الفصل الثاني

أصوات بابل

إعادة قراءة اللغات العارِبة١

مقدمة

نحدِّد أولًا مجال حديثنا، فعندما أقول «اللغات العاربة» أعني تحديدًا التراث اللغوي العربي القديم، ويشمل اللغات واللهجات الأفروآسيوية، التي تبدأ من تاريخ غير مُدوَّن يمتدُّ إلى ظهور الأقوام الأولى في بلاد الرافدَين، الأقوام التي ستُعرَف بلادهم لاحقًا باسم «كي.إن.گي» ki-en-gi (كِنْگي)، التي سُمِّيَت في الدراسات الشرقية في القرن التاسع عشر باسم «سُومَر». قد تختلفون معي على هذا التعريف، ولكنني سأمضي قُدُمًا لأثبت وجهة نظري.

مجال حديثنا يبدأ إذن مما نتلمَّسه من بداياتٍ أنتجت اللغة السُّومرية وصولًا إلى العربية الحجازية، كما نعرفها، وكما لا نعرفها! مرورًا بالأَكَديَّة، وبنتَيها اللتَين عُرِفَتا بالبابلية والآشورية، ثم باللغات التي عُرِفَت باسم الساميَّات حينًا من الدهر، ثم أبدلنا باسمها الأفروآسيَويات، وهو تحديدٌ وإن غلبت عليه الجغرافيا، إلا أنه يفي بمتطلبات وصف الانتشار والتحوُّل. والساميَّات والأفروآسيويات في بحثٍ أدَقَّ، هي ما نعرفه الآن باسم اللهجات العروبية، وهو المصطلح الذي أوصى به مَجمَع اللغة العربية في ندوة النقوش العروبية القديمة (طرابلس، من ٥ إلى ٨ مايو ٢٠٠٥م). وأميل إلى استخدام اصطلاح العاربة؛ اللهجات العاربة، واللغات العاربة، والأقوام العاربة، لأن هذا المصطلح الذي ساد تراثنا ألزَمُ تعبيرًا، وهو أكفأ مما نستخدمه من اصطلاحات أخرى، مثل اللهجات واللغات والأقوام الأفروآسيوية، أو غيرها من التسميات.

ونستعير هنا اسم بابل؛ لكونها العَلَم الأشهر على هذا التاريخ القديم، بالإضافة إلى ما يُضمره هذا الاسم من إحالات أُسطورية حول بلبلة الألسن وانبثاق الرَّطانات بين ظهرانَي شعب كان يتحدث لغة واحدة قبل أن يُغضِب الآلهة، أي إنني آخُذ بابل بدلالةٍ عامة تختزل حضارة العراق القديم، بدءًا بالسُّومريِّين إلى دمار مدينة بابل نفسها، بابل التي جعلها حمورابي عاصمة له (١٧٩٢–١٧٥٠ق.م.) وامتدت حضارتها لقرون طوال، ثم دمَّرها الفارسي قورش آخر الأمر عام ٥٣٩ق.م.

(١) فرضيات

بعد هذا المدخل الضروري يتعيَّن علينا، وَفقًا لتقليد عربي متوارَث استقَيناه من كتابات الأوائل، أن نمهِّد بطرح فرضياتنا وما تستتبعه من مقدمات.

الفرضية الأولى — وهي دعوة أساسيَّة يتوخَّاها هذا اللقاء — تقول: إن تاريخ المنطقة الممتدَّة من الأحواز شرقًا إلى جُزُر الخالدات غربًا، ومن شمال المتوسِّط إلى جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، وإلى ساحلها الشرقي وما يناظره شرقًا في جنوب الجزيرة العربية، وينتهي جنوبًا إلى جزيرة سُقُطْرى؛ إنما هو تاريخ متَّصِل وإن تنوَّعت حِقَبه وحلقاته، صنعه الأقوام أنفسهم، وإن تعدَّدت أسماؤهم، وسادت فيه لغة واحدة، وإن اختلفت لهجاتها، وانتشرت فيه العقائد نفسها، وإن تطوَّرت أشكالها وتغيَّرت. وهو تاريخ لا يمكن أن يُعرَف ولا أن يُعرَّف إلا باسم واحد دالٍّ مختصرٍ ذاهبٍ مباشرةً إلى ما يعنيه، ألا وهو الوطن العربي.

الفرضية الثانية — وهي أيضًا دعوةٌ أساسية ينشدها لقاؤنا هذا — تقول: إن لغات هذه المنطقة (أي الوطن العربي) تجمعها كتلة واحدة، وتنطوي في هذه الكتلة عدَّة ضمائم لغويَّة ولهجيَّة، تقترب وتبتعد عن أصلها القديم بحكم ما مرَّ بها من عوامل وعوارض عبر تاريخ حامليها والمتكلمين بها.

ولكنني أُضيف على ما هو سائد في هذا الدَّرْس أنَّ السُّومريَّة ليست في مَعزِل عن هذه الكتلة اللغوية. ﻓ «الساميَّة الأمُّ» التي جُعِلَت افتراضًا علميًّا يدلُّ على ما بين الساميَّات أو الأفروآسيويات من تقارُب مُعجَمي ونحوي، صوتي صرفي (أو صورفي)، وهي تقابل «الهندوأوروبية الأُم» في التعبير عن مثل هذا التقارب بين ضمائم الكتلة الهندوأوروبية، هذه «الساميَّة الأُمُّ»، في يقيني، إنما هي السُّومَريَّة وقد تطوَّرت؛ فهي ليست أُمًّا بمعنى قابليَّة العودة التأثيلية إليها بشكل أُفقي، كما اعتدنا، ولكنها كذلك في قابليَّة أخرى أصفُها بالرأسيَّة؛ لأنني أجدها مُتوطِّنة قارَّة في الضمائم الأفروآسيوية التي نُسميها اللغات واللهجات العاربة؛ أي إن التقارب بينها وبين السومرية لا يعتمد على التشابهات المُعجَمية، ولكن الصلة تنتقل هنا إلى تَكوُّن الجذور اللغوية العربية وغيرها من مقاطع سُومريَّة مفرَدة ومثنَّاة، وهذا مبحث جديد في اللسان العربي، وسيأتي بيان ذلك لاحقًا.

(٢) عودة إلى «المسألة السُّومَرية»

لم يُسمِّ القوم الذين عاشوا قبل الأَكَديين في العراق القديم أنفسَهم باسم سُومَر؛ فهذا الاسم أَكَديٌّ يرد في صيغة شومر šumer، ويُرفق عادة باسم أَكَدَ نفسها، فالكلمات «أَكَد، وسومر» غالبًا ما تتكرَّر للدلالة بطريقة عامة، وما زالت غير محدَّدة بدقة في الوقت الحاضر، على مُجمَل ما نعرفه اليوم بالجزيرة، الإقليم المحصور بين النهرَين، وما تبِعَه من مدن وقرًى وأرباض.

