المناخ

يؤثِّر المُناخ على الدين من حيث العادات والشعائر. لن يَلقى مُشرِّعٌ صعوبةً تُذكر في جعل الهنود يستحمُّون في نهر الجانج في مواسم قمرية معينة؛ فهذا يمنحهم سرورًا عظيمًا، لكنه سيُرجم لو أنه اقترح الاستحمام نفسه على شعوبٍ تقطن على ضفاف نهر دفينا بالقُرب من أرشانجل. حَرِّم الخنزير على عربي يعتقد أنه سيُصاب بالجذام إن أكل من هذا اللحم المقيت المقزِّز في بلده، سيطيعك فرحًا. أصدر التحريم نفسه على شخصٍ وستفالي، سيعقد العزم على قتالك.

الامتناع من الخمر وصية جيدة في بلاد العرب؛ حيث تكون عصائر البرتقال والليمون والليمون الحامض ضرورية للصحة. ربما لم يكن محمد ليَمنع الخمر في سويسرا، خاصة قبل خوض معركة.

هناك عادات من باب الفانتازيا الصافية. لماذا تخيَّل كهنة مصر الختان؟ ليس للأمر علاقة بالصحة. قمبيز الذي عاملهم هم وعِجْلَهم المقدَّس أبيس كما يستحقون، وحاشية قمبيز، وجنود قمبيز؛ لم تُقطَع قلفاتهم، وتمتَّعوا بصحة جيدة. ليس للمناخ علاقة بأعضاء الكاهن التناسلية. كان المرء يُقدِّم قلفته إلى إيزيس، ربما كما قد يُقدِّم في أي مكان باكورة ثمار الأرض. كان الأمر بمنزلة تقديم بواكير الحياة.

دائمًا ما دارت الأديان على محورين؛ الالتزام والعقيدة. أما الالتزام فيعتمد بقدرٍ كبير على المناخ؛ وأما العقيدة فلا تعتمد عليه إطلاقًا. يمكن بسهولة خلق عقيدة مقبولة عند خط الاستواء بقدر ما تكون مقبولة تمامًا عند الدائرة القطبية. وقد تُرفض فيما بعد في باتافيا وفي أوركنيس، بينما تصان بالأيدي والأسنان في سالامنكا. لا يعتمد ذلك إطلاقًا على الأرض والمناخ، ولكن على الرأي، وهو مَلَكة العالم المُتقلِّبة.

ستكون ممارسات معيَّنة من إراقة الخمر فريضة في بلدٍ مُنتج للخمر، ولن يخطر ببال مشرِّع أن يؤسس في النرويج طقوسًا مقدَّسة لا يمكن أداؤها دون خمر.

سيؤمرون بوضوح بحرق البخور في ساحة المعبد حيث تُذبح البهائم تكريمًا للإله، وعشاءً للكهنة. محل القصَّاب هذا الذي يُدعى «معبدًا» سيصبح مكانًا للعدوى اللعينة إن لم يُطهَّر باستمرار، ولولا الاستعانة بالعطور لتسبَّبت ديانة القدماء في الطاعون، حتى جدران المعبد الداخلية كانت تُزيَّن بأكاليل الزهور لجعل الهواء أطيب.

لن يُضحَّى ببقرة في أرض شبه الجزيرة الهندية المُلتهبة؛ لأن ذلك الحيوان يمدُّ سكانها باللبن الضروري شديدُ الندرة في تلك الأرض القاحلة، ولحمه جافٌّ، ويحوي القليل جدًّا من الغذاء، ومن شأن هذا تكدير حياة البراهمة. على النقيض ستُصبح البقرة مقدَّسة؛ نظرًا إلى ندرتها ونفعها.

لن يدخل المرء معبد جوبيتر آمون إلا وهو حافٍ، حيث تكون الحرارة مفرطة، بينما يجب على المرء أن ينتعل حذاءه جيدًا ليؤدي طقوسه الدينية في كوبنهاجن.

