الفصل الثاني عشر

التطور

يبدو في نظر المُشاهِد الذي يفتقر إلى الخبرة، أن ثمة فارقًا باطنًا بين الكائنات العضوية الحية وبين الطبيعة غير العضوية؛ فكل أشكال الحياة الحيوانية تقريبًا تكشف عن قدرة على الحركة المستقلة، ويدل سلوكها على نشاط مخطَّط يستهدف تحقيق مصلحة الكائن العضوي ذاته، وقد يكشف هذا النشاط المخطَّط، لا في البشر فحسب، بل في بعض أنواع الحيوان أيضًا، عن استباق طويل المدى لحاجات المستقبل؛ فالطيور تبني أعشاشها لتحمي نفسها في الليل، وليكون فيها مكان للتفريخ، والفأر يحفر لنفسه مأوًى في الأرض، ويملؤه بمواد يقتات بها في الشتاء، والنحلة تُفرِز كميات من الرحيق. وهناك قدر كبير من السلوك المخطَّط يتجه دائمًا إلى هدف التناسل، وهو العملية الآلية العجيبة التي تعمل على بقاء النوع بعد موت الأفراد.

أما النباتات فلا تظهر فيها أنواع من النشاط الذي نُحبُّ أن نسمِّيه تخطيطًا، ومع ذلك فهي قطعًا تؤدي وظائفها على نحوٍ يجعل ردود أفعالها تحقِّق هدف تغذية الفرد وحفظ النوع؛ فجذورها تنمو في الأرض وتتغلغل فيها بالعمق الذي يكفي للوصول إلى الماء، وأوراقها الخضراء تتحول إلى الشمس التي يحتاج النبات إلى أشعتها لتكون مصدرًا للطاقة الحيوية، كما أن عملية التكاثر الآلية فيها تضمن ظهور ذرية وفيرة.

إن الكائن العضوي الحي نظامٌ يعمل في سبيل هدف حفظ الذات وحفظ النوع، وهذا الحكم لا يصدق فقط على تلك المظاهر الواضحة للحياة، التي نسمِّيها «سلوكًا»، بل يصدق أيضًا على العمليات الكيميائية للجسم، وهي العمليات التي تُعَد أساسًا لكل سلوك؛ فالعملية الكيميائية المتعلقة بهضم الغذاء وأكسدته منظمةٌ على نحوٍ مِن شأنه أن تمد الكائن العضوي بالوحدات الحرارية اللازمة لأوجه نشاطه، بل إن النباتات قد استحدثت لنفسها عملية تُتيح لها أن تنتفع مباشرة، بمساعدة جزيئات الكلوروفيل، من طاقة الشمس المُشعة لمصلحتها الخاصة.

وهكذا يبدو كأن هناك خطة تتحكم في أفعال الكائنات العضوية الحية، وهدفًا محدَّدًا يوجِّهها، إذا ما قُورِنت بالمسلك الأعمى للعالم غير العضوي، كسقوط الأحجار وتدفُّق الماء وهبوب الرياح. فالعالم غير العضوي يخضع لقوانين السبب والنتيجة؛ إذ يتحكم الماضي في المستقبل عن طريق الحاضر. أما بالنسبة إلى الكائنات الحية فيبدو أن هذه العلاقة تنعكس؛ فما يحدث الآن مرتَّب على نحوٍ مِن شأنه أن يخدم غرضًا مستقبلًا، ويبدو أن المستقبل، لا الماضي، هو الذي يتحكم في أحداث الحاضر.

مثل هذا التحديد على أساس المستقبل يُسمَّى غائية teleology. وقد جعل أرسطو للغائية، في تصوره للعلة الغائية، مكانةً مُوازية لمكانة العِلِّية في وصف العالم الفيزيائي. ومنذ عهد أرسطو أصبحت تُواجِه العالمَ هذه الطبيعةُ الثنائية للعالم الفيزيائي؛ فعلى حين أنه رأى الطبيعة غير العضوية خاضعة لقوانين العلة والمعلول، فقد بدت له الطبيعة العضوية خاضعة لقانون الغاية والوسيلة. وهكذا أصبحت للغائية مكانةً تُوازي مكانة العِلِّية، وبدا أن الأولى لا تقلُّ أهمية عن الثانية، واتُّهم عالم الفيزياء، الذي لا يفكِّر في الطبيعة إلا من خلال العلة والمعلول، بأنه ضحية مغالطة التعصب المهني، التي تُعمي المرء عن إدراك مقتضيات البحث خارج نطاق تخصُّصه الضيق.

وعلى الرغم من أن فكرة التوازي بين العِلِّية والغائية تبدو أشبه بحكم صادر عن مُلاحِظ مُحايِد، فإننا نستمع إلى ادعاءاتها على مضض، ولا نستطيع أن نمتنع عن الشعور بأن في موقفها شيئًا باطلًا في أساسه؛ فالفيزياء ليست علمًا مُوازيًا للبيولوجيا، وإنما هي علم أكثر أولية، وقوانينها لا تقف عاجزة أمام الأجسام الحية، وإنما تشتمل الأجسام الحية وغير الحية معًا، على حين أن البيولوجيا تقتصر على دراسة تلك القوانين الخاصة التي تسري، مع القوانين الفيزيائية، على الكائنات الحية. فليس في البيولوجيا استثناءٌ معروف للقوانين الفيزيائية؛ ذلك لأن الأجسام الحية تهوي كالأحجار إن لم ترتكز على شيء، وهي لا يمكن أن تُنتِج طاقةً مِن لا شيء، وإنما تتحقق جميع قوانين الكيمياء في عملياتها الهضمية. فليس ثمة قانونٌ فيزيائي ينبغي أن يكون مقرونًا بشرط مثل: «ما لم تحدث العملية في كائن عضوي حي.»

أما أن الكائنات الحية تتميز بخواص تقتضي صياغة قوانين خاصة تُضاف إلى قوانين الفيزياء، فهو أمرٌ لا يدعو إلى الاستغراب؛ فنحن نعلم أن الأجسام الساخنة تظهر فيها خواص لا تُرَد إلى الميكانيكا، وأن السلك الذي يمرُّ فيه تيار كهربائي تظهر فيه خواص لا تستطيع الميكانيكا ولا الديناميكا الحرارية تعليلها. فليس ثمة صعوبةٌ منطقية في أن ننسب إلى المادة عندما تكون في حالمة أعقد، خواصَّ لا تتكشف في المادة عندما تكون في حالة أبسط، ولكن يبدو من غير المقبول أن نفترض أن للمادة الحية خواص تتناقض مع خواص المادة غير العضوية.

والواقع أن الغائية تُناقِض العِلِّية؛ فإذا كان الماضي يتحكم في المستقبل، فإن المستقبل لا يتحكم في الماضي، أو على الأقل لا يتحكم فيه بالمعنى الذي استخدمنا به عبارة «يتحكم» في العبارة السابقة. وهناك معنى سكوني للفظ، يمكن أن يكون التحكم فيه متبادلًا. مثال ذلك أن العدد «س» يتحكم في مربَّعه «س٢»، والمربَّع «س٢» يتحكم في جذره الموجب «س». غير أن العِلِّية تحكم بالمعنى التوليدي؛ فالرياح تتحكم في شكل الشجرة الملتوي، لا العكس. صحيحٌ أننا نستطيع أن نستدل من الشكل الملتوي للشجرة على الاتجاه الغالب للرياح، ولكننا إذا قلنا إن شكل الشجرة يتحكم بهذا المعنى في اتجاه الرياح، لكنا نستخدم لفظ «التحكم» بالمعنى السكوني، معنى التضايف المحض؛ ذلك لأن الشجرة الملتوية تدل على الرياح، ولكنها لا تُنتِجها، على حين أن الرياح تُنتِج الشكل الملتوي للشجرة. وليس من الضروري أن تفهم كلمة «يُنتِج» على أساس أنها لا تخضع للتحليل المنطقي؛ فقد أوضحت من قبلُ (في الفصل العاشر) أن من الممكن إيجاد صيغة منطقية لطابع العِلِّية الذي تكون بمقتضاه ذات اتجاه واحد. فإذا شئنا أن يكون للتصور الذي نكوِّنه عن مجرى الزمان أي معنًى، فمن الواجب عندئذٍ أن تُوضَع العِلِّية في مقابل الغائية؛ إذ إن التحكم بالمعنى التوليدي لا يمكن أن يحدث إلا في اتجاه واحد فحسب. أما التفسير الذي تكون الحياة بمقتضاه مختلفة أساسًا عن العمليات الفيزيائية، وتكون خاضعة للغاية لا للعلة، فإنه تفسيرٌ لا يتمشى مع فكرة اتجاه الزمان. وعلى العالم البيولوجي الذي يهيب بالفهم العادي للإنسان لكي يجد فيه مؤيِّدًا لادعاءاته بوجود هذه الثنائية المزعومة، عليه أن يتذكر أنه يُناقِض الفهم العادي في ميدان آخر؛ إذ إنه يتخلى عن مفهوم الصيرورة.

