الفصل الأول

مُقاربات جينالولوجية

في اللغة والحراك السوسيوثقافي الأفروآسيوي

مدخل

في هذه الورقة١ ثلاثة مُوجِّهات يمكن ترتيبها كالآتي:
  • (١)

    إن التآثر اللغوي والاجتماعي الأفروآسيوي كان وما زال ظاهرة لا تخلو منها مرحلة من مراحل التاريخ، بغض النظر عن سجلات هذه الظاهرة، ما حفظته الشواهد الأركيولوجية والأنثروبولوجية، وما لم تحفظه منها.

  • (٢)

    إن مسارات هذا التآثر، جيئة وذَهابًا، من شرق أفريقيا وشمالها إلى غرب الجزيرة جنوبًا وشَمالًا؛ لم تكن أُحاديَّةً، ولا يمكن التسليم بنَسَقِيَّتها، استنادًا إلى خضوعها لظروف متغيرة، متبدِّلة، منها ما هو بيئي، ومنها ما هو اجتماعي وديني.

  • (٣)

    إن انعكاس فهم هذا التآثر على البحث العلمي في تاريخ الحضارات، وفي اللغويات التاريخية على الأخص، يستند — في أغلبه — إلى قراءات من خارجه، وضعها ورسَّخها غربيُّون، أو محليُّون واصلوا نهجهم وساروا على خُطاهم. والكثير من هذه القراءات أنتج مُسَلَّمات بحث لم نستطع تجاوزها إلا مؤخَّرًا، وأعتقد أننا يجب ألا نتوقَّف عن مُساءلتها في ضوء ما نتوصَّل به من نتائج قد تُعدُّ خطأً وَفقًا لمنطق البحث التقليدي.

(١) اللغة والحضارة

يعتقد كل شَعب أن لغته تتميَّز عن لغات غيره من الشعوب؛ بكمالها، أو بقُدسيَّتها، أو باستطاعتها استيعابَ نصوص وآداب أكثر براعةً، كما يعتقد أن غيره من الشعوب يظل أقلَّ قدرةً منه على امتلاك ناصية التعبير بالكلمات عن المعنوي واللامرئي والغائب.

والنظر إلى اللغة الأم ولغة الآخر على هذا النحو، هو جزء من خيالٍ وصفيٍّ عام يتمركز حول الذات، ويشي بتوضيع الآخر على أطراف مسارات التواصُل، سالبًا منه قدرته على الإسهام في تفعيل هذه المسارات؛ فالآخرون في مثل هذا الخطاب، القائم على نزع الاعتراف، تعوزهم على الدوام خصائص الاكتمال، وهم يتدرَّجون من مرتبة أدنى تُنزَع عنهم فيها صفتهم البشرية إلى مراتب أكثر اعتدالًا تصفهم بالتخلُّف أو الجهل. ومبدأ هذا الخطاب ما زال يواصل اشتغاله إلى يوم الناس هذا، إلا أنه قديم قِدَمَ اكتشاف البشر لاختلاف ألسنتهم، ويمكننا التفكير في الكثير من الشواهد التي أنتجتها الحضارات كافَّة، إلا أنني أُحيلُكم إلى بليني الأكبر، الذي نقل عن هيرودوت أغرب ما يمكن أن يقرأه المرء في تاريخ معرفة الآخر، وأضاف إليه الأكثر غرابة و«إتحافًا». يقول بليني: إن قبائل لِيبيَّة من سكان الأطلس لا لسان لها، وإنها «تُهَمْهِم» و«تُومئ» كي تتمكن من التواصل. وهناك بالطبع صور أخرى (مثل أن قبائل أخرى لا ترى أحلامًا في منامها)، ولكن هذا الاقتباس يفي بالغرض.

ومن أقدم الأمثلة على مبدأ سلب الاعتراف بالآخر، أن قدماء المصريين ميَّزوا أنفسهم باعتبار أنهم «الناس» وحدهم، في مقابل اللِّيبيين أو الآسيويين أو الأفارقة؛ فكلمة «أُناس» كانت تعني المصريين وحدهم متى وردَت، لا غيرهم. وخطابهم: نحن «البشر» الذين لا يعوزهم شيء من الإنسانية، أمَّا الآخرون فلا. كما أن كلمة «الأرض» لم تكن لتعني سوى أرض مصر نفسها.

هكذا أطلق الإغريق كلمة barbaros على غيرهم من الشعوب التي لم تتَّصل لغويًّا بها، وهي كلمة كانت تدلُّ، قبل أن يجري وقفُها على هذا المعنى، على العِيِّ وعدم استطاعة الكلام بطلاقة، المعنى الذي نكتشفه من مقارنة هذا اللفظ باللفظ اللاتيني balbus الذي يدلُّ على مَن يُتَمْتِمُ إذا تكلَّم. وفي مثالٍ حديثٍ فإن الروس وصفوا الألمانَ بأنهم أصحاب الألسنة المعقودة أو البُكْم.

