افتتاحية

لا يستلزم هذا الكتاب قراءة مُتصلة، ولكن من أي موضع يفتحه القارئ سيجد فيه مادةً جديرةً بالتأمل. إن أكثر الكتب فائدة هي تلك التي يُؤلف القراء أنفسهم نصفها؛ فهم يتوسَّعون في الأفكار التي تُقدَّم بذرتها إليهم؛ ويُصوِّبون ما يبدو لهم خاطئًا، ويُعززون بتأملاتهم ما يبدو لهم ضعيفًا.

حقًّا، لا يمكن لهذا الكتاب أن يقرأه إلا أناس مُستنيرون؛ فالإنسان العادي ليس مُهيأً لمثل هذه المعرفة، ولن تكون الفلسفة أبدًا من نصيبه. أما الذين يقولون إن ثمة حقائق يجب حجبها عن العوامِّ فليسوا بحاجة إلى التنبيه إلى أن العوامَّ لا يقرءون؛ فهم يعملون ستة أيام في الأسبوع، وفي السابع يَذهبون إلى الحانة. باختصار، لا تُكتَب الأعمال الفلسفية إلا للفلاسفة، وعلى كل إنسانٍ نزيهٍ أن يحاول أن يُصبح فيلسوفًا، دون أن يتباهى بأنه فيلسوف.

استُخلِصت هذه المقالات المرتَّبة أبجديًّا من الأعمال الأكثر تقديرًا التي لا يسع كثيرين أن يصلوا إليها، وإذا كان المؤلف لا يشير دائمًا إلى مصادر معلوماته، بما أنها شهيرة بما يكفي لدى المثقَّفين، فلا يجب اتهامه بمحاولة الاستيلاء على قيمة جهد غيره؛ لأنه هو نفسه يحافظ على إخفاء ذاته؛ عملًا بوصية الإنجيل: «فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