ولو مضينا في التحليل أبعد مِن ذلك لوجدنا أن نصير فكرة الغائية لا يجد دفاعًا مُقنِعًا يتخلص به من هذا المأزق؛ فكلما كان الأمر متعلقًا بسلوك غرضي، لم يكن ما يتحكم في السلوك هو الحادث المُقبِل، وإنما استباق الكائن الحي للحادث المُقبِل. فنحن نغرس البذرة لكي نزرع الشجرة، وما يتحكم في سلوكنا ليس هو الشجرة المُقبِلة، وإنما الصُّوَر التي نكوِّنها في الحاضر لشجرة المستقبل، وهي الصور التي نستبق بها وجودها المُقبِل. ومما يُثبِت أن هذا هو التفسير المنطقي الصحيح، أن من الممكن تدمير النبتة النامية، بحيث لا تظهر شجرة في المستقبل؛ وعندئذٍ لا يقع الحادث المتوقَّع في المستقبل أبدًا، على حين أن السلوك الحاضر، وهو غرس البذرة، يظل كما هو دون تغيير. ومِن المُحال أن يكون ما لا يحدث أبدًا متحكمًا فيما يحدث الآن؛ فالتحكم التوليدي ينتقل من الماضي إلى المستقبل، لا العكس. أما الفعل الغرضي المُلاحَظ في السلوك البشري فيُساء تفسيره إذا ما نُظِر إليه على أنه تحكُّم توليدي للمستقبل في الماضي؛ فلا يمكن أن يقبَل الفهم العادي ولا العلم تحكمًا توليديًّا يتناقض مع العلية. وإذن فالمُوازاة بين الغائية والعِلِّية نتيجةٌ لسوء فهم منطقي.

فما الذي يتبقى من الغائية إذن؟ إذا شئنا أن تكون الغاية متمشِّية العِلِّية، فلا يمكن أن يكون المستقبل هو الذي يتحكم في الحاضر، وإنما ينبغي أن يكون ذلك تحكمًا أو تحديدًا على أساس خطة. على أن الخطة لا يمكن أن تُحدِث آثارًا إلا بتوسط كائن عضوي ما، لديه القدرة على التفكير. ومع ذلك فإن غائية التنظيم العضوي تتجاوز بكثيرٍ نطاق النوع البشري العاقل؛ فليس في وسعنا القول إن الفأر يتبع خطة عندما يختزن غذاءه، كما أن أحدًا لن يقبل القول بأن النبات ينفِّذ خطة تكاثُر نوعه عندما ينثر بذوره على الأرض. ولا بد من إعداد صيغة دقيقة تتجنب التشبيهات الإنسانية؛ فأوجه نشاط الكائنات العضوية تمثِّل أنموذجًا من النوع الذي ينبغي أن تتبعه هذه الكائنات لو كانت تسلك وفقًا لخطة. أما الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول بوجود خطة، تتحكم على نحو صوفي غامض في سلوك الكائنات العضوية، فيعني تفسير العالم العضوي بأكمله عن طريق تشبيه بالسلوك البشرى؛ أي إنه يعني وضع تشبيه محلَّ التفسير. فالغائية نزعة تشبيهية، وتفسير وهمي، وهي تنتمي إلى الفلسفة التأملية، ولكن ليس لها مكان في الفلسفة العلمية.

فما هو التفسير الصائب إذن؟ سيظل مِن الصحيح أن نشاط الكائن العضوي يمثِّل نمطًا يبدو كما لو كانت هناك خطة تتحكم فيه، فهل نسجِّل هذه الحقيقة على أنها مجرد اتفاق؛ أي على أنها نتاج للصدفة؟ إن ضمير العالم الإحصائي يثور على هذا الفهم؛ فاحتمال حدوث هذا الاتفاق يبلغ من الضآلة حدًّا لا نستطيع معه أن نقبَل هذا التفسير. وهكذا يبدو أن الرغبة في الوصول إلى تفسير سببي قد وصلت إلى طريق مسدود، فكيف يمكن أن تتخذ العِلِّية، على أي نحو، مَظهرَ السلوك الغائي؟

إن مَن ينظر لأول مرة إلى الحصى المُلقى على الشاطئ، قد يظن بالفعل أنه موضوع في مكانه هذا وفقًا لخطة معيَّنة؛ فالحصى الكبير يوجد بقرب البحر، ويغطِّي الماء بعضًا منه، ويعقبه بعد قليل حصًى أصغر، وتلي هذه طبقات الرمال، التي تبدأ أولًا بالحُبيبات الخشنة، وتتحول بعد ذلك إلى حُبيبات الرمال الدقيقة التي تميِّز الأجزاء المتباعدة من الشاطئ. وهكذا يبدو كأن شخصًا قد قام بتنظيف الشاطئ، واختار الحصى والرمال بعناية حسب الحجم، غير أننا نعلم أنه لا ضرورة لافتراض مثل هذا التفسير التشبيهي بالإنسان؛ فالماء ينقل الحصى ويُلقي بالأخف منه مسافةً أبعد في الشاطئ؛ وبذلك يوزِّع الحصى آليًّا حسب الحجم. صحيحٌ أن الصدمات الفردية للأمواج تسير تبعًا لأنموذج الصدفة غير المنتظم، ولا يستطيع أحد أن يتنبَّأ بالمكان الذي ستستقر فيه حصاة معيَّنة آخرَ الأمر، غير أن هناك عملية انتقال تحدث؛ فكلما حملت الموجة الواحدة حصاة كبيرة وأخرى صغيرة، استطاعت أن تحمل الصغيرة مسافةً أبعد قليلًا؛ فالصدفة مُقترِنةً بالانتقاء تُحدِث النظام.

ولقد كان الكشف العظيم الذي توصَّل إليه تشارلس دارون Charles Darwin هو أن الغائية الظاهرية للكائنات العضوية الحية يمكن أن تُفسَّر على نحوٍ مشابه، عن طريق الجمع بين الصدفة وبين الانتقاء. وقد استبق مبدأ الانتقاء عن دارون في عصور سابقة، شأنه شأن معظم الأفكار الكبرى؛ فقد سبق أن وضع الفيلسوف اليوناني أنبادقليس Empedocles نظريةً مؤدَّاها أن الأجسام الحية تنمو من الأرض كأجزاء مبتورة، ثم تحرَّكت الأطراف والرءوس والأجسام الفردية، واتحدت بالصدفة في تكوينات شاذة، لم يُكتَب البقاء إلا للأصلح منها. غير أن الفكرة الجيدة التي ترِد في إطار نظري غير كافٍ تفقد قدرتها التفسيرية، ويُسدَل عليها ستار من النسيان حتى يعاد كشفها وتُدمَج في نظرية مُقنِعة. وقد استطاع دارون أن يتوصل إلى مبدأ الانتقاء الطبيعي وبقاء الأصلح عن طريق أبحاث علمية، وعرضهما في إطار نظرية شاملة للتطور؛ ولهذا السبب أصبح لفظ «الدارونية» معبِّرًا عن فكرة التطور بالانتقاء الطبيعي، وكان اتساع نطاق جهوده العلمية مبرِّرًا لتفضيله على معاصره الأصغر سنًّا «ولاس Wallace»، الذي توصَّل إلى فكرة الانتقاء الطبيعي مستقلًّا عن دارون، وإن لم تكن أعماله العلمية تُقارَن بأعمال دارون في اتساع نطاقها.