لكن لغات الأغراب في الأوصاف المصرية والإغريقية واللاتينية، لم تكن في الغالب تشمل أولئك الذين يهاجرون ليتوطنوا مصر أو أثينا أو روما، ولم يكن الشعور السائد نوعًا من «الإكزنوفوبيا» أو كُره الغريب، بل مسألة جغرافيا وعُرْف وعادة، حتى إن الذين هاجروا إلى مصر ليستقِرُّوا بها، يتحدثون لغة شعبها، ويؤمنون بمعتقداتهم، ويمارسون أنماط إنتاجهم، ويرتدون أزياءهم، ويقبلون أنظمة حياتهم؛ كانوا يتحولون تلقائيًّا إلى جزء من «الناس» في عُرف المصريين، بل قد يُتاح لهم الوصول إلى السلطة ليصبح أحدهم ملكًا-إلهًا، يمتلك البلاد والعباد.

كلمة «بربر»، إذن، لم يخترها الأمازيغ أنفسهم، وهي في ذلك مثل كلمة شُومر أو سُومر، التي استعملها الأَكَديون لوصف جيرانهم. وأعتقد أن المصريين القدماء هم من أطلقها بمعنى الحُلفاء، من su أي الناس، البشر، وmer أي الأصدقاء. وأرى أن بحث الأركيولوجيين عن هذه المدينة في العراق سينتهي بلا طائل؛ لأن سُومر ليست سوى صفة لسكان المُدُن القديمة: أور، وأوروك، وشروباك … وغيرها، دون أن يعني ذلك مكانًا بعَينه. كلمة بربر هي أيضًا مثل كلمة عرب، التي يمكن تأصيلها سُومريًّا. والقاعدة العامة هي أن أسماء الشعوب مستعارة، وأنها نادرًا ما تكون من ابتكار الشعوب نفسها.
لكننا، بالاستفاضة في تأمُّل هذه الكلمة، يمكننا مقاربة مظهر من مظاهر التواصل اللغوي، وما أودُّ الإشارة إليه هنا هو العلاقة بين بربر وبابل (أو باب-إل bab-el) التي استقرَّ تأويلها في الذاكرة الإنسانية بالعودة إلى البَلْبَلَة من خلال الشُّرَّاح اليهود والعرب.
فالإبدال بين صوتَي الراء واللام ظاهرة تسود المتوسط وجواره وما هو أبعد، فكأنما اللسان بإطلاقه قابل دائمًا لإبدال الصوتَين أحدهما بالآخر، بما يتوافر له من تهيؤ اجتماعي وثقافي، وفي ذلك أمثلة عديدة لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، ﻓ Barber وBabel إذن هما هما. وللعرب في تأكيد هذه التسمية — كما كان لليهود — دور ولا بدَّ؛ لقد جعلوا بابل من بلبل، قيل: بلبل الله ألسنتهم. أي أنشأ فيها الرَّطانة فلم يعُد أحدٌ يفهم أحدًا. وذلك هو أصل التسمية «بربر»، ارتحل إلى اليونانية Barbaros.

أما العرب فإنهم جعلوا من الشعوب المحيطة بهم أصحاب رَطانات غير مفهومة؛ فوصفوا الروم بالعَجَم، وهي كلمة تشترك في الجذر نفسه مع الأعاجم، أي الحيوانات البَكماء. وأنزلوا لغتهم مَنزِلة مُقدَّسة؛ فجعلوا لها أصلًا إلهيًّا؛ بها كلَّم الله أول خَلقه، وبها أنزل كتابه، وبها سيتكلم يوم القيامة، ولهم في وصفها وتبجيلها، ببيان تَميُّزِها، مُصنَّفات كثيرة. كما جعلوا منها أصل اللغات، وهو ما يشتركون فيه مع الطورانيين، واليهود … وغيرهم من الشعوب التي رأت في لغاتها أُصولًا تفرَّعت عنها لغات الأرض، وهو توجُّهٌ مِيثيٌّ رفَده البحث العلمي بالركون إلى أصلٍ افتراضي كلما جِيء إلى بحث التآثر اللغوي، كما في مثالَي: الهندوأوروبية الأم، والسامية الأم؛ فالقرابة بين اللغات أدت على الدوام إلى فرضية الأصل الغائب الذي حاول الجميع اكتشافه في لغتهم، وترجيح أمثلته وشواهده بالاعتماد على ثلاثة افتراضات ضمنية؛ الأول: هو الأسبقية الزمنية، أي افتراض وجود لغة مكتملة النُّمو مؤهَّلة لأن تُضفي تأثيرها على غيرها من اللغات؛ والثاني: هو افتراض نسَق أُحادي الاتجاه يسمح بالتأثر أو التأثير بين اللغات، لا التآثر المشترك؛ والثالث هو قصْر العلاقة بين اللغات على المستويَينِ المعجمي والصَّرْفي، أي ضمن حدود اللغوي فقط، دون التركيز على دَور المعطيات الأنثروبولوجية والإثنية والمعتقدية والتاريخية في هذه العلاقة.