لا يتعلق الأمر بالمعتقد؛ آمن الناس بتعدُّد الآلهة في كل الظروف المناخية؛ ويسهل على تَتَرِيِّ القرم كما يسهل على ساكن مكة الإيمان بالله الأحد، الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد. ينتشر الدين من مكانٍ لآخر من خلال عقيدة الدين أكثر مما ينتشر من خلال شعيرته. سرعان ما عبَرت عقيدة وحدانية الله من المدينة إلى القوقاز؛ ومن ثم يَستسلم المناخ للرأي.

قال العرب للترك: «لقد اختَتَنَّا في شبه الجزيرة العربية دون أن نعرف حقًّا السبب؛ كانت عادة قديمة لكهَنة مصر أن يقدموا إلى أوشيرث أو أوزيريس جزءًا صغيرًا مما يَعتبرونه الأثمن. وقد تبنينا تلك العادة ثلاثة آلاف عام قبل أن نُصبح محمديِّين. ستُختَنون مثلنا؛ ومثلنا ستكونون مُضطرين لمضاجعة إحدى زوجاتكم كل جمعة، وأن تَمنحوا في كل عام اثنين ونصفًا بالمائة من دخلكم للفقراء. نحن نشرب الماء والشربات فقط، ويحرم علينا كلُّ شراب مُسكِر؛ فهو ضارٌّ في بلاد العرب. ستحافظون على ذلك النظام على الرغم من أنكم تَعشقون الخمر، وعلى الرغم من أنه ربما يكون ضروريًّا لكم أن تذهبوا مرارًا إلى ضفاف نهرَي فاسس وآراس. وفي النهاية، إن أردتم أن تدخلوا الجنة وتكونوا في منزلة جيدة هناك، فستَسلكون الطريق إلى مكة.»

خضع سكان شمال القوقاز لتلك القوانين، واعتنقوا في كل أرجاء البلد دينًا لم يُصنَع من أجلهم.

في مصر، تلت العبادة الرمزية للحيوانات مُعتقدات تحوت، وبعد ذلك شاركت آلهة الرومان مصر بالكلاب والقطط والتماسيح، وجاءت بعد ديانة الرومان المسيحيةُ، وأزاحتها تمامًا الديانةُ المحمديةُ التي ربما تُخلي مكانها لدين جديد.

وسط كل تلك التقلُّبات لم يؤثِّر المناخ في شيء؛ بل فعلت الحكومة كل شيء. نحن نفكِّر فقط في العلل الثانوية دون أن نرفع عيوننا الدنيوية إلى تلك العناية الإلهية التي تقودها. تلقَّى الدين المسيحي الذي نشأ في سوريا، تطوُّره الرئيس في الإسكندرية؛ حيث كان سكان تلك الأراضي حينئذ يعبدون توتاتيس، وإرمينسول، وفريدا، وأودين.

وهناك شعوب لم تصنع أديانَها الحكومات ولا المناخ. ما الذي فصل شمال ألمانيا، والدنمارك، وثلاثة أرباع سويسرا، وهولندا، وإنجلترا، واسكتلندا، وأيرلندا من الاتحاد الروماني؟ الفقر. كان الغفران والخلاص من المَطْهر يُباعان بأسعار أغلى مما ينبغي لأرواحٍ لم تكن أجسادها تملك إلا القليل من المال في ذلك الوقت. التهَم الأساقفة والرهبان دخل المُقاطعة بالكامل. اتخذ الناس ديانة أرخص. وفي النهاية، بعد عشرين حربًا أهلية، اعتقد الناس أن ديانة البابا جيدة جدًّا للسادة العظماء، وأن الديانة المُنقَّحة جيدة جدًّا للمواطنين. سيكشف الوقت ما إن كانت الديانة اليونانية أم الديانة التركية ستسود على بحر إيجة والبحر الأسود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