نورد هنا مثالًا عن ديموغرافيا العراق القديم: يُعتَقَد أن مدينة أوروك وحدها كانت تضم ١٠٠٠٠ نَسَمة عام ٣٥٠٠ق.م. ومع توافر المزيد من عوامل التوطُّن والاستقرار، وانتظام الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتطور تِقنيات الزراعة والبناء والفخارة والدباغة والتعدين، وظهور الكتابة، وتأسيس المعابد سوف يصبح عدد سكان أوروك نحو ٥٠٠٠٠ نسمة في ٣٠٠٠ق.م. أي إننا عندما نتحدَّث على هذا النحو مُستخدِمين عبارة «أَكَد [و] سومر» فإننا نتحدث تقديرًا عن شعب يُعَدُّ بمئات الآلاف، توطَّن الكثيرَ من الأرباض والقرى التي ستتطور إلى مدن ودُوَيلات في أزمنة لاحقة، تمامًا كما كان يحدث في القسم الغربي من الحوض الأفروآسيوي، أعني وادي النيل الذي تحوَّل من مستنقع كبير إلى أرض خصبة مُؤهَّلة للاستقرار؛ فعندما نتحدث عن بلاد الرافدَين وعن وادي النيل، نحن نتحدث عن أولى الحضارات التي وَجدت طريقها إلى الاستقرار والتطوُّر، نحن نتحدث عن «خلق العالم» كما سوف يُعرَف.

لقد حيَّر أصلُ السُّومريين الباحثين، حتى إن فرانكفورت يرى «أن المناقشة المسهبة لهذه المشكلة يمكن أن تتحوَّل في النهاية إلى مُلاحَقة وهمٍ لا وجود له مطلقًا»، كما شطح خيال الكثيرين فجعلوا هذا السؤال غير المجاب أساسًا لتوجيه البحث العلمي وجهة عنصرية أيديولوجية، ونذكر هنا أوستين وادل Austine Waddell الذي وضع نظرية مفادها أن السُّومريين هم أسلاف الآريِّين، وأنهم مؤسِّسو الحضارة المصرية الفعليون، بل إن الملوك من مرحلة ما قبل الأُسرات إلى ما بعد الأسرة الأولى ليسوا في الواقع سوى الملوك السومريين الأوائل، الذين حكموا إمبراطورية تمتدُّ من الهند إلى مصر. ولكي يثبت فرضيَّاته هذه لجأ إلى المزيد من الفرضيَّات ليقول إن الأَكَديين والفينيقيين والعموريين هم من الآريِّين أيضًا، وأن جميع هذه الأقوام والشعوب تعود إلى أصل واحد تجسَّد حضارةً وشعبًا في سُومر. وقد صنَّف وادل في ذلك عِدَّة كتب؛ منها «صانعو الحضارة» و«القاموس الآري السومري»، ولعل أشهرها هو «الأصول السُّومريَّة للحضارة المصرية».٢
يقول وادل: «إن وحدة النوع والمصدر في الحضارات السومرية الرافِدَينية والهندية والمصرية على وفاق مع التكوين الجسماني للشعب الحاكم في جميع هذه البلاد الثلاثة، ويظهر في صورهم ومنحوتاتهم وبقايا هياكلهم العظمية، التي هي برءوس طويلة، وشعر أشقر، وعيون شهباء أو زرقاء، عرفها المعاصرون على أنها قد كانت علامات مميزة للقسم الآري من الجنس القوقازي.»٣

اللجوء إلى السمات العِرْقيَّة قد يبدو فاصلًا هنا، هكذا تدلُّ صرامة التحديد وتنسيب الجنس، لكن ما ورد في هذه الفقرة هو، بعبارة بسيطة جدًّا وحاسمة جدًّا، مجرَّد تزييف.

كنت قد أشرت في «ما قبل اللغة»٤ إلى أن القدر الهائل من الحراك الثقافي والاجتماعي الذي عرفَتْه المنطقة يجعل توصيف شعوب المنطقة بسِمات عِرقية ومواصفات محددة بشكل دقيق موضوعًا خارج السؤال، أي إنه مستحيل ألبتة. وإنما يقتصر هذا الاستخدام على الإشارة إلى شعب يتحدث لغة بعينها، ومنها يأخذ اسمه، فيُوصَف بها ولا تُوصَف به. كما أشرت إلى أن الاعتماد على مثل هذه المقارنات مؤسَّس على الكثير من «أوهام البحث العلمي»، وعلى رأسها التقسيم التَّوراتي للأجناس، الذي ساد بشكل سريع — لغياب التصنيف العلمي الدقيق — وسيطر على الدراسات الألسُنية والتاريخية، وهو الآن ليس سوى جزء من تاريخ البحث، ولا تتم العودة إليه إلا من قبيل استدعاء النماذج الكلاسيكية المتجاوَزَة.
من ناحية أخرى فإن وصف السُّومَريين ﺑ «ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء» هو من قبيل قولنا الآن: «التبو يصطادون الفقمة ويعيشون في الإسكيمو»! لسبب بسيط، وهو أن السومريين كانوا يفخرون بإطلاق صفة على أنفسهم من باب التعريف أو التمييز هي: «ذوو الشعر الأسود» أو «ذوو الرءوس السوداء» حرفيًّا: «ءُنْ.سَنْگ.گي» (ءُنْسَنْگِي) un-sang-ngi6 وهي كلمة مركَّبة من ثلاثة مقاطع:
  • ءُنْ: قوم.
  • سَنْگْ: رأس.
  • گي: أسود.
نورد هنا مثالًا دالًّا هو جزء من ملحمة «ءِنْ.مَرْكِر En-marker وسيِّد ءَرَتَّا Aratta» وترد فيه كلمات: «كي.إن.گي» أي «سومر»، و«كي.أوري» أي «أَكَد»، و«ءُنْ.سَنْگ.گي» أي «أهل الرءوس السوداء»، و«مَرتو» التي سنعود لها لاحقًا، نقرأ:
المتوافقة اللسان emea-mun
كِنْگي، الأرض العظيمة، ناموس النبالة ki-en-gikur gal me nam-nun-na-ka
كِيُرِي، الأرض البهيَّة ki-urikur me-te-ĝal2-la
أرضُ مَرتُو، المرْجُ الآمن kurmar-tu u2-sal-la nu2-a
كَوْنُ الرءوس السوداء وهم anki niĝin2-na uĝ3saĝ sig10-ga
يخاطبون [الإله] ءِنْلِلْ بلسان واحد den-lil2-ra eme1-am3e2-en-na-da-ab-dug4

وبالعودة إلى هذا النعت المتكرِّر في الألواح المسمارية، لا معنى — إطلاقًا — للقول بآريَّة السُّومريين. نعم، ربما كانت الشواهد التي لجأ إليها وادل صحيحة — في معظمها — خاصة ما يورده من مقارنة بين الرموز والعلامات السومرية في مرحلتها الصورية وبين العلامات الهيروغليفية ورموز وادي السند، لكنه عمد — فيما رتَّبه عليها من نتائج — إلى توجيهها لكي تؤدي هدفًا واحدًا هو أرْيَنَة السُّومريين، وأرينة الكنعانيين، وأرينة أسلاف العرب، ثمَّ أرينة الشرق، وبالتالي أرينة حضارة العالم.

الملاحظة الأولى التي نُسجِّلها على الفرضيات التي يلجأ إليها الباحثون لسدِّ فجوات في تاريخ الشرق القديم، وفي التراتيب الكرونولوجية لأعمار الحضارات التي نشأت فيه — ومنها ما نقرأه عند وادل — هي أن تصوُّرَهم للحضارة يتأسَّس على أكثر مما يجب من «الكمال»! وأعني بهذا العبارة أن هؤلاء الباحثِينَ ينزعون الحضارة عن دالَّة تَكوُّنِها في الزمان، ويُحيلون إحداثياتها المتغيرة إلى نَسَقٍ ثابت تتطابق فيه هذه الإحداثيات، بغض النظر عن المسارات غير النسقيَّة التي تندرج فيها النشأة، ويندرج فيها النمو، أي بأخذ طابع تدرُّجيٍّ مُتتالٍ متَّصلِ الحلقات بشكل مباشر أو غير مباشر. أي إنهم — آخر الأمر — يُثبِّتون صورةً نمطية واحدةً — أو عددًا قليلًا — من صور نشأة الحضارة وتطوُّرِها ونُموِّها.