(٢) تأويل اللغة الأسطوري

تأخذ اللغة لدى معظم الشعوب سِمة الرمز الجَمْعي بوصفها مكوَّنًا مِيثيًّا ميَّز شعبًا ما عن سواه، أو أفرد لشعب ما استحقاقًا يُخَصُّ به، فترعاه الآلهة وتباركه، في حين تترك غيرهم من الأقوام يكدحون لينالوا أهليتهم بالعبودية بفعل مُنجَزٍ إنساني، بل إن بعضهم لُعنوا، ولا سبيل أمامهم لنيل رضا الآلهة مهما بلغ مُنجَزهم من إعجاز. في التوراة قامت الآلهة بالدفاع عن نفسها بأن شتَّتَت البشر وبلبَلَت ألسنتهم؛ كي تستطيع أن تهيمن عليهم إلى الأبد، بعد أن أصبح في إمكانهم أن يتكلموا «لسانًا واحدًا».

فالإنسان المقيَّد إلى الأرض في علاقته بالسماء، وإلى لغته في علاقته بالآخَر، يستطيع مضاهاة الآلهة بهذَين الشرطَين: الارتفاع، ووحدة اللغة؛ فالارتفاع يعني المعرفة؛ لأنه يجعل الإنسان يطأ سكن الآلهة، فيطَّلع على معاشها ويكشف أسرارها؛ ووحدة اللغة تعني أن البشر جميعًا أصبحوا «واحدًا» له القدرة على الخلق؛ لأن اللغة الواحدة هي التي تجمع الآلهة على اختلافها وخلافها، وتعطيها قُدرةَ أن تخلق.

والخَلْق بالكلمة صورة متكررة في النصوص المقدَّسة؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية، كما أن عهد الإله مع البشر، هو عهد لُغوي، وهو يشكِّل أيضًا جزءًا من المشترك الأُسطوري في الشرق الأدنى، ضمن مشتركات أسطورية أخرى لعل أبرزها الخلق من فَخَّار (صلصال)، أي من لوح الكتابة، بتحويل الكلمات (الروح) إلى أشياء (جسد)؛ فالصلصال أمام يد الإله هو جسد الإنسان، وأمام يد الإنسان هو جسد الكتابة. الكتابة منذ القِدَم صِنْوُ الخلق.

وفكرة الخلق من صلصال، كما هي فكرةُ عهدِ الآلهة، اعتقادٌ يعود، ضمن معتقدات عديدة أخرى تَتَمحْور حول اللغة والكتابة، إلى السُّومَريِّين.

لقد كانت الكتابة في معتقدات الشرق القديم هي استظهار المقدَّس، وكان الكاتب سيدًا، وهو الأقرب إلى الآلهة. كان آشور بانيبال يفتخر أن الآلهة وهبته «علم الكتابة»، ولكنه كان أيضًا يتمنى الأكثر؛ أن يقرأ «ألواح ما قبل الطوفان» التي لم يستطع فكَّ رُموزها؛ لأنه لم يكن مُهيَّأً لمعرفة سرِّ التكوين، الذي يعني أيضًا سرَّ الخلود، وهو امتياز وُهِب لأوتنَبشتِم وحده، وعجز حفيده گِلگَمش عن بلوغه ليعيش بقية عمره مقيَّدًا بشرط الموت كإنسانٍ فانٍ. أما مع اليونانيِّين فإن الكتابة ستتحول إلى فعل مُدنَّس، سيصبح الكاتب عبدًا، وفعل الكتابة تحقيرٌ لا يليق بالسادة الأثِينيِّين، ونستطيع بدءًا من أفلاطون أن نتحدث عن «الكتابة المُدنَّسة»، كما يقول جاك دريدا. ربما مع الفينيقيِّينَ في البحر المتوسط ستصبح الكتابة فعلًا إنسانيًّا، وشرطَ معرفةٍ، وتكتسب بُعدًا حسيًّا جديدًا.

إن هذه المظاهر المتعددة، المتبايِنة، التي تَسِم اللغة والكتابة تؤشِّر على ضرورة تأويل قِدَم تآثر وتواتُر الألسن، باستظهار آلية هجراتها وتنقُّلاتها، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى إعادة بناء تصوُّر نظري عام عن انتشار وتآثر اللغات تاريخيًّا. وقد كانت المهمة التي اضطلع بها كتابي «ما قبل اللغة» مَبعثَ اعتراضات كثيرة، ولكن ما يعني الكثير بالنسبة إلى فرضيات هذا الكتاب، هو القيام بما أرى فيه خطوة أولى لبدء بحث جادٍّ يُسقط عن نوازعه أصولًا تحكَّمت طويلًا في تفكيرنا، أعني على وجه التحديد ما صنعته بنا الأُسُس المِيثيَّة في تناول مسألة اللسان واللغة.

لقد كان عملي في كتاب «ما قبل اللغة» يرتكز على تتبُّع التغيُّرات الصوتية (الفونيطيقية) التي أصابت سلسلة الألسن الأفروآسيوية واستظهارها، وأقدم تدوين لها نعثر عليه بالخط المسماري، على ضفاف الفُرات، الخط الذي دُوِّنت به السُّومَرية والأَكَديَّة وتفرُّعات هذه الأخيرة. وخلَصتُ فيه إلى أن الضمائم الأفروآسيوية مُتحدِّرة من السُّومَرية، وأن المقاطع السومرية المفرَدة والمثنَّاة متوطِّنةٌ قارَّةٌ في العربية والآرامية والأمازيغية والأَمْهرية … وغيرها من بقية لغات الفروع والمجموعات الأفروآسيوية. أما المعجم التأثيلي المتاح الآن فإنه يُلَبي اشتراطات هذه الفرضية، بدءًا من استظهار الفونيمات المفردة إلى الكلمات المقطعية السُّومَرية في تحوُّلاتها التدرُّجيَّة إلى جذور ثُنائيَّة وثُلاثيَّة.

