شفعته إلى المركيز، فكان يغض من طرفه كأنه لا يطيق احتمال تلك التطلعات.

وطال غناؤها وتواترت تطلعاتها واشتد اضطراب المركيز، حتى إنه حاول الفرار لخوفه من عواقب جمالها الفتان، فتحفز للقيام، وكأنما أدركت قصده فنظرت إليه نظرة تشف عن غنج ودلال، فلم يطق الوقوف وعاد إلى الجلوس حيث كان.

وتابعت الإرلندية غناءها، ورأى المركيز أن يقتدي بالحاضرين، فطلب كأسًا ثانية من الشراب فجاءه الخادم بما طلب، وأشعل له سيكارة دون أن ينتبه المركيز إلى نظرة سرية تبودلت بين الإرلندية وبين الخادم.

ولما جعل يدخن بها أحس أن تبغها أشد مما كان تعوده، فلم يبال وجعل ينظر إلى الفتاة بشوق وإعجاب.

ثم أحس بانحطاط عام في جسمه كان يتزايد بالتدريج، كأنما هذا الانحطاط قد تولاه من تأثير عينيها، أو من مخدر وضع في شرابه أو في النار التي أشعل منها سيكارته.

ولم يطل به العهد على هذه الحالة حتى أحس بطنين في أذنيه وتثاقل جفناه، فبذل جهدًا عظيمًا كي يتمكن من فتح عينيه، ولكنهما أطبقتا وغلبه النعاس، فسقط ذراعاه على المائدة ونام، وتابعت الفتاة غناءها، وحسبه الحاضرون قد سكر، ولم يكترث به أحد.

غير أن نومه لم يكن نومًا طبيعيًّا، فإن عينيه كانتا مقفلتين ولم يكن يستطيع حراكًا، ولكنه كان يسمع كل حديث يدور حوله، ويفقه كل معانيه في حالة صحو تام.

ثم انقطعت الإرلندية عن الغناء، وأعلن كالكراف لزبائنه أن الليل قد انتصف، فأمر بإطفاء المصابيح، وانصرف الزبائن واحدًا بعد واحد، وأحس المركيز أنه بات وحده في هذه الخمارة، وحاول جهده كي يتمكن من الحركة وفتح عينيه فلم يستطع، وكان كالنائم أصيب بكابوس.

ثم سمع كالكراف يقول: لندعه نائمًا.

فقال له الخدم: أليس الأولى بنا أن نلقيه خارج الخمارة؟

ثم سمع صوتًا يقول: كلا فإني سآخذه أنا.

فارتعش المركيز إذ علم أن هذا الصوت صوت الإرلندية.

ثم أحس أن يدًا قوية أوقفته، وسمع الإرلندية تقول: إني أعطيك مائة جنيه إذا أوصلته إلى شاطئ التاميز حيث تنتظرني مركبتي.

فبذل المركيز كل ما أمكنه من الجهد كي يستفيق، فلم يستطع وقال في نفسه: إني حالم لا شك وإلا فكيف تكون هذه المتسولة على ما رأيتها من الفقر، ثم تهب مئات الدنانير ويكون لها مركبة، ولا ريب أني حالم مصاب بكابوس، وعند ذلك أحس أنه محمول على كتف كالكراف، وأنه خرج من الخمارة فاستنشق الهواء النقي.

الفصل السابع عشر من كتاب الفيروزة

وكان المركيز على هذه الحال، وهو لا يدري إذا كان حالمًا أو مخدرًا.

وأحس أن كالكراف وقف، وسمع الإرلندية تقول: قد وصلنا.

فوضعه في المركبة التي كانت تنتظر عند شاطئ التاميز، وكان سمعه قد رق وانجلى وانصرفت إليه قوى حواسه بجملتها، وكان يسمع كل شيء وهو نائم نوم الأموات لا يستطيع حراكًا.

وسمع صوت السائق يقول: أين تريد أن تذهب ميلادي؟

فأجابته الإرلندية: إلى القصر.

فانطلقت المركبة تنهب الأرض بجيادها المطهمة.

أما المركيز فقد كان انذهاله عظيمًا من هذه الحادثة الغريبة، فإنه رأى هذه الإرلندية في أشد حالة من الفقر، ثم رآها تهب صاحب الخمارة مائة جنيه، ثم رآها تركب مركبة فيدعوها السائق ميلادي، وهو لقب النبيلات، فكيف هذا التناقض؟ وما كان غرضها بالتنكر؟ وأي شأن لها في اختطافه؟

كل هذه الغرائب أشكلت عليه وشغلته حتى إنه تمنى لو خسر كل ماله وتمكن من فتح عينيه.

ولكن التخدير كان بالغًا منه أقصى حدوده، وظلت المركبة تسير نحو عشر دقائق فوقفت وسمع المركيز أن بابها قد فتح، وأحس أن شخصًا وقف بباب المركبة، ودار بينه وبين الإرلندية الحديث الآتي: قال الرجل: ماذا فعلت؟

– هذا هو فقد أتيت به.

– ألعلك خدرته؟

– دون شك فانظر إليه.

– نعم هو بعينه.

فقال المركيز في نفسه: أذكر أني سمعت هذا الصوت، ولكني لا أذكر أين ومتى.

وعاد الرجل إلى الحديث، فقال: لو تعلمين مقدار غيرتي لما أقدمت على اختطافه.

– ما هذه الحماقة؟

– ليس ما أقوله حماقة، فإني موقن أنه سيهواك.

– ربما …

– وأنتِ؟

فأجابته الإرلندية ضاحكة ضحك الساخر من قوله، ثم سكتت هنيهة وقالت: يجب عليَّ قضاء هذه المهمة التي لا يقدم على قضائها أحد.

فأنَّ الرجل أنين الموجع، وقال: إنما لا تنسي أنك إذا نقضت عهودك أقتلك شر قتل …

فضحكت أيضًا وقالت: إني لا أخافك.

وعند ذلك أطبق باب المركبة فعادت إلى سيرها.

فزاد اضطراب المركيز ازدياد الإشكال، وشدة تعقد هذا اللغز؛ إذ لم يذكر هذا الرجل الذي كلمها، ولم يعلم ما يريد ولم يدرك ما قصده من هذا التهديد.

وكان المركيز شجاع القلب غير أنه أحس بخوف شديد في تلك الساعة فذكرني وذكر ولده.

وظلت المركبة تسير حتى وقفت عند باب، فأحس أن الباب قد فتح، وأن رجلين أقبلا إليه فأخرجاه من المركبة وحملاه، فصعدا به سلمًا حتى انتهيا إلى قاعة مفروشة بالطنافس، فوضعاه على مقعد فيها وخرجا بأمر الإرلندية.

وعند ذلك سمع الإرلندية تعزف على البيانو، وتغني ذلك الغناء البدوي نفسه الذي كانت تغنيه في خمارة الملك جورج.

وبعد حين أحس المركيز أن حواسه بدأت تعود، وكان أول ما عاد إليه حاسة الشم، فشم رائحة عطرية وجد بها لذة خاصة غريبة.

•••

وهنا توقف مرميس عن القراءة وقال: لقد عرفت هذه الرائحة.

فقالت له فاندا: كيف ذلك؟

– عرفتها حين كنت في أسر البستانية الحسناء، فإنها تنتج عن ضباب كثيف تخرج منه هذه الرائحة العطرية المسكرة، ولا شك عندي الآن أن هذه الإرلندية المتسولة هي نفس تلك المرأة التي يراقبها ميلون؛ أي البستانية الحسناء بعينها.

فقالت له فاندا: ربما صح قولك فأتم القراءة لنرى.

فعاد مرميس إلى القراءة، وتلا ما يأتي:

الفصل الثامن عشر من كتاب الفيروزة

وكان الدخان يتصاعد في تلك القاعة التي كان فيها المركيز ويتكاثف فيحيط به، ويملأ خياشيمه ورئتيه، فيرد إليه الحياة ويشفيه تباعًا من ذلك التخدير.

وبعد أن عادت إليه حاسة الشم عادت إليه حاسة النظر، ففتح عينيه ورأى ضبابًا كثيفًا رطبًا شفافًا، فكان يرى من خلاله جميع موجودات تلك القاعة.

وقد رأى أنه في قاعة بديعة مفروشة بأثمن الأثاث الشرقي، ورأى مصباحين جميلين موضوعين فوق المستوقد.

وكانت الإرلندية لا تزال جالسة على البيانو تعزف عليها تلك الألحان البدوية، ولكن المركيز كان نائمًا على مقعد وراءها، فلم ير وجهها، وجعل يقول في نفسه: أيمكن أن تكون هذه المرأة تلك الإرلندية التي لقيتها في خمارة الملك جورج؟!

إني سمعت صوتها وأناشيدها، فهي ذات الأناشيد التي سمعتها في خمارة الملك جورج.

والصوت نفس صوتها الرخيم، ولكن ما هذا الثوب الذي تلبسه، وما هذا الجلال الذي تبدو فيه؟ وما هذه القاعة التي أنا فيها؟!

ثم قال بصوت مرتفع وقد أشكل عليه حل هذه الألغاز: ولكن أين أنا؟!

فسمعت الفتاة صوته وانقطعت عن الغناء، ثم التفتت إليه فصاح صيحة دهش عظيمة وقال: هي … هي!

وقد رأى تلك المرأة التي خلبت لُبَّه، لكنه لم يجدها تلك الإرلندية ذات الثياب الخلقة الرثة، بل رآها بمظهر السيدات العظيمات، وقد لبست ثوبًا من الحرير الأبيض يشف عن معصمين كالمرمر وصدر كالعاج، وهي تبتسم ابتسامًا يفتن النُسَّاك، فلم يتمالك عن الدهشة وترديد ذكر تلك المحاسن.

كان الدخان قد تكاثف وأحس برائحة عطرية تنبعث منه فتخدر دماغه، وحدث له نشوة الشاربين.

أما الإرلندية فإنها أقبلت إليه بتيه ودلال، فمدت له يدها المترفة الناعمة وقالت: السلام على المركيز.

فارتعش المركيز حين لمست يده كأنه قد مس آلة الكهربة، فوثب عن المقعد وركع أمامها وقبل يديها، وجعل ينظر إليها نظرة هيام ويقول لها: ما أبدع هذا الجمال!

فابتسمت له وقالت: لقد سمعت من غيرك هذا القول.

ثم أخذت كرسيًّا فأدنتها منه، وجلست بقربه فقالت له: ربما ظننت أنك حالم، ولكنك في أتم اليقظة، فإنك نمت في خمارة كالكراف واستفقت عندي.

– إني لم أكن نائمًا يا سيدتي.

– هو ما تقول فإنك كنت تسمع مدة رقادك كل ما كان يقال حواليك، وقد ذهلت حين علمت أن هذه الإرلندية الفقيرة تهب المئات ولها قصور ومركبات.

– هو ذلك، ولكني لا أفهم شيئًا من جميع الألغاز.

ثم جعل ينظر إليها نظرات دهش وحيرة تشير إلى أن كل ما يجري حواليه هو فوق عقول البشر.

فابتسمت له وقالت: ألم تقرأ قصة ألف ليلة وليلة؟

– نعم.

– إذن افترض أني السلطانة شهرزاد، وأنك بدلًا من أن تقرأ حكاية مكتوبة ترى حكاية ممثلة. ولا تسألني كيف عرفت اسمك وكيف جئت بك إلى هنا؛ فإن جهدك يذهب سدى.

– إن جمالك الفتان يشغلني عن كل سؤال.

– إذن أنا جميلة في عينيك؟

– بل أنت حورية هربت من السماء.

– ألا تخشى أن أكون من الأبالسة؟

– كوني كما تشائين، فأنت أجمل من تقع عليه العيون.

وكان الضباب لا يزال يتكاثف، وسُكْر المركيز يتزايد، فوضعت يدها بين يديه، وقالت له: أحبك … نعم أحبك منذ عهد بعيد، وأنت لا تدري.

فانذهل المركيز وقال: أنت تحبينني؟

– نعم أحبك حبًّا ليس بعده حب.

– ولكني لم أرك مرة قبل اليوم.

– لقد أخطأت أيها الحبيب فقد رأيتني في إسبانيا.

فانكشف للمركيز في الحال حجاب الماضي، وتمثلت تلك الإرلندية لعينيه فتاة صغيرة، فذكر تلك النورية التي رآها في عصابة مينوس مع برديتو حين كان ذاهبًا مع أمه إلى قاديس.

وكأنما تلك الفتاة عرفت من عينيه فكره، فقالت له: أرى من عينيك أنك قد عرفتني، فإنني روميا النورية خليلة برديتو، ولكن برديتو كان أخاك، وكان يشبهك كل الشبه، وهو قد مات وأنا أحبك. أعلمت الآن؟

ثم طوقت عنقه بذراعيها وقبلته قبلة عاشق، وهي تقول: إن برديتو قد مات، ولكني أقسمت يمينًا لخياله.

فقال المركيز وقد تمكن منه السكر: ما هذا القسم الذي أقسمته؟

فأجابته: أقسمت أن لا أستسلم لك إلا بعد مرور عامين على وفاته، وقد كاد ينقضي هذا الزمن، فلا أنكث بيميني إذا استرسلت في هواك.

وكان المركيز ينظر إليها نظر المفتون دون أن يجيب، فقالت: واعلم أيها الحبيب أني من بنات ذلك الشرق الذي تكثر فيه الأوهام ويتغلب الخيال على الحقيقة، فهلم نشترك معًا في التدخين بهذه النرجيلة. خذ إنها ذات أنبوبتين.

ثم وضعت أحد الأنبوبتين في فمه، وقالت له: اشرب، إني أريد.

ولم يبق للمركيز إرادة لدى هذه الفتاة، فجعل يدخن فيملأ دخان الحشيش والأفيون رئتيه.

وذهبت روميا وغادرته صريع سكره في تلك الغرفة، وكان يخال له وهي بعيدة عنه، أنها معانقة له، فيقبل الهواء وهو مطبق العينين لسكره، ويعتقد أنه يقبلها ويخاطبها بأرق ألفاظ الغرام.

الفصل التاسع عشر من كتاب الفيروزة

قالت الفيروزة: إني أنا التي أخبرت المركيز عن مدة أسره في قبضة روميا، ولولاي لما عرف شيئًا من هذا؛ لأن الأفيون قد أثر به تأثيرًا شديدًا وأضل صوابه، فكانت تمر به الساعات دون أن يشعر، وهو لا يعلم إذا كان حبه لروميا في اليقظة أم في الحلم، ولا يدري إذا كانت هذه المرأة حقيقة أم خيال، وهذا ما يحدث لكل من يشرب الأفيون.

وكان كلما صحا من سكره يعتقد اعتقادًا راسخًا أن روميا تحبه، ثم تعود وتسقيه من ذلك السم الزعاف فيعود إلى غيبوبة السكر.

وبقي على ذلك سبعة أيام وهو لا فرق عنده إذا حضرت أم غابت؛ لأنها كانت ممثلة له بكل مخيل، تناغيه بلفظها الحنون، وتشنف سمعه بصوتها الرخيم، وفي هذه الأيام السبعة لم يذق طعامًا؛ لأن من يشرب هذا النوع من المسكرات قلما يتناول الطعام.

وكانت روميا تنزع الأنبوبة من فمه من حين إلى حين، وتطعمه حبة مصنوعة من مادة مخدرة، فلم يذكر أنه دخل إلى فمه غير هاتين الحبتين في جميع تلك المدة.

ثم انقضى هذا الحلم في صباح يوم، إذ صحا عند الفجر، فشعر ببرد شديد ورأى نفسه ملقيًّا على أرض كثر فيها الجليد وهو بملابس البحارة على مثل ما كان عليه في خمارة الملك جورج.

والعجيب أن اللصوص لم يسلبوه عدة نومه، وهو ما يعد عجيبًا في لندرا، فقد كان في جيبه مائة جنيه ذهبًا وأوراق مالية، وكان لابسًا ساعة بسلسلة من الذهب فبقيت في جيبه، ولم تمد إليها يد السارقين.

غير أن المركيز لم يذكر شيئًا من ذلك، فإنه بعد أن مر به سبعة أيام لا يتغذى إلا بالحشيش والأفيون أصبح معتوهًا أبله، فلم يذكر عند صحوه غير روميا، وبقي يناجيها وهو يعتقد أنها لا تزال وإياه.

ومر في ذلك الحين بوليس ورأى ظواهر بلاهته وسمع أقواله، فحكم عليه بالجنون، وسار به إلى دائرة البوليس فحكم البوليس بجنونه أيضًا، وقرر إرساله إلى المستشفى.

غير أنه اتفق وجود طبيب في الدائرة رأى المركيز فعلم حالته وأنكر جنونه، وأثبت لرئيس البوليس أن ما أصابه كان من تأثير الأفيون، ولا حاجة إلى إرساله للمستشفى، وأنه إذا أرسل إلى منزله شفي من تلقاء نفسه بعد بضعة أيام.

فوافق الرئيس على قول الطبيب، وفتشوا جيوب المركيز علهم يجدون أوراقًا تدل على اسمه، فوجدوا جواز سفره وعرفوا الفندق الذي كان مقيمًا فيه، فأرسل إليه وعرفه صاحب الفندق.

وفي الليلة نفسها أرسلوا معه من أوصله إلى فرنسا، فخفف السفر شيئًا من اضطراب دماغه، ولما وصل إلى باريس كان لسانه قد انطلق بالكلام، فدل الرجل الذي كان يرافقه على منزلي وجاءني به وقد علمت كيف وصل.

قالت الفيروزة: والآن أيها العزيز روكامبول لم يبق لدي شيء أخبرك به سوى تتمة ما جرى للمركيز.

وذلك أنه مرت ستة أشهر فشُفِي المركيز أتم الشفاء وعاد إليه صوابه، بل عاد إليه زهوه القديم، ولكن خوفه على ولده كان يزيد؛ لاعتقاده أنه له أعداء يريدون قتله واختطاف ولده، فكان يزورني كل يوم ليتفقده عندي.

وكان يذهب إلى النادي، ويحضر سباق الجياد، ولا يفوته تمثيل رواية جديدة، غير أني كنت ألاحظ منه أثر انكماش في نفسه، على ما كان يبدو من ظواهر ارتياحه، فقلت له مرة: ما بالك هاجسًا ألعلك لا تزال تفتكر بهذه المرأة؟!

فقاطعني وقال لي بعنف: ربما!

ثم تركني وانصرف، وفي اليوم التالي عاد وهو يبتسم، فلم أذكر له تلك المرأة بعد ذلك.

ومضى على ذلك عدة أيام. إلى أن جاءني ليلة وعليه ملامح الاضطراب الشديد، فنظرت إليه نظرة رعب وما جسرت على سؤاله، ثم رأيته انعكف على تقبيل ولده بلهف، فلم أجد بدًّا من سؤاله عن هذا الاضطراب، فقال لي: إني رأيتها.

فذعرت وقلت: من هي التي رأيتها؟

– روميا! وقد مرت بي مرور البرق في الشانزليزيه وهي في مركبة مقفلة، فعرفتها وهي هي بعينها.

فما جسرت على أن أجيبه، ولبثت أنظر إليه نظرات تشف عما داخل قلبي من الرعب.

ولكنه لم يكترث بي، وعاد إلى حديثه فقال: نعم هي بعينها! وقد حاولت أن أقتفي أثرها بجوادي إلى الشارع الملكي، وهناك احتجبت عن نظري … إنها دون شك في باريس … ولكن باريس متسعة فأين أجدها؟

فاضطربت لقوله، وقلت له: أيها التعس كيف تهتم بلقائها؟! ألعلك نسيت ما أصابك منها؟!

