الفصل الثالث عشر

كان وزير روسيا قد أمضى معاهدة سلم في باريس، في العشرين من شهر تموز سنة ١٨٠٩ تحت نفوذ الوزارة الإنكليزية، التي كانت يوم ذاك ترمي إلى غاية سلمية. إلَّا أن موت فوكس أرجع لذلك النفوذ خُلُقه العدائي، فرفض إسكندر أن يصادق على عمل سفيره، وارتبط مع الديوان الإنكليزي الجديد وبلاط برلين لإضرام الحرب في البر. وكان إمبراطور روسيا وملك بروسيا وزوجته قد أمضَوا قبل سنة معاهدة بوتسدام المشهورة، وأقسموا بضريح فريدريك الكبير أن يجمعوا كلَّ جهودهم ضدَّ فرنسا.

لمَّا تناهت إلى نابوليون استعدادات ممالك الشمال أعلنها إلى خلفائه في معاهدة الرين. وفي الواحد والعشرين من شهر أيلول سنة ١٨٠٦ كتب إلى ملك البافيير ليطلعه على تجهيز بروسيا للحرب ويطلب النصيب الموعود به في اتفاقية ١٢ تموز، وبعد مرور ثلاثة أيام غادر سن كلود وزحف إلى ألمانيا تصحبه جوزيفين. وفي الثامن والعشرين منه وصل إلى مايانس حيث افترق عن الإمبراطورة. وفي الثلاثين منه استلم عهد منتخب ورتزبورج بالانضمام إلى معاهدة الرين، وعبر هذا النهر في الواحد من شهر تشرين الأول. وفي السادس منه كان معسكره في ينبرج، فأصدر منه نداءً إلى جيشه يطلعه فيه على موقف العدوِّ، قال: «أيها الجنود، إن صراخ الحرب قد سمع من برلين، وها قد مضى شهران ونحن نتلقَّى كلَّ يوم خبرًا جديدًا.

منذ أربع عشرة سنة قادت الأحزاب الشرسة البروسيِّين إلى وسط سهول شمبانية حيث لقوا الانكسار والموت والعار …

فلْنزحف إذن … وليلقَ الجيش البروسي ما لقيه منذ أربع عشرة سنة، وليعلم أنه إن كان من السهل اكتساب العظمة والقوة مع محبة الشعب الكبير فإن بغضه الذي لا يُهيَّج إلَّا بمثله إنما هو أشدُّ هولًا من عواصف البحار!»

إن من السهل أن يُلاحظ أن الإمبراطور إنما هو أكثر حماسًا عندما يُخرِج السنن الثورية من قبرها منه عندما يستدعي الذكريات الدينية والملكية من ظلمات القدِّيسة جنفياف وسن دنيس.

على أن نابوليون دخل في الموقعة وسينقض على أعدائه من غير أن يعلم «فيمَ يقاتل وماذا يريدون منه.» في السابع من شهر تشرين الأول كتب من ينبرج إلى مجلس الشيوخ المحافظ يقول: «إننا نعتمد على معاضدة الشرائع والشعوب التي تدعوها الظروف إلى اختيارات جديدة عن غيرتها وشجاعتها في حرب عادلة لا نتقلَّد فيها السلاح إلَّا للدفاع عن حِياضنا.»

لقد بيَّنَّا نحن الحقيقة الصريحة بمناسبة الحروب السابقة، ولقد تراءى لنا أن نابوليون، منذ وضع التاج الإمبراطوري على رأسه، إنما خشي أن يعترف بأن الملوك سيشهرون عليه فيما بعدُ حرب مبادئ.

أرسل تالليران من مايانس إلى نابوليون، في اليوم نفسه الذي أرسل فيه هذا كتابه إلى مجلس الشيوخ، ساعيًا يحمل إليه كتابًا من ملك بروسيا، ضمَّنه هذا الأمير جميع الشكاوى العمومية التي ما فتئ أعداء الثورة منذ خمسة عشر عامًا يحدثونها — تحت أشكال مختلفة — ضد فرنسا. لم يستطع الإمبراطور أن يكمل قراءة الكتاب المتضمن عشرين صفحة والتفت إلى الأشخاص المتألِّبين حوله وقال لهم: «إنني أشفق على أخي ملك بروسيا؛ فإنه لا يفقه الفرنسية، وإخاله لم يقرأ هذه القطعة الركيكة.» وبما أن كتاب الملك كان مصحوبًا بحاشية السيد ده كنوبلسدروف المشهورة، التفت الإمبراطور إلى برتيه واستطرد قائلًا: «مرشال، إنهم يضربون لنا ميعاد شرف في الثامن من هذا الشهر، وإن الفرنسيين لا يتخلَّفون عن ميعاد، ولكن بما أنهم يقولون إن هناك ملكة جميلة ترغب في مشاهدة القتال فلنكن لطفاء متأدِّبين، ولنزحف إلى سكس من غير أن ننام.»

كان نابوليون يشير إلى ملكة بروسيا التي كانت في الجيش مرتدية لِباس خيَّالة وحاملة على كتفيها شارة فرقتها الرسمية، والتي كانت كلَّ يوم تكتب عشرين كتابًا — كما جاء في المذكِّرة الأولى — لتهيِّج الحريق في جميع الجهات.

برَّ الإمبراطور بكلامه، ففي الثامن من تشرين الأول الساعة الثالثة صباحًا ترك بنبرج فعبر غاب فرانكوني، وفي التاسع منه حضر بدء المعركة في شليز. استولى المرشال برنادوت على هذه القرية بعد أن قاتل عشرة آلاف من البروسيِّين الذين أُسِر القسم الأكبر منهم.

وفي العاشر منه، حصلت موقعة أخرى في سآلفد، كان الفوز فيها حليف الجناح الأيسر من الجيش الفرنسي الذي يقوده المرشال لان. كانت نتيجة هذه الموقعة تشتُّت صفوف الأمير هوهنلوه، التي يقودها الأمير لويس ده بروس، الذي بقي في ساحة القتال. كان هذا الأمير مكتسبًا محبَّة الجيش، وكان يرغب رغبة شديدة في أن يُعِيد إليه مجده القديم إلَّا أن جرأته لم تلبث أن أودت بحياته؛ فإنه شهر القتال على قوَّات أكثر عددًا من فرقته لكيلا يترك بين يدي عدوِّه المركز الذي عُهِد به إليه، وبعد مقاومة شديدة تشتَّتت فرقته، فشرع يعالج جمع الهاربين ليعاود القتال وما هي إلَّا طرفة عين حتى أدركه قائد من قوَّاد الهوسَّار، يُدعَى كنده، وأمَرَه بأن يسلِّم سيفه فأبى الأمير ووقف موقف الدفاع، عند هذا عالجه القائد بطعنة قتَّالة نفذت من ظهره إلى بطنه.

في الثاني عشر منه كان الجيش الفرنسي على أبواب لبزيك ومعسكر الإمبراطور في جيرا. إلا أن نابوليون، الذي كان يعمل على أن يبعد عنه مسئولية الحرب ويثبت لفرنسا وأوروبا أنه لم يفتأ يعمل على حفظ السلام، كتب من جيرا جوابًا على رسالة ملك بروسيا لم يلبث أن شاع في أوروبا. نأخذ منه هذه المقاطع المهمة: «أخي، تلقَّيت في السابع من هذا الشهر كتاب جلالتك المؤرَّخ في الخامس والعشرين من شهر أيلول. لا يمكن جلالتك أن تتصوَّر الأسف الذي استولى عليَّ ساعة قرأت توقيعها لتلك الرسالة القادحة. أما إني لا أجيب عليها إلَّا لأؤكِّد لها أنني لم أعزُ إليها ما جاء فيها: إنَّ جميع ما تضمَّنته إنما هو معاكس لسجيَّة جلالتك وشرفها، ثم إنني أُشفِق على كاتبي مثل تلك الرسالة وأعفُّ عنهم. ولقد استلمت عقيب هذه حاشية وزيرك التي ضربتُ لها ميعادًا في الثامن منه، ولم أجد بدًّا من البر بكلامي؛ شيم الفوارس تقتضي ذلك، وها أنذا في وسط السكس، ولديَّ قوى تضمن لي النصر الأكيد. ولكن، فيمَ هرق الدم؟ ولأيِّ قصد؟ إنني أُخاطِب جلالتك بمثل ما خاطبت الإمبراطور إسكندر قبل معركة أوسترلتز … فيمَ نترك السبيل لإفناء شعبنا؟ إنني لن أقدِّر قدر النصر الذي يُشترَى بحياة أولادي. إن جلالتك لسوف تُغلَب، يا صاحب الجلالة، سوف تنزل النكبات على راحتها وشعبها، من غير أن يكون لها طيف حجة في ذلك. إن جلالتك اليوم لسليمة، إذن فهي تستطيع أن تتداول معي بشكل موافق لمقامها؛ ولكن مداولتها بعد شهر ستكون غيرها اليوم … إنني قد أُثِير في رسالتي هذه نوعًا من التأثُّر السلطاني، إلَّا أن الظروف لا تتطلَّب مراعاةً قطُّ. ألا فلتأمر جلالتك الأردياء والمتغفِّلين الذين يحيطون بها أن يصمتوا أو يخلدوا إلى السكينة أمام مشهد عرشها، ولْتعمل على راحتها وراحة ولاياتها …»

لم يخطئ الإمبراطور بقوله إن رسالته قد تثير في ملك بروسيا التأثُّر السلطاني، ولقد قرأ في صفحات المستقبل تلك الحقيقة التي جعلته يعلن إلى هذا الأمير «أن جلالته ستُغلَب». بعد مرور يومين تلاشى الجيش البروسي في ساحات يينا، وفي الخامس عشر من شهر تشرين الأول كانت مذكِّرة الجيش الكبير الخامسة، التي كُتِبت في ساحة القتال، تتضمَّن تفاصيل تلك المعركة الدموية الهائلة!