إننا عندما نصنِّف الأنواع الموجودة تبعًا لدرجة التنوع أو التعقيد في تركيبها، بحيث ننتقل على الدوام من نوع إلى النوع الذي هو الأقرب شبهًا إليه في التركيب التشريحي والبنيان العضوي، نصل إلى ترتيب منظَّم؛ أي إلى سلسلة تؤدي فيها علاقات التشابه إلى إعطاء كل نوع مكانَه في السُّلم؛ فعند نهاية الخط نجد النوع البشري، ومِن بعده تأتي القرود، ثم تعقبها بقية الثديات، ويستمر الخط مارًّا بالطيور والزواحف والأسماك، ثم مختلف الحيوانات البحرية، حتى يصل إلى الطرف الأدنى، وهو الكائنات العضوية الحية ذات الخلية الواحدة؛ أي الأميبا. وقد استنتج دارون أن الترتيب المنظَّم للأنواع الموجودة معًا يمثِّل الترتيب التاريخي لظهورها، وأن الحياة بدأت بالأميبا ذات الخلية الواحدة، وانتقلت خلال ملايين السنين إلى أشكال تزداد علوًّا على الدوام.

مثل هذا الاستنتاج سليمٌ من وجهة نظر المنطق الاستقرائي؛ إذ إن كل شخص على استعداد لتطبيقه على حالات أبسط. فلنتخيل أن ذبابة مايو May fly التي تعيش يومًا واحدًا، تُشاهِد أنواعًا من البشر؛ أي إنها ترى مواليد رضَّعًا، وأطفالًا، ومراهقين، وبالغين، ومُسنِّين، ولكنها لا تُلاحِظ أي نمو أو تغيُّر في الأشخاص المنفردين؛ فإذا ما ظهرت بين ذباب مايو ذبابةٌ مثل دارون، فإن مثل هذه الذبابة الممتازة قد تستنج أن ما تُلاحِظه من مراحل مختلفة للبشر، متعايشة معًا، تمثِّل في واقع الأمر تعاقبًا تاريخيًّا. ومع ذلك فإن ذبابة مايو في مركز أفضل منا بكثير، من حيث النِّسب الزمنية؛ إذ إن النسبة بين عمر الإنسان وبين طول مدة التطور، أقل بكثير من النسبة بين عمر ذبابة مايو الذي يدوم يومًا واحدًا، وبين أطول حياة بشرية؛ فلا عجب إذن أننا لا نستطيع أن نُلاحِظ التغير التطوري، الذي تُعَد الآلاف الستة من سنوات التاريخ البشري المسجَّل مجرد فترة ضئيلة جدًّا بالقياس إليه. وعلى ذلك فلا بد أن نعتمد دائمًا على استدلال لكي ننتقل من الترتيب المنظَّم إلى الترتيب التاريخي؛ أي على استدلال ينتقل من ترتيب التزامن إلى ترتيب التعاقب.

وهناك، بطبيعة الحال، أدلة أخرى يمكن الإتيان بها تأييدًا لهذا الاستدلال. فهناك الكشوف الجيولوجية؛ إذ إن مختلف الطبقات الجيولوجية تحتوي على حفريات من أنواع متباينة، ولكنها مرتَّبة بحيث توجد الأنواع الأكثر تفاضلًا (أو تعقدًا) في الطبقات العليا. ويبدو أن لنا الحق في التوحيد بين الترتيب المكاني للطبقات وبين الترتيب الزمنى لترسبها. وهكذا فإن الجيولوجيا تحتفظ بسجل لحالة الحياة الحيوانية التي تم الوصول إليها في أي وقت نبحثه. وفضلًا عن ذلك فإن الحفريات تمدُّنا بعيِّنات لكثير من الأنواع التي تفوتنا في الترتيب المنظَّم للأنواع الموجودة؛ مما يؤدي إلى سد الثغرات القائمة في هذا الترتيب. وقد تم العثور، بوجه خاص، على الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد، في بعض عيِّنات الجماجم التي تجمع بين جحوظ حواف العينَين، المعروف عن القرود، وبين اتساع للجمجمة أكبر مما هو معروف في القرود، وإن يكن أقل مما هو في الإنسان؛ إذ إن الجبهة المتراجعة لم تكن تترك إلا حيِّزًا ضئيلًا للفص الأمامي من المخ. ولقد كان مخ هذا الإنسان القرد يُتيح له القيام ببعض الأعمال الذهنية، وإن لم يكن قد اكتسب إلا قدرًا محدودًا جدًّا من القدرة على الانتفاع من التجارب عن طريق تذكُّر نتائج الاستجابات السابقة للتجارب، وهي القدرة التي تُوجَد في الفص الأمامي للمخ. وبهذه المناسبة فإن الإنسان القرد يُعَد الآن الأصل الذي انحدر منه الإنسان والقرود الحالية، بحيث إن القرود تمثِّل فرعًا جانبيًّا، لا أصلًا للإنسان.

فإذا ما نظرنا إلى الأدلة التي أشرنا إليها على أنها قاطعة، فعلينا أن نعترف بحدوث تطور في الحياة من الأميبا إلى الإنسان، ولكن يظل أمامنا بعد ذلك السؤال عن سبب هذا التطور. فلماذا تطوَّرت الحياة إلى أشكال أعلى؟ إن التطور يبدو أشبه بعملية تتم وفقًا لخطة، بل إن المرء قد يميل إلى القول إن التطور هو أقوى ما يمكن تصوره من الأدلة المؤيِّدة للغائية.

وهنا يأتي دور الكشف الأعظم الذي توصَّل إليه دارون؛ فقد رأى أن من الممكن تفسير تقدُّم التطور على أساس السببية، وأن التطور لا يحتاج إلى أية مفاهيم غائية؛ فالتنوعات العشوائية التي تحدث عند التكاثر تؤدي إلى إيجاد فروق بين الأفراد تستتبع اختلافًا في القدرة على التكيف من أجل البقاء، وفي الصراع من أجل الحياة يبقى الأصلح، ولما كان أصلح الأفراد ينقلون قدراتهم الأرفع إلى ذرياتهم، فإن هذا يؤدي إلى تغيُّر تدريجي نحو أشكال تزداد علوًّا باستمرار. فالأنواع البيولوجية تُرتَّب، كالحصى على الشاطئ، عن طريق سبب انتقائي، والصدفة مقترنةً بالانتقاء تولِّد النظام.

ولقد دارت مناقشات مُستفيضة، وأُجريَت تعديلات كثيرة على نظرية الانتقاء عند دارون، ولكن أُسُسها لم تتزعزع أبدًا. وكان دارون يُؤمِن بوراثة الصفات المُكتسَبة، متأثِّرًا في ذلك بسلفه العظيم لامارك Lamarck، فاعتقد أن التكيف الوظيفي، الذي يكتسبه الفرد بالمِران، يُنقَل إلى ذريته. وقد دار خلاف كثير حول هذه النقطة، وحول دور هذه الفكرة في تصور دارون لنظريته. ومع ذلك، فهناك أمران نستطيع اليوم أن نقرِّرهما على نحوٍ قاطع؛ أولهما أن جميع الشواهد التجريبية المتوافرة اليوم تكذِّب القول بوراثة الصفات المُكتسَبة، وثانيهما أن «الدارونية» لا تحتاج إلى أية مسلَّمة من هذا النوع. وقد استطاعت البيولوجيا الحديثة، عن طريق الجمع بين فكرة دارون في الانتقاء الطبيعي وبين كشوف تجريبية معيَّنة، أن تقدِّم تفسيرًا مُرضيًا للتغير الوراثي «الموجَّه»؛ وبذلك تحرَّرت من «اللاماركية» (أي نزعة لامارك).
هذا التفسير مبني على الإثبات التجريبي للتحولات mutations؛ أي التغيرات في المادة الوراثية للأفراد. مثل هذه التحولات يمكن إحداثها صناعيًّا بأشعة إكس أو بالحرارة، وهي تحدث في الطبيعة بفعل أسباب عشوائية، ولا ترجع أي تكيف للفرد مع ظروف حياته. وعندما تحدث هذه التحولات يكون الكثير منها معدوم القيمة، ولكن إذا حدثت تحولات مفيدة، فإنها تُكسِب الفرد قدرات أعظم على البقاء. وعندما يتم إثبات وجود تحولات وراثية راجعة إلى أسباب عشوائية، فإن الباقي يُترَك لقوانين الاحتمال التي تؤدي بمُضيِّ الوقت، على الرغم من بطء تأثيرها، إلى إيجاد أشكال للحياة تزداد علوًّا بالتدريج.