وكأنما عادت إليه ذكرى ذلك الجنون، فذعر وقال: كلا إني لن أراها ولا أهتم بها.

وأقام في المنزل ثلاثة أيام لم يخرج منه لحظة إلى أن قال لي: لقد شفيت الآن تمامًا، ولم يعد علي أقل خطر من هذه المرأة.

وكنا في ذلك الوقت في زمن الربيع فقال لي: أتريدين أن نسافر؟

– إلى أين؟

– نسوح في أوروبا أو نذهب إلى جبال سويسرا كما تشائين.

فتلقيت اقتراحه بالسرور لحذري من أن يرى تلك المرأة مرة ثانية في باريس، وقلت: أسافر معك إلى حيث تشاء.

– إذن تأهبي للسفر فسنسافر غدًا.

ثم تركني وانصرف إلى النادي.

وكان آخر العهد به وا أسفاه، فقد جاء الغد وتعاقبت الأيام دون أن يعود، وفي ذلك العهد شاع خبر اختفائه الغريب.

الفصل الأخير من كتاب الفيروزة

لقد سمعت يا روكامبول دون شك بخبر اختفائه، وعلمت أن البوليس بحث عن المركيز في جميع أنحاء المعمورة، فلم يهتدِ إلى أثره.

وسيضيع كل جهد في البحث عنه؛ إذ ليس هناك من يعلم حقيقة ما جرى له إلاي، ولكني كنت مضطرة إلى الكتمان؛ لأني كنت أقسمت يمينًا محرجة للمركيز دي مورفر أن لا أذكر لأحد، ولا أتكلم عنه أمام أحد، وذلك لفرط خوفه على ولده، إذ لو علم أعداؤه علائقي معه لوجدوا الولد وما عدموا وسيلة للفتك به.

ومضى شهر على اختفائه دون أن أقنط من رجوعه.

على أني كنت واثقة من أنه في قبضة روميا، ولكني كنت مترددة بين ثلاث مسائل وهي: هل تقتله بطريقة السكر؟ وهل يحبها حبًّا أكيدًا؟ وهل مات برديتو حقيقة؟ فلم يتيسر لي حل مسألة منها.

وكان الولد يسألني كل يوم عن أبيه، فلا أدري بماذا أجيبه.

إلى أن ورد إلي بعد عهد بعيد كتاب علمت من طابعه أنه من مرسيليا، وعلمت من خطه أنه من المركيز، ففضضته بيد ترتعش من الفزع، وقرأت ما يأتي:

أسألك العفو أيتها الحبيبة، فإن الأقدار قد عبثت بي، وبراثن روميا قد نشبت فيَّ؛ لأن تلك المرأة التي أخشاها وأعبدها قد تمكنت مني كما تشاء، وأنا لا أعلم إذا كانت ملاكًا أرسل من السماء، أو شيطانًا رجيمًا قذفته جهنم.

قد أفرغت كل جهد للإفلات من قبضتها، فما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وهي تقودني إلى حيث تشاء، ولكني لا أعلم إلى أين.

إن باخرة تنتظرنا في الميناء سنسافر عليها غدًا، وقد سألتها متى نعود إلى باريس فقالت: بعد عامين.

إني تركت ولدي، وقد تمكنت من أن أكتب إليك هذا الكتاب السري خفية عن روميا؛ لأنها منعتني عن الكتابة، وإنها لا تريد أن يعلم أحد أين أنا وإذا كنت ميتًا أو في قيد الحياة.

ولا بد أن تقلق الحكومة وأصحابي لاحتجابي، فإني اتخذت كل الوسائل لإخفاء آثاري.

على أن الحكومة لا تهتم بالبحث عني إلا بعد عدة أيام، لكن يجب عليك السرعة في كل حال.

إن الحكومة ستبحث عني دون أن تجدني، فيحسبونني ميتًا ويضعون الأختام على منزلي، فابحثي في جيب سترتي تجدي مفتاح حديقة منزلي، فخذيه واذهبي إلى المنزل وترقبي خروج الخدم منه، فادخلي وخذي المال من إناء الزهر التي أرشدتك إليه.

وإنما أرجوك أن تسرعي بأخذ المال؛ لأني أشعر أن هذه المرأة قد ملكت فؤادي، وتملكت عواطفي ولا بد لي من أن أبوح لها بكل أسراري؛ لأنها تريد أن تقف مني على كل شيء.

أودعك وداعًا قد يكون أبديًّا، فاندبي بختي العاثر، وأشفقي عليَّ، وأحبي ولدي.

غوستاف

وكان هذا الكتاب يا روكامبول آخر ما وقفت عليه من أخبار المركيز، لكنه يكفي لحملي على الاعتقاد بأن المركيز لم يمت، أما هذا الكتاب الذي أرسله إليَّ فقد وصل إلى إدارة البريد في ٢ أبريل ولم يصلني إلا في ٣٠ يونيو، وكانت الأختام قد وضعت في خلال هذه المدة على منزل المركيز؛ فلم أتمكن من الحصول على المال.

ولم يكن عندي غير ٣ آلاف فرنك وبعض المجوهرات، فعشت بها عامين مع ذلك الغلام.

وقد تمكن مني الحزن على هذا الحبيب، ويئست من لقائه، وساعد الحزن واليأس ما كنت أعانيه من شظف العيش؛ فمرضت وشعرت بدنو الأجل.

وأقمت عامين أنتظر رجوعه دون جدوى، وكنت أخاف أن يكون قد مات، ولكن صوتًا سريًّا كان يحدثني بأن المركيز حي، غير أنه يُعَذَّبُ عذابًا شديدًا يفضل عليه الموت، وإنه لا يستطيع إنقاذه غير أنت يا روكامبول.

فإذا تمكنت يا روكامبول من الحصول على الإناءين من منزل المركيز دي مورفر فافعل؛ فإنك تضمن بذلك مستقبل الغلام، وتطمئن نفسي فتباركك من العالم الأخير.

الوداع فإني متوكلة عليك.

الفيروزة
هنا انتهى كتاب الفيروزة، ولكن يد روكامبول قد خطت عليه هذه الحاشية وهي:

إن الأختام لا ترفع عن منزل المركيز دي مورفر إلا متى ثبتت وفاته ثبوتًا قضائيًّا.

أما ابن المركيز فهو آمن الآن شر العوز، ولا حاجة إلى التعجيل لنيل مال أبيه، ولا بأس من الصبر مدة عامين، ثم نسعى بالحصول على الإناءين.

فلما تمت قراءة ذلك الكتاب الغريب جعل مرميس ينظر إلى فاندا وهي تنظر إليه، فقالت له: إننا لم نقف على شيء مهم من هذا الكتاب.

– لكنني علمت منه أمرًا لم يعد لدي به ريب على الإطلاق.

– ما هو؟

– هو أن روميا والبستانية الحسناء شخص واحد.

– وبعد ذلك؟

– أما وقد باتت البستانية الحسناء في أيدينا، فسنكرهها على إخبارنا بما حدث للمركيز.

وبينما هو يقول هذا القول فتح الباب فجأة، ودخل منه ميلون مصفر الوجه ممزق الثياب وعليه علائم الذعر فقال: لقد أخطأت يا مرميس؛ لأن هذه المرأة لم تقع في قبضة يدك.

فذعر مرميس وقال: ماذا تقول؟

– إن الطير قد فر من القفص.

ثم جلس ميلون على كرسي وهو منهوك القوى بينما كان مرميس وفاندا ينظران إليه نظرات الانذهال.

وكانت تلاوته كتاب الفيروزة قد طالت إلى الليل في حين أن مرميس كان يسرع بغية الوقوف على النتيجة.

وكان له ثقة تامة بخضوع ميلون، فلم يخطر له في بال أن ميلون يبرح المركز الذي عينه فيه لمراقبة البستانية الحسناء.

فلم يجد مع فاندا كلمة يقولها حين رأى ميلون على هذه الحالة، وجعل كل منهما ينظر إلى الآخر.

ثم افتتح مرميس الحديث وقال له: ماذا دهاك يا ميلون؟

وكان ميلون شديد الاضطراب يتكلم ويتلعثم، فلم يفهما حكايته إلا بعد الجهد، وهذا بيان ما حدث له: يذكر القراء أنه بينما كانت البستانية الحسناء مع زوجها يتفقدان الأعمال في ذلك المنزل الذي استأجراه للمصيف كما قدمناه، دعا خادم المركبة ميلون الذي كان يسوق جيادها كما قدمناه، إلى شرب كأس من البيرة في خمارة مجاورة للمنزل.

ويذكر القراء أنه حين دخل ميلون مع الخادم إلى الخمارة، وشرب وإياه الكأس الأول أشار الخادم إشارة خفية إلى العمال الذين كانوا في الخمارة، فانقضوا على ميلون وألقوه إلى الأرض، وقيدوا يديه ورجليه بالرغم عما أظهره من الدفاع الشديد.

وكان في تلك الخمارة قبو مظلم، فأنزلوه إليه وربطوا فمه بمنديل ثم تركوه وانصرفوا، فبذل كل ما لديه من القوة للتخلص من قيوده، فلم يفلح.

على أنه تمكن من تمزيق المنديل بأسنانه، فانطلق صوته وجعل يصيح مستغيثًا مستنجدًا، فلم يجبه غير الصدى ولم يسمع صراخه غير الذين قيدوه لكنهم لم يقيدوه لينجدوه.

ومضى النهار كله وهو ملقى في أرض القبو، والزبد يخرج من شدقيه دون أن يجد وسيلة للخلاص.

ولما أقبل الظلام رأى نورًا ينبعث من سلم القبو، ثم رأى صاحبة الخمارة قادمة إليه وفي يدها مصباح.

فلما رآها ميلون هاج ثائره، وصاح بها صيحة أرعبتها، فتراجعت عنه قليلًا وقالت له: إن الصياح لا يجديك نفعًا، وخير لك أن تسمعني.

فانقطع ميلون عن التهديد وسألها: ماذا تريدين؟

أجابته: إنهم هزءوا بك وأساءوا إليك، ولكني أستطيع نفعك، إذا كنت تريد.

فحملق ميلون بعينيه وقال: ألعلك تفكين قيودي؟

– ذلك منوط بك.

– كيف ذلك؟

– إني يا سيدي امرأة فقيرة لا أكسب رزقي إلا بشق النفس؛ ولذلك أرضى بالكسب كيفما اتفق مهما اختلفت وجوهه، فإذا جاءني رجل وعرض عليَّ مائتي فرنك فكيف أستطيع الرفض؟!

– ألعلهم دفعوا لك المال مقابل حبسك إياي في قبو خمارتك؟

– هو ما تقول يا سيدي، ولكن كان الشرط بيننا أن أبقيك في السجن إلى أن تغيب الشمس، ثم أطلق سراحك، فأنا الآن قادمة لفك قيودك ورجائي أن لا تسيء إليَّ.

فاحتدم ميلون غيظًا، وقال: تبًّا لكِ من شقية كيف لا تريدين أن لا أسيء إليك بعد ما بدر منك ومن أصحابك؟!

– ذلك موكول إليك، فإذا كنت عازمًا على ضربي فإني أبقيك هنا وأعود إلى شأني.

فشعر ميلون أنه أخطأ بوعيده، وقال لها: لا بأس فكي قيودي وأنا أتعهد أن لا أسيء إليك.

– لا أقنع بالتعهد بل أريد منك يمينًا.

– إني أقسم بالله إني لا أمد إليك يدًا.

– إني أثق بيمينك؛ لأني تبينت من عينيك علائم الصلاح، ولكن الحرص واجب في كل حال.

فاضطرب ميلون وقال: ما هذا الحرص؟ ألعلك رجعت عن حل قيودي؟

– كلا، ولكني سأحل قيد رجليك، ولست في حاجة إلى إطلاق يديك لتمشي.

ثم أخذت مقصًّا وقطعت الحبل الذي كان يوثق رجليه فوثب ميلون واقفًا، أما صاحبة الخمارة فقد كان خوفها عظيمًا من ميلون؛ فهربت منه حذرًا من أن يسحقها برجليه.

أما ميلون فلم يكترث لها، إذ كان كل اهتمامه منصرفًا إلى البستانية الحسناء؛ ليعلم أين هي فصعد إلى الخمارة بسكينة، ولقي صاحبتها فيها، فقال لها: سيان عندي الآن إذا أطلقت يدي أو أبقيتهما مقيدتين، ولكني أرجوك أن تقولي لي إذا كنت تعرفين من هم هؤلاء الناس الذين أساءوا إلي هذه الإساءة.

– إني لم أكن أعرف أحدًا منهم أمس، وقد جاءني في صباح اليوم رجل بناء، وقال لي: أتريدين أيتها العجوز أن تكسبي ٢٠٠ فرنك؟

فسألته: ما يجب أن أعمل مقابل ذلك؟

أجابني: لا شيء سوى أن تدعينا نفعل في خمارتك ما نشاء، وأن تسمحي لنا بقبو الخمارة.

فقال ميلون: ولكن السيد والسيدة اللذين كنت أسوق مركبتهما ماذا حدث لهما؟

– ألم يكونا سيديك؟!

– كلا.

– إني لم أعرفهما وما رأيتهما من قبل.

– وهؤلاء العمال الذين قيدوني؟

– إنهم لم يشتغلوا في ذاك البيت قبل اليوم.

– من هو صاحب البيت الذي يشتغلون فيه؟

– نبيل من أهل سانت جرمان.

– ماذا يُدْعَى؟

– الدوق دي فنسترنج.

فعلم ميلون أنه لا يستطيع أن يستطلع منها فوق ما علم، فقال لها بلهجة تبينت منها الصدق: إني لا أريد بك سوءًا؛ لأنك كنت مكرهة على التغاضي عن هؤلاء الأشرار، وإن بجيبي ٥٠ فرنكًا فإذا حللت وثاقي أعطيتك هذا المال.

فاطمأنت العجوز لكلامه وحلت وثاق يديه، وأبت أن تأخذ المال مكتفية بما كسبته، فغادرها ميلون وأسرع إلى الشارع، وركب مركبة وسار بها إلى منزل البستانية الحسناء.

ولما وصل إليه نظر إلى نوافذه فلم يجد أثرًا للنور، فطرق الباب ففتحته امرأة وقالت له: ماذا تريد؟

– أريد أن أكلم سيدة المنزل.

– أنا هي يا سيدي.

ولما رأته ينكر عليها هذا القول تبسمت وقالت له: ألعلك تريد محادثة تلك الإسبانية التي كانت مستأجرة منزلي بأثاثه؟! ولكنها سافرت مع زوجها، في الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم، في القطار المسافر إلى بلجيكا.

فانصرف ميلون عنها وقد انقتم وجهه بظلمة اليأس، وعاد بمركبته إلى فاندا ومرميس حيث لقيهما على ما وصفناه.

فلما سمعت فاندا حديثه انصرف فكرها إلى روكامبول، فقالت: إنه مضى على سفره عامان وهو لم يعد إلى الآن.

فتنهد مرميس وقال: لو كان الرئيس هنا لما لقينا هذا الفشل، ولما وقعنا بهذا الإشكال.

وفيما هو يقول هذا القول طُرِقَ الباب الخارجي طرقًا يدل على قدوم زائر؛ فارتعش الثلاثة كأنما قلوبهم قد اشتركت بعاطفة واحدة.

٢٤

وسكت الثلاثة هنيهة، وكل منهم ينظر إلى الآخر نظرات تشف عن الرجاء بأن يكون القادم روكامبول، فإنهم كانوا يعتقدون، بعد أن نامت فاندا ذلك النوم المغناطيسي، أن روكامبول لا يزال حيًّا وقد حان موعد رجوعه.

وكان أول من تكلم معهم مرميس، فقال: ألعله الرئيس عاد إلينا؟

ثم قام مسرعًا إلى الباب ففتحه ودخل ذلك الزائر، فرأى أنه لم يكن روكامبول، ولكنه كان رجلًا لابسًا ملابس الأوروبيين وهيئته تدل على أنه من الهنود.

وكان بيده كتاب مختوم، فانحنى أمام مرميس وحياه تحية شرقية، ثم دفع إليه الكتاب، فما أوشك أن قرأ العنوان حتى صاح صيحة دهش، إذ عرف من خطه أنه من روكامبول، وكانت فاندا وميلون قد أقبلا في أثر مرميس.

وكان الكتاب معنونًا باسم فاندا ومرميس، فأخذته فاندا وأسرعت إلى فضه فقرأته، وهو كما يأتي:

أيها الرفاق

إنكم قد اطلعتم دون شك على كتاب الفيروزة، وعرفتم الآن من هي هذه المرأة التي تدعى البستانية الحسناء، وعلمتم ضرورة البحث عن المركيز دي مورفر، فابحثوا فقد دنت ساعة العمل.

إنك يا مرميس وأنت يا فاندا جديران بأن تكونا من أعواني، فاعملا يدًا واحدة مع ميلون.

إن الرئيس من ورائكم وهو ساهر عليكم فلا تخافوا.

روكامبول

ولم يكن لهذا الكتاب تاريخ، ولم يكتب فيه المكان الذي صدر منه، فلم يعلموا إذا كان ورد إليهم من باريس أو من أقاصي الهند.

فنظرت فاندا إلى الهندي وقالت له بلهف: أين روكامبول؟ ألعله في باريس؟

فلم يجبها الهندي بحرف.

فهز مرميس ذراع ذلك الهندي، وقال له بصوت يتهدج: بربك قل لنا أين هو الرئيس؟

فرفع الهندي عينيه، وهز كتفيه إشارة أنه لا يفهم ما يقول.

فقال له مرميس: أتفهم اللغة الإنكليزية؟

فبرقت عين الهندي وأشار برأسه إشارة إيجاب، فقال له مرميس: أين هو روكامبول؟

فلم يجبه الهندي، ولكنه أشار إليه إشارة علم منها أنه إما أن يكون غير عارف بمقر روكامبول، أو أنه يعرف أين هو ولكنه لا يقدر أن يقول.

غير أن مرميس لم يكتف بهذه الإشارات، فقال له: ما بالك لا تجيبنا ألعلك أخرس؟

وعند ذلك فتح الهندي فمه، فذعر الثلاثة ذعرًا شديدًا؛ إذ رأوا هذا المنكود مقطوع اللسان.

ولما رأوا هذا المنظر الهائل قال له مرميس: من قطع لسانك؟ ألعلهم الإنكليز؟!

فأشار الهندي إشارة نفي.

فقال مرميس: أم هم الخناقون الذين شنعوا بك هذا التشنيع؟

فأشار الهندي إشارة إيجاب، ثم أشار إشارات أخرى فهم منها مرميس أن الخناقين أوشكوا أن يخنقوه، وأن نجاته منهم كانت من العجائب.

فقال له مرميس: من الذي أنقذك من مخالبهم؟

فوضع الهندي يده على كتاب روكامبول إشارة على أنه هو الذي أنقذه، فقال مرميس: والآن ألا تريد أن تقول لنا أين هو الرئيس؟

فأشار إشارة نفي، ثم رسم علامة الصليب على فمه، فعلموا أنه أقسم يمينًا على الكتمان.

فقال ميلون: كفى لا تسألوه ولنحترم يمينه وإرادة الرئيس.

فقالت فاندا بيأس: كيف ذلك؟ أيكون الرئيس قريبًا منا ولا نستطيع أن نراه؟!

أما الهندي فإنه انحنى أمامهم وانصرف.

فقالت فاندا: لا بد لي أن أعرف أين ذهب.

ثم دخلت مسرعة إلى غرفتها، فلبست قبعتها وخرجت في أثر الهندي لكنها لم تدركه إذ كان قد توارى عن الأنظار.