معركة يينا

إن معركة يينا قد غسلت عار روسباك ووضعت حدًّا، في سبعة أيام، لحملةٍ سكَّنت تسكينًا تامًّا ذلك الجنون الحربي الذي استولى على عقول البروسيين.

أراد ملك بروسيا أن يشرع بالقتال في التاسع من شهر تشرين الأول بالزحف إلى فرانكفور بميمنته، وإلى ورتزبورج بوسطه، وبميسرته إلى بنبرج، وكانت جميع فرق جيشه مهيَّأة لتنفيذ هذه الخطة، إلَّا أن الجيش الفرنسي، الذي انحرف إلى طرف ميسرته، وجد نفسه بعد أيام قلائل في سآلبورج، ولوبنسثن، وشليز، وجيرا، ونومبورج. أما الجيش البروسي فقد صرف أيام التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر من الشهر في جمع فِرَقه كلِّها، وفي الثالث عشر برز للقتال بين كابلسدورف وأورستيد يدعمه مائة وخمسون ألفًا من الرجال.

وفي الساعة الثانية بعد ظهر هذا النهار وصل الإمبراطور إلى يينا، فأبصر من على مرتفع تشغله الصفوف الأولى من الجيش، استعدادات العدوِّ الذي كان يتدرَّب للمصادمة في الغد واغتصاب منافذ السآل١ العديدة. كان العدو يحاصر طريق يينا إلى ويمار، معتقدًا أن الفرنسيين لا يستطيعون الولوج إلى السهل إلا باغتصاب هذا الممر.

استلم المرشال دافو أمرًا بالولوج من نومبورج ليحاصر معابر كسن فيما إذا أراد العدو أن يزحف إلى نومبورج، أو بالانحدار إلى أبولدا ليأخذه من ورائه، فيما إذا بقي في المركز الذي هو فيه.

وأمرت فرقة المرشال أمير بونت-كورفر (لقب منحه نابوليون للمرشال برنادوت) بالولوج من دورنبورج لتُهوِي إلى العدو من ورائه. أما فرقة الخيَّالة الضخمة، التي لم تكن بعدُ قد لحقت بالجيش، فلم تتمكن من اللحاق به إلا قُبَيل الظهر، وأما خيَّالة الحرس الإمبراطوري فقد كانت على مسافة ست وثلاثين ساعة بالرغم من السير الشاق الذي قامت به منذ سفرها من باريس.

نظَّم الإمبراطور على المرتفع الذي تشغله الصفوف الأولى فرقة المرشال لان جميعها وجعل كلَّ قسم منها جناحًا، وهيَّأ المرشال لوفيفر على قمَّة المرتفع الحرس الإمبراطوري كتائب مربعة، وأقام الإمبراطور بين بُسَلائه. كان الليل يعرض مشهدًا حريًّا بالنظر هو مشهد الجيشين؛ كان أحدهما يبسط جبهته على مسافة ثلاثة فراسخ ويحرق الفضاء بنيرانه، وكان الآخر يُرسِل نيرانه الجسيمة من على نقطة صغيرة. أما نيران الجيشين فقد كانت على قَيْد نصف رمية مدفع، وكان الخفراء يوشكون أن يلاصقوا بعضهم بعضًا من غير أن يأتي أحدهم بحركة تُسمَع.

صَرَفَت فرقتا المرشالين ناي وسول الليل في السَّير، وفي مطلع النهار تقلَّد الجيش سلاحه. كانت كتيبة كازان مصطفَّة على خطوط ثلاثة إلى يسار المرتفع، وكانت كتيبة سوشة تؤلِّف الميمنة في حين كان الحرس الإمبراطوري يشغل قمَّة المرتفع. أما الكتائب التي لم يُتَح لها الإقامة على المرتفع، فقد فُتِح لها معابر من المدينة والأودية المجاورة تمهِّد لها الولوج بسهولة.

كان ضباب كثيف يظلم النهار، مرَّ الإمبراطور أمام خطوط كثيرة، وأشار إلى الجنود بأن يتَّخذوا الاحتياطات ضدَّ مفاجأة الخيَّالة البروسية، ثم ألقى على مسامعهم كلماتٍ ملؤها الحماس انتفض لها الجند فصرخوا جميعهم: «إلى الأمام.»! وما هي إلا هنيهة حتى طُرِد العدو من مركزه وولج الجيش الفرنسي إلى السهل، عند هذا شرع يتلقَّى نظامه للقتال.

أما من جهة جيش العدو فإنه تقلَّد السلاح، وكان قد عزم ألَّا يهاجم قبل تبدُّد الضباب، في تلك الساعة كمنت فرقة من خمسين ألف رجل من الميسرة لتملأ مضايق نومبورج وتستولي على معابر كسن، إلَّا أن المرشال دافو كان قد سبقها إلى ذلك. ووثبت الفرقتان الأخرَيان المؤلَّفتان من ثمانين ألف رجل أمام الجيش الفرنسي الذي كان يعبر من مرتفع يينا. بقي الضباب يحجب الجيشين مدة ساعتين، حتى إذا ما انجلى عن شمس الخريف الجميلة، أبصر الجيشان كلٌّ منهما الآخر على قيد رمية مدفع. كانت ميسرة الجيش الفرنسي تحت قيادة المرشال أوجرو، وكان الحرس الإمبراطوري يفصلها عن الوسط الذي يشغله المرشال لان. أما الميمنة فكانت مؤلَّفة من فرقة المرشال سول، ولم يكن لدى المرشال ناي إلَّا فرقة بسيطة مؤلَّفة من ثلاثة آلاف رجل، وهي الكتائب الوحيدة التي وصلت إليه من فرقة جيشه.

كان الجيش العدوُّ كثيرَ العدد، وكان الإمبراطور قد رغب في تأخير القتال ساعتين حتى تصل إليه الكتائب المنتظَرة ولا سيما الخيَّالة، إلا أن الحمية الفرنسية لم تترك له سبيلًا للانتظار. في تلك الآونة تلقَّى المرشال لان أمرًا بالزحف إلى قرية هوللستيد ليعضِّد فيها الكتائب التي كان العدوُّ قد وثب إليها، وفي الوقت نفسه عُهِد إلى المرشال أوجرو بردِّ العدو الذي كانت ميمنته قد عالجت حركةً على ميسرتنا. وما هي إلَّا نصف ساعة، أو أقل، حتى أصبح القتال عموميًّا. يا له مشهدًا لم تذكر التواريخ مثيلًا له إلا في الندر! كان مائتان وخمسون ألفًا أو ثلاثمائة ألف من الرجال مع سبع أو ثمانمائة مدفع يزرعون الموت في جميع الجهات!

وهذه هي نتائج المعركة: ثلاثون إلى أربعين ألفًا من الأسراء، خمسة وعشرون إلى ثلاثين علمًا، ثلاث مائة مدفع، وكثير من مخازن المئونة، يُوجَد بين الأسراء أكثر من عشرين قائدًا بينهم القائد شمتُّو، أما عدد الموتى في الجيش البروسي فكثير لا يُحصَى، ويقدرون أن هناك أكثر من عشرين ألفًا بين قتيل وجريح. لقد جُرِح الفلدمرشال موللاندورف، وقُتِل الدوق ده برونسويك، والجنرال بلوشير، أما جُرْح هنري ده بروس فخطرٌ جدًّا.