لقد عُدَّت السُّومَرية لغة منعزلة، لم تُفلح مقارنتُها بالعديد من اللغات المجاورة لها، ولم تُسفِر عن شيء. وهذه في الأصل قراءة استشراقية انتشرت وغلبت على الوسط العلمي، فتحدَّث بها الدارسون من علماء الآشوريات، وجعلوا التسلسُل السامي يبدأ من الأَكَديَّة، التي كُتبت بالخط المسماري المقطعي الذي كُتبت به اللغة السُّومرية، دون أن يقيموا تماثُلًا بين اللغتَين، إلا إن تتبُّع المقطع السُّومري يَشي بمسارات شتَّى هاجرت فيها المفردات، تبدَّلت وتحوَّرت، كَمَنَتْ وظهرت، اتصلت وانعزلت … إلى آخر ذلك من أشكال التأثر والتواصل. وقد نشأت عن هذا المنهج في تتبُّع اللغة العربية وتأثيلها فرضيةٌ تذهب إلى أن هذه اللغة كانت قائمة قبل ظهور العرب أنفسهم، أي قبل أن يُعرَفوا باسمهم هذا بزمن طويل، وقد يجد الكثيرون أن طرحًا كهذا لا يقبل الإثبات تاريخيًّا، نعم، إننا خارج اللغة لا نجد إلا حدًّا أدنى من الشواهد المباشرة، هذا صحيح، وقد سبق لدِي سوسير أن أشار إلى الوهم الكبير الكامن وراء القول بإمكانية العودة عبر العصور لإعادة بناء ألسنة تحدثت بها شعوب ما قبل التاريخ، في عملية تتداخل فيها اللغات بالأنساق الاجتماعيَّة، بحيث يتوزع البحث بين الكلمات والعادات والمعتقدات في توليفة لغوية، أنثروبولوجية، إثنولوجية. لكن اعتراضه كان يتعلق أساسًا بالذهاب إلى أبعد مما تُتيحه لنا المعرفة اللغوية، كأن نعمد من وراء قرابة لغوية إلى بعث قرابة سُلالية أو عِرقية (إثنية) لا منطقَ يُسوِّغها سوى عدد من التشابهات المعجَمية. إننا نستطيع التأكيد على أن مطابقةً ما تجري بين «الحقيقة اللغوية» و«الحقيقة التاريخية» سوف تقود إلى فتح القراءة على تأويلات لا مُنتهية، إلا أننا نستطيع الذهاب من ناحية أخرى إلى أن هذين الحدَّينِ تجمعهما تماسَّات ثابتة هي أوضح من أن تُغفَل.

يمكننا أن نلجأ بمنهج استرجاعي إلى إعادة تصوُّر ما يمكن تسميته «وضعًا لغويًّا» لمنطقة الشرق الأدنى الذي يشمل شمال الجزيرة وجنوبها، وشمال أفريقيا وشرقها، مع ما يمكن أن يَرفده من شواهد أنثروبولوجية وأركيولوجية، وتتيح لنا الصلة بالسومرية إعادة التفكير على أساس الانتشار المتحوِّل، دون أن يعني ذلك الوقوع في الإطلاق والتعميم؛ فالإطلاق والتعميم لا يقودان سوى إلى بعث مِيثيَّة جديدة.

(٣) المثال القَرطاجي

جعل الفينيقيون والإغريق واللاتين حوض البحر المتوسط مجالًا لغويًّا متعددًا، ولا يُجانبنا الصواب إذا قلنا إنه كان يندُر وجود بلد من بلدان المتوسط لم يتجاور فيه لسانان أو أكثر في الوقت نفسه. فعندما تأسست قَرطاج وانتشرت محطات الفينيقيِّين التِّجارية في القرن السابع ق.م. سادت اللغة الكنعانية (الفينيقية) إلى جانب اللغة الليبية القديمة، لغة السكان الأصليِّين، وفي مرحلة لاحقة من القرن الثالث ق.م. جاورت اللاتينية هاتَين اللغتَين، بالإضافة إلى اليونانية التي تحدثها وكتب بها مثقفو قَرطاج، وظلت الفينيقية بتأثيرات ليبية منتشِرة حتى القرن السابع ب.م. لتحلَّ العربية محلها مع الفتح العربي الذي وصل قَرطاج نفسها عام ٦٤١م، وقد كانت آنذاك مجرد أطلال ضخمة تحيط بها قرًى صغيرة يسكنها خليط تاريخي تَكوَّن عبر المراحل الفينيقية الرومانية، أما اللوبيَّة القديمة، بما عرفته من تأثيرات فينيقية، فقد انحسرت في اللهجات الأمازيغية المحلية التي تأثرت، عبر مراحل لاحقة، بالعربية أولًا، ثم بالفَرنسية بدءًا من القرن التاسع عشر، مع التأكيد بأنها قد حملت منذ البدء سمات لغة عربية جنوبية، هي السَّبَئية، بالإضافة إلى السمات المصرية القديمة، وهي السمات التي أرى أن يتم البحث عن صيغتها الأولية في السُّومرية لا في غيرها.