فقال لها مرميس حين عودتها: لقد أخطأت في اقتفاء آثاره؛ لأن الرئيس لم يكتب لنا إلا لأنه لا يريد أو لا يستطيع أن يرانا، فلنمتثل له ونبدأ في كشف الظلمات عن سر اختفاء المركيز دي مورفر.

والآن فإن فاندا ومرميس قد وقفا على كتاب الفيروزة، فعلما منه حقيقة أمر البستانية الحسناء واتصالها بالمركيز، إنما بقيا جاهلين ما جرى لهذا المركيز، وهو ما طالما سعى إليه البوليس وأهل باريس.

وسنتولى كشف هذا السر للقراء، فنعود بهم إلى عهد عامين من قبل؛ أي منذ خرج المركيز دي مورفر من نادي أسبرج إلى منزله، فأعطاه البواب ذلك الكتاب الذي يذكره للقراء، فاختفى بعده ذلك الاختفاء.

٢٥

عندما تناول المركيز الكتاب من يد البواب وتمعن في عنوانه ارتعش؛ إذ رأى خطه يشبه خط ذلك الكتاب الذي ورد إليه قبل ذلك بشهرين من لندرا.

ورأى من الطابع أن الكتاب وارد من لندرا أيضًا، فزاد اضطرابه وأسرع إلى فضه، فنظر إلى التوقيع فقرأ اسم روميا.

وقد اصفر وجهه حين قرأ اسم هذه المرأة، ولم ينس بعد ما أصابه منها، وقرأ الكتاب وهو كما يأتي:

حبيبي غوستاف

غدًا يمر عامان على موت برديتو، فأصبح حرة، وحق لي أن أهواك.

إذا كنت لا تزال تهواني اخرج من منزلك دون أن تدع أحدًا يعلم إلى أين أنت ذاهب، واذهب إلى شارع مدلين تجد في أول منعطف منه مركبة أجرة ذات جوادين: أحدهما أسود، والآخر أبيض، ونمرة المركبة ١٧٦٣ اصعد إليها، وقل للسائق أن يسير بك إلى شاليون، فلا يمر بك بضع دقائق حتى تغدو بين ذراعي من تحبك إلى الموت.

روميا

وبينما كان المركيز يقرأ الكتاب كان البواب قد ذهب إلى غرفته، فلم ير اضطراب المركيز.

فلما أتم تلاوته تردد حينًا وذكر الفيروزة وابنه ونازع قلبه حبهما وحب روميا، فكان الفوز لهذه الفاتنة، فنادى البواب وقال له: إني ذاهب وقد لا أعود قبل صباح غد، ثم ذهب إلى حيث دفعت به الأقدار.

وكان يمشي بخطوات سريعة مضطربة، وهو كأنه مصاب بحمى حتى وصل إلى المكان الذي عينته له روميا فوجد تلك المركبة بعينها، وعرفها من جواديها ونمرتها، فدنا من السائق وقال له: إلى شاليون.

علم السائق أنه هو الرجل المنتظر، وقال له: تفضل.

وصعد إلى المركبة فصعد المركيز، وسارت به تقطع الأرض نهبًا، وكانت المركبة محكمة الأقفال، وزجاجها مدهونًا بدهان أبيض منعه أن يكون شفافًا بحيث لم يعلم المركيز إلى أين يذهب به السائق، غير أنه لم يكترث لشيء من ذلك لشغفه بتلك المرأة؛ ولاعتقاده أنها مكتنفة بالأسرار، وما زالت المركبة تسير حتى شعر بعد نصف ساعة أنها وقفت، ثم سمع صوت فتح باب كبير، فدخلت منه المركبة وأقفل بعد دخولها، وعند ذلك وقفت ودنت خادمة من بابها وفتحته، وقالت له: تفضل واتبعني يا سيدي المركيز.

فخرج المركيز من المركبة، فرأى أنه بوسط حديقة باسقة الأشجار، وفي نهاية الحديقة منزل جميل، ثم سار في أثر الخادمة، فصعدت به إلى الدور الأول من المنزل وأدخلته إلى قاعة، ثم قالت له: تفضل يا سيدي فإن السيدة ستحضر قريبًا.

فجلس المركيز على مقعد من مقاعد تلك القاعة، وأجال فيها نظر الفاحص، وذهل مما رآه؛ إذ إن هذه القاعة كانت تشبه القاعة التي كان فيها مع روميا في لندرا شبهًا غريبًا، كأنها قد نقلت من لندرا إلى باريس، وأغرب ما رآه مصباحان كانا على المستوقد، كانت تنبعث منهما نفس تلك الرائحة العطرية المسكرة التي شمها وسكر منها في قاعة لندرا.

ولما ملأ الدخان رئتيه وبدأ السكر يتمكن منه دخلت روميا، فلم يرها أجمل مما رآها في تلك الساعة، وأسرع إليها وهو يتهادى من سكره، فابتسمت له ابتسامًا أضاع رشده، وجلست معه على مقعد واحد، فنظرت إليه نظرة عاشق مفتون، وقالت وهي تبتسم: إني لا أستطيع أن أحبك قبل الغد في مثل هذه الساعة.

وركع المركيز أمامها وقال: كيف أصبر إلى الغد ولماذا؟!

– إن غدًا سيكون يوم مرور عامين على وفاة برديتو، ألم تقرأ كتابي؟!

– قرأته وأنت تقولين فيه غدًا أكون لك، ألم يكن تاريخ الكتاب أمس؟

– هو ذاك، ولكني لم أعتبر تاريخ كتابته، بل تاريخ وصوله إليك.

فقبَّل يدها بلهف، وقال: إن ساعات هذا الغد تعد بالأعوام والعصور ومن لي بمرورها؟!

وكان السكر قد تمكن منه، وبدت دلائله بتلعثم لسانه واتقاد عينيه، ولم يكد يقول هذا القول حتى أفلتت منه فجأة، وقالت بلهجة المضطرب: ويلاه إن خوفي شديد.

فاضطرب المركيز وقال: علام الخوف أيتها الحبيبة؟ وممن تخافين؟!

– لا أستطيع أن أقول … كلا لا يجب أن تعلم … ولكنني لا أستطيع أن أكتم أمرًا عنك … ويلاه يخال لي أنه معنا في هذه الغرفة … إني أشم رائحته … إني أشعر بأنفاسه تحرقني. وأرى نظراته تنفذ إلى قلبي كالسهام.

فاضطرب مورفر، وقال: من هو هذا فإني لا أرى أحدًا؟

– برديتو.

– ألم تقولي لي إنه مات منذ عامين؟

– عامان ينقصان يومًا.

– إذن اطمئني فإن الأموات لا يبعثون في الأرض.

– إن هذا اعتقادكم أهل الكتب المنزلة، أما أنا فلست منكم، واعتقادي أن الغيرة إذا اشتدت تبعث العشاق من القبور.

– ولكن برديتو ليس له قبر.

– كيف ذلك؟

– ذلك أنه شنق ولم يدفن، فكان قبره بطون العقبان.

فزاد اضطراب روميا، ووقفت منذعرة وقالت: إني أشم رائحته … إنه هنا … إن أنفاسه تهب على شعري.

– اطمئني أيتها الحبيبة فإن الأموات لا يتنفسون.

– هو ذا عيناه تنظران إلي نظر الحقد والوعيد.

– إن الأموات لا ينظرون فاهدئي.

– إني أراه، بل أسمع دقات قلبه.

– قلت لك اطمئني أيتها الحبيبة، فإنها خيالات تمثلها لك الأوهام، ومتى كان للأموات قلوب تنبض؟!

ثم هاج اضطرابها، وهاج ثائر غرامه، فقام إليها وضمها إلى صدره ضمًّا عنيفًا، وللحال اصفر نور المصباحين، وسمع في تلك الغرفة قهقهة شديدة لم يعلم المركيز مصدرها؛ لأنها كانت تسمع من كل مكان.

فقابلت روميا هذا الضحك السري بصياح الرعب، ثم انطفأت الأنوار وانقطع الضحك.

وظهر فجأة في تلك الغرفة لهب أحمر تحول بعد ظهوره إلى لون بنفسجي ثم أبيض، وظهر في وسط هذا اللهب خيال أسود.

وكان هذا الخيال خيال برديتو، وسمعه المركيز يصيح بروميا ويقول لها: احذري أيتها الخائنة.

٢٦

كان المركيز باسلًا، ولم يكن من أهل الأوهام، ولكنه شعر بأن الدم قد جمد في عروقه لما تولاه من الرعب، فأفلتت روميا من يده دون أن يمنعها، وصاحت صيحة منكرة، وهربت فتبعها صوت الخيال يقول: احذري أيتها الخائنة.

ثم تحول النور الأبيض إلى نور بنفسجي، ثم أحمر، ثم تلاشى، فسادت الظلمة في الغرفة، واختفى الخيال ولم يبق غير ذلك الدخان وتلك الرائحة العطرية.

وجعل المركيز ينادي روميا، ولكنها لم تجب، وحاول أن يخرج من الغرفة ولكنه لم يستطع، فإن ذلك اللهب انبعث منه عند انطفائه رائحة كبريتية قضت على حواسه، فما مشى خطوتين حتى سقط على الأرض، وجعل ينادي روميا فلم يجبه أحد.

ثم اشتدت عليه تلك الرائحة، فأغمي عليه وأطبقت عيناه.

ولما استفاق من إغمائه زالت رائحة الكبريت، ورأى أشعة المصباح قد نفذت إلى الغرفة، وأحس بتخدر دماغه، غير أنه كان مالك الرشد، فقام إلى النافذة ففتحها وجعل يتنشق الهواء النقي.

وكانت تلك النافذة تطل على الحديقة التي رآها حين دخوله إلى المنزل وهي عالية الأسوار، فلم ير ما بعدها، وعند ذلك تذكر تلك الليلة الغريبة التي مرت به، وذكر ذلك الخيال الذي ظهر له بين اللهب، وأنه خيال برديتو.

ولم يكن لديه شك أن برديتو قد مات شنقًا مع عصابة مينوس، فلم يسعه إلا أن يعلل ظهور هذا الخيال كأعجوبة أراد الله بها أن يعاقب روميا على خيانتها.

ولقد يتفق للمرء في بعض أحواله أن فكره يضطرب حتى لا يعلم إذا كانت الحقيقة قد استحالت إلى حلم، أو أن حلمًا هو حقيقة الحياة، وهذا ما أصاب المركيز، غير أنه ذكر تمامًا كل ما حدث له في تلك الغرفة، وأنه حين ظهور الخيال كان يضم روميا إلى صدره.

وفيما هو على ذلك إذ فتح الباب وظهرت روميا، وصاح المركيز صيحة فرح، أما النورية فقد كانت مصفرة الوجه تدل عيناها على بكائها، فدنت منه، وقالت له: إني أكاد أجن مما حدث.

– إذن إن ما حدث كان حقيقة، ولم أكن من الحالمين.

– كلا أيها الحبيب فإننا لم نحلم، وإن برديتو بعينه ظهر لنا، ولا بد لنا بعد الآن من هذا الافتراق.

فركع المركيز أمامها وقال: أي افتراق تعنين فإني أهواك، ولا يفرق بيننا غير الموت.

– وأنا أيضًا أهواك، ولكني أخشى برديتو.

– ما يهمنا الخيال أيتها الحبيبة فإن برديتو من الأموات.

– ألا تخاف الأموات أنت؟!

– إني أهواك ولا أخشى غير فراقك.

ففكرت هنيهة ثم قالت: أذكر أني سمعت في حداثتي عجائز قبيلتي تقول: إن الأموات يلتمسون الإذن أحيانًا بالخروج من القبور، ولكنهم لا يستطيعون الذهاب إلا إلى محل معين، وقد ظهر لنا برديتو في هذا المنزل، فإذا تركناه وصح قول العجائز فهو لا يستطيع أن يدركنا في موضع آخر.

– إذن لنهرب.

– إلى أين؟

– إلى حيث تريدين.

ففكرت هنيهة ثم قالت: إني أعرف مدينة لا أجد أبدع منها كأنها خلقت للعشاق.

– ألعلك تريدين بها نابولي؟!

– هي بعينها، فمتى تريد أن نسافر إليها؟

– اليوم، بل الآن؛ لأني لا أطيق أن أراك على هذا الاضطراب.

فهزت رأسها وابتسمت ابتسام الحزين، ثم قالت: إن خيال برديتو قد أنذرنا، وربما لقيت حتفي بحبك، فإذا كنت أخاطر من أجلك بحياتي، بل إذا كنت أهبك هذه الحياة، ألا تهبني أنت مثل هذه الهبة؟!

– دون شك.

– إذن أريد أن تبرح باريس دون أن تدع أثرًا يدل عليك، ودون أن يعلم أحد من أهلك وأصحابك أين أنت، فإذا وافقتني على ذلك نبرح باريس هذا المساء إلى أن أتخذ كل احتياطاتي.

فوافقها المركيز على كل ما أرادت، وفي الليلة نفسها أمرت المركيز أن يتنكر ففعل، وذهب الاثنان إلى المحطة فسافرا إلى مرسيليا، ولما وصلا إليها لم يذهبا إلى فنادقها، بل ذهبت به إلى منزل صغير معتزل مشرف على البحر، وقالت له: إن السفينة التي ستسير بنا إلى نابولي تنتظرنا في هذه الميناء.

٢٧

إن من كان الشقاء قسمته لا يرى إلا الشقاء كيف سرى، وهذا ما أصاب المركيز دي مورفر؛ فقد ذهب الحب برشده، فعمي عن مكائد هذه المرأة، وبات آلة بيدها تديره كيف تشاء، فشغلته عن الافتكار بالفيروزة وأنسته ولده.

وكانت روميا قد تركته وحده في ذلك المنزل بحجة أنها ذاهبة لتتفقد السفينة التي سيسافران فيها، وأقفلت عليه الأبواب.

فلما خلا المركيز في ذلك المنزل عاد إليه هداه وذكر ابنه، ومع ذلك لم يخطر له خاطر الفرار من روميا؛ لشدة شغفه بها، ولكنه ذكر المال الذي عينه لابنه، وقال في نفسه: لا بد للفيروزة أن تستولي على هذا المال، فإن هذه الرحلة قد تكون آخر رحلاتي، فكتب عند ذلك للفيروزة الكتاب الذي تقدم ذكره، ولم يصلها إلا بعد شهر؛ أي بعد فوات الأوان.

ولما كتب الكتاب أخذ يفكر في طريقة إرساله إلى البوسطة؛ إذ لم يكن يستطيع الخروج من المنزل، ففتح نافذة مطلة على الشارع ورأى سائسًا يسير الهويناء، وتبين في وجهه علامة السلامة والوفاء، فناداه وألقى إليه ذلك الكتاب مع قطعة من الذهب، وكلفه أن يضع الكتاب في إدارة البريد، فأخذ السائق الكتاب فرحًا بالعطية مثنيًا على كرمه وانصرف.

وبعد هنيهة عادت روميا، فعاد المركيز إلى نسيان ولده وكل ما في الوجود، حتى إذا أقبل الليل قالت له: إننا سنسافر الليلة في السفينة، وسنبرح المنزل بعد ساعة.

– كما تشائين أيتها الحبيبة، فإني لا أخالف لك أمرًا.

وبعد ساعة قامت به إلى النافذة، وقالت له: انظر إلى النور الأحمر إنه نور السفينة التي سنسافر عليها.

ثم سمعت صفيرًا، فأخرجت صفارة من جيبها وصفرت بها، ثم قالت له: إن هذا صفير القارب الذي جاء لنقلنا إلى السفينة فهلم بنا الآن.

وخرج الاثنان من ذلك المنزل إلى حيث كان القارب الذي جاء لنقلنا إلى السفينة فهلم بنا الآن.

وخرج الاثنان من ذلك المنزل إلى حيث كان القارب، فنزلا به ومخر بهما إلى السفينة، فلما وصلا إليها رأى المركيز على ظهرها شيخًا عجوزًا ذا لحية طويلة بيضاء ظهر لمحة ثم اختفى، فقال المركيز: إني رأيت هذا الشيخ، فمن هو؟ وأين رأيته؟

وكان جميع البحارة قد أسرعوا إلى استقبال روميا باحترام عظيم يدل على أنها السيدة المطلقة في تلك السفينة، وكانوا ينظرون إلى المركيز نظرات الانذهال، ويكلمون سيدتهم بلغة سرية لم يفهمها المركيز.

فسارت روميا إلى غرفة فسيحة مفروشة بأفضل الأثاث، وقالت له: هذه غرفتك، ثم أقفلت الباب وقالت له: هلم بنا إلى العشاء.

وبعد ساعة كان المركيز صريع سكر وغرام لا يستفيق، فقرعت روميا جرسًا فدخل ذلك الرجل ذو اللحية البيضاء الذي رآه المركيز حين صعد إلى السفينة وهو يبتسم ابتسام الأبالسة.

وجلس الرجل أمام روميا، وقال لها: إننا نستطيع أن نتحدث الآن فإنه لا يستفيق إلا بعد ساعتين.

– أأنت واثق أنه لا يسمع حديثنا، كما كان يسمعه حين إغمائه في لندرا؟

– نعم فإن مُخَدِّر اليوم غير مُخَدِّر أمس.

فنظرت روميا إلى هذا الشيخ نظرة تهكم، وقالت له: إن الخدمة بأوامرك مجيدة يا أبي فإنك لست من البشر، بل أنت شيطان في صورة إنسان.

فهز كتفيه وقال: إني أنتقم إذ لا أجد بدًّا من الانتقام.

– انتقم كما تشاء فإن هذا الرجل لا يهمني شأنه، ولكن كل ذلك يقضي علي بالحذر منك.

– لماذا؟

– أصغ إلي تعلم؛ فقد كنت تحب امرأتك حبًّا قويًّا، وقد هفت امرأتك فولدت برديتو من هذه الهفوة؛ ولذلك يكون انتقامك من برديتو وليس من مورفر.

– هذا ما يلوح لك بالظاهر، وأما بالحقيقة فلا ونعم …

إني قتلت مورفر الذي كان والد برديتو، ووالد هذا المركيز الطريح عند قدميك، ولكني لا أقتصر على قتل الرجل الذي دنَّس شرفي، ولا يشفي آلامي غير الانتقام من أسرته بجملتها كي لا يبقى من يدعى مورفر بالوجود.

فقالت روميا: لا أنكر عليك يا حضرة الدوق حق الانتقام غير أن انتقامك من عائلة مورفر لا يمنعك أن تكره برديتو أيضًا، فهو ابن تلك الزلة التي دعت إلى كل هذا الانتقام.

فقال لها الدوق دي فنسترنج: هو الحق ما تقولين؛ فإني كنت أكره حبيبك برديتو من قبل، كما أكره الآن هذا المركيز، ولم أخنقه يوم ولادته؛ لأني أردت أن أعد له عذابًا هائلًا، لذلك عهدت به إلى مينوس وقلت في نفسي: إما أن ينشأ شريف العواطف فيلقى شر عذاب لوجوده مع اللصوص، وإما ينشأ لصًّا مثلهم فلا يكون نصيبه غير المشنقة.

وكان مينوس يخبرني بكل حوادثه، وعلمت منه يومًا أنه التقى بالمركيزة وابنها في الجبل، وما كان من تباغض الغلامين، فخطر لي انتقام جميل وهو أن أثير أحقاد برديتو على أخيه، ثم أجمع بين الاثنين فيمزق كل منهما الآخر، ولكنك حلتِ أنت دون هذا المشروع.