(٣) حيل التاريخ

هذا الأسلوب يُسقط غالبًا ما أُسمِّيه بحيل التاريخ، أي إن تاريخ أمة من الأمم ليس نسقًا ثابتًا جامدًا (أو استاتيكيًّا — لمن يفضِّل منكم استخدام هذه الكلمة)، بل هو مليء بالانقطاعات والانعطافات والطفرات والارتكاسات في المسارات الرئيسة. كما أن هذا الأسلوب يُسقط ظواهر عديدة؛ مثل الكُمون، والتحوُّل، والانتشار. أي ظواهر الهيمنة؛ ممارستها أو الخضوع لها، وتاريخ أمم العالم في واقعه هو تاريخ واحدة أو بعض أو كلُّ ظواهر الهيمنة هذه. هل ثمَّة أمة لم تنتصر أو تُهزَم في حرب شنَّتها أو خضعت لها؟

بالنسبة لي، ومن قراءة متوازية لمسارات التشكُّلات الحضارية في الشرق الأدنى، فإن السومريِّين الأوائل هم مزيج من القبائل التي كانت تجوب الوِديان والمفازات بحثًا عن أسباب التوطُّن والاستقرار الدائم، ومن المستحيل بحث أصولهم العِرقيَّة في ذلك الزمن، لكنني لا أتردَّد في وصفهم بأسلاف العرب، أو العرب الأوائل، ببدء توطُّنهم في المدن والقرى الأولى التي نشأت بين دجلة والفرات.

قلتُ: إن «الأدوار الأولى ليست سوى «كومونات» تعتمد على الرعي، وبالكاد انتظمت فيها الزراعة، كما أن الأرض (في الجزء الجنوبي من الرافدَين) لم تكن سوى مستنقع كبير.»

هنا تمامًا نشأ السومريون، لم يكونوا شعبًا رحَّالًا استقر هنا في زمن قصير، هذا التوطُّن امتدَّ قرونًا من الزمن كانت الجماعات (القبائل لاحقًا، ثم المدن) تتوطَّن تدرُّجًا وبما يُلائمها من عوامل وبيئات.

بعد انحسار آخر عصر جليدي بدأ توطُّن جنوب بلاد الرافدَين، ولا يمكنني، بما يتوافر من معطيات أركيولوجية، أن أتبنى فكرة هجرة جماعية واحدة قدِمت من الشرق أو من الشمال، وهذه القراءة تستند إلى التبدُّلات الطبيعية والبيئية التي حدثت في انحسار ذلك العصر الجليدي، ولكن لماذا لا نستطيع افتراض قدومهم من الشرق أو الشمال؟ لأن تضاريس تلك الأراضي كانت ستؤهِّلهم للاستقرار دون أن يواصلوا الترحال، في حين أن تضاريس الجنوب (أي جزيرة العرب الآن) ومناخها، وتضاريس الغرب (أي بادية الشام الآن) ومناخها، كانت تدفع بهم جبرًا إلى توطُّن ضفاف الفرات ودجلة، التي تحوَّلت من مستنقعٍ كبيرٍ إلى أرض صالحة للاستزراع والاستيطان، تاركين وراءهم أرضًا يتسارع تصحُّرها وتحوُّلها إلى مفازات جافة.

(٤) السُّومريون العرب

وأقدِّم هنا فرضية من شِقَّين متصلَين متواصلَين:

أسلاف العرب بدلالة خروجهم إلى بلاد الرافدَين من الجزيرة وصحراء سوريا هم السومريون، ذوو الرءوس السوداء. وتأخُّر تدوين اسم العرب لا ينفي هذه الفرضية.

والسومريون، الذين صنعوا أولى حضارات العالم وتتالت هجراتهم إلى الغرب والجنوب، هم مَن سيُدوَّن اسمهم لاحقًا بوصفهم عربًا.

أريد بهذه الفرضية أن أعيد التفكير في المسارات الكبرى التي صنعت الحياة في الشرق الأدنى؛ فلا يمكننا التفكير في مسارات خَطِّيَّة تهاجر فيها الجماعات من مكان إلى آخر. هذه الجماعات والقبائل والشعوب التي نعرفها، بدءًا بالسُّومريين والأَكَديين الذين وحَّدهم «سرگون» (شركِنْ)، إلى أعراب الجزيرة الذين وحَّدهم «محمَّدٌ»، هم في الحقيقة شعب واحد (سلفٌ فخلفٌ أو أخلاف)، دفَعَت به تغيرات المُناخ والطبيعة وعوامل الاجتماع إلى الطواف بين أطراف الجزيرة شمالها وجنوبها وغربها وغرب غربها، وأعني بغرب الغرب شمال أفريقيا.

لهذا السبب، أي بفعل وحدة المجال البيئي واتصال المكوِّنات الاجتماعية، يمكننا الاعتماد على السومرية للعثور على اللغة الأولى التي «تشظَّت» في لغات الحوض الأفروآسيوي، ويمكننا إقامة الصلة بين اللغة السومرية وبين الشحريَّة (وهي لهجة حميرية) وإثباتها، كما بين السومرية من جهة وبين العربية أو الأمازيغية أو المصرية القديمة من جهة أخرى؛ فالمعجم الأصلي، اللغة الأولى، نشأت في الحقيقة في جزيرة العرب، ثم تفرَّعت شمالًا وجنوبًا وغربًا، وإلا فبماذا نفسِّر الصلة بين السومرية ولهجة قبائل التبو مثلًا، وهي تعيش الآن في الصحراء الكبرى جنوب ليبيا وشمال تشاد؟ لقد أثبتُّ ذلك في «كتاب التبو»، وبي مَيْلٌ إلى اعتبار أن التصنيف المعتمد الآن في اللغات النيلوصحراوية هو تصنيف تعوزه الدِّقة، وهو في حاجة منَّا — نحن الباحثين العرب والأفارقة — إلى إعادة النظر فيه وتمحيصه من جديد.

أريد أن أقول أن تصوُّرَ النسقيَّة واللاحَراك في تاريخ الحضارات القديمة يجعلها أشبه بنحت راسخ مؤبَّد لا يستجيب، اللهم إلا لبعض أثرٍ من ريح تواصل نحته منذ الأزل، أو لتدخُّل قَسْري قد يُغيِّر بعض ملامحه دون أن يجعل منه شيئًا آخر مختلفًا عما كان عليه طوال ألفيَّات وقرون.

(٥) أَكَد السومرية

قلت في طالعة هذا الخطاب أن سُومر اسم أَكَدي، أي أنه لم يرد في المدونات السومرية، وقد كان يأتي مرفقًا عادةً باسم «كي.أوري» (كيوري) أي أَكَد.