ولا يمكن أن يؤدي أي نقد إلى التشكيك في صحة هذا البرهان. فإذا اعتُرض بأن معظم التحولات ضئيلة إلى حد أنها لا تؤدي إلى ميزة ملموسة فيما يتعلق بالبقاء، فإن الباحث النظري في الاحتمالات يردُّ بأن التنوعات العشوائية ستحدث عندئذٍ في جميع الاتجاهات، إلى أن تتجمع في اتجاه واحد، بمحمض الصدفة، بحيث تؤدي إلى ميزة ملحوظة تُساعِد على البقاء؛ فضآلة التحولات يمكن أن تؤخِّر عملية التطور، ولكنها لا يمكن أن تُوقِفها. وإذا اعتُرض بأن كثيرًا من التحولات لا فائدة منه، كان الجواب هو أنه يكفي أن تكون هناك بالفعل تحولات مفيدة؛ فالانتقاء عن طريق الصراع من أجل الوجود هو حقيقة لا يمكن تفنيدها، والصدفة مقترنةً بالانتقاء تولِّد النظام، هذا مبدأ لا مَفر منه. وهكذا فإن نظرية دارون في الانتقاء الطبيعي هي الأداة التي تُرَد بها الغائية الظاهرية للتطور إلى السببية. وقد درس علماء الوراثة المُحدَثون مشكلات التحول والوراثة بكل تفاصيلها، وما زال هناك الكثير مما ينبغي دراسته، غير أن مبدأ دارون يقضي على الحاجة إلى الغائية.

إن نظرية التطور بأسرها مبنية على أدلة غير مباشرة، فهل سيكون من الممكن في أي وقت إيجادُ أدلة مباشرة لها، عن طريق إنتاج إنسان في أنبوبة اختبار مثلًا.

قد يبدو أننا نطلب أكثر مما ينبغي إذا أردنا أن نُحاكي في الوقت القصير الذي تستغرقه تجربة معملية، عمليةً استغرقت الطبيعة مليون سنة للقيام بها، لولا أن الطبيعة ذاتها قد أمدَّتنا بنُسَخ قصيرة الأجل لهذه العملية في نمو كل جنين بشري. هذا النمو يبدأ بمرحلة الخلية الواحدة، وينتقل إلى مراحل أشد تعقيدًا، تُعيد تلخيص التاريخ الكامل للتطور، ولكن في صورة مُوجَزة، كما بيَّن «هيكل Haeckel»؛ فهناك مثلًا مرحلة تظهر فيها للجنين البشري زعانف خيشومية، ولا يكاد مظهره الخارجي يتميز فيها عن جنين السمكة. وعلى ذلك يبدو أنه ليس من الإسراف الاعتقادُ بإمكان وضع البويضة المخصَّبة لإحدى الثديات في أنبوبة اختبار وتطويرها إلى فرد كامل، ولكن مثل هذه التجربة لا تُثبِت الشيء الكثير؛ لأن المادة الأصلية، وهي البويضة المخصَّبة، ستكون عندئذٍ نتاجًا طبيعيًّا، وليست مِن صنع مركَّب كيميائي. أما أنه سيصبح من الممكن في أي وقت إنتاجُ البويضات والحيوانات المنوية للثديات بطريقة صناعية، فهو أمر مشكوك فيه إلى حدٍّ بعيد. وإن عالم البيولوجيا الحديث ليشعر بالاغتباط لو أنه استطاع أن يُنتِح أميبا بعمليات صناعية.
غير أن مثل هذه التجربة الأخيرة، لو تمَّت، لكانت قاطعة إلى حدٍّ بعيد؛ فالدليل غير المباشر على التطور من الأميبا إلى الإنسان يبلغ من القوة حدًّا لا تكاد تدعو الحاجة معه إلى التوسع فيه بتجارب مباشرة. وأكثر المشكلات إلحاحًا، بالنسبة إلى العالم البيولوجي الذي يريد أن يجعل نظرية التطور كاملة، هي إنتاج خلية واحدة من مادة غير عضوية. وقد لا يكون إجراء تجربة ناجحة كهذه أمرًا بعيدًا كل البعد؛ فقد دلَّت دراسة الكروموزومات (الصبغيات) على أن الجينات (أو المورثات genes)، وهي تلك الأجزاء القصيرة من تركيب الكروموزوم الذي هو أشبه بالخيط، التي تنتقل بها الخواص الفردية، ليست أكبر من الجزيئات الكبيرة في المادة الزلالية. وأغلب الظن أن علماء البيولوجيا سيتمكنون يومًا ما مِن تركيب جزيئات زلالية صناعية من نوع الجينات ومن نوع البروتوبلازم، ثم يجمعون بينهما، فيُنتِجون بذلك مركَّبًا له جميع خواص الخلية الحية. ولو نجحت هذه التجربة، لأثبتت على نحوٍ قاطع أن أصل الحياة يمكن إرجاعه إلى المادة غير العضوية.
إن مشكلة الحياة لا تتناقض مع مبادئ الفلسفة التجريبية. تلك هي النتيجة التي يؤدي إليها علم البيولوجيا في القرن التاسع عشر؛ فمِن الممكن تفسير الحياة مثلما تُفسَّر كل الظواهر الطبيعية الأخرى، وليس علم البيولوجيا بحاجة إلى مبادئ تُخالِف قوانين الفيزياء. أما الغائية الظاهرية للكائنات الحية فهي قابلة لأن تُرَد إلى السببية. وليست الحياة في حاجة إلى وجود جوهر لا مادي، أو قوة حيوية، أو كمال entelechy، أو غير ذلك من الأسماء التي اقتُرحت لمثل هذا الكيان العالي على الطبيعة. ومِن هنا فإن فلسفة المذهب الحيوي vitalism، التي تقول بوجود جوهر حيوي خاص من هذا النوع، ينبغي أن تُصنَّف على أنها وريثة للمذهب العقلي؛ فهي تنبثق من فلسفة تُضفي على العقل قدرةً على التحكم في الكون، وتبحث عن علم بيولوجي يفسِّر أصل العقل عن طريق جوهر لا يخضع لقوانين العالم الفيزيائي. أما النزعة التجريبية فلا تتجلى في التركيبات التي يقوم بها الفيلسوف فحسب، وإنما تتجلى أيضًا في الموقف الذي يُتابِع به العالم بحوثه التجريبية. وبهذا المعنى تكون البيولوجيا الحديثة تجريبية النزعة، حتى على الرغم من أن بعض خبرائها يحاولون الجمع بين عملهم العلمي وبين فلسفة حيوية النزعة.

على أن تطور الحياة ليس إلا الفصل الأخير في قصة أطول، هي قصة تطور الكون؛ فقد ظلَّت مشكلة كيفية ظهور الكون تخلب لبَّ الإنسان منذ ظهرت آراء القدماء الخيالية في منشأ الكون. على أن العلم الحديث قد توصَّل، باستخدام مناهجه الدقيقة في الملاحظة والاستدلال، إلى إجابة أشد إغراقًا في الخيال من كل ما كان يحلم به الأقدمون. وأودُّ أن أقدِّم عرضًا مُوجَزًا لهذه النظريات، التي تكشف عن قوة المنهج العلمي في ميدان حقَّق فيه هذا المنهج واحدًا من أعظم منجزاته.