فاندهشت روميا وقالت: أنا؟

– نعم أنت؛ فإني حين توليت تربيتك وتربية برديتو رأيت أنكما متساويان بفساد المبدأ، وأنكما متحابان؛ فكرهت أن أفرق بينكما، وزال من قلبي كره برديتو.

فنظرت إليه روميا نظرة المرتاب، وقالت: أحق ما تقول؟

– دون شك فقد حصرت بغضي بالمركيز، وأنت تعلمين أني لا أريد أن يموت موتًا بسيطًا، بل أريد أن يكون موته بطيئًا ونزعه شديدًا طويلًا لا ينتهي.

فضحكت روميا، وقالت: إنك أعظم سفاك رأيته في حياتي يا أبي، وسأفعل ما تريد.

– وأنت أعظم شيطانة عرفتها، ولو لم ينقض عهد شبابي لأحببتك.

ثم صب من زجاجة شراب في كأسين وشرب وإياها، فقالت له روميا: أيجب أن نبدأ الليلة؟

– دون شك، ولكن متى أصبحنا في عرض البحر، فقد أمرت الربان أن يسير بالسفينة عند انتصاف الليل.

ثم كشف ساعته وقال: أي بعد ربع ساعة.

– متى يفيق المركيز؟

– بعد ساعتين.

وعند ذلك قرع الباب قرعًا خفيفًا، فقالت روميا: إن الطارق برديتو دون شك.

– ليدخل فلا بأس من دخوله.

ودخل برديتو وكان لا يزال يشبه المركيز شبهًا عجيبًا فقال: إني جائع.

فقالت: هو ذا الطعام مُعَدٌّ فكُلْ.

فنظر إليها نظرة منكرة، وقال: أكرهك اليوم بقدر ما كنت أحبك أمس.

فارتعشت روميا، وقالت: لماذا تبغضني أيها الحبيب؟

– لأن فم هذا الرجل النائم قبل شفتيكِ.

– ما هذه الغيرة التي لا محل لها؟ ألا تعلم أني لا أحب سواك في هذا الوجود؟!

فجلس برديتو معهم على المائدة فصب لنفسه كأسًا وشرب، ثم أخذ سكينًا عن المائدة، وجعل يتطلع إلى الدوق، وإلى روميا، وإلى المركيز النائم تطليعات ملؤها الحقد، وقال: يجول في خاطري فكر هائل.

فقال له الدوق ببرود: ما هو هذا الخاطر؟

– هو أن أقتلكم جميعًا.

فارتعشت روميا، أما الدوق فلم يظهر عليه شيء من علائم الاضطراب، وقال: إنك إذا قتلت هذا الرجل فلا تكون قد انتقمت.

– حسنًا، ولكني أكون قد سكنت ثائر غضبي.

– وإذا حملك الغضب على الفتك بروميا، فإنك تيأس بعد قتلها لأنك تهواها.

– هذا ممكن.

– وأخيرًا إن قتلتني أنا تحرم أموالي الطائلة التي سأورثك إياها.

فسكن هذا القول غضب اللص وقال: لقد أصبت.

ثم ألقى السكين إلى الأرض.

وعند ذلك شعروا بأن المائدة ترتج، فعلموا أن السفينة رفعت مراسيها وقامت من الميناء.

٢٨

ولبث المركيز نائمًا ساعتين، كما قال الدوق، ثم انتبه من تلقاء نفسه كما ينتبه من ينام نومًا طبيعيًّا.

ولما استفاق وجد روميا بقربه ولم يكن في الغرفة غيرهما، فابتسمت له وطوقت عنقه بيديها، فقال لها: ألعلي كنت نائمًا؟

– نعم أيها الحبيب، فقد شربت كثيرًا من الخمر الإسباني المعتق، فأفضى بك الإفراط في شربه إلى النوم.

– كيف ذلك ألعلك كنت معي؟

– نعم فلم أفارق مكاني.

ثم شعر أن السفينة تسير، فقال: إن السفينة تمخر في البحر، فهل هي سائرة بنا إلى نابولي؟

فابتسمت له ابتسامًا خلب لبه، وقالت: إنها تسير بنا إلى حيث تشاء، فأنت الآمر هنا أيها الحبيب.

– بل أنت الآمرة الناهية؛ لأني عبد هذا الجمال.

– إذا أردت أن أتولى أنا إدارة هذه الرحلة، ذهبت بك إلى بلاد الشرق، بلاد أجدادي، فنسير إلى مصر وتركيا، ونشاهد أزمير والآستانة، ونجتاز بلاد العجم، ونبلغ إلى شواطئ الكنغ. أتوافق على هذه الخطة؟

– إني أريد ما تريدين أيتها الحبيبة.

ثم جذبها إليه بلطف يريد ضمها، فشعر فجأة أن أرض الغرفة قد انشقت وظهر منها ساحة متسعة الأرجاء.

فصاحت روميا صيحة ذعر وأفلتت من يديه، ونظر المركيز إلى تلك الهوة التي فتحت أمامه، فرأى ذلك المنظر الذي رآه في منزل روميا في باريس؛ أي ذلك اللهب الذي يبدو أحمر ثم يصبح بنفسجيًّا ثم أبيض، ويظهر من خلاله خيال برديتو.

وكانت روميا تصيح صيحات منكرة، والمركيز يحاول أن يضمها إليه، لكنها هربت وانطفأ مصباح الغرفة فلم يعد يراها.

ثم حدثت أعجوبة أعظم من تلك، وهي أنه رأى روميا واقفة تحت ذلك اللهب الذي كان ظاهرًا فيه برديتو، وقد مسخت مسخًا فصارت قامتها لا تتجاوز نصف ذراع، ورأى برديتو يشير إليها بيده إشارة المنتقم وسط ذلك اللهب، ويقول لها بصوت يتهدج من الغضب: «هذا هو انتقامي أيتها الخائنة، فلتكوني عبرة لسواكِ.»

ثم احتجب الخيال وتحول اللهيب إلى دخان انبعثت منه رائحة كريهة، ضيقت أنفاسه، فأسرع يريد الهرب من تلك الغرفة؛ فاصطدم بجسم ملقى على الأرض وأغمي عليه لقوة هذه الرائحة، فسقط بين ذراعي روميا التي تحولت من جسمها الممسوخ إلى جسمها العادي.

وعند الصباح صحا من رقاده وهو مضطرب الحواس محموم، فكان يذكر حادثة الليل كحلم مزعج، وقد وجد نفسه في سرير من أسرة السفينة، فلم يعلم إذا كان ما رآه حلمًا أو حقيقة، ولكنه كاد يقتنع أنه كان حالمًا حين رأى روميا على ظهر السفينة بهيئتها العادية.

فلما رأته روميا أقبلت إليه تبتسم وتقول: لقد أطلت الرقاد.

فنظر إليها منذهلًا وقال: إذن لستِ أنتِ؟

– ماذا؟

– ألست من الأقزام؟

– بل إني على عكس ما تقول، فإني من طويلات القوام.

– لكني رأيت مع ذلك في هذه الليلة …

– ماذا رأيت؟

– رأيت برديتو قد مسخك وحولك إلى قزم.

فاصفر وجه روميا وقالت: برديتو؟

– نعم فإني حين كنت هذه الليلة معي أضمك إلى صدري، فقد ظهر لنا برديتو في السفينة كما كان يظهر في باريس.

– إني ما رأيت شيئًا.

– عجبًا ألم تري أمس خيال برديتو؟

– كلا، وجميع ما شاهدته أنك تعشَّيت ونمت.

– أعلم أني نمت، ولكني صحوت بعد هذا النوم.

– كلا إنك ما صحوت إلى الآن.

– كيف ذلك؟ ألم تكلميني عن الخمر الإسباني؟

– لم أقل لك شيئًا أيها الحبيب، فقد كنت نائمًا نوم السكارى حتى اضطررت إلى الاستعانة ببحريين لنقلك إلى فراشك.

وكانت روميا تتكلم بلهجة صادقة، حتى وثق المركيز كل الوثوق أنه كان حالمًا.

ومضى ذلك النهار والسفينة سائرة حتى أقبل الليل، وجلس المركيز مع روميا على مائدة العشاء، فشربت وشربت، ثم صبت له آخر كأس بقي في الزجاجة، وجعلت تناديه وتشاغله حتى وضعت له في الكأس مخدرًا، فما استقر شرابه في جوفه حتى تثاقلت عيناه وسقط على الكرسي لا يعي، غير أن إغماءه في هذه المرة كان شبيهًا بإغمائه في لندرا؛ أي إنه كان فاقدًا كل حواسه ما عدا حاسة السمع.

فذكر تلك الليلة التي سقط فيها صريعًا في خمارة كالكراف، حين كانت الإرلندية تغني، وسمع أن الباب قد فتح ودخل منه رجل فقال: أهو نائم الآن؟

فعرف أنه صوت برديتو.

ثم سمع روميا تقبله، وتقول له: إنك مخطئ يا برديتو بإساءتك إليَّ؛ لأني لا أحب سواك.

– إذا كان ذلك فلماذا لا تؤذنون لي بقتله في الحال؟

فارتعش المركيز لأنه كان يسمع كل ما يقال أمامه، ثم سمع صوت ذلك الشيخ ذي اللحية البيضاء، يقول وهو واقف على عتبة الباب: هَلُمَّ، أيها العاشقان الجميلان، إلى سطح السفينة، فقد دنونا من شواطئ إيطاليا الجميلة؛ لأن لديكما فرصة كافية؛ إذ لا نعود إلى تمثيل دور الخيال إلا بعد ساعتين.

فخرج العاشقان وصعدا إلى ظهر السفينة.

أما الدوق فإنه بقي في الغرفة، ودنا من المركيز ووضع فمه عند أذنه، وقال له: أيها المركيز، إنهم يهزءون بك.

٢٩

ولا يحيط وصف كاتب بما كان يكابده هذا المركيز من العناء حين كان يسمع كل هذه الأقوال، فقد كان يسمع ويفتكر ويعي كل شيء، لكنه لا يستطيع أن يتكلم ولا أن يفتح عينيه.

ولم يقتصر الدوق على ما قاله له، بل إنه جلس بقربه وجعل يتلو عليه الحديث الآتي:

أيها المركيز إنك حين صعدت إلى السفينة رأيتني، وخشيت أن تكون قد عرفتني بالرغم عن هذه اللحية الطويلة البيضاء التي غيرت كل ملامحي، ولكن ظهر لي بعد ذلك أنك لم تعرفني، فلا بد لي الآن من أن أعرفك بنفسي فاسمع:

أيها المركيز إني ذلك الرجل الذي دنس أبوك عرضي فقتلته، أنا الجنرال الدوق دي فنسترنج الذي جئته يومًا تريد مبارزته انتقامًا لأبيك، فأبيت مبارزتك حتى تبلغ سن الرشد.

ثم غادرتُ باريس وأظهرتُ أمام العالم أجمع أني مت غرقًا في البحر تمويهًا عليك، ولكني لا أزال حيًّا، وكذلك برديتو ابن أبيك وابن امرأتي فإنه لم يُعْدَم شنقًا كما تتوهم، فتحالفت وإياه على قتلك، كما أني أقسمت على قتله أيضًا، وهو لا يعلم ويحسب أني له من المخصلين، ولكنك أنت ستقتل هذا اللص لا أنا، فأصغِ إليَّ.

إنك الآن نائم نوم تخدير؛ لأني وضعت لك في الشراب مخدرًا تعلمت صنعه في الشرق، وهو يخدرك ساعتين دون أن تفقد حاستي السمع والإدراك.

أما روميا وبرديتو فإنهما يعتقدان أنك نائم الآن كما كنت نائمًا أمس؛ أي أنك لا تسمع ولا تعي وستعود إليك روميا بعد ساعة، فمتى فتحت عينيك تجدها بقربك، وسترى أشعة الحب تتقد في عينيها وتراها تبتسم لك ألطف ابتسام وتناديك بأعذب الألقاب.

ثم يعود تمثيل دور الخيال على ما عهدته، فيتقد اللهب ويظهر منه خيال برديتو، وعند ذلك ترتعد روميا وتفر منذعرة، فمتى ابتعدت عنك رأيتها قد مسخت قزمًا.

إنها لا تمسخ أيها المركيز، ولكنها تظهر لك بهذا المظهر الغريب بفضل انعكاس أشعة المرائي، وهي طريقة مشهورة لا بد أن تكون قد عرفتها من قبل، أعلمت الآن أيها المركيز كيف يظهر لك الخيال وكيف تمسخ روميا؟!

وهنا نصيحة أيها المركيز تتبعها إذا شئت، وهي أنك عندما تفيق من إغمائك تجد مسدسًا محشوًّا بقربك، فإذا ظهر لك الخيال وهربت روميا منك، فأطلق المسدس على برديتو واقتله قبل أن يقتلك.

ثم ضحك ضحكًا عاليًا وتركه وانصرف.

أما روميا وبرديتو فكانا واقفين على ظهر السفينة ينظران إلى الشواطئ الإيطالية متعجبين بجمالها، وكان برديتو يقول لروميا: لقد ندمت لاتفاقي مع هذا العجوز الذميم.

– لماذا أيها الحبيب؟

– لأني أكابد عناءً شديدًا من الغيرة، فإن فم هذا الرجل قد قَبَّلَ شفتيكِ.

– كيف تسوءك هذه القبلة وأنت تعلم أن قلبي لك؟

– لأني لا أطيق أن أنظر هذا المركيز يقبلك ويضمك.

– ما هذه البلاهة؟

– ليس ما أقوله بلاهة، فقد بت أخشى أن تختم هذه الرواية بما يجعلها فاجعة؛ إذ لا أطيق الصبر، فقولي متى نفرغ من تمثيلها؟

– لا أعلم.

– ألم يقل هذا الشيخ الذي بعناه حياتنا وأجسامنا بيع السلع؟

– كلا إنه لم يطلعني على نواياه.

وعند ذلك ظهر لهما الشيخ، وقال: إنكما لن تعلما ولا تريان ختام الرواية، والآن إن الوقت قد حان إذ دقت الساعة الثانية.

فقالت روميا: أنا نازلة.

ثم تركتهما ونزلت إلى غرفة المركيز.

وكان المركيز قد بدأ يصحو من رقدته، فطوقت عنقه بذراعيها، وقالت له: أيها النائم الأبدي ألا تنفك عن عادة النوم بعد العشاء؟

فصحا المركيز عند كلامها كل الصحو، وقال: أسألك العفو فهذه آخر ليلة أنام فيها.

– أحق ما تقول؟!

– أقسم لك.

فجعلت تناغيه وتداعبه كما فعلت أمس، ثم ظهرت فجأة مناظر أمس؛ فانكسر المصباح وخسفت الغرفة وظهر اللهب في وسطه برديتو، وجعلت روميا تمثل الذعر وتصيح صيحة الرعب.

غير أن المركيز ذكر في الحال ما قاله له الدوق وهو نائم، ومد يده فعثرت بالمسدس، فأخذه في الحال وأطلقه على برديتو الظاهر بين اللهب، فوقعت الرصاصة في قلبه، وصاح صيحة منكرة وانقلب قتيلًا على الأرض.

ثم حاول المركيز أن يطلق رصاصة ثانية على روميا. لكن روميا ما لبثت أن رأت برديتو قتيلًا، حتى هاجت هياج اللبوة، وسبقت المركيز فجردت خنجرًا وانقضت عليه انقضاض الكواسر، فطعنته به طعنة هائلة وهي تزمجر زمجرة الأسود، وحاولت أن تشفعها بطعنة أخرى كي تجهز عليه، لكن بحارة السفينة هجموا عليها، وجردوها من الخنجر، وقيدوا رجليها ويديها بأمر الدوق.

٣٠

مضى عشر ساعات على هذه الحادثة كانت روميا في خلالها مقيدة اليدين والرجلين، وهي تصيح وتعول وتطلب أن ترى جثة حبيبها برديتو، فلا يجيبها غير صدى الغرفة التي كانت مسجونة فيها.

وكان الدوق خبيرًا بفن الجراحة، فكان يسمع عويل روميا ولا يكترث لها؛ لأنه كان مهتمًّا بتحنيط جثة برديتو، فإنه أخذ الجثة وحنطها منعًا لانحلالها، ثم نزع الرصاصة منها وجعل الجرح المستدير مثلث الزوايا حتى يحسب من رآه أنه جرح خنجر أو سيف لا جرح رصاصة.

وبعد أن انتهى من تحنيطه جاء بموسى وحلق له لحيته، ولم يبقَ له غير شاربيه فقصهما على شكل شاربي المركيز دي مورفر، وكان المركيز يشبه اللص شبهًا غريبًا كما تقدم، فلما حلق لحية اللص أصبح اللص تمامًا بحيث لا يشك من رأى جثته أنها جثة المركيز.

أما المركيز فقد كان مصابًا بالحمى من جرحه وهو ضائع الرشد، فذهب الدوق إلى سريره وجعل ينظر إليه بفرح وحشي، ويقول: إني لم أنل غير نصف انتقامي بل أقل من النصف؛ لأن برديتو مات دون أن يتألم، ولا مشاحة أن هذا اللص كان ابن الجريمة لكنه لم يكن يدعى مورفر.

وما أوشك أن ذكر هذا الاسم حتى اضطرب صوته، وقال: إذا كنت لا أعتقد بخلود النفس فكيف أكون انتقمت؟

لكني أعتقد بخلود الأرواح، وأن أرواح المائتين تهيم بالفضاء وتحوم حول من كانت تحبهم فتفرح لسرورهم وتحزن لأحزانهم، ولا شك أن روح تلك الخائنة حائمة الآن حول جثة ولدها برديتو، وروح هذا اللص حائمة حول سجن روميا وكلاهما في عذاب.

ثم ترك المركيز وشأنه وذهب إلى روميا، فقال لها: كفاكِ أنينًا وعويلًا فقد كنت أحسبك قوية، ولكني أراك تبكين بكاء الأطفال.

– كيف لا أبكي أيها الشقي وقد قتل برديتو. وأي رجاء لي بعده بالحياة؟!

فهز الدوق كتفيه، وقال: أتموتين قبل أن تنتقمي؟!

– لقد انتقمت بقتل القاتل.

– إنك منخدعة؛ لأن المركيز لم يمت.

– ولكنه سيموت؛ لأني طعنته بخنجر مسموم.

فضحك الدوق وقال: إنك منخدعة أيضًا أيتها الحبيبة، فقد بدلت خنجرك المسموم حين كنت نائمة بخنجر مثله غير مسموم؛ ولذلك لم يمت المركيز بل إنه سيحيى؛ لأن جرحه غير خطر.

فأنَّتْ روميا أنين الموجع، وكادت تفترس الدوق بنظرات حقدها غير أن الدوق لم يكترث لنظراتها، وقال لها: أتعدين موت المركيز السريع انتقامًا؟ إني لا أرى رأيك أيتها الحسناء، وعندي أنه يجدر بك أن تقتليه كل يوم بالعذاب حتى تروي غليلك.

– ربما كنت مصيبًا.

– وأنا واثق من أنك تعملين برأيي، لا سيما متى علمت أن للمركيز غلامًا يرث منه أربعة ملايين، فتمتعي بهذه الثروة، وانتقمي من صاحبها كما تشائين.

ثم تركها مقيدة اليدين والرجلين وصعد إلى ظهر السفينة، فأخذ نظارة مكبرة ونظر بها الأرض التي أشرفت عليها السفينة، وهي أرض جزيرة مالطة.

ورأى أن السفينة كادت تصل إليها، فنادى الربان وأمره أن يعد القارب لنزوله إلى البر ففعل، ثم وقفت السفينة وأنزل القارب، فأنزلوا فيه أمتعة الدوق، وبعد ذلك قال الدوق للربان: بعد ساعتين تحل وثاق روميا، وتقول لها: إن السفينة ومجارتها تحت أمرها.