الملاحَظ في المثال القَرطاجي أن الوحدات اللسانية لم تنحلَّ بفعل نفاذِية لغة واحدة، بل حافظت جميع اللغات على وجودها؛ اليونانية واللاتينية تراجعتا إلى خارج قَرطاج، الليبية انسحبت إلى مواطنها الأصلية متأثرة بالفينيقية، والفينيقية تلاشت بفعل السيادة الكاملة للعربية التي ترسَّخت في كل مكان بذخيرة مُعجَمية جديدة، استعادت فيها وبها تلك الآصرة الأفروآسيوية المفقودة، وغذتها من جديد. فإذا ما استثنَينا اليونانية واللاتينية اللتَين احتلَّتا شمال أفريقيا ردحًا من الزمن نجد أن العربية والليبية والفينيقية قد اتصلت أولًا لالتقائها في الأصل الأفروآسيوي البعيد، الذي تلوح السومرية من ورائه كلغة أُم، وثانيًا لأن اتصالها يستند أيضًا إلى أكثر من التشابهات المعجَمية والصَّرفية، بحيث يمكن القول إنها ثلاثة أشكال مُتحوِّلة لِلسانٍ واحد، دون أن يعني ذلك إقامة تطابقات وتشابهات مُعجَمية مُنتزَعة من سياقها الاجتماعي والتاريخي؛ ذلك لأقول إن القياسات والاقتباسات المعجَمية المجرَّدة، أي تلك التي لا تدرس الظاهرة اللغوية ضمن اشتراطاتها وتفاعلاتها الاجتماعية والتاريخية، ستكون عاجزة عن فهم ترحال الكلمات والمعاني، من مكان إلى آخر، وفي زمان وآخر؛ لأنها — بإهمالها لهذا الجانب — تعمل خارج الزمن، أي خارج القابلية الاجتماعية للتطور والتغيُّر، وكل قابلية للتطور والتغيُّر خارج هذا التحديد، قد تكون قابليةً صائبة من بابٍ تجريدي فقط، وهو ما لا ينطبق على العَلاقة بين الأمازيغية والعربية اللتَين لا تتصلان فقط، بل وتُكملان فجوة قائمة في تفسير ما مرَّ بالمنطقة من حَراك اجتماعي وثقافي.

figure
مقارنة بين بعض القيم الصوتية.
figure
علامات تانيت (قَرطاج).
figure
علامات تانيت (بيروت) وهي أكثر قِدَمًا وأقلُّ إتقانًا من نظيراتها القَرطاجية.
figure
الأبجديات الليبية والتارقية مقارنة بالإغريقية ذات الأصل الفينيقي. (المصدر: ليبيا القديمة)

(٤) القرابة المعتقدية اللغوية

مظهر آخر من مظاهر التفاعل المعتقَدي، يتمثل في أن شمال أفريقيا قد ترسَّبت فيه المعتقدات الأُمومية، التي تُعَدُّ عبادةُ الإلَهة تانيت، ربة الخصب والنماء، أبرزها وأكثرها انتشارًا، ويمكننا هنا أن نلجأ إلى مُستويَينِ في فهم التفاعل الأفروآسيوي في هذا الإطار:

  • (١)
    بالتواصل مع المعتقدات الأمومية (المترياركية) في مراحل ضاربة في القِدم، وخاصة تلك التي كانت سائدة في بلاد الرافدين، المتمثلة في تجسيد الإلَهة الأُم وعبادتها Mother Goddess، نشأت عبادة تانيت؛ فارتحال طقوس هذه العبادة وتنقُّلاتها بين المنطقتَين (شرق المتوسط وشمال أفريقيا) يكاد يكون أمرًا مجهولًا الآن وغير قابل للتتبُّع والملاحَقة، بفعل الافتقاد إلى المدوَّنات اللازمة، سوى ما نجد من نقوش فَخَّارية يمكن استشفاف التصوُّرات المعتقَدية عن طريقها. ومجال ذلك يمكن تقديره اعتمادًا على شواهد أركيولوجية بمُدة تمتد منذ القِدم إلى الألف السادسة ق.م.
  • (٢)

    ظل تبجيل الإلهة تانيت سائدًا في شمال أفريقيا، حصرًا وبشكل مباشر، بين أواسط ليبيا الحالية وأواسط الأطلس شمالًا، ومعظم مدن الصحراء الكبرى وواحاتها جنوبًا، وهو ما أُعرِّفُه بميثولوجيا الساحل والصحراء. بالإضافة إلى دخول معتقَدات بطرياركية جديدة؛ مثل عبادة بَعْل، الذي قُرن عادةً بتانيت؛ فصحراء الجزيرة كانت أكثر انفتاحًا على تغير المعتقَدات فيها وتطورها بتأثير الشمال، حتى إن كعبة مكة أصبحت «بانثيون» عربيًّا يضم مئات الآلِهة، بالإضافة إلى «كعبات» أُخرَيات، لعل أشهرها «الحديقة» في جنوب الجزيرة.