لقد خسر الجيش البروسي، في هذه المعركة، كلَّ ما كان لديه، واضطُر الملك على الانسحاب مع كتيبة خيَّالته. تُقدَّر خسائرنا بألف ومائتي قتيل وثلاثة آلاف جريح، أما القوَّاد فلم يُصَب أحد منهم بأذًى إلا المرشال لان فإنه أُصِيب برصاصة لامست صدره من غير أن تجرحه، وإلَّا المرشال دافو الذي أطارت رصاصةٌ قبعته عن رأسه وخُرِق ثوبه بالرصاص. كان بين الأسُراء ستة آلاف سكسوني وأكثر من ثلاثمائة ضابط. أما نابوليون، الذي عرف أن يفصل الأمة السكسونية عن الشعب البروسي ويوفِّر له حليفًا في الأيلب ضدَّ بلاط برلين، فإنه أشار بأن يمثُل هؤلاء الأسراء أمامه ووعدهم بأن يُطلِق سراحهم إذا هم عاهدوه على أن لا يخدموا بعد ضدَّ فرنسا. قال: «إن مكان السكسونيِّين إنما كان موسومًا في معاهدة الرين. لقد كانت فرنسا المحامية الطبيعية عن السكس ضدَّ عسف بروسيا وجورها. كان من الضروري أن يُوضَع حدٌّ لذلك العسف والجور؛ إذ إن البر إنما كان بحاجة إلى الراحة ولو لم تُوجَد تلك الراحة لكلَّفت ضرورة إيجادها إسقاط بعض العروش.»

ففهم السكسونيون معنى هذه اللهجة فأعطوا الضمان الذي طُلِب منهم، وعادوا إلى بيوتهم مع نداءٍ وجَّهه الإمبراطور إلى مواطنيهم.

استولى الفرنسيون على أرفورث بعد معركة يينا وألقوا القبض فيها على أمير دورانج والفل مرشال موللاندورف. وفي اليوم نفسه، أي في السادس عشر من الشهر، طلب ملك بروسيا هُدْنة فلم يشأ نابوليون أن يمنحه إيَّاها. على أن الجنرال كلكروث، الذي ضيَّق عليه المرشال سول، والذي خشي أن يُؤخَذ مع فرقته المؤلَّفة من عشرة آلاف رجل كان بينهم الملك البروسي نفسه، ترجَّى هدنةً كان الإمبراطور على وشك أن يمنحه إياها. أما المرشال سول فلم يشأ أن يصدِّق ذلك وقال: إن نابوليون لن يرتكب هَفْوة مثل هذه. عند هذا اتجه الجنرال البروسي إلى المعسكر الفرنسي ليتفاوض هو والمرشال ويتوسَّل إلى كرم المنتصر، بل إلى شفقته ورحمته، فأجابه المحارب الفرنسي: «حضرة الجنرال، إنكم تنهجون معنا هذا النهج منذ زمن طويل، عندما ترون نفوسكم مقهورين تَلجئون إلى رحابة صدرنا حتى إذا ما مضت مدة قصيرة تتناسَون الجميل الذي لنا عليكم. منح الإمبراطور، بعد معركة أوسترلتز هدنة للجيش الروسي، وهذه الهدنة أنقذت الجيش. فتأمَّل اليوم الطريقة الجاحدة التي يتخذها الروسيون … ألقوا السلاح أولًا، ثم انتظر أوامر الإمبراطور لأرى رأيه.»

فانسحب القائد البروسي خَجِلًا، وفي الثاني والعشرين من الشهر وصل المرشال سول إلى أسوار مكدبورج بعد أن طارد العدوَّ مطاردة نشيطة.

بينما كان سول يطارد العدوَّ في جهة مكدبورج، ويحمِّله من الخسائر ما لا يحصره العدد، كان برنادوت ينجز في هال على الجيش الاحتياطي البروسي الذي يقوده أحد أمراء ورتنبرج. وعقيب هذا النصر عبر الإمبراطور ساحة حرب روسباك وأصدر أمره بنقل العمود الذي رُفِع هناك إلى باريس.

كانت موقعة هال قد حدثت في السابع عشر، في الثامن عشر استولى المرشال دافو على لبزيك، وفي الواحد والعشرين سُدَّت طريق مكدبورج في وجه البروسيين على يد فِرقَتَي سول ومورات فتشتَّتت بقايا جيشهم تشتُّتًا فظيعًا. عند هذا خفَّ عدوُّ فرنسا القديم، برونسويك الهائل صاحب مشروع سنة ١٧٩٢ القاضي بإضرام النار؛ ليضع ولاياته تحت حماية الإمبراطور. يا لانقلاب القدر! إن هذا الجنرال العظيم الذي مثَّل الأريستوقراطية الأوروبية القائمة ضدَّ فرنسا لم يجد بدًّا من السجود على ركبتيه أمام ذلك الشعب الذي هدَّده قبل أربع عشرة سنة بكلِّ ما في الوحشية من الفظاعة والظلم! إنه لقد خشي على قصوره وعلى مسكنه الشخصي من النار والحديد اللذين كثيرًا ما هدَّد بهما عاصمة فرنسا. إنه لموقفٌ جميل ذلك الذي وقفته الثورة المنتصرة! لقد جرَّت إليها الحكمةُ العلياء أشدَّ عدوٍّ من أعدائها ساجدًا متوسِّلًا! ألا إن الثورة لتُحْسنُ معاقبة الصلَف، وإثبات تفوُّقها بما تأتيه من ضروب التساهُل والسماح؛ إذ إنها تعمل بيد بونابرت وتتكلم بلسانه، قال الإمبراطور لرسول الدوق: «ما كان يقول أميرك لو هدمت مدينة برنسويك غير تاركٍ فيها حجرًا على حجر؟ ألم تسمح لي شريعة الثأر بأن أنهج مع برونسويك، ما كان يرغب في أن ينهجه معي؟ إن تعمُّد هدم مدنٍ لمن الحماقة بمكان، ولكن تعمُّد نزع الشرف من جيشٍ يضمُّ خِيرة الرجال البسلاء إنما هو عار لا تتحمَّله الأجيال. كان على الدوق ده برونسويك أن لا يُقدِم على إهانة كهذه؛ لأن من يشيب رأسه تحت السلاح يجب عليه أن يحترم الشرف العسكري، ثم إن هذا الجنرال لم يستطع أن يكتسب حقَّ إهانة الأعلام الفرنسية في سهول شامبانية. إن إتلاف مآوي المواطنين الهادئين إنما هو جريمة يُكفَّر عنها بالوقت والمال، ولكن هتك حرمة جيش عظيم، ومحاولة طرده من ألمانيا أمام النسر البروسي، إنما هو عارٌ فظيع لا يرتكبه إلَّا ذلك الذي حُرِّض على ارتكابه.»

في الرابع والعشرين منه وصل الإمبراطور إلى بوتسدام. في مساء اليوم نفسه طاف في قصر سان سوسي، فاتضح له أن موقعه إنما هو في أبعد ما يكون من الجمال، فبقي هناك مدَّة من الوقت كأنه قد استسلم لتأمُّلات عميقة في غرفة فريدريك الكبير الذي كان أثاثها لا يزال كما كان ساعة موته. وفي اليوم التالي، زار ضريح فريدريك الكبير، بعد أن استعرض الحرس الإمبراطوري الذي يقوده المرشال لوفيفر.

جاء في المذكِّرة الثامنة عشرة ما يلي: «إن بقايا هذا الرجل العظيم موضوعة في تابوت من الخشب مُبطَّن بالنحاس لا زينةَ عليه ولا شعار، ولا أقلَّ أثر يشير إلى الأعمال المجيدة التي قام بها ذلك الرجل الكبير.

لقد أهدى الإمبراطور إلى قصر الأنفليد في باريس حسام فريدريك، وشريطة نسره الأسود، ومنطقته، والأعلام التي كان يحملها حرسه في حرب السنوات السبع. إن كسحاء الجيش الهانوفري القدماء سيتقبَّلون بعاطفة دينية كلَّ ما كان يملكه أحد القوَّاد الأولين الذي سجل التاريخ ذكره بشرف ومجد.»

في السابع والعشرين من شهر تشرين الأول عام ١٨٠٦ دخل نابوليون إلى برلين من باب شرلوتنبرج الجميل يواكبه المرشالية برتيه ودافو وأوجرو ودوروك وكولنكور، ويحفُّ به الحرس والقنَّاصة على الجياد، وتتقدَّمه فرقة نانسوتي والمرشال لوفيفر على رأس المشاة. أما شعب برلين فقد خفَّ إلى ملاقاة المنتصر بأبَّهة وعظمة. ولقد قدمت المدينة إلى الإمبراطور مفاتيح هذه العاصمة على يد الجنرال هرللن.