ثم أمر الدوق بحارة القارب أن يسيروا به إلى مالطة، منفصلًا عن السفينة، واستمرت السفينة في سيرها إلى الشرق، وهي تحمل جثة برديتو المحنطة، والمركيز المحموم من جرحه، وقد بات في قبضة تلك المرأة الهائلة.

٣١

ولنعد الآن إلى باريس لنرى ما فعل مرميس وفاندا، فإنهما أقسما أن يخضعا لأوامر روكامبول ويجدا جثة المركيز.

في اليوم التالي لفراغ فاندا ومرميس من تلاوة كتاب الفيروزة، عقد تلامذة روكامبول اجتماعًا في منزل فاندا، وجعلوا يتباحثون في طريقة الشروع في العمل.

وقد افتتحت فاندا الحديث فقالت: إن لدينا ثلاثة أمور يجب علينا إجراؤها: أولها وأخصها الحصول على الإناءين اللذين وُضِع فيهما المال.

فقال مرميس: إن هذه المهمة من أصعب المهام وأدناها إلى السرعة، أما وقد أمر الرئيس بتنفيذها فلم يعد بد من الامتثال.

– والأمر الثاني: ضرورة إيجاد تلك المرأة، والثالث: تفقد الغلام الذي قال روكامبول: إنه وضعه في دير في شارع البورصة، فقد مضى على إقامته فيه عامان، وقد يحدث كثير من الأمور في عامين.

– لقد خطر لي الآن أن أعارضك.

– كيف ذلك؟

– ذلك أنه يجب أن يكون أول ما نهتم به هو البحث عن الغلام، ونرى إذا كان أحد قد بحث عنه قبلنا؛ لأني أخشى أن تكون البستانية الحسناء قد وقفت على جميع أسرار المركيز، ومنها سر هذا الغلام، والذي أراه هو أنه يجب أن يذهب ميلون في الحال إلى هذا الدير، فيسأل رئيسته إذا كان أحد قد سأل عن الغلام، من قبل الذي وضعه في الدير، ثم يخبرها بأنها ستحضر اليوم سيدة شقراء تدفع ما تأخر دفعه من نفقات الغلام وتخرجه من الدير.

– إذا كان ذلك فلماذا لا يخرجه ميلون؟

– ذلك لأن هذا الغلام قد كابد كثيرًا من المشاق والمخاوف، فبات كثير الحرص، ولا شك أنه يطمئن إلى امرأة ويثق بها أكثر من ثقته برجل.

فوافقته فاندا وذهب ميلون، فقال مرميس: أما أنا فسأعلم من الآن إلى الظهر أين يوجد منزل المركيز دي مورفر.

– والبستانية الحسناء؟

– اطمئني فسأجدها في باريس بالرغم عن اتساعها.

أما ميلون فإنه لبس خير ملابسه، وذهب توًّا إلى الدير فاستقبلته الرئيسة خير استقبال، وسألته عما يريد فقال لها: إني آت بشأن الغلام الذي عهد إليك منذ عامين.

– من الذي عهد به إليَّ؟

– رجل أنا وكيله.

– ماذا يدعى؟

– الماجور أفاتار.

– حسنًا إن الغلام عندنا وهو في أتم العافية، ويتقدم في الدروس كل يوم لفرط ذكائه.

– ألم يسأل عنه أحد في هذين العامين؟

– كلا، ولماذا تسألني هذا السؤال؟

– لا أعلم! فقد أمروني أن أسألك فامتثلت، ثم أمرت أن أخبرك أيضًا أن والدة الغلام ربما حضرت اليوم لدفع حسابه وإخراجه، وهي شقراء تناهز الخامسة والثلاثين من العمر.

– ليكن ما تريد، ولكني أشفق أن يخرج هذا الغلام الذكي من ديارنا قبل إتمام دروسه؛ لأنه أذكى جميع من لدينا من البنين.

وعند ذلك دق جرس مؤذنًا بخروج الأولاد من غرف الدرس إلى الحديقة للرياضة، فأطلت الرئيسة من النافذة وقالت لميلون: تعال وانظره فإنه على ذكائه العظيم وافر الجمال.

فدنا ميلون من النافذة ورأى الغلام على ما وصفته له، وهو بين ١٢ و١٣ من العمر؛ فانطبع رسمه في ذاكرته.

بعد ذلك بساعة جاءت إلى هذا الدير مركبة عليها إشارة النبلاء، وخرجت منها امرأة جميلة شقراء، فقابلت رئيسة الدير وقالت: إني والدة الغلام الذي أخبرك وكيلي منذ ساعة أني سأحضر لأخذه.

ثم أخرجت ورقة مالية قيمتها ألف فرنك، فدفعتها لها وسألت إحضار الغلام.

فأمرت الرئيسة بإحضاره، فجعلت تقطعه ضمًّا وتقبيلًا وهو منذهل مما يراه؛ لأنه لم يكن رآها من قبل، فقالت له: إني أمك يا بني وقد فارقتني طفلًا فنسيتني هلم بنا الآن إلى أبيك.

ثم أخذته بعد أن وَدَّعَتْ الرئيسة وشكرتها، وخرجت به إلى مركبتها.

وبعد ساعة أيضًا جاءت امرأة أخرى شقراء، وطلبت الغلام باسم الماجور أفاتار.

وكانت هذه المرأة فاندا، فلما علمت أن الغلام خرج من الدير صاحت صيحة منكرة، وعلمت أنه بات في قبضة البستانية الحسناء.

٣٢

أما مرميس فإنه ذهب إلى النادي حين ذهب ميلون إلى الدير، فاجتمع بأصحابه وجعلوا يعاتبونه لانقطاعه عنهم يومين، فاعتذر إليهم بما يجده من الحزن على الفيكونت مونتيجرون والبارون هنري.

فقال له أحد الحضور: إننا جميعنا لا نزال آسفين، غير أن جميع أحزان العالم لا تخرج الأموات من قبورهم، والعاقل من شغل عنهم بالأحياء.

على أن هذه الفلسفة لم تمنع الحضور عن البحث في هذه الحوادث، فقد خاض بها مرميس حتى وصل إلى المركيز دي مورفر، فقال: لا تزال مسألة هذا المركيز من المشاكل التي لم يحلها أحد.

فأجابه ذلك المتفلسف: لا أرى حاجة إلى حلها بعد أن حلها الموت.

– ولكنهم لم يعثروا على برهان يثبت موته.

فأجابه صديق له يُدْعَى البارون فيليب، وقال: وأي دليل أعظم من إيجاد جثته.

– إنهم لم يجدوا جثته، بل وجدوا تمثال شمع.

– ولكن في لندرا …

– يدعون أنهم وجدوا جثة تشبهها، ولكن لم يثبت شيء؛ لذلك لا أزال أعتقد أن المركيز دي مورفر حي إلى أن يثبت موته، وقد أتيت اليوم خصيصًا لأكلمكم بشأنه.

فنظر الجميع إليه بانذهال، فقال مرميس: إن دي مورفر قد اختفى منذ خمسة أعوام، ولا بد أن تكون أزيلت الأختام عن منزله للاطلاع على وصيته.

فقال البارون: إن موعد فتحها غدًا.

– أعرفت وريثه؟

– نعم فهو ابن عم له يُدعى بوكدر موزفر، وهو من أصدقائي.

– إذن أسألك يا حضرة البارون أن تعطيني كتاب توصية له.

فانذهل البارون وقال: أي شأن لك مع هذا الرجل وهو غريب عن باريس لا يعرف أحدًا فيها؟!

فابتسم مرميس وقال: هو سر من أسراري، وقد تعلمونه في مستقبل الأيام.

فكتب له البارون، وذهب إلى حيث يقيم ابن عم المركيز.

وكان هذا الرجل في الخامسة والأربعين من عمره، وكان من قبل ضابطًا في الجيش، ثم اعتزل الخدمة، وأقام في أرض له في الريف، فكان يعيش من ريعها القليل عيشة القانعين، على أنه كان وافر الأدب كثير الظرف، فلما جاءه مرميس وأطلعه على كتاب البارون استقبله خير استقبال، وقال له: إني طوع لك فيما تريد فمُرْنِي يا سيدي بما شئت.

– علمت أنك سترث تركة المركيز دي مورفر.

– نعم. إن أباه ابن عم أبي، ولكني لم أره في حياتي، وما كنت أتوقع مثل هذا الإرث، فإن موته لم يثبت بعد، ولا يُجيز لي القانون أن أرث التركة، بل يحق لي أن أتصرف بريعها إلى أن تمضي سنوات هينة.

– إني ما تشرفت يا سيدي بزيارتك إلا بشأن هذا الإرث؛ لأني واثق أن المركيز قد كتب وصية وهو قد أوصى بثروته لأقربائه؛ أي أنت يا سيدي، لكنه وهب بهذه الوصية بعض الهبات.

– إذا كانت هذه الوصية موجودة كما تقول لا بد من احترامها وتنفيذ كل ما فيها، ولا أستطيع أن أحقق شيئًا قبل الغد حين ترفع الأختام عن المنزل، فإذا شئت يا سيدي احضر إليه ظهر الغد.

– سأحْضُر يا سيدي.

– أتأذن لي يا سيدي أن أسألك إذا كنت من أصدقاء المرحوم ابن عمي؟ وهل عرفت بهذه الوصية منه؟!

– كلا، ولكني آت من قبل امرأة كانت خليلة له، وقد منحها بوصيته هبة أحب أن تبقى عندها تذكارًا منه.

– ثق يا سيدي أني لا أخل بحرف من هذه الوصية، وغدًا نلتقي فأسلمك تلك الهبة.

فشكره مرميس ثم ودعه وانصرف وهو يقول في نفسه: إن الذي نسعى إليه هو نيل الإناءين، وقد ماتت الفيروزة. ولكن فاندا تقوم مقامها، وتتسمى باسمها الوارد في الوصية فإنه لا يوجد بين أصدقاء المركيز من كان يعلم بحبه الفيروزة.

ثم ذهب إلى فاندا فلم يجدها إذ كانت ذهبت إلى الدير.

٣٣

وقد وجد ميلون فأخبره ما فعل بالدير، وأن فاندا ذهبت لإحضار الغلام، فانتظر ساعة فلم تعد ثم ساعتين ثم ثلاثًا، حتى سئم الانتظار، وخشي أن تكون أصيبت بمكروه. فقال له ميلون: أتريد أن أذهب إلى الدير لأرى ما حدث لها؟

– كلا فلننتظر الغروب، فإذا لم تعد ذهبت وإياك.

وغابت الشمس دون أن تعود فاندا، فزادت هواجس مرميس وذهب مع ميلون إلى رئيسة الدير، فألقاها جازعة مضطربة، ووصفت له المرأة التي سبقت وأخذت الغلام، فعلم من وصفها أنها البستانية الحسناء، وأيقن أن فاندا تتبعها، فخرج من الدير مع ميلون وهو لا يعي من فرط غمه واضطرابه.

وكان الظلام قد أقبل والهواء باردًا، والشارع مقفرًا، والمطر ينهمر غزيرًا، فوقف مرميس خارج الدير يعمل الفكر في طريقة البحث عن فاندا، غير مكترث للأخطار.

وفيما هو ينظر يمنة ويسرة رأى خمارة قرب الدير، فحدثه قلبه أنه قد يقف على أثر فاندا من تلك الخمارة، فرأى فيها جماعة من البنائين يسكرون، ورأى صاحبة الخمارة تنظر إليه نظرة خاصة، فدنا منها وجعل يحادثها أحاديث مختلفة، وهي تنظر إليه نظرات تدل على أنه وصف لها من قبل.

وفطن مرميس لهذه النظرات، فقال لها: إنك تستطيعين أن تفيديني بعض الإفادات.

– سل يا سيدي ما تشاء.

– أيجيء إلى هذا الدير المجاور لخمارتك كثير من الناس؟

– نعم وذلك في يومي الخميس والأحد.

– وفي غير هذين اليومين؟

– يندر قدوم الزائرين، غير أنه جاءت اليوم امرأة جميلة شقراء، فدخلت إليه وخرجت بغلام جميل، وبعد ساعة جاءت امرأة أخرى شقراء، فدخلت الدير وخرجت منه مسرعة وعليها علائم الاضطراب الشديد، فغابت نحو ساعة وعادت.

فعلم مرميس أنها فاندا فقال: ألعلها عادت إلى الدير؟!

– كلا، ولكنها عادت إلى الشارع ودخلت هذه الخمارة.

ثم نظرت إليه نظرة الفاحص، وقالت له: اسمح لي يا سيدي أن أسألك عن اسمك.

فاطمأن مرميس وذكر لها اسمه فقالت: إذن خذ هذه الرسالة فهي لك من هذه المرأة.

فأخذ مرميس الرسالة وعلم من عنوانها أنها خط فاندا، ففضها وقرأ ما يأتي:

إن الغلام اختطفته البستانية الحسناء، ولكنها تركت أثرًا لا أزال أقتفيه، فإن أحد الحمالين رأى مركبتها وقفت عند كنيسة سانت جنفياف، فدخلت إلى الكنيسة مع الغلام، ثم عادت وركبت وإياه في المركبة وأمرت السائق أن يسير إلى سانت مانديه.

وأظن أنها ذهبت إلى المنزل الذي ذهبت إليه أنت وميلون، فأخذت مركبة وسرت في أثرها؛ إذ لا بد لنا من استرجاع الغلام.

وربما عدت في المساء إلى منزلي، ولكني قد لا أعود، ولما كنت واثقة من حضورك مع ميلون إلى الدير للسؤال عني تركت هذه الرسالة في الخمارة لتعلم أين أنا، فإذا مضت الساعة التاسعة دون أن أعود أيقن أني في خطر وأسرع إلى إنقاذي في سانت مانديه.

فاندا

فلما قرأ مرميس الرسالة دفع لصاحبة الخمارة عشرين فرنكًا، ثم خرج إلى ميلون وكان ينتظره في مركبته، فأطلعه على الرسالة، ثم قال له: يجب أن ننهج مناهج الحكمة في هذه المشكلة، فإن فاندا إما أن تكون حقيقة قد اقتفت آثار البستانية، وعند ذلك فلا بد لها من الفوز لذكائها وجرأتها، وإما أن يكون الحمال قد خدعها، فسقطت في فخ نصبته لها تلك الداهية.

– إذن لنسرع إلى سانت مانديه.

– كلا، بل نرسل سائق مركبتنا إلى منزل فاندا ليعلم إذا كانت عادت إليه، ونحن نرود في هذا الشارع، فإن قلبي يحدثني أننا سنقف فيه على شيء لم يكن في الحسبان.

ثم أمر السائق أن يذهب إلى المنزل، فيتفقد فاندا ويعود إليه في الحال، فامتثل السائق، وسار مرميس وميلون في ذلك الشارع.

وكان الشارع خاليًا من الناس لانهيار الأمطار، فسارا حتى وصلا إلى مدرسة الحقوق، ورأى مرميس ثلاث مركبات للأجرة واقفة هناك، فما لبث أن مر بها حتى ارتعش؛ ففتح بابها فجأة وقال للسائق: إذا كنت غير مأجور فسر بنا إلى الشانزليزيه.

فامتثل السائق وتأهب للمسير، فدخل مرميس وميلون، وسارت المركبة، فهمس مرميس بأذن ميلون قائلًا: لقد عثرنا بواحد من عصابة تلك المرأة الهائلة.

فانذهل ميلون وقال: كيف ذلك؟

– ألا تذكر ذلك الإسباني الذي كان يظهر أنه زوج البستانية؟

– نعم.

– إنه نفس السائق الذي نركب مركبته الآن، فاصبر ولا تفه بحرف بل أصغِ إليَّ، فإن البستانية علمت أن فاندا ستجيء بعدها إلى الدير لأخذ الغلام، وأنا واثق الآن أن هذا الحمال الذي رأته فاندا كان جاسوس البستانية وأنها سقطت في الفخ، ولكن هذا الفخ لم ينصب لها وحدها بل نصب لنا أيضًا بدليل وجود هذا السائق المتنكر في هذا المكان.

فقال ميلون، ولكننا إذا ركبنا المركبة نكون قد دفعنا بأنفسنا إلى الفخ.

– هذا ما يظهر لك، ولكن اصبر وسترى.

وسارت المركبة بهما من شارع إلى شارع حتى دخلت في شارع مقفر لا يمر به أحد عادة في الليالي المظلمة، فقال مرميس لميلون: لقد دنا الوقت فانتبه.

ثم نادى السائق وأمره بالوقوف فامتثل، فأخرج مرميس عند ذلك مسدسه ووضعه على صدغ السائق وهو يقول: احذر أن تفوه بكلمة أو أقتلك في هذا الشارع المقفر شر قتل.

ثم وثب ومسدسه بيده إلى جانب السائق، وهو نفس الإسباني الذي كان يصحب البستانية الحسناء إلى الأوبرا، فيحسب الناس أنه زوجها، وقال له: إذا أردت السلامة فلا بد لك من الامتثال.

وبانت على الإسباني علائم الذعر، وقال: ماذا تريد أن أفعل؟

أريد أن تترك مكانك وتنزل الى المركبة فتقيم فيها مع رفيقي.

ثم نادى ميلون، وقال: انتبه لهذا الرجل، وإذا بدرت منه بادرة فاقتله دون إشفاق.

فنزل السائق وهو يضطرب من الخوف، فقبض ميلون على عنقه بإحدى يديه، وجرد خنجره باليد الثانية، ودفع مرميس المركبة فسارت تنهب الأرض حتى وصلت إلى منزل فاندا، فدخل الثلاثة إليه دون أن يبدي الإسباني شيئًا من المقاومة.

ثم دخلا به إلى غرفة فأنار مرميس شمعتين، وأقفل الباب ونظر إلى الإسباني، فقال: أظنك تعلم أن من كان من أمثالنا وسقط في قبضة خصمه لا يشتري سلامته إلا بالإقرار.

ثم كشف ساعته وقال: إني أمهلك ثلاث دقائق لتقول لنا أين هي البستانية، وأين هي فاندا، وماذا كنت تصنع قرب الدير وأنت متنكر بزي سائق؟!

وكان الإسباني قد ملك روعه في هذه المدة، وقال له: وإذا أبيت أن أجيب.

– إننا في شارع كثير السكان، فلا أقتلك بالرصاص كي لا يسمع الناس دوي المسدس، ولكني أقتلك بهذا الخنجر.

نظر إليه الإسباني نظرة يأس، وقال: إني مائت في الحالين، فإذا كتمت عنك الحقيقة تقتلني وإذا بحت بها قتلوني.

– من هم الذين يقتلونك؟

– رجال عصابتها، فإنهم يقتلوني بأمرها دون إشفاق.

– ولكني سأحميك.

فاتقدت عينا الأسباني بأشعة الأمل، ثم انطفأ هذا الشعاع فجأة وقال: لا شك عندي أنك تحاول حمايتي، ولكن لا يستطيع إنسان مقاومة هذه الداهية.

– سترى بعد إقرارك كيف أستطيع أن أحميك، والآن فقد أوشكت الدقائق الثلاث أن تنقضي قبل أن ينفذ فيك العقاب، ثم سار إلى ميلون، فجرد خنجره ووقف فوق رأس الإسباني ينذره بالقتل.

فاستعد الإسباني وقال: سأعترف بكل شيء، إنها هي التي أقامتني في المركبة قرب الدير.

– متى؟

– بعد أن اختطفت الولد.