    هذا بالإضافة طبعًا إلى التأثير المصري. إننا، بتوفر ما يكفي من الشواهد، نستطيع الحديث عن تواصل معتقدي بين مصر وصحراء الجزيرة، كما نجد أن حركة ترحال القبائل الليبية القديمة إلى مصر كانت متصلةً، إنْ على شكل هجرات جماعية، وإنْ على شكل غزو، عادة ما كان ينتهي باندماج هذه القبائل سلميًّا في الجسم الاجتماعي من مصر القديمة. ويبدو أن نوعًا من السجلِّ النسابي كان سائدًا هناك إلى الحد الذي يحتفظ فيه «الأجنبي» بنسابته، حتى وإن وُلد في بلاط الفِرعون، ولعلَّ مثالنا الأشهر على ذلك هو شيشنق، الفرعون الذي صاهر سليمان النبي، وعبَرت جيوشه بلاد ما بين النهرين، خالقًا بذلك أوَّل فضاء قارِّي أفروآسيوي مُوحَّد، ومجال مرحلة هذا الترحال هي المدة الواقعة بين أربعة آلاف وألفَيْ سنة ق.م.

  • (٣)
    في مرحلة لاحقة، كانت الجزيرة قد شهدت ظهور الديانتَين المُوسَوية والعِيسَوية، قبل مئات السنين من ظهور الديانة المحمَّدية، وهو ما أنتج تعاظُم الحَراك الاجتماعي-الثقافي بين المنطقتَين، ومهَّد لانتشار بُؤَر اليهودية والمسيحية في مدن الساحل والصحراء وواحاتها، ولا نكاد نعثر على واقعة ذات أهمية تدلُّ على الصراع والاقتتال بين الديانات السابقة، الأُمومية (المترياركية) بتأثير أبويٍّ (بطرياركي) غير مكتمل، وبين الديانتَين البطرياركيتَين الجديدتَين؛ لقد انسحبت اليهودية لتصنع لها معاقل منتشرة هنا وهناك، وما إن أصبحت المسيحية دينًا رسميًّا للإمبراطورية الرومانية، حتى تحولت إلى دِين شعبي في شمال أفريقيا. وعلى عكس المرحلة السابقة تمامًا، فإن الكثيرين من أبناء شمال أفريقيا أسهموا في جعل هاتين الديانتَين تنتشران وتتَّسِمان بأول أبعادهما القارِّية، بل إن بعضهم قد أمدَّ المسيحية بروح جديدة جعلت استمرارها ممكنًا بعد أن تخاطفت أطرافَها الخلافات المذهبية والإقليمية، أعني سانت أوغسطين. على أن اعتناق هذه الديانة في أثناء ظهورها مثَّل أمام الليبيين سبيلًا للخلاص من الاحتلال الروماني، وقد رأينا، على سبيل المثال، سمعان القوريني Simon of Cyrene وهو يهودي تعود أصوله إلى قورينا، ورد ذكره في الإنجيل، وتُرجمت صفته باللغة العربية إلى «القيرواني»، وهي ترجمة خاطئة. يُذكر في الأدبيات المسيحية أن الجنود الرومان أمروه بحمل صليب المسيح (متى، ٢٧: ٣٢؛ مرقس، ١٥: ٢١؛ لوقا ٢٣: ٢٦)، بعد أن خرَّ المسيح إعياءً. ويُعَدُّ أول قدِّيس مسيحيٍّ من شمال أفريقيا، وقد كان المنكِرون صلبَ المسيح يقولون إن سمعان أخذ صورة المسيح وصُلِب بدلًا منه.
figure
سمعان القوريني يساعد المسيح. كاتدرائية سان روفائيل، أيوا، الولايات المتحدة.
ولعل ظهور أريوس Arius مؤسَّس المذهب الأريوسي، وهو ابن أمونيوس الليبي، من مواليد قورينا سنة ٢٥٦م، قد مثَّل أحد أكبر الانشقاقات في المسيحية الإمبراطورية، وكان قد أنكر أُلوهيَّة المسيح ودعا إلى أُقْنُوم واحد، فأدانه المَجمَع المسكوني الأول بدعوة من الإمبراطور، ولكن انتشار أتباعه في أرجاء كثيرة من الإمبراطورية أرغم الرومان على إزاحته، مع عدم الإقدام على قتله.