كان من الضروري أن تكون هناك أولًا خطوة منطقية؛ فبدلًا من التساؤل عن كيفية ظهور هذا الكون، أصبح العالم يتساءل كيف أصبح الكون على ما هو عليه الآن. فهو يبحث عن تطور من حالات سابقة إلى الحالة الراهنة، ويحاول الرجوع بهذا التاريخ إلى الوراء على قدر استطاعته. أما إذا كان قد تبقَّى بعد ذلك شيءٌ ينبغي السؤال عنه، فتلك مسألة سأناقشها بعد قليل.

إن الإجابة الأولى تقدِّمها إلينا نتائج الأبحاث الجيولوجية، التي تبيِّن أن قشرة هذه الأرض قد تكوَّنت عن طريق البرودة التدريجية لكرة غازية متوهِّجة، وما زال باطن الأرض متوهِّجًا. أما القشرة الأصلية فتتضح في صخور الجرانيت التي رسَّبت المحيطات فوقها طبقاتٍ من الرواسب تكوِّن الجزء الأكبر من سطح قاراتنا. ومِن العجيب أن مدة عملية تكوين القشرة تُقاس بنوع من الساعة الجيولوجية، عرف العلم كيف يقرأ إشاراتها. فالعناصر المُشعة، كاليورانيوم والتوريوم وما إليها، تخمد بمعدلات معلومة، بحيث تتحول إلى مادة أكثر دوامًا، وينتهي بها الأمر إلى أن تصبح رصاصًا. وبقياس النسبة بين كمية المواد الإشعاعية وبين كمية الرصاص كما توجد على سطح الأرض في المرحلة الراهنة، يستطيع الجيولوجي تحديد الوقت الذي استغرقه تحويل كل هذه المواد من عناصر إشعاعية بحتة. فإذا افترضنا أن العناصر الإشعاعية تكوَّنت في الحالة الغازية للأرض، على حين أنه لم تكن هناك مواد مختلفة في ذلك الحين، فإن عالم الجيولوجيا يستطيع تحديد عمر الأرض على أساس هذا الوقت. وعلى هذا النحو تبيَّن أن عمر الأرض يبلغ حوالَي ألفَي مليون سنة.

أما الإجابة الثانية فتتعلق بالنجوم؛ فمِن الواضح أن النجم الثابت، مثل شمسنا، يمرُّ بتطور، فيُطلِق إشعاعات بسرعة هائلة، ولا بد أن تكون له مصادر من الطاقة لتعويض ما يفقد من الطاقة باستمرار، ومِن هذه المصادر الجاذبية، كما أدرك هلمولتس Helmholtz. فالنجم ينكمش، والمادة المتحركة نحو مركزه تحوِّل سرعتها إلى حرارة، وهناك مصدر أقوى للطاقة، هو تحوُّل العناصر، كما يحدث في العمليات الانفجارية للقنبلة الذرية. وفي تلك الحرارة العالية التي توجد في باطن النجم، والتي تُقدَّر في حالة الشمس بعشرين مليون درجة مئوية عند مركزها، تستمر عمليات التماسك والتحلل النووي على الدوام، وتتحول الكتلة إلى طاقة. وقد حلَّل بيته Bethe وجاموف Gamov وغيرهما هذه العمليات في ضوء الكشوف القريبة العهد، المتعلقة بتكوين النويات الذرية. أما المصدر الأكبر للطاقة فهو تكوين الهليوم من الهيدروجين، الذي يُطلِق كميات هائلة من الطاقة، على حين تكون كتلة المادة المفقودة صغيرة نسبيًّا (وهذه هي العملية التي يُعتزَم محاكاتها في مشروع القنبلة الهيدروجينية المُزمَع تنفيذه).١ وتدل الحسابات التي أُجريَت على الشمس على أن الوقت الذي سيظل الهيدروجين موجودًا فيه إلى أن يُستنفد نهائيًّا، يُتيح لها عمرًا يبلغ حوالَي اثنَي عشر ألف مليون سنة، انقضى منها بالفعل ألفا مليون. ففي خلال هذه العملية، ستصبح الشمس أسخن ببطء، حتى يتم الوصول إلى حد أعلى، وبعد هذه المرحلة ستبرد الشمس بسرعة.
وتتأيد نظرية تطور النجم بفضل استدلالات من نوع مختلف تمامًا، تُشبِه الاستدلالات المستخدمة في نظرية التطور عند دارون؛ فقد اكتشف الفلكيون ترتيبًا منظَّمًا لمجموع النجوم المرئية في السماء ليلًا، وهو ترتيب يمكن النظر إليه على أنه يمثِّل الترتيب التاريخي للمراحل التي يمرُّ بها كل فرد. وهنا أيضًا تتضح قوة الاستدلال من الترتيب المنظَّم للأشياء المتزامنة على ترتيب التعاقب الزمني. على أن تطبيق هذا الاستدلال في حالة النجوم كان أصعب منه في حالة النُّظم البيولوجية؛ لأن الترتيب المنظَّم للنجوم ليس مما يسهل رؤيته. ولقد كان أساس هذه الأبحاث رسمًا بيانيًّا إحصائيًّا توصَّل إليه الفلكيان ﻫ. ن. رسل H. N. Russell وإ. هرتسبرونج E. Hertzprung. في هذا الرسم البياني تُصنَّف النجوم على أساس النمط الطيفي؛ أي بالنسبة إلى خطوط معيَّنة يكشف المِطياف Spectroscope في الضوء المُنبعِث عن النجوم، وتدل على حرارتها. فإذا جمعنا بين النمط الطيفي وبين درجة بريق النجم، أمكن الوصول إلى ترتيب معيَّن للنجوم في سلسلة. فإذا ما نُظِر إلى الترتيب المنظَّم الذي تم تكوينه على هذا النحو، على أنه يعبِّر عن متوسط التعاقب التاريخي لمراحل عمر النجم، كان هذا التفسير مُطابقًا للنتائج المستمَدة من الأبحاث الخاصة بتولد الحرارة في باطن النجوم. فالنجوم الحديثة التكوين كراتُ غازات ذات حجم هائل، ومادة ضئيلة الكثافة جدًّا، وضوءهما ميَّال إلى الحمرة؛ لأن حرارتها ليست عالية جدًّا. أما النجوم القديمة فإن امتدادها أقل، ولكن كثافة مادتها كبيرة. وما دامت حرارتها تظل عالية، فإن ضوءها يكون أبيض، إلى أن تبرد آخرَ الأمر ولا تعود مرئية. وهكذا يمتد تاريخ حياة النجم ما بين مرحلتَي العملاق الأحمر والقزم الأبيض. أما النهاية فلا تبشِّر بخير كثير؛ إذ إن شمسنا ستغدو أسخن بعض الوقت، وتجعل المحيطات تغلي، بحيث إنه قد يتعين على البشر أن يهاجروا إلى كوكب أبعد، ولكنها ستبرد آخرَ الأمر، وتصبح قطعة من المادة باردة ميتة لا وجود للحياة في بيئتها. ولما كان هذا المصير ذاته ينتظر كل النجوم الأخرى، فإن الكون سيموت آخر الأمر ميتةَ التعادل الحراري التي تنبَّأ بها المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية (انظر الفصل العاشر).
أما الإجابة الثالثة فتتعلق بتاريخ المجرات. والمجرة مجموعة مؤلَّفة من مئات الملايين من النجوم؛ فشمسنا ومجموعتها الكوكبية تنتمي إلى المجرة التي نرى محيطها في السماء ليلًا، ونُطلِق عليه اسم درب التبانة Milky way. وهناك مجرات أخرى توجد في السُّدم الحلزونية، وهي تبعد عن مجرتنا ملايين السنين الضوئية، ويفصلها فضاءٌ هائل عنا وعن بعضها البعض. وتدل الملاحظات المطيافية التي كان هبل Hubble أول مَن قام بها، على أن جميع المجرات تقريبًا تبتعد عنا بسرعة هائلة، بحيث تزداد السرعة كلما كان السديم الحلزوني أبعد عن مجموعتنا. فإذا افترضنا أن كل مجرة كانت تتحرك على الدوام في مسارها بسرعة واحدة، فإننا نستطيع أن نحسب من أين أتت. وتدل الأرقام على أن جميع المجرات كانت، منذ حوالَي ألفَى مليون سنة، متجاورة في مكان واحد، وكانت تكون على الأرجح كرةً غازية هائلة ذات حرارة شديدة الارتفاع.

