الفصل الخامس عشر

كان الإمبراطور قد دخل إلى سن كلود يوم عيده، فاستقبل استقبالًا فخمًا الكونت ده تولستوي، وهو سفير روسي قدم إلى سن كلود ليضع بين يدي الإمبراطور الهدايا النفيسة التي كلفه الإمبراطور إسكندر بتقديمها لعاهل الفرنسيين، فلما تقبَّل نابوليون هذه الهدايا أمر بعرضها في قصر التويلري.

كان نابوليون يهتمُّ جد الاهتمام بمحو آثار الفتن الداخلية التي تكتسح فرنسا لكيما يتمكن بسهولة من تحقيق مبدئه، فأمر بتأسيس عدة مسائل عمومية في جميع المقاطعات التي كانت مسرحًا للحرب الأهلية، وفي أثناء ذلك وصل إلى باريس نبأ موقعة فيميرو بين اللورد ويللنكتون وجونو. أما الفرنسيون فبعد أن انكسروا انكسارًا تامًّا، أُجبِروا على التسليم إجبارًا، واضطروا إلى تخلية البورتغال والعودة إلى فرنسا على مراكب إنكليزية.

إلا أن هذه الهزيمة الثانية التي انهزمها الجيش الفرنسي ما وراء البيرينه، وإن كانت أليمة وشديدة الوقع على نابوليون، سوى أنها لم تُضعِف من شجاعته وتثبط عزمه، بل قال لمجلس الشيوخ في الرابع من شهر أيلول: «لقد عزمت على مواصلة مسائل إسبانيا مواصلة جدِّية وإتلاف الجيوش التي أرسلتها إنكلترا إلى هذه البلاد … إنني لأفرض على شعوبي تضحيات جديدة فهي ضرورية لهم؛ إذ إنها توفر عليهم ما هو أعظم وأكثر خطرًا.» ثم تكلَّم نابوليون في هذه الخطبة عن نتيجة أعطاها الوزير شمباني تتعلَّق بمسائل إسبانيا، وأردف كلامه بعبارة حزن على فقد حليفه السلطان سليم، الذي كان يلقِّبه بأفضل سلاطين بني عثمان، والذي قُتِل بأيدي أبناء عمه، وبعد ذلك أتى على عبارة تحمل كثيرًا من معاني الفرح باتحاده اتحادًا وديًّا والإمبراطور إسكندر إذ قال: «وهذا ما ينزع من إنكلترا كلَّ أملٍ باستعداداتها ضدَّ سلام البر.» أما مجلس الشيوخ فردَّ على الإمبراطور بأن أمر بتجنيد ثمانين ألف رجل، وقال له بلسان رئيسِه لاسيبيد: «إن مشيئة الشعب الفرنسي يا صاحب الجلالة إنما هي مشيئة جلالتكم نفسها، فحرب إسبانيا حربٌ سياسية إذن فهي عادلة ولازمة.»

إلا أن التمرُّد كان مُشتعِلًا في إسبانيا وسائر المقاطعات الكبرى، ولم يكن انتصار الأعلام الفرنسية ليتوقف على جمع العساكر المنظَّمة تنظيمًا حديثًا، فرأى نابوليون أن يخاطب جحافله القديمة قاهري أوسترلتز ويينا وفرييدلان، وفي الحادي عشر من شهر أيلول استعرض الإمبراطور جيوشه استعراضًا عظيمًا في التويلري، حيث أعلن لعساكر الجيش الكبير، أنه سيزحف بهم إلى إسبانيا التي أُهِينوا فيها إهاناتٍ ينبغي الأخذ بالثأر منها. قال: «أيها الجنود، لقد اجتزتم ألمانيا بخطًى كبرى بعد أن انتصرتم على شواطئ الدانوب والفيستول، وإني لأجتاز بكم فرنسا اليوم من غير أن أدع لكم سبيلًا للراحة.

أيها الجنود، إني لفي حاجة إليكم، فوجود النمر الشرس يلطِّخ أرض إسبانيا والبورتغال. إلا أنه إنما يفرُّ هاربًا لدى رؤيتكم، فلنحمل نسورنا المنتصرة حتى أعمدة هرقل! ولكم هناك إهانات ينبغي الأخذ بالثأر منها أيضًا.

أيها الجنود، لقد جاوزتم شهرة جميع جيوش هذا العصر، ولكنَّكم ضارعتم مجد جيوش روما التي انتصرت في الماضي على شواطئ الرين والفرات والتاج وفي إيللري أيضًا.

أما جزاء جهودكم فسيكون سلامًا طويلًا وخصبًا دائمًا، فالفرنسي الصحيح لا ينبغي له أن يستريح ما لم تُفتَح البحار في وجهه وتصبح حرة.

أيها الجنود، إن جميع ما عملتم وتعملون في سبيل الشعب الفرنسي وفي سبيل مجدي ليبقى خالدًا في قلبي.»

لم يكن من هذه الكلمات إلَّا أن ضاعفت حميَّة جنود جيش الشمال. كان لم يبقَ عليهم، بعد تلك الحروب التي غذَّتها إنكلترا وتلك الانتصارات المجيدة التي ربحوها من حلفائها، إلا أن يجابهوا وجهًا لوجه جنود ملكة البحار، عدوة البر اللدودة!

في الثالث والعشرين من شهر أيلول غادرت باريس، تحت قيادة المرشال فيكتور، فرقة أولى مؤلَّفة من تلك الكتائب الهائلة الجميلة، وفيما هي تجتاز العاصمة استقبلها مدير السين والمجلس البلدي استقبالًا فخمًا.

إلا أن نابوليون، قبل أن يزحف بنفسه على رأس الكتائب التي أرسلها إلى إسبانيا، أراد أن يثبت، في مقابلة، الصداقة الحميمة التي أظهرها نحو إسكندر والتي تظاهر هذا بأنه يشاطره إياها، كان يشعر بحاجة إلى محادثة هذا الأمير الذي كان أعظم أمراء البر في ما يتعلَّق بجميع المسائل السياسية في أوروبا وخصوصًا في إسبانيا.