وقد عاصر آريوس الأب الثَّوري دونا، مؤسِّس المذهب الدوناتي، والأرجح أنهما كانا متَّصلَين، وتتفق الأريوسية مع الدوناتية في التوحيد وإنكار التثليث، وفي القول بطبيعة المسيح الإنسِيَّة (واحديَّة الأُقنوم)، في مقابل عقيدة الرومان، أي الكاثوليكية التي تؤمن بالتثليث وبالطبيعتَين الإنسِيَّة والإلهية في كيان المسيح (ثُنائية الأُقنوم).

figure
الإمبراطور قسطنطين يحرق كتب الأريوسيين. (رسم يعود لعام ٨٢٥م)

مجيء الإسلام بعد ذلك قلب الموازين رأسًا على عَقِب؛ لقد آمنَت به الغالبية العُظمى، وبقدرته على توظيف المقولات، وأشدُّها أثرًا وفعاليَّة هي مقولة النَّسخ في المأثَرة التي تقول: الإسلام يَجُبُّ ما قبله. أصبح عدم الإيمان به عبئًا على الكاهل، في حين أن الانتماء إليه يُضفي عددًا من المزايا الاجتماعية على الأفراد، وهكذا شهد الساحل والصحراء الأفريقيَّين تحوُّلًا تدريجيًّا، بعد عمليات الفتح القليلة، الموزَّعة هنا وهناك، التي تُصوَّر لنا على يد المستشرقِين على أنها اكتساح شامل لم يترك — بقوة السيف — شيئًا يصمد في طريقه.

(٥) في الحراك السوسيوثقافي والتواصل

نعرف أن منطقة الجزيرة العربية تمتد من خليج البصرة مُرورًا ببادية الشام حتى خليج العَقَبة وصحراء سيناء. وقد تميَّز جنوب الجزيرة العربية بموقع بحري أتاح لليَمنيِّين الاتِّصال بالمصريِّين والأَحباش عن طريق البحر الأحمر على مدى التاريخ، بل إن ترجيحًا علميًّا بالغ الأهمية لدى الجيولوجيِّين يذهب إلى أن شرق أفريقيا وغرب آسيا كانا أقرب إلى الاتصال، ويجعل من هذا البحر مستنقعًا كبيرًا أو بُحيرة مغلقة كان من الممكن عبورها حتى قبل أربعين ألف سنة. وأُشير هنا إلى أن التواصل الأفروآسيوي كان خبرةً بريَّة، في الأساس، إلى أن أضاف له الفِينيقيون خبرتهم البَحْرية، بل إن الجزيرة أقرب، في وجهة نظر الجغرافيِّين اليونانيِّين الأوائل إلى أفريقيا منها إلى آسيا؛ إذ مع الأُولى يمكن التفكير في شبه المنحرف الذي يصنعه البحر الأحمر فاصلًا بين القارَّتَين، ويتضاءل تدريجيًّا؛ في حين نرى في الخليج العربي هوَّة مُتَّسعة تفصل بينهما كلما اتجهنا جنوبًا.

أما الجزيرة في حدِّ ذاتها؛ فقد كانت وما زالت حقْلًا قَحْلًا كبيرًا، ولكن قِسمها الغربي، أي الشريط الساحلي من شرق البحر الأحمر، من خليج العَقَبة شمالًا حتى اليمن جنوبًا، كان في آلاف الأعوام مَسارًا مأهولًا، حقَّق للسكان واحدًا من أهم أسباب استقرارهم، المسار الذي توطَّن المِخْيال الإسلامي بِاسْم «رحلة الشتاء والصيف».

من هنا يمكننا فهم نقط الالتقاء الشهيرة، مثل مكة، بوصفها بُؤَرًا تلتقي فيها المسارات اللغوية والثقافية والاجتماعية؛ فلقد توسَّطت شمال الجزيرة وجنوبها، وامتصَّت تأثيرات شرق أفريقيا. أما من الناحية الاجتماعية والنَّسَبِيَّة، فإن أساطير عديدة تجعل منها أيضًا بُؤرة تلتقي فيها الأعراق وتنصهر، وهو ما عبَّرت عنه قصص كثيرة، مثل قصة إبراهيم، والعرب العاربة، كما هو الأمر بالنسبة إلى قصة بِلْقِيس التي يُنتسَب إلى سليمان عَبرَها، على سبيل المثال؛ فالمِخْيال العربي القديم جعل من هذه المنطقة بالذات جذرًا لكل نسَابةٍ، من بلاد الرافدَين إلى إثيوبيا.

إذا كان التواصُل بين جنوب الجزيرة ووسطها وشمالها مُثبَتًا تاريخيًّا، فإن السؤال يتصل غالبًا بالتواصل بين شمال الجزيرة وجنوبها وبين شمال أفريقيا وشرقها؛ فالأول تجتمع فيه الشواهد اللغوية والتاريخية والاجتماعية، أما الثاني فقد كان يُحال — حتى وقت قريب — على التواصُل اللغوي وحده، دون كبير تركيز على التواصل التاريخي والاجتماعي.

لقد أورد الجغرافي القديم ستيفانوس البيزنطي نقلًا عن أورانيوس، أن الأحباش من أصل عربي قَدِموا من إقليم يقع وراء سبأ وحضرموت. ولكن دون أن نذهب هذا المذهب، يمكننا اكتشاف دلالة هذا النص القديم في المقارنة بين «حبستي» البربائية (المصرية القديمة) وبين «حبش» الحجازية، ومؤدَّى المعنى في المعجَمَين: جَمَعَ. وقد رأى گليسر منذ سنة ١٨٩٥ أن هذه التسمية تُطلَق منذ القِدم على مزارعي اللُّبان وجامِعِيه الذين «يجمعون» (يحبشون) من الأرض وشجرها؛ وهذا تأويل لغوي لطيف، لا بأس من التفكير فيه.