من الأمثلة ما نعثر عليه في القصائد والملاحم الأَكَديَّة التالية:

نقرأ في «رثاء نِبُرْ»:

«نهارًا دنَّس العدوُّ سومر [و] أَكَد، أقول لكم.»
Ud ki-en-gi ki-uri lu2-erim2-e šu ul bi2-in-dug4-ga

وفي «مديح شُلگي» نقرأ:

«ألواح سومر [و] أَكَد بكتاباتها قد عرفتها.»
dub ki-en-gi ki-uri nam-dub-sar-ra mi-ni-zu

مثل هذه الأبيات يجمع الاسمَيْن معًا. نحن نقرأ «سومر أَكَد» (بدون واو المعيَّة، كأنها كلمة واحدة)، وإذا عدنا إلى التاريخ فلا فرق نجده في طوبوغرافيا هذا الكيان، اللهم إلا مسألة التوسُّع والانحسار بين أسرة وأخرى، لا شيء غير ذلك. وهناك العشرات من الأمثلة التي يقترن فيها ذكر سومر وأَكَد. هكذا كان اسم سومر متداوَلًا عند الأَكديِّينَ، بل إنه لم يُفصَل بأية طريقة عن اسم أَكَد في تلك الألواح. نحن في الواقع لا نقرأ إلا «سومر أَكَد» (كنگي كيوري) متَّصلتَين كأنما للدلالة على علم مكان واحد.

إذا جئنا إلى التسمية السومرية نفسها سوف نجد، كما أوضحتُ في «ما قبل اللغة»، أن الاسم مُكوَّن من ثلاثة مقاطع:

  • كِ ki: بمعنى أرض، وهي العربيَّة «قي».
  • إن en: بمعنى سيِّد.
  • گِ gi: بمعنى الأصلي، كما في كلمة «دُمُگِ» dumu-gi: رجل حُرٌّ، أصلي؛ أو «مواطن».
وكلمة «دُمُگِ» مُكوَّنة من «دُمُ» dumu: ابن، و«گِ» gi: بمعنى المقيم بالمدينة منذ الولادة، فهو «ابن البلد» أو «وِلْد بْلاد» كما في لهجتنا. ومن «دُمُ» نشأت كلمة «دِهْمُ» الأَكَديَّة التي استقرت في العربية تحت الجذر «دهم» في كلمة «دَهْماء» أي عامة الناس، وبالإضافة إلى صلتها بالدم، فإن التعبير الشعبي السائد في جميع أقطار الوطن العربي ما زال يستبطن المعنى الأصلي عندما يُعبِّر أحدهم عن ابنه فيقول هو «دَمي»، يعني من صُلبه. وهذه الكلمة السومرية (دُمُ) انتقلت أيضًا إلى اليونانية «دِمُ» demo، المعروف في «دِمُسْ» demos أي الشعب، كما في «دِمُكرَسي» democracy، أي سلطة الشعب، سلطة الدهماء، أو عموم الناس. فكلمة كِنْگِ ki-en-gi إذن إنما هي بلاد السادة الأصول أو الأصليِّين، أو بلاد الأحرار اختصارًا.
وقد عرف السومريون بلادهم بأسماء عديدة، منها «كَلَمْ» Kalam، وهي ترادف العربية «كُلام» (بضم الكاف) أي الأرض الطينية الجافة، فكأنهم قد أرادوا بذلك الدلالة على وقوعها في مكان صليب من خوض المستنقع الجنوبي لدجلة والفرات.
كذلك وصف السومريون لغتهم بأنها: eme-gi، أي اللغة الأصلية (الأولى)، وهي كلمة يُكوِّنها مقطعان: eme بمعنى لسان، وgi بالمعنى السابق أي الأصلي. وتسمى أيضًا إمِگِر eme-gir أي بإضافة حرف الراء، ولي قراءة توضح العلاقة بين «إمِگِرْ» أو «إمِجِر» هذه و«أمازِر» المعروفة جيدًا بصيغة «أمازغ» أو «أمازيغ».

(٦) الأقوام العاربة

ليس العراق استثناءً مما مرَّ به الوطن العربي من محاولات متواصلة لطمس آثاره التاريخية، وتشويه هُويَّته، وإعادة توطين مساره في التاريخ، على نحوٍ لا يعود فيه العرب عربًا بل أشتات أقوام أجنبية مهاجرة، وعلى نحوٍ لا تعود فيه الحضارة العربية فعلًا مؤسِّسًا للتاريخ بل صدًى لتاريخ محيطها، صدًى يضيع كلما تقدَّمنا في التاريخ منفصلًا عن جذوره بادئًا كلَّ مرَّة ممن جاوره من أقوام وحضارات.

لقد دَرَجَ السَّبْر الأكاديمي — والسبر يعني التجربة والخبرة واكتناه الأمور — على تسمية الأقوام التي جاورت وعاصرت السومريِّين بالأقوام الساميَّة، وهذه التسمية في الحقيقة فسَّرت السابق بهيئة اللاحق، وأوَّلت الماضي بفهم الحاضر، فقرَّرت غير المرئي بما هو مرئي، ولسنا في حاجة الآن إلى استعادة ما ذكرناه مرارًا من تاريخ هذه الكلمة ونَسَبها، لكننا نشير في عجالة إلى أن نسَبها التَّوراتي قد آل بها في الدراسات المتأخرة إلى اختزال ما عرفه التاريخ من حراك اجتماعي وسياسي وثقافي شهدته الأقوام العاربة في ملمح اجتماعي وسياسي وثقافي مزعوم يصوِّر العبرانيين.

تبقى الإشارة هنا إلى أننا نستخدم اصطلاح العاربة دون الالتزام باستخدام اصطلاحَين آخرَين يرافقانه عادة في كتابات الإخباريين العرب، وهما الأقوام البائدة والأقوام المستعربة؛ فهذا التقسيم يئول عادة إلى طرفَين؛ العاربة أو العرباء أو البائدة، والمتَعرِّبة أو المستعربة. وهو آخر الأمر ليس سوى شكل آخر من تصنيفهم إلى قحطانيين وعدنانيين. فإذا لجئوا إلى اللفظ الأول قصدوا القِدَم، إشارةً إلى قبائل العرب التي بادت قرومها قبل الإسلام، ثم كان نسلهم في العاربة، أو أن هذه أعقبتهم، ثم كان نسل العاربة في قحطان، وإذا لجئوا إلى اللفظ الثاني قصدوا الفصل بين عرب اليمن وعرب الحجاز، دون تمييز في القِدَم؛ فالتمييز هنا اجتماعي لغوي محض.

يقول جواد علي في المفصَّل (١:  ٢٩٥) ملخِّصًا كتابات الإخباريين الأوائل: «جماع العرب البائدة في عُرف أكثر أهل الأخبار هم: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وأميم، وجاسم، وعبيل، وعبد ضخم، وجرهم الأولى [وهي غير جرهم القحطانية أو الثانية]، والعمالقة، وحضورا [وهم أصحاب الرَّس]، فهؤلاء هم مادة العرب البائدة وخامها، وهم أقدم طبقات العرب على الإطلاق.»

عندما نُعرِّف الأقوام العاربة — إذن — نقول: هم القبائل العربية القديمة التي عاشت وسادت أرض الجزيرة العربية وجوارها الأفريقي على امتداد الساحل الشرقي من القارَّة وساحلها الشمالي وصحرائها، قبل ظهور الإسلام.

فإذا اتفقنا على هذا التعريف — البسيط والشامل في الوقت نفسه — لزِمنا أن نُجري تعديلًا على فهم بعض المفاهيم المتصلة به.

أوَّل ذلك هو ما نصطلح عليه بالجاهليَّة، وهذا لفظ إسلامي وصفيٌّ قدحيٌّ أطلقه المؤمنون على غير المؤمنين، وعنوا به عرب ما قبل الإسلام، ولم أعثر على ما يفيد أنهم عنوا به غيرهم من الأمم؛ فالمسيحيون واليهود كانوا أهل كتاب، والفُرس والروم عُرفوا بأسمائهم هذه.