– ماذا كان قصدها؟

– إنها كانت عالمة أن امرأة غيرها ستحضر إلى الدير لتطلب الغلام، فلما أتت تلك المرأة إلى الدير وخرجت منه قانطة من لقاء الغلام رأت حمالًا على الطريق، وهو من أتباع البستانية الحسناء، سألته فأرشدها كما تلقن، ولم يكن في ذلك الشارع غير مركبتي صعدت إليها، وأمرتني أن أسير إلى حيث أرشدها الحمال؛ أي إلى سانت مانديه، حتى إذا وصلت بها إلى محل معين مقفر أوقفت المركبة، فخرج رجلان من أتباعنا كانا كامنين في منعطف، فدخلا إلى المركبة وربطا فم المرأة كي لا تستغيث، وسارت بهما إلى سانت مانديه.

فقال مرميس: وبعد ذلك؟

– بعد ذلك أمرتني أن أعود إلى موقفي الأول قرب الدير، وأن أراقبكما لأني أعرفكما، وما كنت أحسب أنكما تعرفاني وأنا متنكر، حتى إذا عرفت ما تريدان أن تصنعاه أعود إليها وأخبرها.

– إذن هي الآن في سانت مانديه؟

– نعم مع الغلام والمرأة الشقراء.

– ماذا تصنع بهما؟

– لا أعلم.

– إذن لا بد لي من إخبارك أن الدقائق الثلاث قد انقضت.

فاضطرب الإسباني لهذا الإنذار، وقال: ولكني يا سيدي لست سوى خادم بسيط استخدمتني تلك المرأة لأغراضها غير أني لا أفهم أسرارها.

فقال مرميس ببرود: يسوءني أن تكون جاهلًا لهذه أسرار، ثم أشار إلى ميلون، وقال له: اقتل هذا الرجل إذ لم يبق لنا فائدة فيه، فلم يكد يتم كلامه حتى صاح الإسباني وقد رأى بريق خنجر ميلون: رحماك يا سيدي، فإني أعترف بكل شيء وأقسم لك على الصدق فيما أقول.

فجلس مرميس بإزائه وقال: إني مصغٍ إليك فقل ما تعلم …

٣٤

وكانت هيئة الإسباني تحمل على الإشفاق، وتدل على أنه سيضحي بكل شيء للفرار من الموت، فتطلع إلى مرميس، وقال له: أتحميني وتحبسني في منزلك إذا أخبرتك بكل شيء؟

– نعم …

– إذن فاعلم أن البستانية الحسناء تدعى روميا.

– قد علمنا ذلك من قبل.

– وهي عشيقة برديتو الذي قتله المركيز دي مورفر …

– ماذا جرى لهذا المركيز؟

– إنه معها …

– إذن فهو حي؟

– إنه حي إذا صح أن يدعى من كان في حالته من الأحياء، فإنه معتوه مجنون يتقلب بين الفرح والكآبة، ويمزج بين الضحك والبكاء، فهو يموت في كل يوم ألف ميتة؛ لفرط ما يلقاه من العذاب الذي لا نهاية له، وسيكون لابنه، وللمرأة التي قبضت عليها، نفس نصيبه، ولو عثرت بك لعذبتك نفس العذاب.

– ولكنها لم تظفر بي بعد.

– وأنا أشير عليك أن لا تدخل معها في معترك، وإذا لم تقبل نصحي، وقُدِّر لك الظفر بها فاقتلها قتل الحيوانات المفترسة، ولا تعاملها كما تعامل النساء؛ فإنها ليست من الناس.

فقال له مرميس: سأقتلها دون شك، ولكن يجب أن أعرف أين هي قبل أن أقتلها.

– قلت لك إنها في سانت مانديه.

– وحدها؟

– كلا، بل هي مع رجلين من النور يخضعان لها كل الخضوع، ولكني أعرف طريقة تمكنك من قتلها دون أن يستطيع النوريان حمايتها، وهي أن هذا البيت الذي تقيم فيه مزودج؛ أي إنه ذو دورين، يظهر الدور الأول منه للعيون، وأما الدور الثاني فهو في جوف الأرض لا يراه أحد، ولا يهتدي إلى مدخله أحد، فلو قضيت العمر باحثًا عن مدخله لما علمت أن تدخل إليه، وذلك أنه يوجد في حديقة المنزل بئر لا ماء فيها، وفي أسفل البئر سرداب سري يدخل منه إلى ذلك المنزل، ولكن البئر كائنة في وسط الحديقة، وهي عميقة وفيها جميع معدات الاستقاء، فلا يخطر في بال أحد أنها باب هذا المنزل السري.

ثم يوجد هناك سر آخر، وهو أن باب السرداب يقفل دائمًا من الداخل، فلا يفتح إلا متى سمعت البستانية كلمة اصطلاحية تلقنها لجميع أعوانها كل يوم، وهي تبالغ هذه المبالغة في الاحتياط كي لا يأخذها أحد على غرة، ولا يعلم مدخل المنزل إذا سقط اتفاقًا في البئر.

فسأله مرميس: وما هو هذا الاصطلاح؟

– إنك متى وصلت إلى البئر تقف عند فمها وتصفر، ثم تصبر هنيهة إلى أن تسمع صفيرًا من داخل البئر مثل صفيرك، فإذا سمعت هذا الصفير تقلد صوتي، وتقول هذه الكلمة الاصطلاحية التي لقنتنا إياها اليوم وهي «الانتقام»، وعند ذلك ترى جوف البئر قد استنار، وترى البستانية قد خرجت إليه من الباب، فإذا كنت تجيد الرماية أطلقت عليها مسدسك وقتلتها.

ولما سمع مرميس قول هذا الرجل جعل يفكر، وكان يتراوح بين أن يأخذ معه الإسباني لتحقيق صدقه وبين أن يدعه مقيدًا بحراسة ميلون، إلى أن استقر فكره على الرأي الأخير، فسأله: كم يقتضي من الوقت للذهاب إلى سانت مانديه والرجوع منها؟

– ساعتين.

– بل أمهلك أربع ساعات، فإذا انقضت ولم أعد فأنت رجل ميت لا محالة.

ودخل مرميس إلى إحدى الغرف، فجاء بحبال وأمر ميلون أن يقيد رجلي الإسباني ويديه ويقيم جنبه ولا يفارقه لحظة، ثم كشف ساعته وقال لميلون: نحن الآن في الساعة العاشرة من المساء، فإذا حانت الساعة الثانية بعد انتصاف الليل ولم أعد فاقتل هذا الرجل دون إشفاق.

فامتثل ميلون وقيده وجلس بقربه، أما مرميس فإنه أخذ مسدسين فسلح سائق مركبته بأحدهما، وذهب وإياه إلى سانت مانديه، وهو يرجو أن يظفر بالبستانية وبإنقاذ أسراها.

أما ميلون فإنه أقفل الباب من الداخل بعد ذهاب مرميس، ثم وضع كرسيه عند الباب وجلس عليه وعيناه تراقبان الإسباني المقيد، وتنظران إلى الساعة من حين إلى حين.

وكان الإسباني ملقيًّا على ظهره وقد منعته قيوده من الحركة، فمضت ساعتان، ثم ثلاث دون أن يعود مرميس، فثارت هواجس ميلون وبدأ يقطب حاجبيه.

وعند ذلك ذابت الشمعة التي كانت تنير الغرفة وانطفأت، فقام ميلون إلى غرفة ثانية لإحضار شمعة ثانية وهو آمن على الأسير؛ لأنه مقيد أشد التقييد، غير أن هذه الفترة الوجيزة كانت كافية للإسباني فإنه بذلك جهدًا عظيمًا فانقلب على بطنه بشدة، وكان في صدره زجاجة صغيرة فانكسرت لصدمة الانقلاب وسال ما كان فيها على الأرض، ففاحت رائحة شديدة كاد يختنق بها ميلون عند رجوعه، فأخذ علبة الكبريت من جيبه وحكها على العلبة كي يشعل الشمعة، فما لبث أن ظهر نورها حتى ظهرت فجأة تلك العجيبة الغريبة التي قرأناها في كتاب الفيروزة، فإن هذا السائل الذي سال من زجاجة الإسباني التهب على الفور فالتهبت الغرفة بجملتها، ولفحت تلك النار المستعرة ميلون فصاح صيحة ألم وذعر، واحترق وجهه ولحيته وشعره وخرج منذعرًا من الغرفة إلى الرواق.

ولما رأى اللهب يتبعه وأنه علق بجميع البيت جعل يصيح مستنجدًا، ولكن المنزل كان خاليًا من الخدم، فإن مرميس وفاندا كانا يتوقعان حدوث أمور خطيرة فيه، فأطلقا سراحهم كي لا يعلموا بشيء مما يجري، ولم يبقيا غير السائق والسائس لثقتهما من رفقائهما.

ثم ذكر ميلون أنه لا يوجد في المنزل سواه، ورأى البيت أصبح أتونًا؛ فنسي ذلك الأسير الذي كان مقيدًا وسط اللهب، وأسرع إلى الشارع يصيح بصوته الجهوري مستغيثًا من النار.

فتجمع الناس من حوله وبعد هنيهة اتصل الخبر برجال المطافئ، فأسرعوا بمضخاتهم واستمروا يعالجون النار بالمياه وغيرها من وسائل الإطفاء إلى الساعة الثالثة، حيث تمكنوا من إطفائها وانصرفوا.

وعند ذلك ذكر ميلون ذلك الإسباني، فقال في نفسه: ما عسى أن يكون جرى له، ألعله تمكن من قطع حباله بواسطة النار فنجا، أم أصبح فريسة اللهب؟!

فصعد إلى الغرفة التي تركه فيها فوجد جميع أثاثها رمادًا، ولم يجد أثرًا للإسباني …

وأقام ميلون وحده في ذلك المنزل الذي أكلته النار، فذكر تلك الرائحة التي شمها حين دخوله إلى غرفة الأسير، وأيقن أن ذلك كان من صنعه، وأنه احتال هذه الحيلة للنجاة، فأيقن بالتالي أن مرميس أصابه ما أصاب فاندا، وكل ذلك بخطئه وعدم احتراسه، فجلس على عتبة الباب الخارجي، ووضع رأسه بين يديه وهو يكاد يجن من يأسه، ثم جعل يمزق ثيابه من القنوط ويبكي بكاء الأطفال، وفيما هو على ذلك شعر بيد وضعت فجأة على كتفه، فالتفت وهو يوشك أن لا يرى فانقبض ووقف على الفور كأنما آلة كهربائية قد حركته، وصاح صيحة فرح غريبة خرج معها اسم روكامبول.

عاد روكامبول بعد سفره الطويل، ورآه ميلون رأي العين، فجعل يقبل يديه وينظر إليه فيضحك ويبكي في حين واحد.

•••

ولنترك الآن روكامبول وميلون، ونقص على القراء ما جرى لمرميس حين ذهب إلى منزل روميا متبعًا تعليمات ذلك الإسباني الخائن، فنقول: ذهب مرميس مع سائق مركبته إلى منزل روميا، فدخل معه إلى الحديقة، وذهب توًّا إلى البئر كما أرشده الإسباني، فوقف عند بابها وأشعل عود كبريت، وألقاه في جوف البئر؛ ليتأكد إذا كانت خالية من الماء، فسقط وظل مشتعلًا بحيث أيقن مرميس أن البئر لا ماء فيها.

ثم أشعل عودًا ثانيًا من ذلك الكبريت الشمعي، وانحنى به على البئر وجعل ينظر إلى أسفله ورأى أثرًا يشبه أثر الباب، فأيقن من صدق تعليمات الإسباني، وأنه اضطر إلى خيانة البستانية الحسناء لإشفاقه على نفسه من الموت.

ثم أخذ صفارة من جيبه، وصفَّر بها كما قال له الإسباني، فما مرت دقيقة حتى خرج من جوف البئر صفير يشبه صفيره، فتراجع مرميس خطوة عن فم البئر كي لا يُرى، وحمل بيده مسدسه، ثم قلد صوت الإسباني وقال كلمة السر وهي «الانتقام»، ورأى على الفور أن جوف البئر قد استنار وأن يدًا برزت من بابها السري تحمل مصباحًا، ثم تلا ظهور اليد ظهور رأس، وحدق مرميس بالرأس، ورأى بنور المصباح رأس روميا وأيقن أن الإسباني لم يكذب بشيء مما رواه.

وعند ذلك صوب مسدسه على الرأس وأطلق النار ودوى في جوف البئر.

وانطفأ المصباح، وسمع مرميس صيحة ألم؛ فخفق فؤاده خفوقًا شديدًا ليقينه أنه قتل المرأة.

ونظر مرميس إلى ما حوله وإلى المنزل المبني فوق الأرض، فلم ير فيه أثرًا للنور، فالتفت إلى الخادم وقال له: إني سأنزل إلى البئر، ألا تزال مصممًا على أن تتبعني؟!

– دون شك.

– إذن سأتقدمك ثم تنزل بعدي.

وكان للبئر خرزة معلق فيها حبل يصل إلى أسفل البئر، فتعلق مرميس بالحبل ونزل عليه، ثم تلاه السائق، فأشعل مرميس شمعة ورأى بابًا مفتوحًا يدخل منه إلى سرداب طويل، ورأى أثر الدماء متصلًا في ذلك السرداب، ولكنه لم ير جثة البستانية، فقال في نفسه: لا شك أنها دخلت إلى داخل وهي في نزع الموت.

ثم التفت إلى السائق وقال له: إذا كنت خفت فإن الوقت لا يزال فسيحًا لديك، فاصعد وعد من حيث أتيت.

– إنك تحتقرني يا سيدي، فما أنا من الذين يرهبون في مواقف الشدة.

– إذن هلم بنا وليحرسنا الله.

ثم دخل الاثنان إلى ذلك السرداب، وفي يد كل منهما مسدسه.

وكان مرميس يتقدم السائق في الدهليز، وكلما أطفئت الشمعة أنار غيرها، فيرى أثر الدم متصلًا، ولكنه ما تقدم ٢٠ خطوة، وهو يمشي مشي الحذر المتأني حتى سمع صوتًا غريبًا يشبه صوت هدم منزل، ورجع إلى الوراء فانذعر؛ إذ رأى قبة السرداب قد سقطت حجارة من ورائه بحيث سدت الطريق، وبات يستحيل عليه الرجوع، وأيقن في الحال أن سقوط القبة لم يكن من قبيل الصدفة والاتفاق، بل إنها هدمت خاصة كي يقطع على الرجلين خط الرجعة، فلم يعد يشعل الشمعة، واستمر سائرًا أمام السائق في الظلمات وهو يقف مصغيًا منصتًا من حين إلى حين، ويقول في نفسه: لا شك أن البستانية قد أصيبت بجرح خفيف، ولو كان جرحها بالغًا لما تمكنت من اجتياز هذه المسافة.

ثم أحس فجأة بتنفس إنسان بالقرب منه فوقف فانقطع التنفس، وقال للسائق: ألا تزال تتبعني؟!

– نعم.

فقال مرميس في نفسه: يجب أن أعلم أين أنا.

وأخذ علبة الكبريت الشمعي من جيبه ولم يكن باقيًا فيها غير ثلاثة عيدان، فأنار أحدها ونظر، ورأى السرداب طويلًا لا نهاية له، ورأى الأرض مفروشة بالرمال وعليها بعض نقط من الدماء، ومدَّ نظره إلى آخر ما يتصل إليه من السرداب، فلم يرَ من أثر روميا غير نقط دمائها، فقال لرفيقه: لم يبق في العلبة غير عودين.

– أبقهما يا سيدي إلى حاجة أشد من حاجتنا الآن إلى النور.

وكان السائق طويل القامة، فكان يضطر إلى السير منحني الظهر في السرداب، وفيما كان مرميس سائرًا أمامه سمع فجأة صوت رعب وألم، فالتفت وقال منذعرًا: ماذا حدث؟

فلم يجبه السائق فقال له: أين أنت وما حدث لك؟

ولم يجب أيضًا، فأشعل عند ذلك شمعة ونظر إلى ما وراءه، ورأى الرمال قد انزاحت ورأى مكانها أثر باب هوة، وعلم أن الباب قد فتح تحت قدمي السائق، وسقط إلى الهوة، وعاد الباب إلى ما كان عليه.

وقد اضطرب مرميس اضطرابًا عظيمًا، وأيقن أنه سقط في فخ تلك الداهية، فاستسلم للقضاء، ومشى فسمع ضحكًا شديدًا يدل على الهزء به، وكانت الشمعة قد انطفأت وادلهم الظلام، فمد يده بمسدسه إلى الجهة التي صدر منها الضحك، وأطلق النار واستنار السرداب لحظة بنار الرصاص، ولكنه لم ير أحدًا في حين أن صوت الضحك كان يدل على أن الضاحك قريب منه.

ثم توالى الضحك، فأنَّ مرميس أنين الموجع لغضبه، وأطلق المسدس مرة ثانية على جهة مخرج الصوت، فانقطع الضحك، وجعل قلبه يدق دقات شديدة لحسبانه أنه أصاب المرمى.

غير أن ذلك لم يطل، وسمع صوت روميا تقول له بصوت الهازئ: لقد اقتصدت يا سيدي بعيدان الكبريت، فاقتصد برصاص المسدس فقد تحتاج إليه.

فصاح مرميس، وقد عرف صوتها: ألم تقتلي أيتها الأفعى؟

وأسرع إلى علبة الكبريت، فأنار الشمعة الأخيرة الباقية فيها، فرأى هذه المرأة عدوته واقفة على مسافة عشر خطوات منه، وهي تبتسم ابتسام الهازئ وتنظر إليه نظرات الاحتقار.

فصوب مرميس مسدسه وأطلق النار عليها، فانطفأت الشمعة وسمع روميا تقول له ببرود: لم يبق لديك غير رصاصتين.

وأطلق مرميس الرصاصة الخامسة، فأجابته بضحك المتهكم: أطلق السادسة أيها الأبله عساك تصيب.

فقنط مرميس، وأطلق الرصاصة الأخيرة، وهو يرجو أن لا يخطئ المرمى.

وعند ذلك بزع النور فجأة فأنار السرداب، ورأى مرميس البستانية الحسناء واقفة أمامه ضاحكة هازئة.

٣٥

ولا يسع القلم وصف ما أصابه من اليأس بعد هذا الفشل وفراغ مسدسه من الرصاص، غير أنه كان لديه خنجر، وكان ذلك النور الذي لم يعلم من أين أتى لا يزال ساطعًا ينير السرداب، فجرد خنجره وانقض على البستانية وهو يحسب أنه يدركها إذا هربت منه، غير أنها لم تتحرك ولبثت واقفة في مكانها تنتظر بملء السكينة، فحمل عليها حملة منكرة وطعنها بصدرها طعنة نجلاء، فأصاب الخنجر جسمًا حديديًّا وانكسر.

وعلم مرميس أنها لابسة درعًا من الفولاذ، فهجم عليها يريد خنقها بيديه.

وكاد مرميس يجن من غيظه، فقد أضاع مسدسه وخنجره ونوره، فجعل يبحث عن عدو غير منظور في دهليز لم ير فيه غير العجائب المدهشة، وهو يتوقع كل حين أن يصاب بما أصيب به السائق، فيسقط في هوة أو يفاجأ بمكيدة أخرى.

وكان يسير إلى الأمام بملء الحذر، وكلما مشى عرف من صوت روميا أنها لا تزال تتقدمه، وتضحك عليه ضحك الهازئين.

ثم انقطع هذا الضحك فجأة وظهر لمرميس نور ضعيف عن بعد، فجعل هذا النور نصب عينيه وسار إليه ثابت القدم، رابط الجأش، غير مكترث لما كان يتوقعه من المكائد بسبب ما تولاه من القنوط.