كان أول ما اهتم به الإمبراطور تشكيل مجلس بلدي مؤلَّف من ستين عضوًا عُهِد انتخابهم إلى ألفين من أغنياء البلد.

مَثَل وفد البلد ثانيةً أمام الإمبراطور وعلى رأسه الأمير ده هتزفلد الذي قَبِل حاكمية برلين المدنية باسم الفرنسيين، والذي لم يفتأ يراسل ملك بروسيا ليوقفه على حركات الجيش الفرنسي المنتصر. قال نابوليون لهذا الأمير: «لا تمثُل أمامي فلست بحاجة إلى خدمك، وارجع حالًا إلى أراضيك.» وبعد مدة قصيرة أُوقِف الأمير هتزفلد وسُلِّم إلى مجلسٍ عسكري. فلما بلغ زوجته ما كان من أمره، أُسقِطت في يدها واستسلمت لليأس، إلَّا أن دوروك شجَّعها على أن تمثُل أمام الإمبراطور وتتوسَّل إليه، فاتَّجهت إلى القصر وترامت على قدمَي الإمبراطور وتوسَّلت إليه أن يعفو عن زوجها الذي كانت تظنُّ أن سبب إيقافه إنما هو ناجم عن علاقته مع الوزير شولنبرج أحد مسبِّبي الحرب، ولكن نابوليون أكَّد لها أن الأمير هتزفلد كان يراسل ملك بروسيا ويخون الفرنسيين، فصرخت المرأة مُعترِضة على ذلك وأكَّدت له أن زوجها بريء من هذه التهمة الفظيعة، فقال لها الإمبراطور: «إنكِ تعرفين خطَّ زوجك، إذن فسأُريكِ رسائله.» وأمر بإحضار إحدى تلك الرسائل المضبوطة وألقاها بين يديها، كانت المرأة حاملًا، فلما رأت خطَّ زوجها أُغمِي عليها من شدة الحزن ثم استفاقت تجهش بالبكاء والنحيب، فأشفق نابوليون أمام هذا المشهد الأليم فقال لها: «إن الرسالة في يدكِ فألقيها في النار تنقذي زوجك من العقاب.» وكان المشهد جاريًا بالقرب من مستوقد، فأسرعت الأميرة هتزفلد لإنقاذ زوجها بإلقاء الرسالة في اللهيب، وما هي إلا فترة حتى استلم المرشال برتيه أمرًا بإخلاء سبيل الأمير هتزفلد.

كان الإمبراطور قد أساء إلى ملكية بروسيا في إحدى مذكِّراته التي جاء فيها: «إن البروسيين يعزون مصائب بروسيا إلى سفر الإمبراطور إسكندر، وإن الانقلاب الفجائي الذي طرأ منذ ذلك الحين على عقل الملكة فاستحالت من امرأة وديعة إلى شرسة حربية قد أصبح ثورةً فجائية. لقد أرادت أن يكون لها كتيبة فتتَّجه إلى المجلس، ولقد أجادت قيادة المملكة بإيصالها إلى حافَّة الهوة بأيام قلائل.»

فلمَّا قرأت الإمبراطورة جوزيفين هذه الفقرة التي حمل بها الإمبراطور على ملكة شابة جميلة لم تجد بدًّا من الاستياء، فأرسلت إلى زوجها كتابًا توبِّخه فيه على تصرُّفه هذا، وتُظْهِر له خطأه في التحامل دائمًا على النساء، فأجابها نابوليون: «أخذت كتابك الذي تُظهِرين لي فيه استياءك من الكلام السيِّئ الذي أقوله في النساء اللواتي يحرِّكن الدسائس فوق كلِّ شيء. لقد تعوَّدت أن أُحِبَّ الطيبات القلوب اللواتي يُحببْنَ الوفاق والسلام. وسترين أنني كنت سهلًا مع إحداهن، وهي امرأةٌ طيبة حسَّاسة تُدعَى الأميرة هتزفلد، فعندما أريتها كتاب زوجها قالت لي وهي تبكي: إن هذا خطُّ يده. ولقد نَفَذَ كلامُها العذب إلى أعماق قلبي فأشفقت، وقلت لها: ألقي الرسالة في النار فأُصْبِح عاجزًا عن معاقبة زوجك. فأحرقتها ودلائل السعادة تبدو على مُحيَّاها. ولو تأخَّرت ساعتين عن المثول أمامي لفقدَت زوجها لا محالة. أرأيتِ أنني أحب النساء الطيبات الأخلاق السليمات الطوية؟ ولكن ليس ذلك إلَّا لأنهن يشبهْنَك يا عزيزتي جوزيفين.»

ثاني يوم دخول الإمبراطور إلى برلين أعطى مقابلة لوزراء البافيير وإسبانيا والبورتغال والباب العالي. وفي اليوم نفسه استقبل الإكليروس البروتستنتي، وأرباب المجالس، وتحدث إلى كثير من الحكام عن جملة نقاط من التنظيم القضائي.

أصدر نابوليون في مدة إقامته ببرلين المرسوم الشهير الذي أنشأ المحاصرة البرية وحرَّم على شعوب الإمبراطورية الفرنسية وحلفائها أيَّة تجارة أو علاقة مع الجزائر البريطانية. فهذا العمل، الذي استهجنه البعض وعزوه إلى عماوة الحقد، إنما كان ناجمًا عن الديوان الإنكليزي الذي أصرَّ على تهييج السلطات البرية ضدَّ فرنسا، كان نتيجة تلك الدسائس المتوالية، والمؤامرات، وضروب العداء التي حاربت بها الأريستوقراطية الإنكليزية الديموقراطية الفرنسية منذ ١٧٩٢، كان جواب الثورة المنتصرة للغضب الملكي، الذي ما زالت تتلقاه من يوم مدرجها يوم كانوا يحاولون نفيها من أوروبا زاعمين أنها أوجدت «فراغًا» بما أنَّ بورك وبيت اللذين أرادا أن يُنحِّيا فرنسا في وسط العالم الراقي، لا يزالان يسودان، بأصدقائهما وأتباعهما، في مجالس لوندن ويسوِّدان الفكرة نفسها في تلك المجالس، فلمَ لا يحق لفرنسا أن تنحِّي إنكلترا في وسط البحار؟ كان من حقِّ المحاصرة التي هدَّدوا بها الروح الثورية مدة خمس عشرة سنة أن تُقْفِل السبيل على الثورة الرجعية في وسط المحيط.

بينما كان نابوليون يهتمُّ في برلين بالقبض على مسبِّبي الحرب، ويستعد لوضع إنكلترا خارج الحق العام ومعاقبتها على خرقها حقوق البشر، كان قوَّاده يطاردون الأعداء فلا يدعون لهم سبيلًا للراحة، وينجزون على بقايا الجيش البروسي. منذ الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول استولى مورات على برنتزلوو، وأرغم الأمير هوهنلوه على التسليم مع فرقة جيشه. وفي اليوم التالي استولى الجنرال لاسال على قلعة ستيتِّين، في حين كان الجنرال ميلهو ينزع سلاح كتيبة مؤلَّفة من ستة آلاف رجل. في الثاني من شهر تشرين الثاني سلَّمت كوسترن للمرشال دافو. في ذلك الحين كان مورتيه يستولي على ولايتَي هس وهمبورج. أما شعار الأمير دورنج والدوق فقد نُزِع في فلد وبرنسويك. جاء في المذكِّرة الرابعة والعشرين ما يلي: «إن هذين الأميرين لن يحكما بعدُ، فهما العاملان الأولان في تلك العصبة الجديدة.»

كان فوزٌ باهر ينتظر الفرنسيين تحت أسوار لوبك وفي شوارعها، ففي السادس من تشرين الثاني التقى مورات وسول وبرنادوت، بما أتوه من ضروب الحذاقة في التدرُّبات، أمام هذا المكان الذي قاد إليه بلوخر أواخر آمال المُلك البروسي. صدر الأمر بالهجوم، ودخل برنادوت إلى المدينة من باب ترافا في حين دخلها سول من باب موللن.

أما المقاومة فقد كانت شديدة جدًّا، ولقد جرى القتال في الشوارع أيضًا، ولكن في السابع من الشهر صباحًا مَثَل بلوخر والأمير ده برنسويك أولس أمام المنتصرين، وهما على رأس عشرة قوَّاد بروسيين، وخمس مائة وثمانية عشر ضابطًا، وأكثر من عشرين ألف رجل، وطلبا التسليم، ثم عبرا حالًا أمام الجيش الفرنسي.