وهذا اللفظ يصف — في الواقع — جانبًا واحدًا لا غير من أولئك العرب، يختص بأغلب عقائدهم، وبعض سلوكهم وعادتهم، فأغلب تلك العقائد نبَذها الإسلام فلم يُبقِ إلا على ما أشار إليه القرآن بالإسلام، أي إسلام ما قبل الإسلام، أو الإسلام الإبراهيمي، ومن ذلك معتقَد الحَنِيفيين والأنبياء الوارد وصفهم بأنهم مسلمون؛ فالإسلام في القرآن هو دين الله على الأرض منذ أن عرفت الأرض رسل الله وأنبياءه، لا منذ ظهور الإسلام بين ظهرانَي العرب المستعرِبة، أي الإسلام المحمَّدي.

وإلى ذلك فإن جانبًا من هذه الدلالة العامة نستفيد منه تحيينًا تاريخيًّا، وإن كان على نحوٍ مُقارِب غير دقيق، فما المقصود بالعصر الجاهلي؟

إنه جزء من تاريخ العرب تبدأ نهايته ببدء رسالة الإسلام في مكة، فإذا جئنا إلى وصف الأفراد بهذا الوصف — أي الجاهلية — نجد أن العصر الجاهلي ينتهي بفتح مكة، ومن بقي من غير العرب على دينه بعد فتح مكة هو كافر أو مشرك فقط، دون أن يَبقى جاهليًّا.

دلالة الجاهليَّة إذن لا تؤخذ على إطلاقها؛ فهي — بالرغم مما تضمَّنته من دلالة قدحيَّة — مُقيَّدة أُريدَ لها أن تدلَّ على الزمن الذي سبق ظهور الرسالة، ثم انصرفت ضمن ما انصرفت إليه إلى الإشارة إلى عقيدة الرجل من العرب، ولعلَّ لذلك صلة بلقب أبي جهل، الذي كان من عُتاة الكفار وأشدِّهم حَمْلًا على النبي خاصَّة.

فتح مكة إذن هو نهاية العصر الجاهلي، فماذا عن بدايته؟

إننا، مهما عمَّمنا، لن نستطيع المُضِي بدلالة هذا اللفظ إلى أبعد من التاريخ المتصوَّر لنشأة العرب المستعربة من أبناء إسماعيل بن إبراهيم. فإذا دقَّقنا قلنا إن دلالة اللفظ تبدأ من الزمن المتصوَّر لنصب الأوثان في الكعبة، وانتشار ثقافتها، أي ثقافة المعتقدات الوثنيَّة، بإقدام عمرو بن لُحَيٍّ الجُرهُمي على نصب هذه الأوثان كما نقرأ في الإخباريات العربية القديمة، أي بعد ترك الإسلام الإبراهيمي؛ فهذا اللفظ الذي قبَّح ما كان عليه العرب قبل الإسلام المحمَّدي لا يشمل كلَّ العرب، إذن، بل كان لوصف عبَدة الأوثان، ولم يكن كل العرب كذلك.

لقد أُسِّست الكعبة، في أرجح الآراء، منذ ٢٠٠٠ق.م. استوطنتها جُرهُم أولًا، ثم حلَّت خُزاعة بديلًا عن جُرهُم مع القرن الثالث الميلادي، ثم حلَّت قُريش بديلًا عن خُزاعة، وصولًا إلى عام الفيل أو عام الأبابيل — الذي وُلِد فيه النبي — دون أن تنجح حملة أَبْرَهة — أخذًا بالسرديات المتوارثة — في تحويل دين العرب إلى المسيحية بدلًا عن الوثنية، وهذا الزمن — أي مع القرن الثاني الميلادي — هو التأريخ التقريبي الذي يبدأ ببدايته وصف الجاهلي.

أريد التأكيد من ناحية أخرى على أن هذا اللفظ الذي قبَّح ما كان عليه العرب قبل الإسلام لا يشمل كلَّ العرب، ونعود إلى رأي فيه الكثير من الوعي بالتاريخ، والعلم بالقرآن، للشيخ عبد الحميد بن باديس؛ إذ يقول: القرآن «يعيب من العرب رذائلهم النفسية؛ كالوثنية، ونقائصهم الفعلية؛ كالقسوة والقتل، ويُنَوِّه بصفاتهم الإنسانية التي شادوا بها مدنياتهم السالفة واستحقوا بها النهوض بمدنيَّة المدنيَّات، ولنذكر عادًا؛ فهي أمة عربية ذات تاريخ قديم ومدنية باذخة، ذكرها القرآن فذكرها بالقوة والصولة وعزة الجانب، ونعى عليها الصفات الذميمة التي تنشأ عن القوة؛ قال تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً (فصلت: ١٥).

فالنظرة التاريخية المجردة في هذه الآية وفيما ورد في موضوعها تُرينا أن عادًا بلغت من القوة والعظمة مبلغًا لم تبلغه أمَّة من أمم الأرض في زمنها. حتى إن الله — جل شأنه — لم يتحدَّ قولهم: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً إلا بقوته الإلهية التي يُذعن إليها كل مخلوق، ولو كانت في أمم الأرض إذ ذاك أمة أقوى منهم لكان الأبلغ أن يتحدَّاهم بها. وإن أمة تقول هذه الكلمة بحالها أو مقالها لهي أمة مُعتدَّة بقوتها وعظمتها.»

figure
خريطة العالم، وهي الأقدم من نوعها، وفيها تتوسَّط بابل مركز الأرض.
انتهى الاقتباس عن ابن بادِيس٥، وهو يذكر بعد ذلك أممًا وأقوامًا عاربة أخرى من عرب ما قبل الإسلام، أهمها ثمود وسبأ، ويختم قائلًا: «هذه مدنيَّات ضخمة عبرت في هذه الأمة التي أهَّلها الله لحمل الرسالة الإلهية إلى العالم. وهذه بعض خصائص هذه الأمة التي هيأها للنهوض بالعالم وإنقاذه.» وكان ابن باديس قد أجمل ذلك في محاضرة له سنة ١٩٣٩م.٦ وأُشيرُ إلى أن هذا الشيخ الأمازيغي الأصل يتحدث أيضًا عن «محمَّد رجل القوميَّة العربية» وهذه العبارة هي عنوان محاضرته المرفقة مع المحاضرة الأولى، وهو صاحب النشيد المعروف «عروبة الجزائر»، ومطلعه:
شعبُ الجزائرِ مسلمٌ
وإلى العُروبة ينتسبْ
منْ قالَ حادَ عَنَ اصْلهِ
أو قالَ ماتَ فقدْ كذبْ

وقصيدته المشهورة التي مطلعها:

الحمدُ لله ثمَّ المجدُ للعربِ
مَن أنجبوا لبَني الإنسانِ خيرَ نَبِي
ونشروا مِلَّةً في الناسِ عادلةً
لا ظلمَ فيها على دِينٍ ولا نسبِ

وعودٌ إلى حديثنا؛ فإننا إذ نتصوَّر الآن أن جميع مَن ذكرنا مِن أمم وأقوام كانت تتحدث عربيَّةً ما، مختلفة عن عربيتنا، فإننا بذلك نعيد ترديد قول مأثور عن أبي عمرو البَصري يرى فيه أن لسان حمير ليس بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، وليس أصح من هذا سماعًا، ولكننا جميعًا نعرف كيف كان ابن عباس يُتقن هذا اللسان ويفسِّر به غريب القرآن، فأيكم الآن لا يقول بعربيَّة حمير وإن لم يعِ منها شيئًا؟ بل العربية قاموس (أعني محيطًا) أشمل من أن يجمعها ساحلٌ واحد، وهي أكبر من كل قاموس (أعني مُعجَمًا) ينجزه أحد، ولن ينجز أحدٌ على الإطلاق مُعجَمًا تاريخيًّا شاملًا للغة العربية لهذا السبب، أي لأن أحدًا لا يحيط بنشأة العرب ومراحل تكوُّن لسانهم شيئًا فشيئًا.