اجتمع الإمبراطوران في أرفورث في أوائل تشرين الأول، واجتمع معهما جميع أمراء معاهدة الرين، كأنما هم شاءوا أن يؤلِّفوا حول ظهيرهم العظيم حلقةً جميلة من الندماء المُتوَّجين. أما نابوليون، فلكي يجعل الإقامة بأرفورث لطيفةً في نظر صديقه العظيم، صحب معه الكوميديا الفرنسية. ففي إحدى ليالي التمثيل تكلَّف إسكندر الفرح تكلُّفًا، وصفَّق بكل قواه لبيت من الشِّعر رأى الجميع يصفِّقون له استسحانًا.

مرَّت ثمانية أيام في المهرجانات، إلا أن السياسة لم تكن خلال ذلك منسيَّة؛ إذ إنه ما لبثت أن حلَّت المباحثات الودية محلَّ الولائم والأعياد. أما الإمبراطور إسكندر فتظاهر برغبته في دفع إنكلترا إلى عقد الصلح، وأمضى نابوليون كتابًا يتعلَّق بهذه الغاية، إلَّا أن المستقبل سيكشف الحقيقة الصريحة، ثم بعد ذلك أظهر استحسانه للحرب الإسبانية؛ إذ رأى فيها فرصةً سانحةً لإتلاف الأمتين الفرنسية والإنكليزية، اللتين هما الخطر الوحيد على الإمبراطورية الروسية.

في الرابع عشر من شهر تشرين الأول افترق الإمبراطوران، راضيًا كلٌّ منهما عن الآخر، حتى خُيِّل إلى نابوليون أن صداقة إسكندر إنما هي صداقة متينة مخلصة، ولم يخطر بباله أنه سيضطر يومًا أن يقول عنه: «إنه يوناني من الإمبراطورية السافلة!»

وفي الثامن عشر منه عاد الإمبراطور إلى سن كلود، وبعد مضيِّ أربعة أيام، زار المتحف مع الإمبراطورة، وتحدَّث طويلًا إلى رجال الفن الذين خفُّوا إلى المتحف ليكرِّموا في هيكلهم المجيد حامي الفنون الأعظم.

وفي الخامس والعشرين افتتحت الفرقة التشريعية جلستها الأولى فتكلَّم الإمبراطور بثقة تامة عن خُطَطه وآماله في ما يتعلق بإسبانيا معتقدًا أنه واثِقٌ من روسيا قال: «لقد شاءت الحكمة العلياء، التي كثيرًا ما سهرت على جنودنا، أن تسدل الأطماع ستارًا من الظلمة على المجالس الإنكليزية لكيما ترفض حماية البحار وتدفع جيشها إلى البر. سأذهب بعد قليل لأستلم قيادة جيشي وتتويج ملك إسبانيا في مدريد وغرس نسوري على قلاع ليسبون. لقد جرت بيني وبين إمبراطور روسيا مقابلة في أرفورث اتفقنا فيها اتفاقًا صحيحًا وتضامنَّا على أن نعمل معًا في سبيل السلام كما في الحرب.»

في التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول غادر الإمبراطور باريس ووصل إلى قصر ماراك في الثالث من شهر تشرين الثاني، وفي الخامس منه كانت أركان الجيش في فيتوريا، وفي التاسع في بورغوس بعد أن تمَّ للمرشال سول انتصار عظيم على جيش استريمادور،١ وفي اليوم نفسه كان المرشال فيكتور يقاتل جيش كالليس في إسبينوزا.

كانت خطة نابوليون ترمي إلى تنحية هذين الجيشين كل منهما عن الآخر لكي يُتاح له أن يتلفهما جميعًا، وكان قد دفع فيكتور إلى مهاجمة بلاك، وناي ومونساي إلى مهاجمة كاستانوس الذي يقود جيش الأندلس، وبقي هو في وسط المعامع مع سول وفرقة احتياطية من الخيَّالة عهد بها إلى بسيير.

أمَّا توزيع القوات هذا، فقد نجح نجاحًا باهرًا؛ إذ تشتَّت جيش استريمادور بكامله، وتلاشى جيش كاليس، وعندما حاول الهاربون من موقعة إسبينوزا أن يلمُّوا شعثهم في رينوزا، أدركهم المرشال سول، وأجبرهم على ترك مئونتهم وأدواتهم ورمْي نفوسهم في جبال لاون.

أُتِيح لميمنة الجيش الفرنسي أن تنعتق من القتال بعد نصرة باهرة، إلَّا أن بالافوكس وكاستانوس كانا يتأهَّبان للحرب في الجهة اليسرى، أمَّا الإمبراطور، فبينما كان سول يجول في مقاطعة سانتادور وينزع منها سلاحها، أشار إلى المرشال لان بأن يطارد جيشي أراغون والأندلس وإلى المرشال ناي بأن يزحف إلى سريا وتارازون ليقف بين كاستانوس ومدريد ويقطع عن هذا الجنرال طريق العاصمة ويشتِّته في جهات فالانس. وما هي إلا فترة من الوقت حتى أرغمت حركات لان الجنرالين الإسبانيين أن يندحرا اندحارًا تامًّا بين تودلا وكاسانت حيث كسرهما شرَّ كسرة، وانتقم للشرف الفرنسي الذي أُهِين في بايلن، كلَّفت موقعة تودلا الإسبانيين خسارة سبعة آلاف رجل، وثلاثين مدفعًا وسبعة أعلام. أما بالافوكس فاندحر إلى سرغوس، وكاستانوس إلى فالانس.

عندما علم نابوليون بهذا الانتصار الجديد عزم أن يزحف توًّا إلى مدريد تاركًا سول في الجهة اليمنى ليحافظ على حركات المقاطعات الغربية، ولان في الجهة اليسرى ليُنْجِز على بقايا جيش أراغون، أما ناي فبقي يلاحظ جيش الأندلس.