ولا شك أن القبائل الجنوبية من الجزيرة العربية قد عبَرت في أزمنة متفاوتة باب المندب إلى سواحل شرق أفريقيا، وأن هؤلاء الرحَّالة والمتطلِّعِينَ قد انتشروا غربًا، مثلما كان غيرهم قد انتشر على امتداد شمال أفريقيا، حتى التقَوا مع القبائل التي كانت تسيطر على جنوب الصحراء حتى ضفاف الأطلسي، كما أنهم التقوا واستقرُّوا جنوبًا على امتداد بحر العرب وسواحل المحيط الهندي حتى زنجبار وتانجانيقا، وإننا لنجد أسماء المدن اليمانية القديمة ظلَّت منتشرة هناك — كما حفظتها سجلَّات الرحَّالة العرب لاحقًا — ومنها: سبأ، وهوازن، وسراة، ومأرب … ولا سبيل إلى تأويل هذا التماثل إلا بترجيح الحراك الاجتماعي الثقافي بين الطرفَين، وبالأخص بالاتجاه من الشرق إلى الغرب.

لقد أصبحت منطقة وادي النيل، بعد انحسار آخر عصر جليدي، أو ما يُعرَف بالجفاف العظيم، قبل ١٠٠٠٠ سنة، وقد كانت قبل ذلك مُستنقَعًا، صالحةً للتوطُّن والاستزراع، كما سبقتها جزيرة ما بين النهرَين في ذلك، ما سمح باستقبال الراحلِين من الغرب (الصحراء الليبية الآن) ومن الشرق (صحراء الجزيرة العربية الآن)، (المنطقتان اللتان شهدتا عصورًا مطيرة مصنَّفة ولها سجلَّاتها الجيولوجية والأركيولوجية، وانتشرت في ربوعها أنماط من العيش غلب عليها الصيد واللَّقْط) بالاستقرار في أطرافها، شمالًا وجنوبًا.

بعد ذلك بسِتة آلاف سنة، أي في الألف الرابع قبل الميلاد، توحَّدت مملكتا الشمال والجنوب في مصر، وبرز إلى الوجود واحد من أعظم تراثات الإنسانية، ولكن الحديث عن نقل ثقافات مختلفة من الشرق والغرب إلى مصر هو حديث لا طائل منه، ما لم نتمكن من رصد سجلَّات هذه الثقافات المهاجِرة، لقد كانت خارج التدوين، وهي لهذا السبب تقود إلى اعتبار مصر، بعد نشأة الهيروغليفة، مركزًا لا يمكن إغفال أثره في الحديث عن التحول الديموغرافي والسوسيولوجي للمنطقة بأسرها.

figure
المصدر: ليبيا القديمة.
إن مراحل تطور اللغة المصرية القديمة مفتاح رئيس لفهم أُحجِية التساكُن هذه، ولكنها تبدو بُغيةً بعيدة المنال؛ لأننا لا نعثُر منها إلا على ما هو مدوَّن في الهيروغليفية، وهي تفقد ضرورتها؛ لأنها خارج إمكانية المقارنة بما رافقها من متغيرات. ولي رأي في هذا الشأن يقول إن نقوش الكهوف ورسوماتها في تدرارت أكاكوس، وما زامنها، قد تُفصِح عن أكثر مما هو معروف الآن عن نشأة «الكتابة» الهيروغليفية، وذلك بافتراض أشكال تصويرية أوَّليَّة تغيَّرت تدريجيًّا لتُنتج أشكال الكتابة الأوَّليَّة. إن الأمر نفسه إذا اعتُمِد مع الرواسم الفَخَّارية الرافدَينية التي أنتجت الدور شبه الكتابي Proto-literal في شمال شرق الجزيرة، فإنه سيلقي ضوءًا جديدًا على هذه النشأة في شمال شرق أفريقيا. ومدُّ البحث إلى هذا المدى في التاريخ، لا يكتمل إلا إذا اتصل بسُومر، لغةً وكتابةً، ونمطَ حياة، وأسلوبَ بحث بشكلٍ تجري فيه معالجة الوحدات البحثية المفردة، أو التفاصيل المحلية، بتوافقاتها بين مكان وآخر، ومعالجة تحوُّلات هذه الوحدات وتطوراتها بمنهجية تفرز المتصل من المنفصل، والشبيه من المختلف، والسابق من اللاحق، في سلسلة التطوُّر والتحوُّل اللغوية الاجتماعية.
١  نص الورقة التي ألقاها الباحث في ندوة الرباط العلمية حول: التحركات البشرية والهجرات اليَمانية إلى الشام وشرق وشمال أفريقيا، قبل ظهور الإسلام وبعد ظهوره؛ التي عُقدت بالتعاون بين المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر (طرابلس)، والمركز العربي للدراسات الاستراتيجية (دمشق)، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية (الرباط)، نوفمبر ٢٠٠٥م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