في الثامن منه فتحت مكدبورج أبوابها، فوجد فيها الفرنسيون ثماني مائة مدفع وعساكر محافظة ينيفون عن ستة عشر ألفًا. وكان الإمبراطور قد قاد فرقة من الجيش نحو الفيستول لمطاردة ملك بروسيا الذي هرب مع العشرة الآلاف التي بقيت لديه.

في العاشر منه دخل المرشال دافو إلى بوزن حيث استقبله الأهلون بهتاف شديد؛ لأنهم إنما هم بولونيون أكثر مما هم بروسيون. وفي السادس عشر كانت المذكِّرة الثانية والثلاثون تُعْلِن ما يأتي: «إنه بعد الاستيلاء على مكدبورج ولوبك وضعت الحملة على البروسيين أوزارها. وفي هذا اليوم نفسه وُقِّع الأمر بتعطيل السلاح في شراوتنبورج.» إذ ذاك اهتمَّ الإمبراطور بالمرسوم الذي سبق لنا أن تكلَّمنا عنه، القاضي بمحاصَرةِ الجزائر البريطانية.

عندما ضُرِبت بروسيا الضربة القاضية نُزِعت منها السلطة السياسية، إلَّا أن إنكلترا التي دفعت بروسيا إلى الحرب بقيت سليمة ثابتة، فأراد نابوليون أن يتمكَّن منها فينحِّيها عن أوروبا التي ما زالت تسلب منها أموالها وتستأجرها تارة بعد أخرى باحتكارها التجاري ودسائسها المتوالية في المداولات. إن الطريقة التي اتخذها نابوليون لَتجرح مبادئ الرقي الجديد؛ إنه عرف ذلك واعترف به، ولكنه يستمد بها الشريعة وحق المبادلة.

عندما طلب الإمبراطور من مجلس الشيوخ تجنيد فرقٍ جديدة أطلعه على هذه الخطة الكبيرة، قال: «إن إنصافنا الزائد، بعد كلِّ حرب من الحروب الثلاثة الأولى، إنما كان سببًا لتلك التي عقبتها. هكذا قُدِّر لنا أن نقاتل تلك العصبة الرابعة، بعد تسعة أشهر من انحلال العصبة الثالثة، بعد تسعة أشهر مرت على تلك الانتصارات الباهرة التي منحتنا إيَّاها الحكمة العلياء التي من حقِّها أن تمنح البر راحةً طويلة …

لقد أخذنا على أنفسنا، في هذا الموقف، كمبادئ ثابتة ألَّا نخلي برلين وفرسوفي، ولا المقاطعات التي ولَّتنا إياها القوى العسكرية، قبل أن يُعقَد السلام العام، وتعاد المستعمرات الإسبانية، والهولندية والفرنسية، وتُثبَّت أسس السلطنة العثمانية واستقلالها المطلق.

لقد وضعنا الجزائر البريطانية في موقف حصار، وهيَّأنا ضدَّها تدابير منافية لنا؛ ولكننا اضطررنا إلى ذلك أسوةً بحلفائنا …

إننا لفي وقتٍ من تلك الأوقات التي لها أهميتها بمستقبل الأمم، وإن الشعب الفرنسي سيكون أهلًا لمستقبله المنتظر. إن المرسوم الذي صدر أمرْنا برفعه إليكم، والذي سيضع تحت تصرُّفكم، في أوائل السنة، تجنيد عام ١٨٠٧ الذي سيشرع به في أول أيلول، إنَّ هذا المرسوم سينفِّذه الآباء والأبناء. ويا له يومًا جميلًا ساعة تنادي الفرنسيين الأحداثُ إلى الانضمام تحت السلاح! إنهم سيُقدَّر لهم أن يجتازوا عواصم أعدائنا وساحات القتال التي شرَّفتها انتصارات إخوانهم الأبكار.»

في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني غادر نابوليون برلين، فوصل إلى بوزن في الثامن والعشرين منه. كانت رداءة الطقس، والمشقَّات، والحرمان، قد أضعفت حميَّة الجنود، إلَّا أن المواقع العديدة والانتصارات كانت ألقت بأعداء فرنسا بعيدًا عن الفيستول. أمَّا مجلس الشيوخ، الذي كان من عادته أن يؤثر المراعاة على التشبُّث بالإصرار، فقد أرسل إلى الإمبراطور كتابًا يُظْهِر له فيه هذه الفكرة، ولكن مجلس الشيوخ والجيش والشعب إنما هم أعجز من أن يفقهوا خطورة المواقف، وعناد أوروبا القديمة، وضرورة الخطَّة التي اضطر نابوليون إلى اتخاذها ليجعل أعداء فرنسا الفتاة عاجزين عن تأليف أحزاب جديدة ضدَّها. كانت أمنية الجميع متجهة نحو السلام، وكان الإمبراطور يدرك ذلك، إلَّا أنه إنما كان يدرك أكثر من غيره أن الحرب أصلح من سواها للوصول إلى السلام الحقيقي؛ فلذلك ترك العمل لذكائه العظيم، وزحف إلى بولونيا ليسحق الروسيِّين فيها، بدل أن يدع لهم السبيل للوصول إلى بروسيا حيث يلمُّون شعث حلفائهم المقهورين ويجدِّدون آمالهم.

إذا رغب الجيش في الوقوف ساعة فكَّر قاهر المواقع العديدة في ضرورة السير إلى الأمام، أيتنازل النبوغ فجأةً ليُذعِن إلى مَن يقوده؟ لا، بل بالعكس؛ فإن ذلك لفرصةٌ جديدة يظهر فيها تفوُّقه العظيم الذي لا يقف عند حدٍّ. وإذا كان في الكتائب من يشعر بحاجة إلى الراحة؛ فإنه ليستطيع أن يجدِّد نشاطه بكلمة تخرج من فيه، ويجعله توَّاقًا إلى إعادة لعبة الحرب الهائلة ضدَّ أعداء الاسم الفرنسي. وهذا هو النداء الذي أرسله نابوليون إلى جيشه من معسكره العام في بوزن:

عن المعسكر العام في بوزن، ٢ كانون الأول

أيها الجنود، في مثل هذه الساعة من السنة الماضية، كنتم في ساحة حرب أوسترلتز، وكانت الكتائب الروسية المقهورة تهرب من وجهكم أو تلقي سلاحها بين يدي قاهرها. وفي اليوم التالي كانت كلمات السلام تتصاعد إلى آذاننا متوسِّلة، ولكنها كانت كلماتٍ خدَّاعة؛ إذ إن الكتائب الروسية لم تكد تسلم من نكبات العصبة الثالثة بما نالته من ضروب السماح والكرم، حتى دبَّرت عصبة رابعة، إلَّا أن أماكنها الحصينة، وعواصمها، ومخازنها، ودور أسلحتها، وأعلامها المائتين والثمانين، وقطعها الحربيَّة السبعمائة، وساحاتها الخمس أصبحت كلُّها في قبضتنا. إن الأودر، والوارثا، وصحاري بولونيا، ورداءة الفصل لم تتمكَّن من إيقافكم فترةً واحدة، لقد خرقتم كلَّ حاجز، وظفرتم بكلِّ شيء، وكلٌّ هرب من وجهكم! ولقد حاول الروسيون عبثًا المدافعة عن عاصمة بولونيا القديمة. إنَّ النسر الفرنسي يحلِّق فوق الفيستول.

أيها الجنود، إننا لن نلقي السلاح ما لم يوطِّد السلام العام سلطة حلفائنا، ويرد على تجارتنا أمانها ومستعمراتها. لقد فتحنا الأيلب والأودر، بونديشيري، وبناياتنا في الهند، ورأس الرجاء الصالح، والمستعمرات الإسبانية؛ فمَن يمنح الروسيين حقَّ هزِّ أرجوحة الأقدار؟ مَن يمنحهم حقَّ إسقاط طويَّات عادلة كهذه الطويَّات؟ ألسنا، نحن وهم، جنود أوسترلتز؟

كان لهذا النداء تأثيرٌ عظيم، ليس في جيش الفيستول فحسب، بل في ألمانيا كلِّها.

قبل أن يشرع الإمبراطور في إعداد الحملة، أراد أن يُنشِئ تمثالًا لذكرى عجائب الحربين الأخريين، فأضاف على نداء ٣ كانون الأول مرسومًا جاء فيه ما يلي:
  • البند الأول: يُنشأ في مكان المادلين، في مدينتنا الجميلة باريس، على نفقة الخزينة وتاجنا، تمثالٌ يُرفَع للجيش الكبير، ويحمل على مقدمه هذه الكلمات: مِن الإمبراطور نابوليون إلى جنود الجيش الكبير.
  • البند الثاني: يُدوَّن في داخل التمثال، على صفائح من البلاط، أسماء جميع الرجال الذين حضروا مواقع أولم، وأوسترلتز، ويينا، وعلى صفائح من الذهب الصلب أسماء جميع الذين قدَّمتهم كل مقاطعة للجيش الكبير.
  • البند الثالث: يُحفَر على جدران قاعة التمثال نقوشٌ تمثِّل قوَّاد كلِّ كتيبة من كتائب الجيش الكبير مع أسمائهم.