إلا أن الوطنية الإسبانية لم تعِ قطُّ. فلقد تألَّف جيشٌ جديد من عشرين ألف رجل في استريمادور وكاستيل وقفوا جميعًا بوجه الإمبراطور، وحاولوا أن يسدُّوا عليه معبر سوموسبيرا. بقيت الفرق الفرنسية الأولى متردِّدة بعضَ فتراتٍ من الوقت أمام نيران العدو الذي كان يدافع عن هذا المعبر الضيِّق دفاعًا شديدًا، ولكن عندما ظهر نابوليون على رأس خيَّالة الحرس نشبت موقعة هائلة بينه وبين فرقة الرمَّاحة البولونية أسفرت عن انكسار هذه انكسارًا فظيعًا، ومر الجيش الفرنسي على بطون العدو غير مُبْقٍ على المدفعيِّين الذين أُجهِز عليهم بالسيف فوق مدافعهم نفسها، وولج أبواب مدريد من غير أن يرى أثرًا للجيش الإسباني الذي حاول أن يوقفه في سوموسبيرا. جرت هذه الموقعة المجيدة في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني؛ أي بعد موقعة تودلا بسبعة أيام. وفي اليوم الأول من شهر كانون الأوَّل استتبَّت أركان جيش الإمبراطور في سن أوغسطينو، على مقربة من العاصمة التي سلَّمت في الرابع منه.

كانت مدريد في بادئ الأمر قد فكَّرت في الدفاع عن نفسها، وكان أربعون ألفًا من الفلاحين المسلِّحين وثمانية آلاف رجل من الكتائب المنظَّمة قد تأهَّبوا في العاصمة مع مائة قطعة من المدافع، ورفعوا عددًا من الحواجز غير قليل بأسرع ما يمكن حتى أصبحت الحالة تشير إلى استعداد تامٍّ للمقاومة، وما هي إلَّا فترة من الوقت حتى انتشرت النار ونشبت معركة دامية أسفرت عن انتصار المرشال فيكتور وخروج الجيش الإسباني من مدريد وتسليم العاصمة، وفي اليوم نفسه أُبطِل ديوان التفتيش وعُدِّل عدد الأديرة الكثيرة تعديلًا جسيمًا. وبعد ذلك أذاع نابوليون في الإسبانيين نداءً جديدًا قال: «لقد أضلَّكم طويلًا رجالٌ غدارون مخاتلون؛ إذ دفعوكم إلى قتال مشين … وما كانت هزيمة جيوشكم إلَّا نتيجة ضلال أليم! دخلت إلى مدريد إذن فحقوق الحرب تخوِّلني أن أغسل بالدم إهاناتٍ أُلحِقت بي وبشعبي، ولكني لا أُصغي إلى صوتٍ غير صوت الرحمة والصفح … لقد قلت لكم، في النداء الذي وجهته إليكم في الثاني من شهر حزيران، إنني أرغب أن أكون مصلِح بلادكم. أيها الإسبانيون، إن مستقبلكم إنما هو بين يديكم فارمُوا السمَّ الذي أهرقه الإنكليز في صدوركم … لقد هدمت جميع الحواجز التي كانت تحول دول رقيِّكم وعظمتكم، وحطَّمت القيود التي كانت تثقل على الشعب! ولقد منحتكم تنظيمات حرة من شأنها أن تستبدل الحكم المعتدل بالحكم المطلق، فعليكم أنتم تتوقَّف المحافظة على هذه التنظيمات وجعلها قانونًا لكم.

ولكن إذا لم تُصغوا إلى صوت الحق وتثقوا بي ثقة تامَّة فأضطر إلى اعتباركم مقاطعات مُفتتَحة ووضع شقيقي على عرش آخر؛ عند هذا أضع تاج إسبانيا على رأسي، وأجعل الأردياء يحترمونه بالرغم عنهم. فالله قد منحني القوة والإرادة اللازمتَيْن لاختراق جميع الحواجز التي تحاول أن تعترضني.»

إلا أن الإسبانيين لم يكترثوا بهذه اللهجة، ولم تؤثِّر فيهم تهديدات الإمبراطور ولا وعوده، ولكن كلمة التنظيمات لم تُلفَظ عن عبث؛ إذ إن الظروف القاهرة أوجبت على زعماء الفتنة أن يمهروا إسبانيا بتنظيم ينطوي على روح ديموقراطية أشدَّ من تلك التي اتُّخذت في بايون.

ولما مَثَل وزير عدليَّة مدريد بين يدي الإمبراطور، على رأس وفد من المدينة؛ ليضع على أقدام المنتصر شواعر الشعب التي لم تكن في النفوس ولكن أوجبها الاحتلال العسكري للعاصمة، أجابه الإمبراطور: «إنني آسف على ما أصاب مدريد من الضرر، ولكني مغتبطٌ بتمكُّني من إنقاذها وتوفيري عنها كثيرًا من الأضرار الجسيمة.

لقد حافظت على الجمعيات الدينية بتعديلي عدد الرهبان الذين كانوا فوق ما يجب أن يكونوا، وأبطلت ذلك الديوان المُجحِف بحقِّ الشعب؛ إذ إن من واجبات الكهنة أن يَهْدُوا الضمائر، لا أن يمارسوا حكمًا خارجيًّا وجسديًّا على طبقة الشعب.

لقد أبطلت الحقوق التي اغتصبها الأسياد في عهد الحروب الأهلية، وحذفت الحقوق الإقطاعية جميعها، حتى أصبح كلُّ فرد يستطيع أن يؤسِّس له فنادق وأفرانًا وطواحين وغير ذلك، ويعطي ملء الحرية لأيَّة صناعة يرغب في القيام بها، فالأثرة الفردية والغنى والخِصْب التي كان يتمتع بها عدد قليل من الرجال إنما كانت أكثر ضررًا لزراعتكم من حرارة الشعرى اليمانية.٢

لا ينبغي أن يكون في أمة إلَّا عدالة واحدة كما أن هناك إلهًا واحِدًا. أما العدالات الخاصَّة بطبقة من الناس الذين اغتصبوها اغتصابًا وكانت مخالفة لحقوق الأمة فقد هدمتها.

وليس هناك قوة تستطيع أن تؤخِّر طويلًا تنفيذ مشيئتي، ولن يستطيع البوربون أن يسترجعوا الحكم في أوروبا مرة أخرى …

قد تغيِّر الأعقابُ آراء اليوم إلَّا أنهم سيباركونني، كما يُبارَك كلُّ مصلِح مخلِص، ويعتبرون الأيام التي ظهرت فيها بينكم من جملة الأيام المشهودة.»

صرف نابوليون اهتمامه في المدة القصيرة التي صرفها في عاصمة إسبانيا إلى تفتيش كتائبه وتقوية عزائمها، ففي التاسع من شهر كانون الأول استعرض في برادو فرقة المرشال لوفير، وفي العاشر منه كتائب معاهدة الرين، وفي الحادي عشر فرقة الخيَّالة التي تضمُّ الرمَّاحة البولونية، ولقد استلم قائد هذه الفرقة الأخيرة من يد الإمبراطور صليب جوقة الشرف.