وما زال يسير حتى وصل إلى هذا النور، فوجده نورًا ضعيفًا ينبعث من خلال باب.

ولم يتردد هنيهة وفتح الباب، فانفتح وظهر له نور عظيم، فوقف على عتبة الباب وجعل ينظر، ورأى قاعة متسعة تشبه كل الشبه تلك القاعة التي وضعت فيها روميا المركيز دي مورفر في لندرا، كما قرأ في كتاب الفيروزة.

ورأى في وسط القاعة سريرًا، وفوق السرير امرأة مضطجعة، فلما رآها مرميس صاح صيحة فرح وأسرع إليها؛ لأن هذه المرأة كانت فاندا.

ولم تكن فاندا نائمة، فلما سمعت مرميس يناديها باسمها التفتت إليه، وقالت له: ماذا تريد أيها الرجل؟

فأجفل مرميس وارتد منذعرًا، ورأى بين عيني فاندا علائم الجنون وأنها لم تعرفه.

أما فاندا فإنها لم تكترث لانذعاره، وقالت له بلهجة لطيفة: إنك لم تخطئ أيها الفتى، فقد كنت أدعى فاندا من قبل، أما اليوم فإني أدعى السلطانة فاطمة، وسأتزوج البرنس علي شقيق السلطان زوجي الأول، وسيتولى خطيبي السلطنة فأكون سلطانة مثله، وسترى ما يعده لي من الملاهي المدهشة.

ثم حدقت بمرميس، وقالت: يخال لي أني أعرفك أيها الرجل، فأين رأيتك من قبل، أما أنت رئيس التشريفات في بلاط البرنس علي؟!

فصاح مرميس صيحة منكرة، وقال لها بلهجة اليأس: فاندا كيف لا تعرفينني وأنا مرميس؟

– إني ما سمعت هذا الاسم من قبل.

– روكامبول.

فارتعشت فاندا عندما سمعت اسم روكامبول، ونزلت من سريرها فوضعت يدها فوق كتف مرميس، وقالت له بحنو: ماذا قلت لي؟

– روكامبول.

فقطبت حاجبيها ووضعت رأسها بين يديها، وبذلت جهدًا عظيمًا كي تذكر هذا الاسم، ثم قهقهت ضاحكة، وقالت: لا أذكر شيئًا.

وكان في تلك القاعة بيانو، فذهبت إليه وجعلت تعزف عليه غير مبالية به، فلطم جبينه بيده وقال: ويلاه إنها مجنونة!

فأجابه صوت من ورائه يقول: وستجن مثلها بعد بضع ساعات.

فالتفت ورأى البستانية الحسناء واقفة على عتبة الباب، فقال لها: تبًّا لك من شقية.

وحاول أن ينقض عليها، ولكنه شعر فجأة بأن رجليه لا تستطيعان المسير، كأنما قوة خفية حالت بينه وبينها، فقال لها: لا بد من سحقك أيتها الأفعى.

فقالت له روميا: ستسحقني في غير هذا المكان، وأما الآن أصغِ إلي: إنك أردت أن تتداخل في شئوني وهي غير شئونك، وحاولت أن تقف على أسراري ولا شأن لك بها، وأردت أن تميط ذلك الحجاب السري المنسدل على حادثة المركيز دي مورفر، كما حاول ذلك من قبلك البارون هنري والفيكونت مونتيجرون.

أما البارون والفيكونت فقد قتلا كما علمت، وهذه المرأة أرادت أن تقف على أسراري أيضًا، فانظر إليها تراها مجنونة جزاء مداخلتها في شئوني.

والآن إني أخيرك بين أمرين وهما: إما أن تعرف كل شيء وتموت، أو تكتفي بما رأيت فتعيش ولكن مجنونًا كهذه المرأة، فاختر إذ لا مناص لك من أحد هذين الشرطين.

ولحظت روميا أنه ارتاع من الجنون، فقالت له: إذا أردت الوقوف على أسراري، أطلعك على كل شيء وأريك المركيز دي مورفر، ولكنك حين تراه تموت.

وإذا كنت تريد الحياة وفضلت الجنون، وهو قد يكون خيرًا من العقل، إني أقضي على صوابك بلحظة بل بإدارة لولب. انظر …

ثم ضغطت على لولب في الحائط، فخرج منه في الحال دخان رطب أبيض عرفه مرميس للفور، إذ ذكر ما لقيه منه حين كان في قبضتها في المرة الأولى.

وعادت روميا فضغطت على لولب آخر، فانقطع الدخان حالًا وقالت له: اختر الآن.

– أريد أن أعرف كل شيء.

– وتموت؟

– نعم.

– إذن ليكن ما تريد، وسأطلعك على كل شيء.

وصفقت بيديها ثلاث مرات، فدخل عند هذه الإشارة رجلان.

٣٦

ونظر مرميس إلى هذين الرجلين فلم يعرفهما، ولكنه ما لبث أن نظر إلى الآخر حتى دهش دهشًا غريبًا، إذ عرف أنه هو ذلك الإسباني الذي تركه مقيد اليدين والرجلين بحراسة ميلون، ولم يكن لديه أقل مجال للشك؛ لأن الإسباني كان لا يزال مرتديًا بالملابس نفسها؛ أي بملابس سائق المركبة.

وكان أحد الرجلين مسلحًا بمسدس والآخر بخنجر، فقالت له البستانية: انظر إنهما مسلحان وأنت أعزل، فأنت في قبضتي ولا مناص لك من يدي، وبكلمة تصدر من فمي ينقض عليك هذان الرجلان ويقضيان عليك.

ورأى مرميس أن الخطر قد استفحل فزاده الإقدام على الموت جرأة، وما راعه غير فاندا جالسة تعزف على البيانو وهي رافعة نظرها إلى السماء، فنسي موقفه، وقال: وارحمتاه عليك أيتها المنكودة.

فقالت له روميا: تقول إنك تريد أن ترى، وإذا كنت لا تزال تؤثر الموت على الجنون اتبعني.

– نعم فسيري بي إلى حيث تشائين.

وأخذت يده بيدها وأمرت الرجلين أن يسيرا أمامهما، وسارت بأثرهما مع مرميس إلى غرفة أخرى، ولما فتح الرجلان بابها ودخل مرميس مع روميا تراجع إلى الوراء، إذ رأى نفس ما رآه ماريون ومونتيجرون من قبله منذ أربعة أو خمسة أعوام؛ أي إنه رأى جثة ممدودة على منصة وحولها أربع شمعات مضاءة.

فقالت له روميا بلهجة الحزن الشديد: انظر أنت أردت أن ترى.

– من هذا ألعله مورفر؟

فهزت رأسها وقالت: كلا ليس هذا مورفر الذي تراه، فقد خدعت به كما خدع سواك. ادنُ من هذه الجثة الراقدة، والمسها بيدك تجد أنها جثة بشرية لا تمثالًا من الشمع، إن هذه الجثة جثة الرجل الوحيد الذي أحببته في هذا الوجود.

ثم دنت من الميت فقبلت جبينه، وعادت إلى مرميس وعيناها تتقدان، فقالت: إن هذا الرجل الذي تراه هو برديتو الذي قتله مورفر، برديتو الذي أحببته منذ حداثتي، وأنا أنتقم بموته في كل ليلة بل في كل ساعة.

إنك أردت أن تقف على أسراري وستعلم كل شيء.

ثم أخذته بيده وسارت به إلى باب آخر، ولما فتحته شعر مرميس أن الدم قد جمد في عروقه؛ إذ رأى غرفة شبيهة بغرف السجون، ورأى مصباحًا معلقًا في سقفها، وفي آخر الغرفة فراش من القش عليه رجل شيخ وفي وسطه سلسلة من الحديد معلقة بالجدار.

فلما رأى الشيخ روميا بدت عليه علائم الرعب، فضم يديه شأن المتوسل، وقال بصوت يتهدج: رحماك أعفي عني.

ولم يكن هذا الرجل مجنونًا، بل كان يشعر بحقيقة كل ما يقاسيه من العذاب.

فضحكت روميا ضحك المتهكم، وقالت له: ألعلك عفوت أنت عن برديتو؟! هل رحمت شبابه لأرحمك وأعفو عنك؟!

ثم التفتت إلى مرميس، وقالت له: ما دمت قد قرأت كتاب الفيروزة، فأنت تعرف هذا الرجل، بل هذا الشيطان المتنكر بصورة إنسان.

إن هذا الوحش الكاسر قد رباني وربى برديتو، وزرع في نفوسنا الحقد على المركيز دي مورفر، هذا هو الدوق دي فنسترنج الذي علمني أن أقتل النفوس بالروائح العطرية، وأن أسلب العقول بالقبلات، وهو الرجل الذي سلح المركيز دي مورفر بمسدس وحمله على قتل برديتو.

وأخرجته من ذلك السجن وهي تضحك هازئة بالدوق، فتبعها مرميس وهو لا يعلم إذا كان في يقظة أو حلم، ويعجب كيف علمت بكتاب الفيروزة.

ثم جعلت تضحك ضحك الأبالسة، وتقول: لقد حسب هذا الأبله أني رضيت من الانتقام بتعذيب مورفر، وأنه نجا مني. ولكن لا أكون انتقمت لبرديتو إذا أنا لم أعذب هذا الشيخ الضئيل، فإنه أعطاني كثيرًا من المال ووهبني السفينة، وجعل بحارتها طوعًا لأمري، فبذلت المال للبحارة، واستعنت بهم فنصبت له فخًّا وقع فيه، فقبضت عليه، وانظر ما أعددت له من العذاب.

وكان في زاوية الغرفة أتون ناري لا يراه الشيخ، فأشارت إلى الإسباني إشارة فهمها، فأخذ قضيبًا من الحديد ووضعه في النار.

وسمع الشيخ هذه الحركة فبكى وأنَّ، وقال: رحماك.

– ألعلك رحمتني بمن أحب؟!

ثم جعلت تدير القضيب الحديدي في النار حتى احمر، فانتزعته ودنت من الشيخ، فكوت به كتفه وذراعه، وجعل الشيخ يصيح بصوت يقطع القلوب من الإشفاق، حتى إن مرميس نسي موقفه والتمس العفو للشيخ، فضحكت روميا ضحكًا عاليًا ورمت القضيب إلى الرجل.

ثم عادت إلى مرميس، وقالت له: بقي عليك أن ترى مورفر هلم بنا.

وسارت به إلى غرفة أخرى، ولما فتحت بابها نظر مرميس ورأى غرفة تشبه معابد الهنود علقت فيها مصابيح مختلفة، كانت أشعتها تتراقص على جدران صورة فيها الرسوم الغريبة بحيث كانت تشبه معبد الإلهة سيوا الذي كادت تحترق فيه جيبسي النورية.

ثم سمع صوت أنفاس إنسان بالقرب منه، فالتفت ورأى رجلًا جالسًا على مقعد شرقي في زاوية الغرفة، وهو بارز الوجنتين غائر المقلتين، مرخي الشفة، وبيده غليون طويل كان يدخن به، وتنبعث منه رائحة الأفيون.

فدنا منه مرميس وحدق به، فرأى رجلًا يشبه الخيال غير أنه على تجعد وجهه وهزاله كان يشبه جثة برديتو التي رآها كل الشبه، وقال في نفسه: إذن لا بد أن يكون هذا المنكود المركيز مورفر.

وتحرك شارب الأفيون غير أن تحركه لم يكن لأنه رأى مرميس فإنه كان لا يرى غير ما يوحيه إليه سكره، ويتمثل له شخص يحبه ولا يراه فيناغيه بأرق ألفاظ الغرام.

وقد تمثل له ذلك الحبيب، وجعل يقول: نعم أحبك، ولو عشت معك إلى الأبد لرأيت الأبد قصير المدى سريع الزوال.

ثم بسط ذراعيه وضمهما إلى صدره، وكأنه يعانق شخصًا حقيقيًّا.

وجعل مرميس يتأمله، وهو يوشك أن يجن من الشفقة عليه، فدنت منه روميا وقالت له: ما رأيك بهذا الرجل؟

فارتعش مرميس وقال: أهو المركيز دي مورفر؟

– هو بعينه …

– أهذا كل انتقامك؟

– نعم …

فضحك مرميس وقال: أحمد الله فقد كنت أحسبك أشد عنفًا وأغلظ فؤادًا، فإن هذا الرجل قد ذهب الأفيون بصوابه فهو لا يدرك معنى انتقامك، بل أراه سعيدًا يقضي ساعاته بين الأحلام وخيالات الغرام.

فابتسمت روميا ولم تجب.

فقال لها: لا أنكر أنك ستقتلين جسمه قتلًا بطيئًا، ولكن لا سلطان لك على نفسه.

– أتظن؟

– إنك قتلت شعوره بالإدمان على السكر، فلم يعد يشعر بعذابك، حتى إنك لو أردت قتله لاستقبل الموت دون أن يدري أنه يموت.

– أراك ذكي الفؤاد، فإن كل ما تقوله أكيد بالظاهر غير أنك مخطئ في الحقيقة، فإن هذا المركيز تمر به ساعات هائلة يذكر بها اسمه وولده وكل حياته السابقة، فيخافني خوفًا لا يوصف، وأتمثل له بمثال الأبالسة، ثم يعود فيحبني كما تراه الآن.

– هذا محال؛ لأن الأفيون يخمد الذاكرة.

– هو ذاك غير أنه لدي دواء يبطل تأثيره مؤقتًا.

ثم أخرجت زجاجة صغيرة من صدرها تحتوي على رشاش أبيض، فأخذت شيئًا من هذا الرشاش ووضعته في الغليون، ثم قدمته للمركيز ووضعته في فمه، وقالت له: أريد أن تدخن.

فامتثل المركيز وجعل يدخن دون أن يعي، فنظرت البستانية إلى مرميس، وقالت له: اصبر هنيهة وسترى ما يكون.

٣٧

وكان مرميس ينظر إلى هذا الشبح الذي يدعونه المركيز دي مورفر وروميا جالسة بقربه، ولم يكن معها أحد من أتباعها.

ونعم إنه قد فقد مسدسه وخنجره، غير أنه كان رجلًا شديدًا، والرجل أشد من المرأة في كل حال، فقد كان يستطيع أن ينقض عليها ويقتلها قبل أن تتمكن من الاستغاثة، غير أن هذا الفكر لم يدر في خاطره، فإن هواء تلك الغرفة التي كان فيها، أضعف أعصابه، وسكن ثائر غضبه، ففقدت نفسه كل حمية؛ ولذلك كانت روميا واقفة بقربه دون شيء من الحذر.

وكان المركيز عاكفًا على التدخين بشوق شأن الشرقيين، الذين يلتمسون الملاذ في عالم الخيال، وبدأ ذلك الرشاش يؤثر فيه، فامتنع عن التمتمة وكف عن المناجاة، وجعل ينظر من حين إلى حين دون أن يعرفهما.

فقالت روميا: إنه لم يعرفنا بعد.

– ألعله يستطيع معرفتنا؟!

– دون شك متى تم تأثير هذا الرشاش.

وبعد هنيهة رأى عيني المركيز تضيئان شيئًا فشيئًا بأشعة تدل على العقل، ثم ألقى الغليون من يده إلى الأرض مغضبًا وتحرك حركة فوق مقعده وقال: أين أنا؟

فقالت روميا بصوت التهكم: السلام عليك يا حضرة المركيز.

فعرفها المركيز وضم قبضة يده يحاول ضربها، وهم أن يثب عليها وهو ينظر إليها نظرات حقد هائل ورشفته بألحاظها الساحرة، وقالت له: احذر فأنت تعلم أن رجليك لا يحملانك وأنك لا تستطيع الوقوف.

فأنَّ أنين الموجع وقال: هو ما تقولين.

ثم سقط على مقعده وقد ذهب جهده في الوقوف عبثًا.

وكان صوت البستانية يصل إلى أذنيه كفحيح الأفعى، وقالت له: أيها المركيز أين أنت؟

– نعم، أعلم أني ضحيتك وشهيد انتقامك، وأنك شيطان في صورة إنسان.

– إذن تعلم أنك المركيز دي مورفر.

– ما أنا بشيء الآن ولا اسم لي.

– ولكنك كنت المركيز دي مورفر أليس كذلك؟

– نعم …

– وكان لك خليلة تدعى الفيروزة.

فتنهد المركيز وقال: مسكينة فقد يقضي عليها الغم.

– بل قضى عليها …

– لقد أخبرتني من قبل بهذا النبأ المشئوم، ولكني لا أصدق قولك.

– ولك ولد أليس كذلك؟

فتنبه المركيز عند ذكر ولده تنبهًا شديدًا، وقال: كلا ليس لي ولد ولم يكن لي أولاد.

– أتريد أن تقول إنك لم تقل لي أين هو هذا الغلام؟! ولكني أعرف مكانه.

– كذبت أيتها السافلة.

ولما قال هذا القول نظر إلى مرميس، فقال: من هذا؟

– كيف ذلك ألم تعرفه؟

– كلا، لكنه أحد أتباعك أو أحد شركائك في الجرائم.

– لقد خدعت أيها المركيز، فإن هذا الرجل من أصحابك.

فنظر إليه مليًّا، ثم وضع رأسه بين يديه وقال: لا أعرفه ولا أذكر أني رأيته.

– إذا لم يكن صديقك مباشرة، فهو صديق صديقك مونتيجرون، ألم أقل لك مرة أن مونتيجرون قد مات، أما هذا الرجل فهو صديق له، وقد أراد مثله أن يبحث عنك ووجد غلامك.

فنظر إليها المركيز نظرة غضب، وقال: قلت لك ليس لي أولاد.

فالتفتت روميا إلى مرميس، وقالت له: قل لهذا المركيز أن ابنه كان حتى هذا الصباح في الدير الكائن في شارع البوستة.

فأطرق مرميس برأسه إلى الأرض وقال: هذا أكيد.

فاتقدت عينا المركيز ووقف وهو يكاد يحرقها بنظراته، وقال: نعم لي ولد، ولكنك لا تستطيعين الاهتداء إليه.

– قلت لك إني أعلم مكانه.

– وأنا قلت لك إنك كاذبة فيما تدعين.

– إنه في قبضة يدي أيها الغشيم وسترى بعينيك.

ثم صفقت ثلاث مرات، ففتح فجأة باب في جدار الغرفة لم يكن منظورًا، وارتفعت أصوات صراخ الغلام.

فالتفت مرميس منذعرًا ورأى في وسط الغرفة الجديدة التي فتح بابها غلامًا عاري الأكتاف، مقيد اليدين والرجلين، ورأى رجلين ينهالان عليه بالضرب بالسياط، وهو يصيح صيحات تقطع القلوب من الإشفاق دون أن يجد قلبًا يحن عليه ويرحم ذلك الجسم الصغير.

وكان هذا الغلام ابن المركيز دي مورفر الذي اختطفته روميا من الدير.

٣٨

وقد كان الرشاش الذي وضعته روميا في غليون المركيز رد إليه بعض الصواب.

أما مرميس فقد ردت إليه قوته المتخدرة حين رأى دموع الغلام وصياحه؛ فانقض على اللصين اللذين كانا يضربانه.

وعند ذلك أشارت روميا إشارة إلى الرجلين، فتركا الغلام وهجما على مرميس، فجرى بينهم عراك هائل وقد ضاعف الغضب قوة مرميس، فكانا يفوزان عليه ويلقيانه على الأرض، ثم ينهض متغلبًا عليهما إلى أن وهت قواه وظفرا به، فألقياه إلى الأرض وركع أحدهما فوق صدره وأشهر خنجره، ثم قال لسيدته: أتريدين أن أطعنه؟

– كلا، بل قيداه.