بقي الإمبراطور في يوزن حتى السادس عشر من شهر كانون الأول، فاستقبل هناك وفد فرسوفي المؤلَّف من أذين ليثواني الكبير، وغوتا كوسكي، وأعضاء الأشراف البولونيين.

إلَّا أن الجيش الفرنسي بقي سائرًا إلى الأمام. فبعد أن قاتل الروسيين في لوييز، واستولى على فرسوفي، وقُدِّر له تسليم تورغو عَبَر الفيستول في السادس منه إلى تورن، حيث وجد المرشال ناي بعض البروسيين فشتَّت شملهم من غير عناء. وما هي إلا أيام قلائل حتى كان الجيش جميعه على شاطئ الفيستول الأيمن. في الحادي عشر من الشهر قاتل المرشال دافو فرقة من الروسيين بعد أن عبر البوك. وعقدت في ذلك اليوم معاهدة صلح مع السكس التي دخل منتخبها في معاهدة الرين ونال لقب ملك.

في الثامن عشر منه دخل الإمبراطور إلى فرسوفي حيث ألحَّ عليه في ترميم مملكة بولونيا. إلا أنه خشي أن يتقيَّد بوعده، فلم يُعطِ إلَّا أجوبةً تركت مطلق الحرية للمستقبل. قال لراب: «إني أحب البولونيين؛ لأن حميَّتهم تروقني جدًّا، وإني لأرغب في أن أجعلهم شعبًا مستقلًّا، إلَّا أن هناك مصاعبَ كثيرة. لقد اشترك أناس كثيرون في اقتسام هذه القطعة من الحلوى: النمسا، وروسيا، وبروسيا، ولا يعلم أحد أين يقف الحريق إذا اشتعلت الفتيلة. إن واجبي الأول إنما هو فائدة فرنسا، ولا يصحُّ أن أضحِّي بها لبولونيا؛ إذ إن هذا ليؤدي بنا إلى حيث لا تُحمَد العقبى، ثم إننا يجب علينا أن نستسلم للسلطان الأعظم: الوقت؛ فإنه يهدينا إلى السبيل القويم.»

في أثناء ذلك كان الجنرال كامنسكي يزحف بسرعة إلى ملاقاة الكتائب الفرنسية، وقد أغضبه تقهقر القوَّاد الروسيين. ولقد جمع إليه بنينكسون وبوكسهودن فخُيِّل إليه أن النصر محقق فلم يتردَّد أن أحيا حفلة كبرى في قصر سييروك أُتِيح للفرنسيين أن يبصروا أنوارها من أعالي أبراج فرسوفي.

ترك الإمبراطور عاصمة بولونيا القديمة في الثالث والعشرين من كانون الأول وألقى على البوك جسرًا استوفى بناؤه ساعتين من الزمن، ثم أمر بهجوم فرقة دافو على الروسيين الذين كسروا في كزارنوفر، في موقعة طالت حتى بقيت قسمًا من الليل. وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل تشتَّت العدوُّ تشتُّتًا تامًّا، بعد أن استولى الجنرال بتي على المتاريس في ضوء القمر.

لم يكن انكسار كامنسكي هذا إلا طليعة انكسارات جديدة عالجها في ٢٤، ٢٥، ٢٦ من الشهر، في ناسييلسك، وكوروسومب، ولوبا كزين، وكوليمن، ويولتوسك، وخسر فيها ثمانين مدفعًا، وألفًا ومائتي مركبة، ومن عشرة آلاف رجل إلى اثني عشر ألفًا. هكذا تحقَّقت الآمال التي أعلن عنها الجنرال الروسي بالاحتفال الباهر الذي أحياه في قصر سييروك.

في الخامس من كانون الثاني عام ١٨٠٧ سلَّمت بريسلاو، التي أحرق المحاصرون ضواحيها وذهب كثيرٌ من الأولاد والنساء طعامًا للنار فيها. أما جيروم نابوليون فإنه أبلى بلاءً حسنًا في تلك الموقعة الرهيبة بإنقاذ بعض ضحايا الحريق. لقد آثر الفرنسيون أن يرفضوا الحقوق الفظيعة التي خوَّلتهم إيَّاها شرائع الحرب على أن يخرقوا الشرائع الإنسانية؛ فإنهم استقبلوا الهاربين برحابة وكرمٍ بدل أن يدفعوهم إلى المكان المحاصر الذي التهمته النار. كان الإمبراطور قد عاد إلى فرسوفي في الثامن من كانون الثاني فاستقبل فيها سلطات المدينة، والوزراء الأجانب، ووفدًا من مملكة إيطاليا. ولكي يهيِّج حماسةَ كتائب معاهدة الرين كافأ الفرقة الورتنبرجوازيَّة، التي استولت على الكلوكو، بإرساله إلى ملك ورتنبرج قسمًا من الأعلام التي غنمت في ذلك المكان، وعشرة أوسمة من جوقة شرف لتوزَّع على أبسل جنود تلك الفرقة.

بقي العداء موقفًا مدة عشرين يومًا، ولكن في الخامس والعشرين من كانون الثاني عاد إلى ما كان عليه؛ فإن برنادوت قاتل الكونتين باهللن وكالليتزن في موهر ونجن وشتَّت شملهما بعد أن أسر منهما ثلاثمائة رجل وجرح ألفًا ومائتين.

في أثناء ذلك تناهى إلى الإمبراطور أن حوادث كبرى قد جرت في القسطنطينية، وأن الروسيين واليونان طُرِدوا منها، ووُضِعت جائزة لكلِّ مَن يجيء برأس إبزيلاني، وأنَّ السلطان قد شهر الحرب على روسيا. رأى نابوليون في استعداد الباب العالي ليس نجاح مداولته فحسب بل تأثير الانتصارات السريعة التي نالها على سلطات الشمال، ولقد نجحت أيضًا جهوده مع العجم التي دفعها لتسبِّب عراقيل جديدة لروسيا على حدودها الآسيوية.

إن هذا الأمر المزدوج أدبَّ الفخرَ والغبطة في قلب نابوليون فأشعر مجلس الشيوخ بأهميته، وأصر على ضرورة صيانة استقلال السلطنة العثمانية كحاجز طبيعي في وجه هجمات السلطة الروسية.

استلم الإمبراطور في مدة إقامته بفرسوفي عرض الحال الآتي:

يا صاحب الجلالة

إن ورقة عمادي يرجع عهدها إلى عام ١٦٩٠؛ إذن فعمري اليوم مائة وسبع عشرة سنة. إني لا أزال أذكر موقعة فيينا وعهد جان سوبييسكي.

كنت أعتقد أنه لن يُتاح لي أن أشاهد عصر الإسكندر.

إن شيخوختي أورثتني عناية جميع الملوك الذين كانوا هنا، وإني لقد جئت أتوسَّل إلى عناية نابوليون الكبير.

احيَ يا صاحب الجلالة أكثر مما حييت، إن مجدك ليس بحاجة إلى ذلك، ولكن سعادة الجنس البشري تتطلَّبه.

ناروكي

فأسرع الإمبراطور إلى تحقيق رجاء هذا الشيخ، الذي رفع إليه هذا العرض الحال بيده، بأن منحه معاشًا سنويًّا قدْرُه مائة ليرة ذهبية وأسلفه معاش سنة.

إن حوادث القسطنطينية أسخطت الإمبراطور إسكندر من غير أن توحي إليه الرغبة في إيقاف العداء على الفيستول وإرسال قوَّاته نحو الدانوب، بل إنه اغتنم فرصة وصول المدد الذي طلبه من مولدافي حتى يطرد الفرنسيين من معسكرهم الشتوي ويستعيد القتال بأسرع ما يكون. أمَّا نابوليون فلما شعر باستعداد القيصر فرح فرحًا شديدًا، وأمر برنادوت بأن يمهِّد له السبيل ويزحف إلى الجيش الروسي لكي يجتذبه إلى الجهة السفلى من الفيستول، ثم غادر فرسوفي وعقب إلى مورافي فيللنبرج في الواحد والثلاثين من شهر كانون الثاني مساءً.