ولا شك أن ظهور الرقم «ألفَي مليون سنة» في كل هذه الحسابات هو أمرٌ مُلفِت للنظر إلى أبعد حد؛ إذ يبدو أن بداية كوننا، وشمسنا، وأرضنا، كانت منذ حوالَي ألفَى مليون سنة. ويظهر في مجال الفلك تطوُّر يُشير إلى وجود بداية مشتركة في عهد سحيق، تشهد بها أرقام علم الطيف وعلم الجيولوجيا، بل إن قِطَع الشُّهب، التي تصل إلى أرضنا في طريقها عبر الكون، تدل على نفس التاريخ مُنطبِعًا على مادتها، وذلك على أساس انحلال مادتها الإشعاعية. وإذن فقد كانت هناك، في قديم الزمان، كرةٌ غازية متوهِّجة هائلة، هي الأميبا التي انبثق منها الكون. على هذا النحو تبدأ قصة التطور.

فهل هذا كل ما يمكننا أن نسأل عنه؟ لقد تتبَّع العلم تاريخ الكون إلى وقت يرجع إلى الوراء ألفَي مليون سنة، فما الذي كان هناك قبل هذا التاريخ؟ وهل يحق لنا أن نتساءل عن كيفية ظهور الكرة الغازية الأولى إلى الوجود؟

إن مَن يسأل هذا السؤال يكون قد دخل أرض الفلسفة، والعالم الذي يحاول الإجابة عن هذا السؤال يتحول إلى فيلسوف؛ لذلك أودُّ أن أوضِّح ما ينبغي أن يُجيب به الفيلسوف الحديث.

لقد أجاب الفلاسفة التأمليون على هذا السؤال بابتداع مذهب في نشأة الكون كان يضع الخيال محلَّ العلم؛ أن يفترض فعلًا للخلق مِن لا شيء. وهي إجابة لا تعدو أن تكون تعبيرًا عن الجهل بالموضوع، مُختبئًا خلف قناع لا يصعب استشفاف ما وراءه. أما إذا مضينا أبعد من ذلك، وبنينا هذه الإجابة على أساس أننا سنظل إلى الأبد جاهلين، فإننا نكون بذلك قد نسبنا إلى أنفسنا — متنكِّرين في ثياب التواضع — قدرةً كاملة على استباق التطورات العلمية المُقبِلة.

أما الفيلسوف الحديث فيتخذ موقفًا مُغايِرًا؛ فهو يأبى تقديم إجابة قاطعة تؤدي إلى إعفاء العالم من مسئوليته، وكل ما يمكنه أن يفعله هو أن يوضِّح ما الذي يمكنه أن يوجِّهه من الأسئلة ذات المعنى، ويضع الخطوط العامة لعدة إجابات ممكنة، تاركًا للعالم مهمة تحديد الإجابة الصحيحة في يومٍ ما. والواقع أن الفيزياء الحديثة قدَّمت مواد كثيرة تُفيد في هذه المهمة المنطقية، وسوف تهتدي إلى وسائل لحلول أخرى، إذا اتضح أن الإجابات الممكنة المعروفة حاليًّا غير كافية.

إن السؤال عن كيفية تولُّد المادة من لا شيء، أو البحث عن علة أولى، علة الحادث الأول، أو الكون في مجموعه، ليس سؤالًا ذا معنًى؛ ذلك لأن التفسير على أساس العِلل أو الأسباب يعني الإشارة إلى حادث سابق يرتبط بالحادث اللاحق من خلال قوانين عامة؛ فلو كان ثمة حادثٌ أول، لما كان له سبب، ولما كان هناك معنًى لطلب تفسير له، ولكن ليس من الضروري أن يكون هناك حادث أول؛ ففي استطاعتنا أن نتخيل أن يكون كل حادث مسبوقًا بحادث أسبق، وأن الزمان ليست له بداية. ففكرة لا نهائية الزمان، في كلا الاتجاهَين، لا تُثير صعوبات أمام الذهن؛ إذ إننا نعلم أن سلسلة الأعداد لا نهاية لها، وأن لكل عدد عددًا أكبر منه، ولو أدرجنا الأعداد السلبية، لم تكن لسلسلة الأعداد بداية بالمثل؛ إذ إن لكل عدد عددًا أصغر منه. وقد عالجت الرياضيات بنجاح السلاسل اللانهائية، التي لا توجد لها بداية ولا نهاية، ولم تجد فيها شيئًا مُمتنِعًا. أما الاعتراض بأن من الضروري وجود حادث أول، أي بداية في الزمان، فيعبِّر عن موقف الذهن غير المدرَّب. فالمنطق لا يُنبِئنا بأي شيء عن تركيب الزمان، وهو يمدُّنا بوسائل معالجة السلاسل اللامتناهية التي ليست لها بداية، مثلما يمدُّنا بوسائل معالجة السلاسل المتناهية التي لها بداية. فإذا كانت الشواهد العلمية تؤيِّد القول بزمانٍ لا نهائي، صادر عن اللانهائية وصادر إلى اللانهائية، فليس للمنطق اعتراض على ذلك.

إن مِن الحُجج الأثيرة لدى الفلسفات المضادة للعلم، القول إن التفسير ينبغي أن يتوقف عند نقطة ما، وإنه ستظل هناك أسئلة لا إجابة لها. غير أن الأسئلة التي يقصدونها عندئذٍ إنما هي أسئلة تكوَّنت نتيجة لسوء استخدام الألفاظ. فالألفاظ التي يكون لها معنًى في تجمُّع معيَّن قد لا يكون لها معنًى في تجمُّع آخر، فهل يمكن ثمة أبٌ لم يكن له ابن أبدًا؟ إن كل شخص لا بد أن يسخر من الفيلسوف الذي يرى في هذا السؤال مشكلة جدية. ومع ذلك فإن السؤال عن سبب الحادث الأول، أو سبب الكون في مجموعه، ليس أفضل من ذلك؛ فكلمة «سبب» تعبِّر عن علاقة بين شيئَين، وهي لا تعود مُنطبِقة عندما يكون الكلام مُنصبًّا على شيء واحد. وعلى ذلك فليس للكون في مجموعه سببٌ؛ لأنه لا يوجد، حسب التعريف، شيءٌ خارجه يمكن أن يكون سببًا له. والواقع أن هذا النوع من الأسئلة إنما هو لغوٌ لفظيٌّ خاوٍ، وليس مناقشة فلسفية.

أما العلم، فبدلًا من أن يسأل عن أصل الكون، فإنه لا يستطيع أن يسأل إلا عن سبب الحالة الراهنة للكون، ومهمته تنحصر في الرجوع تدريجيًّا بالتاريخ الذي يمكنه على أساسه أن يصف الكون من خلال قوانين الطبيعة. وفي يومنا هذا يبلغ هذا التاريخ ألفَي مليون عام، وهي مدة زمنية طويلة، من المؤكَّد أن استخلاصها من ملاحظات فلكية يُعَد عملًا علميًّا من الطراز الأول، وقد يُحدِّد هذا التاريخ يومًا بالرجوع إلى الوراء ألفَي مليون عام أخرى.

أما السبب الذي نودُّ من أجله الرجوع بهذا التاريخ إلى الوراء، فهو أن الكرة الغازية الساخنة التي يحيط بها فضاء، ليست حالة مناسبة لتكون نقطة بداية، وإنما هي تقتضي تفسيرًا من خلال تاريخ أسبق، ولا يمكن أن تكون هذه حالة استمرَّت طويلًا؛ لأنها ليست حالة مُتوازِنة. ومِن الجائز أن الكرة الغازية ستُفسَّر يومًا على أنها سديم في كون أعظم، مرَّ بتطور مُماثِل لتطور كوننا، فلسنا نعلم ماذا ستُنبِئنا به مَناظير الغد الفلكية؛ فربما نقلت إلينا رسالة من سُدُم حلزونية أبعد لا تنتمي إلى نظامنا الكوني المتمدِّد (انظر الهامش الأخير من هذا الفصل).