العربية لم تنزل من السماء مرةً واحدةً، أو تلقَّاها العرب عن «أفاتار» عُلوي، بل تدرَّجت تدرُّج الكائن الحي مَوْلدًا، ونشأةً، واكتمالًا، وقد نشأ اللسان العربي منذ أن توطَّنت الأقوام الأُوَل هذا الحوض الأفروآسيوي الكبير، نبتت في ما نعرفه الآن بشبه الجزيرة العربية، ثم رحلت شمالًا فدوَّنها السُّومريون، ثم الأَكَديون، ولكن ذلك لا ينفي أنها كانت قد اكتملت في موطن نشأتها جنوبًا، وذلك لا ينفي أيضًا أن مراحل قبل ذلك كانت خارج التدوين لا يحيط بها أحد.

لهذا السبب أقول إن كل معجم تاريخي يظهر الآن لن يجمع أصول العربيَّة، وإن قارب ذلك في مسار عام يفحص دون أن يُفصِح، ويشير دون أن يقف فعلًا على تدرُّج المفردات وبنائها عبر جميع مراحل النشأة.

(٧) جزيرة العرب في المصادر السُّومرية

نعرف من خبر الأقوام العاربة إذن أسماء: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وجُرهُم، وإلى هؤلاء نأخذ عن طه باقر ما ورد في أخبار الملوك السُّومريين من ذكر ﻟ «مواضع في جزيرة العرب؛ مثل البحرين (وسموها دلمون)، وموضع آخر بهيئة مگان (وهي عمان الآن) على أنها مصدر للنحاس، وملوخا وهي أيضًا في الجزء الجنوبي الشرقي من الجزيرة.»٧

ولا أرانا نستطيع حِسبان هذه المواضع بدلالة جغرافيتها مع إهمال سكانها، أنستطيع؟

هذه مواقع سُومريَّة في جزيرة العرب، وردت أسماؤها في الرُّقم المسمارية، ونحن لا نعثر في أي منها على ذكرٍ للعرب؛ لسبب منطقي، وهو أن اسم العرب لم يظهر آنذاك، بل كان لكل قبيلة أو ربض اسم خاص، ولم يكن السُّومريون من سكان جزيرة العرب يستخدمون اسمًا جامعًا يدلُّ على مجموع مدنهم وأرباضهم وقبائلهم، أي يتسمَّون به كشعب بين شعوب العالم، بقدر ما كانت الضرورة تدعوهم إلى أن يشيروا إلى أنفسهم، خاصةً في أثناء الصراع أو الاقتتال بين قبائلهم، بأسماء هذه القبائل والانتساب إليها، ولكنهم آخر الأمر لا يخرجون عن الصفة العامة التي يبدو أنهم كانوا يفضلونها، أي التي تكررت في الرقم المسمارية وهي «ذوو الرءوس السوداء»، (ءُنْسَنْگِي)، وقد استغرق هذا الوضع وقتًا طويلًا قبل أن يعرف هؤلاء أنهم ليسوا الشعب الوحيد في العالم المأهول، أو الإيكومين القديم، بعد أن اصطدموا في ترحالهم إلى الشرق وراء مستنقع الخليج بأقوام غريبة عنهم، أو بعد إمعانهم في الهجرة إلى الشمال حيث الجبالُ الفاصلة وهي تُخوم طبيعية لجزيرة العرب منذ القدم. ولكن تتبع الهجرات المتعاقبة لأقوام الجزيرة العربية نحو الشمال سرعان ما يبدو أكثر وضوحًا مع الأَكَديين.

يقول طه باقر: «جرى المؤرخون على تعداد موجات متعاقبة جاءت من الجزيرة واستوطنت أراضي الهلال الخصيب، وكانت أولى هذه الموجات هجرة الأَكَديين إلى العراق، ولا نعلم بوجه التأكيد متى جاءوا، ولكن مما لا شك فيه (…) تغلغَلَ الساميون [الأقوام العاربة] في العراق منذ أقدم العصور، ولكن عُرف منهم الأَكَديون في العهود التاريخية؛ لتوفر المصادر، ولأنهم سُموا باسم خاص، أي أَكَديين.»٨

لقد صحَّ أن المبدأ الأساسي في تتبُّع هجرات الأَكَديين هو الجزيرة العربية، ونحن لا نتصوَّر تأسيسهم دولتهم إلا باستيطانهم وتناسلهم في بلاد الرافدَين، وتشكيلهم ثقْلًا اجتماعيًّا وديموغرافيًّا جعلهم مؤهَّلِين لذلك، وهو ما يمكن عدُّه بالكثير من الأجيال التي استغرقت مئات السنين، ولا يمكن في هذه الحالة الحكم بأرومتهم أو الاستناد إلى نقاء نَسبهم وعدم اختلاطهم بغيرهم من القبائل التي كانت تفِد لتستقرَّ معهم وإلى جوارهم؛ فلقد أسَّس الأَكَديون دولتهم في منتصف الألف الثالث ق.م. في نهاية ما هو متعارَف عليه بعصر فجر السُّلالات، في حين كان قسم آخر من الأقوام العاربة يستقرُّ شمالهم باسم الآشوريين، أما الأموريون أو العموريون فقد استقرُّوا غربهم فيما يعرف اليوم بالشام، فأسَّسوا كيانهم وسطًا وشمالًا، قبل أن ينتقلوا بدورهم غربًا فيؤسسوا دولة لهم عُرِفَت باسم سلالة بابل الأولى، وكان أصل اسمهم في السومرية هو «مَرْتُ» أي الغرب، وهي العربية «مرت»، فالمرتُ هي المفازة لا نبات فيها، وهي الأرض اليباب، وتلك صفة الصحراء الغربية.

وفي حين كان الكنعانيون يتوطَّنون تدريجيًّا ساحلَ شرق المتوسط، بالتزامن مع الأَكَديين في منتصف الألف الثالث ق.م. نجد أن قبائل الآراميين نزحت في منتصف الألف الثاني ق.م. لتستوطن أعالي الرافدَين ووسطها، بالتزامن مع وجود الآشوريين، وقد أسَّسوا فيما بعد الدولة الكلدانيَّة في العراق، بالإضافة إلى إمارات عديدة أخرى في الشام، وفي حلب ودمشق … وغيرهما.

إن النزاع بين الأقوام العاربة حقيقة تاريخية لم يشفع لها وحدة الأرومة أو اتفاق اللغة، لكننا يجب أن نفكِّر في مثل هذه الوقائع بوصفها شكلًا من أشكال الصراع على السلطة الذي عُرِفَت به بلاد الرافدَين بدءًا بالسُّومريين.