فتعاون الرجلان على تقييده، ولم يفه بكلمة إذ كان من تلامذة روكامبول، وهو يعلم أن الاستغاثة في هذا المقام لا تفيد.

أما البستانية فإنها أمرت الإسباني أن يفك قيود الغلام، وكان المسكين لا يستطيع أن يصيح حذرًا من الضرب، ففك قيوده ثم أمرته أن يذهب به، فامتثل.

وبقي مرميس وحده مع البستانية الحسناء مقيدًا، ودنت منه وقالت له: إني لا أحب أن أباحثك وأنت ملقى على الأرض، ثم أمسكت كتفيه ورفعته بخفة عجيبة دلت على شدة قوتها البدنية، ووضعته على المقعد فقالت: لنتحدث الآن.

فنظر إليها نظرة احتقار على ما كان فيه من الخطر ولم يجبها.

أما المركيز مورفر فكان لا يزال مَغْميًّا عليه؛ لأنه حين رأى ابنه في قبضة البستانية وسمع صراخه ورأى أنه لا يستطيع أن يغيثه — صاح صيحة هائلة وسقط على الأرض لا يعي.

وجلست روميا قرب مرميس ورفست المركيز برجلها، وقالت: لا حاجة إلى الاهتمام به، فحين يستفيق من إغمائه يعود إلى ذهوله القديم، وأما أنت أيها الفتى إني أعرف من أنت، إنك تدعى مرميس، ورئيسك لص يدعى روكامبول، غير أن روكامبول مسافر، وقد مات دون شك، وما أنت بكفء لأن تعمل أعماله.

إنك كنت في بدء أمرك لصًّا، ثم أصبحت غنيًّا، ولم يخطر لي أن أتداخل في أمورك، ولكن الغرور قد تولاك فأحببت أن تعرف كل شيء، فاضطررت إلى المداخلة في أمرك، فوضعت العيون عليك، وأغريت أحد خدمك فأخبرني بالكتاب الذي كنتم تقرءونه بملء الاهتمام، فأمرته أن يسرقه ففعل، وهو كتاب الفيروزة، سرق منك أيها الأبله وأنت من الغافلين.

إني أنتقم من الرجل الذي كنت أحبه، وهو حق من حقوقي، فأردت أن تنزع مني هذا الانتقام، فقبضت عليك وهذا من حقوقي أيضًا.

وكان لك شريكة بهذا العدوان فجعلتها مجنونة كما رأيت، ولا يستطيع سواي أن يرد إليها الصواب، ولكني ما تعودت هذا الكرم.

إني سأبرح باريس بعد خمسة أيام، وبعد ثمانية أيام أكون بين الماء والسماء، ومعي هاتان الضحيتان فلا يشغل بالي بعدها من يهتم بشئون المركيز.

وبعد خمسة أيام يجدون بين أنقاض هذا المنزل امرأة مجنونة واقفة قرب جثة، وإن المجانين لا تصدق أقوالهم، أما المجنونة فهي فاندا، وأما الجثة فهي أنت.

ثم ضحكت ضحك الهازئ، وقالت: لا أخالك ترجو أن أعفو عنك.

– اقتليني فإني أحتقرك.

فعادت إلى الضحك وقالت: تعجبني منك هذه الجرأة، فقد طالما أعجبت النساء بالأبطال؛ ولذلك فإني لا أقتلك بمسدس أو بخنجر كما قد يتبادر إلى ذهنك، فإن إراقة الدماء محرمة عليَّ، ولكني أميتك ميتة تنطبق على جرأتك وتوافق بسالتك وإقدامك.

إنك رجل ذكي الفؤاد قرأت تواريخ الأمم، وعلمت دون شك أن الصينيين أغلظ الأمم قلوبًا وأشدهم تفننًا بالتعذيب، وقد تعلمت منهم طريقة للقتل أنفذها فيك، وهي أني سأميتك باليقظة الدائمة فلا ينطبق جفناك إلا على الموت.

وكان مرميس باسلًا لا يكترث بالموت، ولكنه لم يسعه حين علم هذه الميتة إلا أن ينذعر وتظهر عليه علائم الخوف، فضحكت روميا وقالت: إن من يعذب هذا العذاب يموت بمدة خمسة أيام، ولكن من كان باسلًا مثلك لا يجد هذه المدة طويلة.

ثم صفقت بيديها ثلاثًا فحضر إليها رجلان، واضطرب مرميس فقال في نفسه: أين أنت يا روكامبول فتنقذني من هذا البلاء؟!

٣٩

ولما جاء الرجلان قالت لهما: يجب أن تبقيا مع الرجل فلا تفارقانه.

وقالت لمرميس: اطمئن أيها الباسل، فسأزورك في هذه المدة من حين إلى حين، ثم تركته وانصرفت، فجلس الرجلان بقرب مرميس.

وجعل مرميس ينظر إليهما ويفتكر بالطريقة التي سيميتانه فيها، ثم يفتكر بروكامبول ويقول: إني لو كنت أعلم أنه في باريس لما يئست.

ومضى على ذلك ساعتان فضعفت قوته الطبيعية، وبدأ النعاس يدب إلى جفنيه.

والرجلان أمامه ينظران عينيه منفحتين فلا يفعلان شيئًا إلى أن تغلب عليه النعاس فأطبق جفنيه.

وفي الحال سمع دويًّا فجائيًّا ففتح عينيه منذعرًا، وتحرك متململًا بقدر ما تسمح له قيوده، وكان هذا الدوي من قضيب حديدي قرع به الإسباني طبلًا من النحاس، فعلم مرميس أن العذاب قد بدأ.

ومضى على ذلك خمس ساعات أغمض مرميس عينيه في خلالها عشرين مرة، وكلما أطبق جفنيه أيقظه فجأة دوي الطبل.

غير أنه تعود هذا الدوي واشتدت حاجته إلى النوم، فلم يعد يوقظه صوت الطبل، فقال الإسباني لرفيقه: اذهب وائتني بالإناء.

فخرج رفيقه وعاد بعد هنيهة يحمل إسفنجة وإناءً فيه مياه مبردة بالثلج، وجعل يغمس الإسفنجة بالمياه المبردة ويعصرها على رأسه كلما أطبق عينيه، فيهب المسكين منذعرًا لا يجد الراحة إلا بالموت.

ومضت ساعتان على هذه الطريقة الثانية، فأتت البستانية الحسناء وقالت للرجلين: اذهبا وناما فأنا أتولى السهر عليه عنكما.

وقد بدأ مرميس يشعر بطنين في أذنيه وثقل في دماغه، ولكنه حين رأى تلك المرأة هاج أشد هياج، وجعل يشتمها أقبح شتم وهي تضحك كأنه يثني عليها.

ثم انقطع عن الشتائم وتجلد نحو ساعتين إلى أن أغمض عينيه بالرغم عنه، فأخذت البستانية دبوسًا طويلًا من دبابيس البرانيط ووخزته به، فصاح مرميس متألمًا وأحس أنه سيفقد رشده.

كل ذلك وروميا جالسة أمامه تراقب عينيه بصبر عجيب، فإذا أطبقهما وخزته بالدبوس، وما زالت على ذلك حتى صبغ الدبوس بدمه وأصيب بالذهول، ولكنه على ذهوله كان يسمع صوت حفر فوق رأسه، وربما خيل له ذلك لتزايد طنين أذنيه، أما البستانية الحسناء فكان يظهر أنها لم تسمع شيئًا، وقد اضطجعت على مقعد بالقرب منه، وحملت كتابًا بيدها وجعلت تقرأ مقطعًا في الكتاب وتنظر نظرة إلى مرميس.

ومضت ساعات كثيرة على هذه الحالة واستحال ذهوله إلى ضعف شديد، وتغلب عليه سلطان النوم حتى كانت روميا تضطر إلى وخزه مرتين أو ثلاثًا كي يستفيق.

وعند ذلك دخل الرجلان وهما يحملان كانونًا كبيرًا تتقد فيه النار وقضيبًا من الحديد، فجن مرميس من رعبه حين رأى النار؛ إذ خطر له عقاب الدوق دي فنسترنج.

ولكن النوم تغلب عليه بالرغم من رعبه، وكان القضيب الحديدي قد وضع في النار، وجاء الإسباني ونزع الثياب عن كتفي مرميس، فلم يكد يطبق عينيه حتى شعر بأن النار قد كوت كتفه، فهب منذعرًا كالمجانين، ودام هذا العقاب الثالث عشر ساعات لم ير مرميس في خلالها البستانية الحسناء، وكان كلما غفا تكوي النار جسمه فيصيح ويتوجع وقد تخضب جسمه بالدماء، وتمكنت منه الحمى، ولكنه كان مع ذلك كله يسمع حركة فوق رأسه لا يعلم ما هي.

وفيما هو على ذلك إذ نظر الإسباني إلى رفيقه نظرة انذهال، فإنه سمع ما كان يسمعه مرميس وقال له: يجب أن نوقظ السيدة ونخبرها.

فتأكد مرميس عند ذلك بصدق سمعه وعلل نفسه بالنجاة.

وبعد حين عادت البستانية الحسناء، فأشار لها الإسباني إلى السقف حيث سمع الصوت.

فأصغت روميا وسمعت تلك الحركة فاصفر وجهها، وزاد رجاء مرميس، وعند ذلك سقط قسم من السقف فجأة، ووقع حجر ضخم عند قدمي روميا فتراجعت منذعرة إلى الوراء.

ثم تلا هذا الحجر حجر ثان فثالث، ففتحت كوة في السقف وسقط منها رجلان، فصاحت البستانية صيحة ذعر، وصاح مرميس وهو بين حي وميت صيحة انتصار.

ذلك أن هذين الرجلين اللذين انقضَّا انقضاض الصاعقة كانا روكامبول وميلون، وكلاهما يحمل خنجرًا في فمه ومسدسًا في يده.

٤٠

وكان اضطراب مرميس شديدًا حتى إنه أوشك أن يغمى عليه من شدة الفرح، وأسرع ميلون وقطع قيوده بخنجره.

أما روكامبول فإنه وضع يده على كتف روميا، وقال لها: إنك لا تعرفينني، ولكني سأخبرك باسمي.

وتحمس مرميس وقال: روكامبول.

غير أن روكامبول هز رأسه، وقال: إني لا أدعى أمام هذه السيدة روكامبول ولا الماجور أفاتار، ثم حدق بها وقال: بل إني ذلك الرجل الذي يجب أن يحضر من الهند.

فحدث عند ذلك ما يحدث في مباغات المراسح، فإن هذه المرأة العاتية الهائلة التي قضت على مرميس بموت اليقظة، وهذا الشيطان الرجيم الذي يعذب المركيز منذ خمسة أعوام، بل هذا الوحش الكاسر الذي يجلد الأطفال بالسياط، ويكوي الشيوخ بالنار، إن هذه المرأة ركعت فجأة أمام روكامبول، ولكنها لم تركع ركوع مجرم يلتمس العفو، بل ركوع عبد يتنظر الأوامر، فجعل روكامبول ينظر إليها نظراته الحادة، وكان المركيز دي مورفر لا يزال منطرحًا على الأرض وهو مخدر بالأفيون.

فنظر إليه روكامبول وقال: إنه لم يمت بحمد الله، وسيعود إلى ما كان عليه، فإذا كان لديك سموم تقتل فإن لدي منها ما يعيد الحياة.

ثم نظر إلى مرميس، وقال: وأنت كم بقي لك هنا؟

– لا أعلم بالتدقيق ولكني أظن أني هنا منذ يومين على الأقل.

– وفاندا أين هي؟

فأشار مرميس بيده إلى غرفة وراءه، وقال: إنها في تلك الغرفة، ولكنها مجنونة وا أسفاه!

فنظر روكامبول نظرة جفاء إلى روميا، فاضطرب وقالت له: رحماك إني أعيد إليها الصواب.

فقال لها ببرود: هذا ما أرجوه على الأقل، والويل لك إذا أصيبت بمكروه.

وكان مرميس لا يزال له بقية من الرشد على ما لقيه من العذاب، وكان يتوقع من روكامبول أن يعاقب البستانية وأعوانها في الحال، ولكن روكامبول لم يفعل شيئًا من ذلك، بل إنه أعاد مسدسه إلى جيبه، وخنجره إلى منطقته، وقال للبستانية: إني أتيت في الوقت الملائم لإنقاذهم، ولو كان أصيب أحد منهم بمكروه لما كنت أبقي عليك.

وكانت روميا لا تزال جاثية أمامه، فقال لها: انهضي أيتها العبدة، فإني محتاج إلى خدمتك.

فوقفت وقالت: مر أيها الرئيس.

وتمتم مرميس قائلًا: لا شك أن ما أراه مثلته لي الحمى!

فسمعه روكامبول وقال له: بل إنك في يقظة، وقد زال عنك الخطر وأنت في حاجة للرقاد فنم.

– إني أشد حاجة إلى الشرب مني إلى النوم، فإن النار تتأجج في صدري.

فنظر روكامبول إلى البستانية نظرة خاصة، فالتفتتْ إلى الإسباني وكان منذهلًا أتم الانذهال مما يراه وكلمته بلغة سرية لا يعلمها غير النور، فذهب الإسباني وعاد بعد هنيهة بكأس مبردة من الخمر وقدمه لمرميس بملء الاحترام.

فتردد مرميس عن شربها إلى أن أمره روكامبول، فشرب الكأس مطمئنًّا جرعة واحدة، ثم سقط على الأرض لا يلوي على شيء، وأطبق جفنيه فنام نومًا هنيئًا بعد ذلك العذاب الشديد.

ولما رأى روكامبول أنه غفا قال للبستانية: اتبعيني الآن.

فتبعته صاغرة وخرجا من الغرفة.

•••

ولم يدر مرميس حين استيقظ من رقاده كم كانت مدة نومه، ولكنه وجد نفسه لا يزال في تلك الغرفة التي أنقذه منها روكامبول دون أن يجد أثرًا لروكامبول والبستانية والمركيز، بل كان وحده في تلك الغرفة المنارة بضوء ضعيف، فنظر إلى ما حواليه وقال: أين ذهبوا وأين أنا؟!

وعند ذلك فُتِح الباب، وظهر له ميلون ففرح مرميس لرؤياه، وقال: أين نحن الآن يا ميلون؟

– في منزل سانت مانديه تحت الأرض.

– وفاندا؟

– إن الرئيس صحبها وإياه.

– وهي؟ (يريد البستانية الحسناء وقد ظهرت عليه علائم الذعر حين ذكرها.)

– سافرت أيضًا مع الرئيس.

فانذهل مرميس، وقال: ما هذه الأسرار؟

فقال ميلون: وأنا منذهل نفس انذهالك، ولكن الرئيس لا يظهر أسراره لأحد.

وكأن مرميس كان لا يزال يخشى أن يكون حالمًا لفرط ما لقيه من العذاب، فقال لميلون: إذن أحق ما رأيته؟! وأن الرئيس عاد من الهند وأنه هو الذي أنقذني؟!

– ذلك لا ريب فيه.

– أسافر بعد ذلك كما تقول؟

– نعم، وقد تركني بقربك وأعطاني إليك هذا الكتاب الضخم وهذه الرسالة.

فأخذ مرميس الكتاب ونظر في صفحته الأولى فوجد فيه هذا العنوان:
كتاب كنوز الهند بقلم الماجور أفاتار

ثم فض الرسالة المعنونة باسمه وقرأ ما يأتي:

٤١

ولدي العزيز

إني لم أعاقب ذلك الوحش المفترس الذي يدعونه «البستانية الحسناء»، ولكنها مع ذلك قد عذبت المركيز دي مورفر عذابًا قضى على صوابه وا أسفاه! وأخشى أن لا يعود إليه رشده إلا بعد زمن طويل، وعذبتك أنت عذابًا هائلًا يحلو بعده كل انتقام، فإني لو تأخرت عن نجدتكم بضع ساعات لما كنت أنت والحبيبة فاندا على قيد الحياة.

غير أني لم أضرب هذه المرأة ضربة قاضية تسحقها، بل أعددت لها وسائل التوبة والاستغفار لسر دقيق ستدرك تفاصيله متى قرأت كتاب كنوز الهند، وهو الكتاب الذي كتبته بيدي وأرسلته إليك مع ميلون.

إنك سمعت دون شك بأخبار الهند، التي يعبث فيها الخناقون وبخفاياها وأسرارها الهائلة.

على أن هذه البلاد ليست قاصرة على رجال الشر، بل إن فيها كثيرًا من رجال النبل والخير، وكثيرًا من الجمعيات العظيمة المتحدة لمقاومة مظالم الإنكليز.

وإن بين أحرار الهند الذين أبوا الخضوع للإنكليز أميرًا يؤثر ألف موت على العبودية، وهذا الأمير كان من أصحابي.

إن روكامبول اللص السفاك عاش عامين جنبًا إلى جنب مع أعظم نبيل في الوجود، فشاطره البؤس والنعيم ولم يفصل بيننا غير الموت.

وقد أقسمت لهذا الأمير النبيل، وهو ينظر إلي للنظرة الأخيرة يمينًا حرجة لقضاء شأن خطير أؤمل أن أنال بعد قضائه ما أرجوه من عفو الله، وستكون أنت عوني على البر بهذا اليمين.

ومن أجل هذا غفرت عن «البستانية الحسناء»، وعينتها في خدمتي لحاجتي إليها في هذه المهمة الخطيرة، إنها آلة هائلة فلا يفل الحديد إلا الحديد.

إذن اقرأ الكتاب الذي أرسلته إليك وموعد لقائنا قريب.

روكامبول

٤٢

فلما قرأ مرميس هذه الرسالة قال لميلون: متى سافر الرئيس إلى لندرا؟

– أمس مساءً …

– وهل أمرك أن تبقى معي؟

– نعم وأنا معك منذ غفوت؛ أي منذ ساعتين، ساعة نمتها دون أن تتحرك؛ لأن الرئيس سقاك مخدرًا كي يسهل عليك الرقاد، ويسهل علينا ضمد جراحك.

– وماذا يجب أن أصنع الآن؟

– يجب أن تبقى هنا بأمر روكامبول، فقد قال لي: لا يجب أن يبرح مرميس هذا المنزل قبل أن يقرأ جميع كتاب كنوز الهند، ولدينا هنا كل ما نحتاج إليه.

– إذن سأبقى امتثالًا لأمره، ولكني على فرط شوقي لمطالعة كتابه أوثر الطعام على المطالعة الآن؛ لأني أوشك أن أموت جوعًا.

فخرج ميلون وعاد بعد هنيهة يحمل مائدة صفت عليها صحون الطعام، فأكل مرميس بشراهة لا توصف، وسأل ميلون خلال الطعام كيف اهتدى إلى السرداب الأرضي، فأخبره ميلون عند ذلك بجميع ما جرى له بعد خروجه من المنزل، وكيف احترق المنزل، وكيف فاجأه روكامبول وهو يمزق صدره من قنوطه، فأخبرت الرئيس عند ذلك بجميع ما قاله الإسباني لك، فلم يتوقف روكامبول لحظة، وجئنا إلى البئر فاهتدينا إلى مدخل السرداب، ولكنه رأى أن القبة قد تهدمت وسدت المدخل، فخطر له عند ذلك أن يصعد إلى المنزل ويفتح منه المنفذ إلى السرداب، فدام ذلك يومين كاملين.

– وماذا جرى للسائق المسكين الذي كان يصحبني؟

– وجدناه في هوة يكاد يموت من الجوع، فأنقذناه وهو الآن في المنزل.

فشكر مرميس الله لإنقاذه، ولما فرغ من الطعام أخذ كتاب روكامبول وبدأ يقرأ، فكان عنوان فصله الأول «محرقة الأرملة».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