في اليوم التالي زحف الجيش الفرنسي إلى ملاقاة الروسيين، فلمَّا أدركهم في بسنهم تقهقروا بسرعة ليتَّخذوا لهم مركزًا في سوكتدورف. أما نابوليون، الذي تراءى له أنهم قد عوَّلوا على أن يستحكموا في ذلك المركز، فإنَّه مهَّد له مكانًا بين الباسارج والأل مع حرسه، والخيَّالة، والفرقتين الثالثة والسابعة، وعهد إلى المرشال سول بأن يستولي على جسر برغفرييد لكي يتجاوز ميسرة العدو. فلما أدرك بنينكسون أهمية هذا المركز عهد بحراسة جسر برغفرييد إلى اثنتي عشرة كتيبة من أبسل كتائبه. إلَّا أن شجاعة العدوِّ لم تلبث أن سقطت أمام الشجاعة الفرنسية؛ إذ استُولي على الجسر بعد معركة هائلة ترك فيها الروسيُّون، عدا عن أربعة مدافع، عددًا كبيرًا من القتلى والجرحى في ساحة القتال.

كان نابوليون قد نظَّم حركات جميع فرق جيشه بشكل أن يضرب بها الضربة القاضية، إلَّا أن الصدقة قلبت قسمًا من خططه؛ فإنَّ الضابط الذي عهد إليه بحمل أوامره إلى برنادوت سقط بين يدي العدو. فاغتنم بنينسكون هذه الفرصة ليتجنَّب الأحبولة التي نصبها له نبوغ قائد الجيش الفرنسي واختباره الناضج.

إن معركة برغفرييد التي حصلت في الثالث من شهر شباط إنما كانت، مع معارك واتردورف ودييبن وهوف وبروسيك أيلو التي حصلت في الرابع والخامس والسادس من شباط، فاتحة يوم من أفظع ما سطَّر التاريخ العسكري من الأيام الدامية. في السادس من الشهر استولي على كنيسة أيلو ومدفنها بعد معركة دامية كابد فيها الطرفان أهوالًا شديدة. وفي السابع منه، عند الصباح، بدأ بنينكسون بالقتال بأنْ صوَّب مدافعه على مدينة أيلو٢ وأطلق منها قنابل عديدة، عند هذا حمي وطيس المعركة، وأُتِيح للمدفعية الفرنسية بادئ ذي بدء أن تسبِّب أضرارًا عظيمة للعدو الذي قاتله دافو من ورائه في حين كان أوجرو يوشك أن ينقضَّ على وسطه لو لم تهطل ثلوج كثيفة فتفرِّق الجيشين في الظلمة وتنقذ الروسيين من ضربة قاضية.

تاه أوجرو بين ميمنة العدوِّ ووسطه فأصبح بحاجة إلى سرعة إدراك الإمبراطور وحمية مورات في التنفيذ لينجو من ذلك الموقف الخطر.

لنرجع إلى الخيَّالة الفرنسية؛ فإنها تمكَّنت بمعاضدة الحرس من الانقضاض على العدوِّ على حين غفلة، فكان كلُّ من أراد أن يعترضها في سبيلها تصيبه ضربةٌ قاضية، حتى قُدِّر لها أن تخترق الجيش الروسي مرَّات عديدة معملة فيه الموت والإرهاب. في أثناء ذلك كان المرشالان دافو وناي يقتربان، أحدهما من وراء العدوِّ، والآخر من ميسرته. أما بنينكسون، فلما رأى أُخْريات جيشه معرَّضة للخطر، أراد أن يسترجع قرية شناديتن في الساعة الثامنة مساءً ليمكِّن فيها استحكامه، إلا أن الرماحة الروسية، التي عُهِد إليها بهذه المخاطرة، لم تلبث أن كُسِرت شرَّ كسرة وتفرَّقت شرَّ تفريق، ولما كان غدٌ انسحب الروسيون بعيدًا عن بريجيل٣ تاركين ستة عشر مدفعًا وجرحاهم في ساحة القتال.

كانت المذبحة هائلة رهيبة في يوم أيلو. جاء في المذكِّرة الثامنة والخمسين أن خسارة الفرنسيين قد بلغت ألفًا وتسعمائة قتيل وخمسة آلاف وسبعمائة جريح، وبلغت خسارة الروسيين سبعة آلاف قتيل، إلَّا أن بعض المؤرخين يؤكِّدون أن هذا الإحصاء خطأ؛ إذ إن قتلى الفرنسيين بلغوا ثلاثة آلاف وبلغ جرحاهم خمسة عشر ألفًا. وأما الروسيون فقد قُتِل منهم ستة آلاف وجُرِح عشرون ألفًا. ولكن، كيف كان الأمر، فإن المعركة إنما كانت رهيبة هائلة لأن الإمبراطور كان في الرسائل الثلاثة التي كتبها إلى جوزيفين يتذكَّر دائمًا تلك المعركة بأسفٍ شديد. قال: «حَدَثَت أمس معركة كبرى كان النصر لي فيها إلَّا أني خسرت عددًا كبيرًا من الناس. إن خسارة العدوِّ، وإنْ كانت أعظم من خسارتي، إلَّا أنها لم تعزِّني …»

وجاء في رسالته الثانية: «هذه البلاد ملأى موتى وجرحى … إن النفس لتنقبض لدى رؤية هؤلاء الضحايا …»

تعوَّد أعداءُ فرنسا، عندما يرون أنفسهم لم يُقهَروا بسهولة، أن يعتبروا نفوسهم قاهرين؛ فمن الطبيعي إذن، بعد أن حمَّلوا الفرنسيين في موقعة أيلو مثل ما تحمَّلوا هم من الخسائر، أن لا يقفوا عن القتال ويسلِّموا لشروط الصلح. لم تمر ثمانية أيام من غير أن يحدث نزيفُ دمٍ جديد؛ ففي السادس عشر من شهر شباط انحدر القائد أسن إلى أوسترولنكا على رأس خمسة وعشرين ألف رجل وقاتل الفرقة الخامسة من الجيش الفرنسي التي يقودها الجنرال سافاري بمعاضدة القوَّاد أودينو، وسوشه، وغازان. ولقد قُتِل في تلك المعركة ابن سوارو الشهير وقُيِّض النصر للفرنسيين فيها. وفي اليوم نفسه نشر الإمبراطور نداءً من أيلو جاء في آخره: «إننا، بعد أن أتلفنا جميع مقاصد العدوِّ، سنقترب من الفيستول وندخل إلى معسكراتنا، فمَن يجرؤ على إقلاق راحتنا يندم؛ فسنكون كما كنَّا في مقربة من الفيستول والدانوب، وسط برد الشتاء وأوائل الخريف، الجنود الفرنسيين، وجنود الجيش الكبير.»

كان نابوليون يعتني كثيرًا بتكريم البسلاء، فأمر بأن تُذوَّب المدافع التي غُنِمت في موقعة أيلو ويشيد بها تمثالٌ للجنرال هوتبول، قائد الفرقة المدرعة الذي مات متأثِّرًا من جراحٍ أُصِيب بها في تلك المعركة الهائلة. ولقد أثنى على الجنرال سافاري لِما أتاه من ضروب البسالة في أوسترولنكا٤ وقرَّبه إليه، أمَّا قيادة الفرقة الخامسة فقد عهد بها إلى مسِّينا.

بعد أن شُهِرت مواقع عديدة لم ينجم عنها نتائج تُذكَر كمواقع بترولد، ولينيو، وهلم جرًّا استقر معسكر الإمبراطور في فنكستن في الخامس والعشرين من شهر نيسان. إلا أن الجيش الفرنسي لم يلبث أن رقَّت حاشية حاله بعد تلك المواقع العديدة التي قاساها، فاضطر نابوليون إلى رديف جديد لأن السلطات العدوة إنما كانت تصرُّ على استمرار الحرب، ولم يكن من حقِّ المنتصر أن يتخلَّى بجبن عن ثمرة تلك المواقع العديدة التي قُدِّر له الفوز فيها ويضع حدًّا للحرب بأن يضحِّي بجميع مصالحه ومجده.

كان نابوليون يستشعر الصفح والحلم في جميع أعماله؛ فإنه بعد أن غرس عَلَمَه المنتصر في برلين وفرسوفي قال لمجلس الشيوخ في رسالة ٢٠ آذار ١٨٠٧ المؤرَّخة من أوسترود ما يلي: «إننا مستعدون أن ننهي مع روسيا بحسب الشروط نفسها التي أمضاها مداولها، والتي حاولت دسائس إنكلترا ونفوذها أن تزجِّيها. إننا مستعدون أن نُرجِع الطمأنينة والسلام إلى تلك الملايين الثمانية التي قهرتها جنودنا، وأن نعيد إلى ملك بروسيا عاصمته. ولكن إذا كانت جميع أدلة التساهُل هذه التي كُرِّرت مرارًا عديدة لا تستطيع شيئًا ضدَّ غرور إنكلترا، وإذا لم تستطع هذه الأمة أن تجد السلام إلَّا في إذلال فرنسا؛ فإننا إنما نحن مستعدون أن نلقي العار واللوم على هذه الأمة التي تغذِّي جشعها بالدماء.»