لقد استوطن العبرانيون والمؤابيون فلسطين وشرق الأردن، لكن تأسيس هذه الكيانات لم يتعدَّ المستوى القَبَلي، فلا يمكننا مقارنتها بالدول والإمبراطوريات التي سادت بدءًا بالأَكَديين، في حين نستطيع مقارنتها بغيرها من الكيانات القبلية المستقلة؛ كالأنباط واللخميين والمَناذِرة في العراق والغَساسِنة في الشام … وغيرها من القبائل التي استمر وجود كياناتها هنا وهناك دون أن يتوقف حراك القبائل العاربة على مدى الآلاف من السنين، أي منذ استقرار السومريين، إلى أن خضعت معظم هذه القبائل لهيمنة الفُرس، وبعد ذلك الرُّوم الذين لم يصمدوا آخر الأمر أمام جحافل القبائل العربية التي وحَّدها الإسلام. هذه مسارات كبرى في تشكُّل الإيكومين الأفروآسيوي القديم لا يُغلِّب جزئيةً من جزئياتها إلا الدعم الأركيولوجي المؤكَّد. فلنخصِّص بعض ما تبقى من الوقت للحديث عن إحدى أهمِّ هذه الجزئيات المؤسِّسة.

(٨) لغز كنعان

قلتُ إن الكنعانيين بدءوا يتوطَّنون شرق المتوسط بالتزامن مع استتباب الأمر للأَكَديين في منتصف الألف الثالث ق.م. ولكننا عندما نأتي إلى الكنعانيين نجد أن هناك لغزًا في تاريخنا العربي غير مُجابٍ عنه بعد؛ إذ لا أحد يستطيع الجزم بأصول الكنعانيين، أو متى ومن أين جاءوا قبل أن يتوطنوا شرق المتوسط، فيما سيُعرَف بعد ذلك في تاريخ الحضارات باسم فِينِيقيا. الآراء متعدِّدة ومتضاربة، وهناك مجموعة ألغاز تتصل بالكنعانيين تباعًا.

للإجابة عن مثل هذه الأسئلة يجب علينا النظر في أقدم الآثار اللغوية، علينا أن نبدأ بالسابق، وعلينا أن نواصل من هناك عبور الأزمنة باتجاه اللاحق.

عرفنا أن السُّومريين أطلقوا على بلادهم اسم «كِنْگي» التي عبَّروا بها عن أنفسهم بمعنى «بلاد السادة الأصليين» وعبرنا عنها اختصارًا ﺑ «بلاد الأحرار»، وهذه الكلمة في لهجتهم العامة المسمَّاة «إمِسَلْ» Emesal هي «كنآنَگ» ka-na-aĝ، ونستطيع قراءتها «كنآن» لسببين:
  • لقد وجدنا أن حرف «نْگ» ĝ الأخير يتحوَّل عند المقارنة بالأفروآسيويات إلى أحد مُكوِّنَيه؛ النون (ن)، أو القاف اليمانية أي الگاف (گ).
  • في غير حالة الإبدال هذه، أو التفكيك إذا صحَّت التسمية، نجد أن الصامت الأخير من الأسماء يُحذَف عادةً في اللغة السومرية، كما في «إمِگر» eme-gir التي تتحوَّل إلى «إمِگي» eme-gi، وقد طالعنا هذا المثال. وقريب من هذه الظاهرة حذف النون في الآرامية حينما تكون في آخر الأسماء في حال المطلق في الجمع، وحذف الراء من آخر الكلمة أيضًا، وظاهرة حذف الصامت الأخير عرفتها العربية كذلك.

على هذا النحو فإن قراءة الكلمة بصيغة «كنآن» هي قراءة صحيحة، وترون معي أن هذه الكلمة ليست سوى صيغة تلفُّظية من كلمة «كنعان»، هذا الاسم في الحقيقة هو كنعان، كنعان هي سُومر، والكنعانيون هم السومريون.

أما حرف العين المضمَر هنا في المدِّ المفتوح فقد كنت أشرت في كتاب «ما قبل اللغة» وفي عدَّة محاضرات إلى ما أسميته ظاهرة «الحروف المغيَّبة»، وأعني بها إضمار أو تغييب عدة حروف في عدد قليل من العلامات، بحيث يتحوَّل تلفُّظ تلك العلامات، ثم نَقْحَرَتُها (أي نقلها حرفيًّا) إلى الكتابة اللاتينية عمليةً فيها الكثير من الاختزال المخِلِّ بالتنوُّع اللفظي الذي نعتقد أنه كان سائدًا في سُومر، وقد أوردتُ في أكثر من مكان أمثلة على هذه الظاهرة، ويمكن، على نحو دقيق، العودة إلى «ما قبل اللغة» للتعرف عليها، حيث قدَّمتُ ما أعتقدُ كفايته من الأمثلة.

كان سباتينوموسكاتي قد تناول التغيُّرات الصوتية التي تعتري النقوش الأصلية بعد نقْحَرَتها، وسأعرض عليكم مثالًا لذلك من أجل دعم فرضيَّة «الحروف المغيَّبة».

من هذه الظواهر مثلًا أن «غياب حرف الواو من السومرية يعود في الغالب إلى أسباب نقشيَّة لا إلى أسباب تلفظيَّة.» (موسكاتي ٥١) وإننا لنتساءل: لماذا كان الأَكَديون — مثلًا — ينطقون الصاد والقاف صريحتَين، في حين لم يعرفهما السومريون؟ إلا إذا رجَّحنا أن العلامات المسمارية إما أنها لم تحفظ ذلك، وإما أن اقتراح ملفوظيَّتها كان بطريقة فيها الكثير من تغليب المخارج الهندوأوروبيَّة، دون مراعاة الجوار الحضاري والثقافي الذي يتفق الجميع على جمعه بين السومريين والأَكَديين وغيرهما من الأقوام العاربة في بوتقةٍ ديموغرافيةٍ وجغرافيةٍ واحدة.

أفلا ينطبق الأمر نفسه على حرف العين في اسم «كنآن»؟

قد يعترض بعض الباحثين على مثل هذا الربط اللغوي بين أجزاء من تاريخنا الحضاري، فإذا كانت المتشابهات اللغوية ثابتة فكيف نبرِّر تحويلها إلى حقائق تاريخية؛ ومن ثَم اجتماعية؟ المسألة — بالنسبة لي — لا تعدو بحثًا نظريًّا لغويًّا مجردًا، ولكن لهذا البحث آثاره، وهو يلقي بظلاله على قراءة التاريخ، وعلى قراءة التكوينات الاجتماعيَّة، وتاريخ هذه التكوينات التي لم تُدوَّن نشأتها، ولم يُكتَب تاريخها الأول.

من الناحية النظرية — أيضًا — إذا كان هناك ما ينفي مثل هذه الإحالات، أعني من اللغة إلى التاريخ، إلى تاريخ المجتمعات، فلن يكون إلا نفيًا لغويًّا كذلك، أي إنه لا سبيل إلى دراسة هذا الموضوع إلا من باب اللغة — حتى الآن على الأقل.

figure
مسارات الجَولان والحراك الثقافي والاجتماعي الأفروآسيوي القديم.

(٩) العرب اسم علم جامع

أخلصُ إلى القول إن العرب عَلَمٌ جَامِعٌ يدلُّ على كتلة حضارية تاريخية لغوية اجتماعية واحدة متَّصلة الحلقات منذ انحسار العصر الجليدي الأخير، أي منذ اثني عشر ألف سنة.