على أن نظرية النسبية عند أينشتين تأتينا بتفسير أفضل لكرة الغاز الأصلية؛ ففي رأي أينشتين أن الكون ليس لا مُتناهيًا، وإنما هو مكان من النوع الذي تسري عليه هندسة ريمان، ذو شكل كروي. وليس معنى ذلك أن الكون مُقفَل بنوع من القشرة الكروية، توجد بدورها في فضاء لا مُتناهٍ، وإنما معناه أن مجموع المكان متناهٍ، دون أن تكون له حدود. فحيثما كنا، نجد على الدوام مكانًا محيطًا بنا في الاتجاهات، ولا تبدو للعيان نهاية له، ولكنا إذا تحرَّكنا قدمًا في خط مستقيم، فسوف تعود يومًا ما إلى نقطة بدايتنا من الاتجاه الآخر. ونستطيع أن نُشبِّه خواص المكان الثلاثي الأبعاد هذه بالخصائص الملاحظة لسطح أرضنا الثنائي الأبعاد، الذي يتمثل في جميع أرجائه على أنه سطحٌ مُستوٍ تقريبًا. على حين أن مجموعة من المساحات كلها مُقفَل، بحيث إن مَن يسير في خط مستقيم يعود آخرَ الأمر إلى نقطة بدايته. فالمكان المُقفَل، شأنه شأن كل المفاهيم الأخرى في الهندسة اللاإقليدية، يمكن تصويره بصريًّا، على الرغم من أن هذا التصور البصري يقتضي بعض المِران من أجل التخلص مِن تعوُّدنا على بيئة هندسية أبسط.

وقد قام العالمان الرياضيان فريدمان Friedmann ولوميتر Lemaitre بإدخال تعديل على آراء أينشتين هذه، بحيث أصبحت تقوم على افتراض أن مجموع المكان المتناهي ليس له حجم ثابت، وإنما هو يتمدد. ونستطيع أن نشبِّه هذا التمدد بامتداد سطح «بالون» من المطاط أثناء نفخه. فمنذ حوالَي ألفَي مليون عام، كان المكان الكوني صغيرًا إلى حدٍّ ما، وكان يملؤه كله الغاز الأول، ولكنه منذ ذلك الوقت يتمدد بالسرعة التي تدل عليها سرعة المجرات المتباعدة. وإنه لمِن الحقائق الهامة أن رياضيات النظرية النسبية تفتح المجال للقول بمثل هذا الكون المتمدد، وإن لم تكن تؤدي إلى إجابة لا لبس فيها ولا غموض؛ فمعادلات أينشتين هي ما يسمِّيه الرياضي بالمعادلات التفاضلية، ومثل هذه المعادلات تقبَل كثرة من الحلول المختلفة. ويحاول العالم الفيزيائي أن يختار الحل الذي يُلائم نتائج الملاحظات على أفضل وجه؛ ففي الوقت الراهن ما زالت الملاحظات الفلكية أقل من أن تسمح بإجابة قاطعة.

ولا شك أن حل مشكلة بداية الكون كان يغدو أفضل بكثير لو أننا استطعنا أن نضع صيغة تحدِّد حالة سابقة بالنسبة إلى كل حالة فعلية؛ وبالتالي تتحكم في التطور الكامل لمدةٍ لا نهائية في الماضي، بدلًا من أن نترك على الدوام للعلم في مرحلة جديدة منه مهمة الرجوع بتاريخ الخطوة الأولى إلى الوراء أكثر من ذلك. والواقع أن القول بتمدد الكون يحقِّق هذا الإمكان؛ لأن هناك حلولًا للمعادلات النسبية من شأنها أن يكون الكون قد استغرق زمنًا لا نهائيًّا لكي ينمو من حجم الصفر إلى الحجم الصغير الذي كان عليه منذ ألفَي مليون سنة. كذلك يمكن تنويع الحل إلى حدٍّ ما، بحيث يكون للمرحلة الأصلية في الماضي اللانهائي حجم متناهٍ صغير. ونستطيع أن نُضيف إلى هذه الصيغة الرياضية التفسير التالي: كان الغاز الذي يملأ الكون في حالة ثابتة، طوال الوقت الذي ظل فيه الكون صغيرًا، ولم يبدأ الغاز في الانقسام إلى أجزاء مُنفرِدة تحوَّلت بقوة الجاذبية إلى نجوم إلا بعد أن بلغ حجمًا معيَّنًا. والواقع أن في استطاعة الصيغة الرياضية للكون المتمدِّد، مقترنةً بهذا التفسير، أن تُجيب على جميع الأسئلة التي يكون من المعقول توجيهها، وفي هذه الحالة لن تقول إن الكون كان له في أي وقت حجم الصفر، أو حجم يبلغ الحد الأقصى من الصغر، ما دام كل ما تقول به هو وجود وحدة اتجاه مُتقارِبة في البداية، وإن كانت ستُجيب دفعةً واحدة عن جميع الأسئلة مِن نوع «ماذا كان سبب هذه الحالة» بأن تعزو إلى كل حالة معطاة حالةً سابقة؛ وعندئذٍ تكون الإجابة على السؤال عن أصل الكون مُماثِلة للإجابة على السؤال عن العدد الأصغر؛ فصيغة التمدد تقول إنه ليس للكون أصل، وإنما توجد سلسلةٌ لا نهاية لها من الحالات التي يمكن حسابها، والمرتَّبة في الزمان. وبقي علينا أن نرى إن كان هذا التفسير متمشِّيًا مع المعطيات الفلكية.