كان الإمبراطور يعتقد أنَّ مطاليبه الهادئة لن تُقبَل ما لم يجرِّد البروسيين من وسيلتهم الأخيرة وهي دانتزيك،٥ وينتصر على الروسيين انتصارًا جازمًا كانتصار يينا. هذه الفكرة المزدوجة كانت تُوقِظ انتباهه دائمًا.

بينما كانت آخر نجدة من نجدات المملكة البروسيانية تتلاشى في دانتريك، كانت المفاوضات في شأن السلام تدور بين الروسيين والفرنسيين، إلَّا أن الوزارة الإنكليزية «الديوان الإنكليزي» كانت ترغب في إطالة الحرب؛ إذ إن التعب والخسائر التي يقاسيها حلفاؤها لم تكن لتهمُّها بشرط أن يُقيَّض لها إهلاك فرنسا ومُلاشاتها، وكان الإمبراطور إسكندر لا يزال سهل الانقياد للإنكليز؛ إذ إنه لم يكن نُكِب بكسرة من تلك الكسرات التي تعوَّد نابوليون أن يوقف بها الحرب عند حدٍّ، ففي الخامس من شهر حزيران بدأ الجيش الروسي بالقتال وحَمِيَ عقيب ذلك وطيس العداء!

كان جسر سباندين غاية الروسيين من هجومهم الأول، فحاولت اثنتا عشرة كتيبة أن تستولي عليه، إلَّا أنها أُرجِعت عنه سبع مرات إرجاعًا مقهورًا، وانتهى بها الأمر إلى الانكسار، ثم عقب ذلك موقعة أخرى على جسر لوميتن كان حظها مثل حظِّ الأولى وقُتِل فيها القائد الروسي. وفي اليوم التالي حصلت موقعة هائلة في ديبن خسر فيها الروسيون ألْفَيْ قتيلٍ وثلاثة آلاف جريح. أما انتصار الفرنسيين فقد عُزِي في نشرة علنية، إلى حُنْكَة المرشال ناي ونبوغ قائد الفرقة مرشان، وفي الرابع عشر من حزيران التقى الجيشان في فرييدلان في الساعة الثالثة من الصباح ودوَّت أفواه المدافع. قال نابوليون: «إنه ليوم سعيد فهو تذكار مارنغو.»

بدأ المرشالان لان ومورتيه بإطلاق النار تدعمهما جنود غروشي ونانسوتي. وفي الساعة الخامسة من المساء عزم نابوليون أن يستولي بسرعة على مدينة فرييدلان، وما هي إلَّا نصف ساعة حتى هجم المرشال ناي، وهجم في الوقت نفسه الجنرال مرشان شاهرًا حسامه ومتَّجهًا نحو حرس المدينة، وأقبل القائد ديبون بفرقته وجرت موقعة هائلة كان النصر فيها للفرنسيين الذين استولوا على فرييدلان بعد أن قتلوا من الروسيين خمسة عشر ألفًا وجرحوا خمسة آلاف بينهم ثلاثون قائدًا. كتب نابوليون إلى جوزيفين يقول لها: «لقد احتفل أولادي بذكرى موقعة مارنغو احتفالًا باهرًا، فستكون موقعة فرييدلان خالدة في سماء التاريخ، كما هي موقعة مارنغو؛ إذ إنها أخت جديرة بمارنغو وأوسترلتز ويينا.»

لم يكد نبأ هذا الانتصار يصل إلى كنيكسبرج حتى خفَّ الروسيون والبروسيون بإخلاء المكان، وفي السادس عشر من شهر حزيران دخله المرشال سول فوجد فيه أشياء لا تُحصَى من المئونة، ومائة وستين ألف بندقية جاءت مؤخَّرًا من إنكلترا، وعشرين ألف جريح. وفي التاسع عشر منه أخذ الإمبراطور أركان جيشه إلى تلسيت.

في الواحد والعشرين من حزيران عقد القيصر وملك بروسيا هدنة مع الإمبراطور نابوليون الذي وجَّه في اليوم التالي النداء الآتي إلى جيشه:

أيها الجنود

لقد وصلنا من شواطئ الفيستول إلى مياه نييمن بسرعة النسر، ولقد احتفلتم بذكرى موقعة مارنغو التي وضعت حدًّا لحرب العصبة الثانية، كما احتفلتم بذكرى التتويج في أوسترلتز.

أيُّها الفرنسيون، لقد كنتم جديرين بكم وبي، إذن فستدخلون إلى فرنسا رافعي الجبين بعد أن نِلْتم سلامًا مجيدًا يحمل معه ضمان بقائه.

أما أسس هذا السلام فقد وضعها الأمراء الثلاثة في مقابلةٍ جرت بينهم على شاطئ النييمن.

في الخامس والعشرين من شهر حزيران، الساعة الواحدة بعد الظهر، اتَّجه نابوليون يصحبه مورات وبرتيه وديروك وكولنكور على مركب إلى وسط هذا النهر حيث نُصِبت بضع سرادق لاستقبال الإمبراطورين وملك بروسيا، وفي الوقت نفسه كان إسكندر مُتَّجهًا من الشاطئ الآخر يصحبه الغرندوق قسطنطين والجنرال بنينكسون والجنرال أوفاروف والأمير لابانوف والكونت ده لييفن.

وصل المركبان في وقت واحد، فلما وضع إسكندر ونابوليون قدماهما على أدراج السرادق أسرعا بإعطاء الجيشين المعسكرين على شاطئ النهر إشارة الصلح بأن ترامى كلٌّ منهما بين ذراعي الآخر، ثم صرفا بضع ساعات منفردين حتى إذا ما انتهت المقابلة عاد كلٌّ منهما إلى معسكره.

وفي اليوم التالي جرت مقابلة أخرى في سرادق نييمن حضرها ملك بروسيا، وبقي الأمراء الثلاثة بضعة أيام يتناوبون الاحتفالات حتى خُيِّل أن الصداقة الحرَّة قد حلَّت محلَّ العداوة، التي كثيرًا ما كانت سببًا لهرق الدماء، ولقد شرب نابوليون في إحدى الولائم نَخْب ملكة بروسيا التي تناولها مرارًا عديدة بكلام سيِّئ في مذكراته.

وصلت هذه الأميرة إلى تلسيت في السادس من شهر تموز، وفي الساعة الثانية بعد ظهر هذا النهار زارها نابوليون فألحَّت عليه بأن يجعل شروط الصلح خفيفة الوطأة على تاجها، إلَّا أن جميع ميزات الإغراء التي وهبتها إياها الطبيعة والثقافة لم تستطع أن تغيِّر شيئًا من العزم الذي اتُّخذ قبل مجيئها، ففي الثامن من الشهر وُقِّعت معاهدة الصلح واعتُرف لفرنسا فيها بممالك السكس، وهولانده، ووستفالي، ودوقية فرسوفي الكبرى التي دخلت في معاهدة الرين التي سُمِّي نابوليون «صائنًا» لها على يد سلطات الشمال الكبرى، والتي وُضِعت هذه المعاهدة خصِّيصى ضدَّها.

قبل أن يغادر نابوليون تلسيت أُحضِر إليه أبسل جندي في الحرس الإمبراطوري الروسي، ومنحه النسر الذهبي من وسام جوقة الشرف عربون احترامه لهذه الفرقة.

في التاسع من شهر تموز، الساعة الحادية عشرة صباحًا، زار نابوليون إمبراطور روسيا الذي كان على رأس حرسه وواضعًا وسام جوقة الشرف الأكبر. بعد أن صرف الاثنان ثلاث ساعات معًا ركبا جواديْنِ وسارا على شواطئ النييمن، حيث أبحر الإسكندر، وبعد وقت قصير زار ملك بروسيا إمبراطور الفرنسيين فردَّ له هذا الزيارة ثم ذهب إلى كنيكسبرج.

١  اسم لكثير من أنهار ألمانيا أهمها الأيلب الذي يسقي بينا وهال.
٢  مدينة في بروسيا.
٣  نهر في بروسيا ينصبُّ في البلطيك، ٢٣٠ كيلومترًا.
٤  مدينة في روسيا، عدد سكَّانها ٨٠٠٠.
٥  مدينة في بروسيا، مرفأ تجاري كبير على خليج دانتزيك قرب مصبِّ الفيستول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