من ناحية أخرى فإن أوَّل ظهور تاريخي مسجَّل لاسم العرب هو ما وجدناه على نقش يعود إلى زمن الملك الآشوري شلمنصر الثالث ابن الملك آشور ناصربال الثاني، ويعود زمن حُكمِه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ويصف هذا النقش حملة قادها هذا الملك لإخضاع ما قُدِّر أنه مشيخة قديمة قُرِئ اسم شيخها بأكثر من عشر صيغ مختلفة، لكن الثابت هو «جُنْدُب»، ولا نحتار كثيرًا في نَقْحَرَة هذا الاسم من الكتابات الآشورية؛ لأنه قد استقرَّ في أسماء العرب بهذه الصيغة، وأنتم تعرفون جُنْدُبَ بنَ جُنادَةَ، وهو اسم الصحابي أبي ذَرٍّ الغِفاري.

في هذا النقش وصفت هذه الإمارة أو المشيخة بكلمة عرب، وهي مفردة صِيغت أيضًا بأكثر من عشر صيغ مختلفة، إلا أن دلالتها العامة لن تكون إلا كما نعرفها الآن، أي العربية، أو الأعرابية. حرفيًّا matu-a-rabi وكلمة matu الأَكَديَّة تعني أرض أو بلاد، والأصل فيها mada السومرية وقد استقرَّت في العربية بالصيغة ذاتها: مدًى.
لا يوجد الآن نقش أقدم من هذا المؤرَّخ بالقرن التاسع قبل الميلاد، إلا أننا نعرف أن الاسم الأَكَدي rabbu (وهو الجذر الكنعاني والآرامي والعبري والعربي: رب rb) قد نشأ عن الأصل السومري rib الذي يفيد دلالتَين رئيستَين: الأولى هي علو المنزلة، والثانية هي الترحال والذهاب؛ إلا أن عدم وجود نقوش أخرى لا يعني شيئًا بالنسبة إلى إثبات وجود العرب أنفسهم، إذا سلَّمنا جدلًا بأن اسم العرب قد عبَّر في البداية عن تلك القبائل التي خرجت عن سلطان الآشوريين، قبل أن يصبح علمًا تختص به قبائل الجزيرة العربية شمالها ووسطها وجنوبها، في وقت لاحق. ذلك أننا في الحقيقة إذا قمنا بتأثيل اسم «عرب» في اللغة السومرية، وَفقًا للمنهج الاسترجاعي المشار إليه، سوف نجد ما يلي:
  • (١)
    الرُّحَّل، وتقابلها كلمة «ربو» بصيغة الجمع، في المصرية القديمة، وأقارنها بالجذر السومري rb، وهم البدو الرُّحَّل. والكلمة أيضًا علم على جَمْع قبائلِ الليبيين التي غزت مصر في عهد مِرِنْبِتاح، ثم رمسيس الثالث في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م. وفي هذا التشابه إحالة مؤكدة على التواصل الأفروآسيوي، اللغوي والتاريخي.
  • (٢)
    ذوو المنزلة الرفيعة، رءوس القوم، الأرباب. كما استقرت أيضًا في rb الكنعانية والآرامية بمعنى ربِّ القوم، رئيسهم، سيدهم.
  • (٣)

    الرعاة، سائسو المواشي.

  • (٤)
    القادمون من بعيد؛ بإحالتها إلى ri في جذر رعي، وbi في جذر بين وبعد.
  • (٥)

    الكُثر، لعددهم. وقارن الكثرة بالعربية «ربا».

  • (٦)

    الخُلَطاء، للجهل بأرومتهم.

  • (٧)

    المتوطِّنون، تمييزًا لهم عمن يقدَم لمدة مؤقَّتة ويعبر.

  • (٨)
    المقايضون، المتاجرون مع المحليين بيعًا وشراءً.٩

نحن إذن نذهب إلى أبعد من نقش القرن التاسع قبل الميلاد، فإذا كان المدخل الوحيد لفهم أبعاد ما ورد على هذا النقش هو المدخل اللغوي، فإننا، من باب أولى، نستطيع العودة إلى السومرية، لإدراك ما هو غائب الآن بسبب عدم توافُر اللقى والمكتشفات الأثرية؛ لكنني أشعر أن توافُر الشواهد الأثرية على ما ذهبتُ إليه من فرضيَّات إنما هي مسألة زمن لا أكثر.

ما كان يمنعنا — من الناحية العلمية — في السابق من أن نتحدث على هذا النحو هو القطيعة التي وُضِعت عمدًا بين السومرية وغيرها من اللغات الأفروآسيوية، لولا ذلك لكان البحث التاريخي اتجه اتجاهًا آخر، ولقرأنا الأصول بدءًا من السومريين، أي بدءًا من منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد بالنسبة إلى تدوين اللغة، وبدءًا من الألف العاشرة قبل الميلاد بالنسبة إلى التكوين الاجتماعي.

لتشعب هذا الموضوع واكتظاظه، حاولت أن اختار أهمَّ النقاط لأصِلَ بينها، فتكون الصورة واضحة، وكتاب «ما قبل اللغة» يتناول بشكل تفصيلي جميع ما ذكرت، وبخلاصة أولى نستطيع القول إن العربيَّة هي عَلَم جامع على السومرية والأَكَديَّة وفرعَيها الآشورية والبابلية، وعلى الأوغاريتية والكنعانية والآرامية وغيرها في الشمال، كما يضم السبَئية والمَعِينية والقتبانية والحضرمية وغيرها في الجنوب … هي كتلة لغوية واحدة، نشأت عن كتلة حضارية واحدة، متصلة الأجزاء، حتى وإن تعددت أسماؤها، فتعدُّد هذه الأسماء لا ينفي على الإطلاق حقيقة اتصال حلقات هذه الكتلة وأجزائها.

أختم بالقول إن وجود العرب أنفسهم يعود إلى الألف العاشرة قبل الميلاد، وإن تدوين العربية بدأ منذ زمن أقدم بكثير مما هو متداوَل بيننا الآن، أي في منتصف الألف الرابعة، ولم يكن ذلك بخط الجزم، بل بِرَقْن المسماريات. وعندما أقول «العرب» فإنني أعني اسمًا جامعًا للمسارات التاريخية الكبرى في الحوض الأفروآسيوي بما شهده من حضارات وأقوام منذ أن شهدت بلاد ما بين النهرين وشمال الجزيرة العربية أول التجمُّعات القارَّة، غير المسمَّاة آنذاك لغياب التدوين، وهي التي ستتحول تدرُّجًا بعد ذلك إلى ما نعرفه من حضارات قديمة، كان أولها ما عُرِف باسم السومريين.

١  محاضرة أُلقِيَت بالمركز العالمي للدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، يوم ١٧ نوفمبر ٢٠٠٩م.
٢  صدر بترجمة زهير رمضان، عام ١٩٩٩م، عن الدار الأهلية للنشر، الأردن.
٣  م. س. ص١٩.
٤  ما قبل اللغة، الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية، صدرت الطبعة الأولى عن دار تانيت، سنة ٢٠٠٨م؛ وصدرت الطبعة الثانية عن دار الكتب العلمية، سنة ٢٠١٣م.
٥  ابن باديس، العرب في القرآن، دار تانيت، ٢٠٠٩م، ص١٣-١٤.
٦  أُعيدَ نشر هذه المحاضرة بعنوان «العرب في القرآن» سنة ٢٠٠٠م عن دار تانيت.
٧  باقر، مقدِّمة، ص١١٦.
٨  باقر، مقدِّمة، ص١١٦.
٩  انظر في آخر الكتاب مقالة «من هم العرب؟ تأثيل سومري».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