وقد قال إدنجتن Eddington برأيٍ مُخالف إلى حدٍّ ما، وإن كان يسير في نفس الاتجاه؛ فهو يرى أن الكون الصغير المُقفَل، الذي يملؤه غازٌ متوهِّج، يمكن أن يدوم وقتًا طويلًا؛ وبذلك يكون في حالة اتزان، على خلاف كرة الغاز المعلَّقة في كونٍ لا نهائي، غير أنه لا يكون في حالة توازُن ثابت من حيث إن أبسط اضطراب يحدث فيه يؤدي إلى بدء حركة تمدُّد، تُفضي إلى التطور الذي يدوم اثنَي عشر ألف مليون من السنين، وهو التطور الذي تقول به قوانين الفيزياء الفلكية. ومن الممكن إثبات أن عدم الاستقرار الذي يشير إليه هذا الفهم، هو نتيجة للمعادلات النسبية. وبعد فترة التطور يصل الكون مرةً أخرى إلى حالة التوازن، ولكنه يكون ميتًا؛ نظرًا إلى التدهور الديناميكي الحراري. وهذا معناه أن التوازن ثابت، وأن الاضطرابات البسيطة لا تستطيع أن تؤدي إلى بدء أي تغيُّر هام. والواقع أن هذه الصورة مُشابِهة إلى حدٍّ يدعو إلى الدهشة لنظرية ديمقريطس وأبيقور في الذرات التي ظلَّت تتحرك بانتظام في الفضاء زمنًا لا متناهيًّا، حتى حدث اضطراب بسيط، أدَّى عن طريق سلسلة من ردود الأفعال إلى تحويل الحركة المُنتظِمة إلى خليط مُضطرِب، تطوَّرت منه التركيبات المعقَّدة لعالمنا. ويبدو أن الفيزياء القائلة باللاتحدد تقبَل افتراض أبيقور الذي يقول بحدوث اضطراب بسيط لا سبب له، وهو الافتراض الذي قُوبِل في كثير من الأحيان بهجوم من أنصار الحتمية الدقيقة؛ فميكانيكا الكوانتم خليقةٌ بأن تنظر إلى الغاز الأول على أنه يتعرض لتقلبات تحكمها قوانين الصدفة، وليس ثمة صعوبةٌ في افتراض أنه قد مرَّ وقت طويل قبل أن تُنتِج الصدفة حالةً متغيِّرة تبلغ من الضخامة حدًّا يكفي لبدء التمدد في الكون. فالتخلي عن الحتمية يجعل من الممكن تصوُّر بداية للتطور لا تكون خلقًا، وإنما تكون نتاجًا للصدفة. وتتميز تلك البداية بأنها متدرِّجة؛ لأن الانتقال من التغيرات التي تحدث بالصدفة إلى الاضطراب (الذي يبدأ به التطور) مستمِرٌّ، ولا يمكن أن يُعزى إلى نقطة زمنية معيَّنة.
وهناك أيضًا احتمال لحل مختلف كل الاختلاف؛ فدراسة الترتيب الزمني قد أفضت بنا إلى النتيجة القائلة إن اتجاه الزمان مستمَدٌّ من عدم قابلية العمليات الديناميكية الحرارية للانعكاس؛ وهو بالتالي مسألة إحصائية (انظر الفصل العاشر). ومن المحتمل جدًّا — وإن لم يكن من المؤكَّد على نحو مُطلَق — أن الطاقة تسير في خط هابط من أشكال أعلى إلى حالة من الحرارة المتجانسة؛ وعلى ذلك فإن هذا المسار الهابط للكون هو مسألة إحصائية، وليس من المستحيل أن تحدث عمليات عكسية، وأن يسير الكون في مَسار صاعد وقتًا ما. والواقع أن العبارة «وقتًا ما» في هذه الجملة معنًى مشكوك فيه؛ لأنه إذا كان الكون يتجه في مَسار صاعد، فإن ما نسمِّيه باتجاه الزمان يكون اتجاهًا عكسيًّا؛ وعندئذٍ ينظر البشر الذين يعيشون في فترة كهذه إلى هذا الاتجاه العكسي على أنه اتجاه «الصيرورة». والواقع أن هذا الاحتمال الذي نُشير إليه، والذي تصوَّره بولتسمان Boltzmann لا يعني أقل مِن أنه لا يوجد تعاقُب زمني في خط واحد بالنسبة إلى الكون بأسره، وإنما ينحلُّ الزمان إلى خيوط متفرِّقة، لكلٍّ منها ترتيب متسلسل، على حين أنه لا يوجد زمان أعلى يمكن ترتيب الخيوط ذاتها على أساسه. فالزمان في كل خيط يُستنفَد نحو كلا الطرفَين، دون أن ينتهي في نقطة فاصلة محدَّدة المعالم، وكأنه نهر يصبُّ في صحراء. وقد يكون الامتداد الزمني الذي يعزوه الفلكيون إلى كوننا، من ألفَي مليون سنة في الماضي إلى عشرة آلاف مليون سنة في المستقبل قد يكون واحدًا من هذه الخيوط الزمنية. والواقع أنه لم تجرِ أبحاث كثيرة حول طبيعة هذا الزمان المتقطِّع، ولكن ليس مِن شك في أنه يمدُّنا بأحد الأشكال المُمكِنة لحل مشكلة الزمان.
وبهذه المناسبة، فمِن الواجب الربط بين رأي إدنجتن في بداية العالم بدوره وبين مثل هذا التحليل للزمان؛ فكما يقول إدنجتن، فإن فترة التطور هي وحدها التي يمكن، تبعًا لهذا الرأي، أن تُعَد ذات زمان، أما فترتا التوازن الطويلتان قبل هذا الخيط الزماني وبعده فلا يمكن أن يقال إن لهما ترتيبًا زمنيًّا؛ لأنهما لا تمثِّلان عملية غير قابلة للانعكاس؛ وعلى ذلك فليس ثمة فارقٌ كبير بين النظر إليهما على أنهما متناهيتان أو على أنهما لا متناهيتان. فالقول بأنهما متناهيتان، والسؤال عما كان قبل الفترة الراكدة الأولى، أو ما سيكون بعد الثانية؛ يعني استخدام زمان أعلى Supertime. رأينا مِن قبلُ أن من المستحيل تعريفه على نحوٍ ذي معنًى. ويبدو أنه ليس ثمة سببٌ لوصف الكون على أساس مقياس زماني لا متناهٍ، هو على أية حال صيغةٌ رياضية أكثر منه نتيجة يؤيِّدها الواقع الفيزيائي. فمِن الممكن دائما تفسير الظواهر الملاحظة على أساس خيط زماني متناهٍ، يمتد من حالة لا زمانية إلى أخرى دون نقطة بداية أو نقطة نهاية محدَّدة المعالم.
هذه بعض الإجابات الممكنة للسؤال عن أصل الكون. أما الإجابة الحقيقية فسوف يقرِّرها العلم يومًا ما. وما زال الجدل يثور حول مشكلة الكون الذي هو مُقفَل ولكنه متمدِّد؛ إذ إن الأدلة الفلكية المتوافرة بشأنها الآن ليست قاطعة، ولا بد للوصول إلى حل من انتظار مواد مستمَدة من الملاحظة، تزيد بكثير عما هو موجود.٢ وعلى الرغم من صعوبة الاهتداء إلى إجابة، فليس ثمة سببٌ يدعو إلى إقفال باب المناقشة في موضوع التطور بتأكيد قطعي نجزم فيه بأننا «لن نعرف أبدًا». فأولئك الذين يُؤمِنون أن الكلمة الأخيرة ينبغي أن تكون من هذا النوع، يتعين عليهم أن يُعيدوا اختبار أسئلتهم، وسيجدون أن ما كانوا يسألون عنه لا معنى له؛ فليس مما له معنًى أن يتساءل المرء عن سبب الكون، بل إن كل تفسير ينبغي أن يبدأ بأمر واقع معيَّن. وكل ما يستطيع العلم أن يفعله هو أن يعود بالأمر الواقع إلى موضع منطقي معيَّن يكون فيه قادرًا على تقديم أقصى حد من التفسير.

إن استبعاد الأسئلة التي لا معنى لها من مجال الفلسفة أمرٌ عسير؛ لأن هناك نوعًا معيَّنًا من العقلية يسعى إلى البحث عن أسئلة لا يمكن الإجابة عنها. على أن الرغبة في إثبات أن للعلم قدرة محدودة، وأن أُسُسه النهائية تعتمد على نوع من الإيمان لا على المعرفة، هي رغبة يمكن تفسيرها على أساس علم النفس والتربية، ولكنها لا تجد تأييدًا من المنطق؛ فهناك علماء يشعرون بالفخر عندما تنتهي محاضراتهم عن التطور بدليل مزعوم على أنه ستبقى هناك أسئلة يعجز العالم عن الإجابة عليها. وكثيرًا ما يستشهد الناس بآراء هؤلاء العلماء بوصفها دليلًا على عدم كفاية الفلسفة العلمية. ومع ذلك فكل ما تُثبِته هذه الآراء هو أن الإعداد العلمي لا يكفي في كل الأحيان لإكساب العالم القدرة على مقاومة إغراء تلك الفلسفة التي تدعو إلى الاستسلام لنوع من الإيمان. أما مَن كانت الحقيقة ضالته المنشودة فعليه ألا يستسلم لتخدير الاعتقادات المسلَّم بها؛ حتى لا تهدأ في نفسه سَورة البحث؛ ذلك لأن العلم سيِّد نفسه، وهو لا يعترف بسلطة تخرج عن حدوده.

١  نُفِّذ المشروع بعد تأليف هذا الكتاب بسنة واحدة؛ إذ إن الولايات المتحدة فجَّرت أُولى قنابلها الهيدروجينية في عام ١٩٥٢م. (المترجِم)
٢  في استطاعة المِنظار الفلكي الجديد في «ماونت بالومار Mount Palomar» بكاليفورنيا أن يُضاعِف نطاق النجوم والسُّدم الملاحظة. ولو أمكن وضع منظار على القمر لأمكن إدراك نطاق أوسع بكثير؛ إذ إن عدم وجود غلاف جوي يُتيح لنا أن نرى في الكون مسافةً أبعد مائة أو ألف مرة مما هو ممكن في الوقت الحالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