كانت جوزيفين قد وضعت الفرقة التشريعية على قمَّة الطغمة السياسيَّة بقولها: «إنها تمثِّل الأمة.» فأرسل نابوليون من مدريد تكذيبًا إلى الجريدة الرسمية (المونيتور) جاء فيه «أن الممثِّل الأول للأمة إنما هو الإمبراطور دون سواه.»

فساء هذا الادِّعاء الكثيرين، إلَّا أنه كان موافقًا لنظام العصر الشرعي؛ فالشعب الذي حمل نابوليون إلى العرش بكلِّ ما أُوتيه من الحماس أولًا وبالتصويت ثانيًا إنما كان جديرًا بأن يرى ممثِّله في نابوليون لا في جماعة لم يكن هو منتخبها.

ثم أكانت الفرقة التشريعية صالحة لحكم فرنسا ومجابهة جميع المقتضيات التي كانت تحيط بموقفها، في وسط تلك الظروف التي وجدت فيها أوروبا، كما فعل نابوليون؟ لا … فإن الرجل الوحيد الذي يصلح لجميع ذلك، إنما هو ذلك الذي يحمل بيديه المجيدتين مقدَّرات الأمة التي يمثلها تمثيلًا صحيحًا، وليس الجماعة التي اشتُقت من السلطة الإمبراطورية، والتي تعجز عن القيام ببعض ما قامت به ذراع ذلك الرجل الجبار ونبوغه العظيم.

بينما كان الإمبراطور في مدريد يهتمُّ بتنظيمات إسبانيا، كانت الحركات العسكرية تستمر في المقاطعات الإسبانية حيث كانت الفتن تنبثق من رمادها. وكان الإنكليز قد غادروا البورتغال ليسرعوا إلى نجدة عاصمة المملكة الإسبانية، إلَّا أن القائد مور،٣ بعد أن قنط من الوصول في الوقت الملائم، غيَّر خطته وعزم على الاتجاه إلى فاللادوليد لكي يقطع المواصلات عن الجيش الفرنسي. أما هذا العزم فكان شؤمًا عليه؛ إذ إن المرشال سول ما زال يقاتله من بلنسيا حتى الكوروني حيث جُرِح جرحًا بليغًا حتى قُتِل من جيشه عشرة آلاف رجل وغنم كثيرًا من الجياد والمدافع والمؤنة. وأما بقايا جيش القائد مور، فقد تركوا الكوروني للمرشال سول بعد أن حاولوا الدفاع، من غير جدوى، مدة ثلاثة أيام. ولقد أُتِيح للمرشال سول، في تلك المطاردة، أن يشتِّت أيضًا فرقة رومانا الإسبانية التي كانت لجأت إلى جبال الإستوري.

كان الإمبراطور قد زحف بنفسه لملاقاة الإنكليز منذ علم بحركاتهم على مدريد. وفي أوائل شهر كانون الأول انتقلت أركان جيشه إلى استورغه فبينفات. ولقد كان نقلها إلى توردسيللا، حيث أقامت ببنايات دير القديسة كلير الخارجية، التي ماتت فيها حنَّة المجنونة والدة كارلوس الخامس.

أما في كتلونية فقد نجحت الكتائب الفرنسية نجاحًا باهرًا، ودخل «كوفيون سن سير»٤ إلى برسلونه بعد أن استولى على روز. وما عتم الأمر أن تغيَّر موقف الفرنسيين في إسبانيا؛ إذ عاد النصر إلى أعلامهم بتلك العظمة التي كانت له في ألمانيا وإيطاليا.

لم يمر شهران حتى تلاشى الجيش الإنكليزي، وامَّحقت فرقة رومانا، وقُهِرت العاصمة، واحتلت معظم المقاطعات حتى أخذت إنكلترا تحاول أن تبعد عن إسبانيا ذلك النبوغ القاهر، الذي ما جاء إلا ليهدم آمال الإنكليز بعد استلام بايلن وسنترا، فوضعت الاتفاقية الإنكليزية على عاتقها جلبه إلى الشمال ودفعه إلى تجزئة قواته، إلا أن الآلة التي اتخذها مجلس سن جمس في هذه المرة لم تكن بروسيا التي كانت لا تزال رازحة تحت الضربات الهائلة التي أُصِيبت بها في يينا، ولم تكن روسيا المثقلة بجراحات فرييدلان والتي لم تجرؤ بعدُ على كشف خَبَثها الذي حجبته بالشواعر الودية في أرفورث، بل كانت النمسا التي كابدت نكبتها الهائلة في أوسترلتز، والتي مرَّت عليها ثلاث سنوات راحة استطاعت خلالها أن تجدِّد قوى جيوشها.

كان نابوليون في فاللادوليد عندما انتهى إليه استعدادُ النمسا العدائي وتأهُّبها للقتال، فترك إسبانيا وعاد إلى باريس، فوصلها في الثالث والعشرين من شهر كانون الأول سنة ١٨٠٩.

في آب عام ١٨٠٨، عندما عاد نابوليون إلى بان، انتهى إليه أن النمسا تتظاهر باستعدادات سيِّئة نحو فرنسا، ولمَّا قدم مترنيخ٥ سفير هذه الأمة إلى سن كلود على رأس فرقة المخابرة ليهنِّئوا جلالته الإمبراطورية الملكية بعيده، سأله الإمبراطور مستفهِمًا عن صحَّة تلك الإشاعة، فأجابه السفير مُنكِرًا ذلك وصرَّح بأن التجهُّز العسكري الذي تقوم به النمسا، إنما هو يرمي إلى غاية واحدة، وهي الحماية. أما نابوليون فقال له إنه لم يصدق تلك الإشاعة؛ إذ إنه ما من سبب هناك يوجب ذلك العداء، وزاد على ذلك بقوله: «إن إمبراطورك لا يريد الحرب، وإنِّي لواثق بكلامه الذي قاله لي في المقابلة الأخيرة التي جرت بيننا. لقد احتللت عاصمته والقسم الأكبر من مقاطعاته ولم ألبث أن أرجعت إليه معظم ما أخذت … فهل تظن أنه لو قهر الجيوش الفرنسية قاهرٌ، وأصبح السيد المُطلَق في باريس، كان نهج هذا المنهج المتساهل؟ … إن دسائس خصوصية تدفعكم إلى حيث لا تريدون أن تذهبوا، فالإنكليز وأحزابهم هم الذين يوحون جميع تلك الاستعدادات السيئة، ولقد بدءوا يهلِّلون للأمل الذي يريهم انغماس أوروبا في الدم مرة أخرى.»
أما مترنيخ فأصر على إنكار نظرات حكومته العدائية. ولكن لم يأت اليوم التاسع من شهر نيسان حتى أعلنت النمسا الحرب ودخلت في الحملة، وفي الثاني عشر منه انتهى إلى نابوليون أن العدوَّ قد عبر الأين،٦ فغادر باريس في الحال، ووصل إلى ديللنجن في اليوم السادس عشر حيث وعد ملك البافيير بإعادته إلى عاصمته في خمسة عشر يومًا بعد أن طرده منها الأمير كارلوس، وفي اليوم السابع عشر من الشهر كان نابوليون في دوناورت٧ حيث نشر نداءً إلى جنوده جاء فيه ما يلي:

«أيها الجنود، لقد تُعُدِّي على أراضي المعاهدة، ويرغب القائد النمسوي أن نفرَّ هاربين لدى رؤيته ونترك له حلفاءنا. أما أنا فقد وصلت بسرعة البرق.

أيها الجنود، كنت مُحاطًا بكم عندما جاء إليَّ إمبراطور النمسا في مورافي، ولقد سمعتموه يتوسَّل إليَّ لأصفح عنه ويقسم لي على إخلاص دائم. إن النمسا مَدِينة لكرمنا بكلِّ شيء بعد أن انتصرنا عليها ثلاث مرات في ثلاث حروب، وصفحنا عنها ثلاث مرات، ونكثت العهد ثلاثًا فهي ثلاث مرات كاذبة! ولكن انتصاراتنا الماضية إنما هي كفيلة لنا الفوز الذي ينتظرنا.

فلنزحف إذن، وليتحقق العدوُّ قاهرَه لدى ظهورنا أمام عينيه!»

كانت النمسا علَّقت آمالها على غياب نابوليون وحرسه وبعد جيوش مارنغو وأوسترلتز القديمة؛ إذ كانت تعلم أنه لم يبقَ هناك إلَّا ثمانون ألف فرنسي مُشتَّتون في ألمانيا جميعها، في حين أن جيشها المقسوم إلى تسع فرق، والذي يقوده الأرشيدوق كارلوس، كان يُعَد لا أقلَّ من خمسمائة ألف رجل.

ظهرت بوادر الحركات النمسوية ظهورًا سعيدًا؛ إذ إن ملك البافيير اضطر إلى الهرب من مونيخ لدى ظهور الأرشيدوق وتعرَّض الجيش الفرنسي للخطر. ولكن وصول نابوليون غيَّر الحالة عمَّا كانت عليه، فتلاشت حميَّة الأمير كارلوس وجيشه، واشتدَّت حمية الجنود الفرنسيين. وما هي إلَّا عصفة من عصفات الردى حتى بر نابوليون بوعده لملك البافيير، وحمله منتصِرًا إلى عاصمته قبل اليوم العاشر من إعطائه الوعد. في الخامس والعشرين من شهر نيسان دخل هذا الأمير إلى مونيخ، أمَّا نابوليون فلم يمر عليه ستة أيام حتى انتصر ست مرات على الجيش النمسوي. لم يُقيَّض للفرنسيين أن يُدرِكوا العدوَّ إلَّا في اليوم التاسع عشر الذي أبلَوا فيه بلاء حسنًا في مواقع بلافنهوفن وتان وبيسنغ؛ أما في بيسنغ فقد انتصرت الكتيبة السابعة والخمسون، التي يقودها الكولونيل النشيط شاريير، انتصارًا باهرًا بعد أن قضت على ست كتائب نمسوية دفعةً واحدة. وفي العشرين من الشهر انتصر الجيش الفرنسي انتصارًا جديدًا في إبنسبرج، حيث لم يقوَ العدوُّ على الدفاع أكثر من ساعة واحدة، وترك في تصرُّف المنتصر ثمانية أعلام واثني عشر مدفعًا وثمانية عشر ألف أسير. وفي الواحد والعشرين حصلت موقعة لاندشوت؛ في ذلك النهار هجم الجنرال موتون على رأس صفٍّ من الجند نحو النيران التي كانت تلتهم أحدَ جسور نهر الأيزر صارخًا في جنوده: «تقدَّموا دائمًا ولا تطلقوا النار!» وما هي إلا بضع دقائق حتى دخل المدينة فأصبحت مَسْرَحًا لموقعة دموية هائلة ولم يلبث الأعداء أن هجروها. وفي تلك الآونة باغت الأرشيدوق كارلوس في راتيسبون، على رأس فرقة بوهيميا، ألفَ رجل عُهِد إليهم بالمحافظة على الجسر فأحاط بهم وأخذهم أُسَراء، ولما شاع هذا النبأ أقسم الإمبراطور أنه لا يمرُّ أربع وعشرون ساعة حتى تجري الدماء النمسوية في رتيسبون. وفي الثاني والعشرين زحف نابوليون إلى هذه المدينة فالتقى بالعدوِّ الذي يُعَدُّ عشرة آلاف مقاتل، ولما اشتبك القتال بين الطرفين قُدِّر للفرنسيين في وقت قصير أن يطردوا العدوَّ من جميع مستحكماته، ويشتِّتوه تشتيتًا، ويغنموا منه معظم مدافعه وخمسة عشر علمًا وعشرين ألف أسير. أما الأرشيدوق كارلوس فلولا سرعة جواده لما نجا بنفسه.

وفي اليوم التالي مَثَل الجيش المنتصر أمام راتيسبون، التي حاولت ستُّ كتائب من بقايا جيش الأرشيدوق كارلوس أن تُدافِع عنها. ولما قَدِم الإمبراطور بنفسه ليأمر بالهجوم أصابته رصاصة في رجله اليمنى، لم يلبث نبَؤها أن انتشر في الجيش، فأسرع الجند ليستطلعوا الأمر، إلَّا أنهم لم يكادوا يصلون حتى كان الإمبراطور امتطى جواده، بعد أن ضمَّد الجرح بفترة من الوقت قصيرة، وهجم الجميع على الجدران فتسلَّقوها واحتلوا المدينة. في تلك الآونة كان المرشال بسيير يطارد بقايا الفرق النمسوية التي قُوتِلت في أبنسبرج ولاندشوت فأدركها في اليوم الرابع والعشرين في حين أوشكت أن تنضمَّ إلى فرقة احتياطية قدمت على شاطئ الأين وأعمل فيها القتل، وغنم منها ألفًا وخمسمائة أسير. وفي اليوم نفسه نشر الإمبراطور في راتيسبون الكلمة الآتية:

أيها الجنود

لقد حقَّقتم أملي إذ لم تعبأ شجاعتكم بكثرة العدد، ولقد بيَّنتم، بأبهى ما يكون من المجد، الفرق العظيم بين جنود القيصر وجيوش كسرسيس.

لقد انتصرنا ستَّ مرات في أيام قلائل، أما المائة مدفع والأربعون علمًا، والخمسون ألف أسير، والثلاثة آلاف عجلة الملأى بالأمتعة والذخائر التي غنمناها جميعًا فهي نتيجة سرعتكم وشدَّة بطشكم.

كان العدو الذي أسْكَرتْه دسائسُ مجلس كاذبٍ سفَّاح قد نَسِيَكم ولم يستبقِ منكم أقلَّ تذكار، إلا أن يقظته كانت فجائية لمَّا ظهرتهم أمامه بذلك المظهر الرهيب! … لقد عبر الأين واخترق أراضي حلفائنا في الماضي؛ وفي الماضي كان يأمل أن يحمل الحرب إلى قلب وطننا! … أمَّا اليوم، وقد كُسِر شرَّ كسرة، وحلَّ به من الرعب ما حلَّ، فهو يهرب مُشتَّتًا تشتيتًا! … وقد لا يمضي شهرٌ واحد حتى نحتلَّ فيينا.

كما تحقق القَسَم الذي أعطاه نابوليون إلى ملك البافيير، هكذا ستتحقَّق هذه الأمنيةُ أو هذه النبوءة الجريئة. في الثلاثين من شهر نيسان كانت أركان جيشه في برغوسن، حيث خفَّت الكونتيس دارمنسبرج إلى الإمبراطور تتوسَّل إليه لكي يرجع إليها زوجها الذي أخذه النمسويون أسيرًا بتهمة أنه مُتحيِّز إلى الأمة الفرنسية. وفي أول أيار استوطنت أركان الجيش في رييد التي وصلها الإمبراطور ليلًا. وفي الثالث منه انحدرت فرقة مُؤلَّفة من ثلاثين ألف نمسوي، وهي بقية مقهوري لاندشوت، إلى إبرسبرج حيث أَعَمَل فيها الفرنسيون قتلًا وحمَّلوها خسائر جسيمة؛ كان باسيير وأودينو وماسِّينا مُتَّجهين نحو إبرسبرج لِيُلاشُوا الفرقة النمسوية، في حين كان الجنرال كلاباريد زاحفًا في المقدِّمة على رأس فرقته التي تُعَدُّ سبعة آلاف رجل لا غير، فلم يكد يَلِج إبرسبرج حتى أَعَمَل العدوُّ النار في هذه المدينة التي كانت مَبنِيَّة بالخشب. ولم تمرَّ فترة من الوقت حتى التهمت النار كلَّ شيء، ووقفت سدًّا في وجه باسيير، الذي كان يعبُر الجسر مع فرقة الخيَّالة ليعضِّد كلاباريد. عند هذا اضطرَّ هذا القائد أن يدافع وحده مدة ثلاث ساعات مع سبعة آلاف رجل ضدَّ ثلاثين ألفًا. وأخيرًا فُتِح معبرٌ في وسط النيران ودخل منه القائدان لوغران ودوروسنيل. أما الجند الفرنسيون فقد أتَوا عجائب في تلك المعركة، وأحرقوا القصر، وشتَّتوا العدوَّ حتى أوصلوه إلى «إن» حيث أحرق الجسر ليتمكَّن من ضَمْنِ هَرَبِه في طريقه إلى فيينا. ولقد حمَّلت موقعة إبرسبرج النمسويين خسارة اثني عشر ألف رجل، بينهم سبعة آلاف وخمسمائة أسير. ننقُل هنا ما جاء في المذكرة الخامسة عن منتصري هذه المعركة المجيدة: «إن فرقة كلاباريد، التي هي قسمٌ من جيش أودينو، تكلَّلت بمجد لا يزول، فلقد قُتِل منها ثلاثمائة رجل وأُسِر ستمائة أما جرأة كتائب اليو والكتائب الكرسكيَّة فقد استلفتت نظر جميع الجيش. إن مدينة إبرسبرج وجسرها إنما هما تمثالان خالدان لتلك الجرأة النادرة. وسيقف المسافر غدًا أمام هذين التمثالين، ويقول: مِن هنا، من هذا المركز الجميل، من هذا الجسر الذاهب في مذاهب الطول، من هذا القصر المنيع طَرَدَ سبعةُ آلاف إفرنسي جيشًا مؤلَّفًا من خمسة وثلاثين ألفًا من النمسويين.»

استقبل الإمبراطور في إبسبرج وفدًا من ولايات النمسا العليا، وفي اليوم الرابع من الشهر بات ليلته في إمس في قصر الكونت ده أوسبرج، وفي السادس منه وصل إلى دير مولك العظيم الذي صرف فيه بضعة أيام عهدَ حملة سنة ١٨٠٥، والذي وجد الجيش في أقبيته بضعة ملايين من قناني النبيذ. لمَّا مر الإمبراطور أمام خرائب قصر دييرنستن في اتجاهه نحو فيينا قال للمرشال لان، الذي كان إلى جنبه: «انظر، هذا هو سجن ريكاردوس قلب الأسد الذي زحف مثلنا إلى سوريا وفلسطين. لم يكن قلب الأسد أشدَّ بسالة منك يا صديقي الباسل، إلا أنه كان أسعد مني بختًا في عكا. ولقد باعه أحد دوقيتي النمسا لأحد أباطرة ألمانيا الذي سجنه في هذا المكان. كان ذلك العهد عهد البربرية، فيا للفرق العظيم بينه وبين عهدنا هذا! لقد رأى الجميع كيف نهجت مع إمبراطور النمسا الذي كنت أستطيع سجنه لو أردت. وإني لسوف أنهج معه النهج نفسه فالأيام تريد ذلك وليس أنا!» كان نابوليون مُصِيبًا في كلامه، فالأيام هي التي اضطرته أن يكون كريمًا، نبيل النفس، سهل الخلق بعد الانتصار؛ ولقد كان العصر يتحرك فيه ساعة كان يتكلَّم عن الفرق بين عهده وعهد البربرية، وهو يسلك تلك المسالك الشريفة مع الأمراء المقهورين. ولكنه، ولو تظاهر بممثِّل العصر الراقي أمام الملكية القديمة، فإن هذه إنما ستبقى جديرة بأصلها فتقف وقفة الحارس الأمين على مجاهل البربرية. إن روح القرن التاسع عشر إنما كانت الضيفة اللطيفة في معسكر أوسترلتز، إلا أنَّ روح القرون الوسطى ستكون الجلَّاد الشرس في سنت هيلين.

في نهار اليوم الثامن من الشهر انتقلت أركان جيش الإمبراطور من مولك إلى سان بولتن، وبعد يومين كان نابوليون على أبواب فيينا، في الساعة التاسعة صباحًا.

كان الأرشيدوق مكسيميليان، شقيق الإمبراطورة، قائدًا عامًا لجيش هذه العاصمة، فحدَّثتْه نفسُه بالمدافعة عنها رغمًا عن الإنذارات العديدة التي وُوجِهَ بها. ولكن الإمبراطور كان قد احتلَّ جميع الأحياء التي تؤلِّف ثلثي شعب تلك العاصمة فنظَّم فيها فرقة من الحرس الوطني ومجالس بلدية أرسلت من قِبَلها وفدًا إلى الأرشيدوق ليتوسَّلوا إليه بالإبقاء على مآويهم، سوى أن الأمير لم يتأثَّر كثيرًا بهذه الخطة وبقيت النار مشتعلة، عند هذا رأى الإمبراطور نفسه مضطرًّا أن يأمر بإطلاق المدافع.

في الحادي عشر من الشهر الجاري، الساعة التاسعة مساءً، شرعت فرقة مُؤلَّفة من عشرين مدفعيًا بإطلاق القنابل على المدينة، وما هي إلا أربع ساعات حتى أُطلِق ألفٌ وثماني مائة قنبلة جعلت المدينة كتلةً من النار تموج تحتها مواكب شعب يائس مُشتَّت. وبعد جهودٍ كثيرة، ذهبت أدراج الرياح، انتهى إلى الأرشيدوق أن الفرنسيين عبروا خليجًا من نهر الدانوب، فخشي أن يتمكَّنوا من قطع خطِّ الرجوع عليه وهرب من المدينة تحت جنح الظلام تاركًا للجنرال أوريللي السبيل إلى التسليم. ولمَّا بزغ الفجر أعلن هذا الجنرال أنهم سيوقفون النار، وفي النهار نفسه أُرسِل وفدٌ، كان أسقف فيينا من أعضائه، للمثول بين يدي نابوليون فاستقبله هذا في قصر شنبرن. في ذلك اليوم استولى ماسينا على مدينة ليوبولدستاد، وفي المساء كان تسليم فيينا قد تمَّ، ولما بزغ نهار اليوم التالي احتلَّ أودينو على رأس جنوده مراكز العاصمة ونشر نابوليون عقيب ذلك هذه المذكرة:

أيها الجنود

لقد دخلنا فيينا بعد شهر من عبور الأعداء نهر الإن وفي الساعة نفسها.

إن جميع الكتائب الاحتياطية، والجيش العظيم الذي جمعوه، وتلك الحواجز التي رفعها غضب أمير لورين العاجز لم تستطع أن تثبت النظر في وجوهكم!

أمَّا أمراء هذه الأسرة فقد هجروا عاصمتهم، لا كما يهجرها الجنود النبلاء الذين يرضخون للظروف القاهرة ونكبات الحرب، بل كما يهجرها القتلة السفَّاكون الذين يطاردهم تبكيت الضمير!

لقد كان توديعهم لسكان فيينا، وهم هاربون منها، قتلًا ونارًا، ولقد غمسوا يدهم في دماء أبنائهم كما صنعت ميده!٨

إن شعب فيينا المهجور البائس سيكون موضوع عنايتكم، وسأهتم به اهتمامًا كبيرًا، أمَّا الرجال الأردياء المشاغبون فسأجعلهم عبرة لسواهم!

أيها الجنود، كونوا لطفاء نحو الفلاحين المساكين، نحو ذلك الشعب الوديع الذي حقَّ له علينا احترام عظيم، ولا تحفظوا في صدوركم أقلَّ كبرياء بانتصاراتكم. أما الآن فأظهروا لي برهانًا على تلك العدالة الإلهية التي تعاقب السفَّاكين وناكري الجميل.

نابوليون

إلا أن الجيش النمسوي لم يتُبْ عن الحرب، بالرغم من هجره عاصمة الإمبراطورية، وبقي يترقَّب فرصةً سانحة للرجوع إلى القتال حتى أُتِيحت له تلك الفرصة على جسر لنتز حيث وقف فاندام في وجهه وقفةً شديدة إلى أن أتى برنادوت فشتَّته تشتيتًا. أما نابوليون فكان يجتهد بفارغ صبر في عبور الدانوب لكي يُنْهِيَ تلك الحملة الجديدة، في حين كان ماسينا يشيِّد عدة جسور على خلجان النهر التي تغمر جزيرة لوبو، فعزم نابوليون أن يستعملها لمرور الجيش بكامله، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى كانت فِرَق لان وباسيير وماسينا قد اتخذت لها مراكز في الجزيرة.

في الواحد والعشرين من شهر أيار، الساعة الرابعة مساء، ظهر الأرشيدوق كارلوس على رأس مائة ألف مقاتل، بعد أن جمع شتات مختلف الفرق النمسوية التي قُهِرَت في البافيير، وهجم على فرق ماسينا وباسيير ولان التي استطاعت دون الجيش الفرنسي جميعه أن تدرك الجهة اليسرى من الدانوب. أعلن ماسينا بوادر القتال في إسبرن ووقف وقفةً مجيدة في وجه العدوِّ بالرغم من ضآلة عدد جنوده؛ وحذا لان حَذْوَه في إسلنج في حين كان باسيير يُبلِي بلاءً حسنًا في وسط العدوِّ المقيم بين هاتين القريتين. ولما هبط الليل انطفأت شعلة القتال. أما المائة ألف النمسوي، الذي يقودهم الأمير كارلوس، فلم يستطيعوا أن يأخذوا شبرَ أرضٍ من الخمسة والثلاثين ألف فرنسي الذين يقودهم ماسينا ولان وباسيير، وما هي إلا أن قدمت نجدةٌ عظيمة أكَّدت أن الغد سيكون شؤمًا على الأرشيدوق.

في تلك الليلة عبرت الجسور فرقتا أودينو وسنت هيلير، وكتيبتان من الخيَّالة الخفيفة، وقطار يُقِلُّ عددًا من المدافع وأخذت جميعُها مركزًا لها على خطِّ القتال، عند هذا وثق نابوليون من فوزٍ عظيم. ولما كانت الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي أعلن العدوُّ الهجوم على قرية إسبرن؛ إلا أن ماسينا كان متأهِّبًا للدفاع، ولكنه لم يكتفِ بصدِّ هجمات النمسويين فحسب بل أخذ على نفسه مبادأة الحرب وأُتِيح له أن يقلب بطنًا على ظهر جميع الصفوف التي وقفت في وجهه، وفي الوقت نفسه كان لان وفرقة الحرس الحديثة زاحفين إلى وسط الجيش النمسوي لكي يقطعا مواصلات الجناحين، ولقد التوى كلُّ شيء أمام المرشال البطل وأصبح الفوز مؤكَّدًا له، ولكن في نحو الساعة السابعة من الصباح، انتهى إلى الإمبراطور، أنَّ فيضانًا فجائيًّا صعد من الدانوب فاقتلع الأشجار، وحمل معه جسورًا عديدة وبيوتًا منهارة، ولم يبقَ على الجسر الكبير الذي يصل جزيرة لوبو بالشاطئ الأيمن، ويؤلِّف طريق المواصلات الوحيدة بين الفِرَق التي على الشاطئ الأيسر وبقيَّة الجيش الفرنسي.

لم يكن لدى الإمبراطور، ساعة انتهى إليه هذا النبأ، إلا خمسون ألف رجل لا غير فأوقف الزحف إلى الأمام، وأمر المرشالية بالمحافظة على مراكزهم حتى يتمكَّنوا بعد ذلك من الرجوع بنظام إلى جزيرة لوبو، فنُفِّذ هذا الأمر بكلِّ دقة … أمَّا العدو، فلما علم بتهدُّم الجسور، دفعته الجسارة إلى إعلان القتال في جميع الجهات فهاجم إسبرن وأسلنغ ثلاث مرات، وثلاث مرات كان نصيبه الفشل. ولقد جلَّى الجنرال موتون في تلك المواقع الأخيرة إذ كان يقود فرقةً من الحرس، وأبلى فيها المرشال لان بلاءً حسنًا؛ إذ إنه تمكَّن من إنقاذ تلك القسمة الباسلة من الجيش الفرنسي، إلا أن هذه الخدمة الباهرة إنما كانت الخدمة الأخيرة التي أدَّاها هذا الجندي العظيم إلى بلاده وإلى القائد الأعظم الذي كان صديقًا له لا سيِّدًا عليه؛ لقد أصابته رصاصة أفقدته فَخِذَيْه في نهاية المعركة فحُمِل على نعشٍ من خشب إلى حيث كان الإمبراطور الذي لم يستطع أن يُمسِك دموعه أمام رؤية أعزِّ رفاقه في الحروب وأشدهم بسالة! التفت نابوليون إلى مَن حوله وقال: «إن قلبي أُصِيب بطعنة فظيعة في هذه المعركة حتى استطاع أن يحوِّلني عن اهتمامي بالجيش إلى اهتمام آخر.» في تلك الآونة عاود المرشال لان رشده فارتمى على عنق الإمبراطور قائلًا: «ستفقد بعد ساعة ذلك الذي يموت فخورًا لعلمه بأنَّه كان أعزَّ الأصدقاء لديك!» عاش المرشال بعد ذلك عشرة أيام كانت صحته قد تحسَّنت خلالها إلَّا أن حمَّى قتَّالة أفقدته الحياة في الواحد والثلاثين من شهر أيار، في فيينا. قال نابوليون: «إن الإنسان ليتعلَّق بالحياة ساعة يشعر بأنَّه على وشك أن يفقدها، فلان الذي كان أشدَّ الرجال بسالةً، أبى أن يموت في ساعته الأخيرة. لقد كان يحب امرأته وأولاده فوق حبِّه إياي، ولكنَّه لم يأتِ على ذكرهم في تلك الساعة العصيبة، ولقد كنت له نوعًا من الرؤى والسيادة، أو بالحري نوعًا من الحكمة العلياء؛ ولذلك كان يطلبني في كلِّ فترة ويتوسَّل إلي! …» وقال نابوليون بعد حديث طويل: «إنه لمن المستحيل أن تقع البسالة على أشد من مورات ولان فقد ارتفعت إلى مستوى شجاعته حتى أصبح جبَّارًا … لقد كان من هؤلاء الرجال الذين يستطيعون أن يغيِّروا وجه المسائل بما أُوتوه من الجدارة والنفوذ الشخصي.»

لم تكتفِ موقعة أسلنغ بأن أفقدت نابوليون صديقًا حميمًا بل طعنته طعنة أخرى، لا تقلُّ عن الأولى ألمًا، بأن سلخت عن الجيش أحد قوَّاده البسلاء وهو الجنرال سنت هيلير. جاء في مذكِّرات نابوليون ما يلي: «لقد فني في هذه الموقعة القائدان الدوق ده مونتبللو (لان) وسنت هيلير وهما بطلان عظيمان من أعزِّ أصدقاء نابوليون الذي بكاهما بدموع سخينة.» لقد سبَّبت هذه الخسارة الأليمة للإمبراطور حسرةً عميقة، وقادته بحزن شديد إلى التعمُّق في الفكرة الأليمة التي تصوِّر للإنسان حقيقة بطلان الأشياء البشرية. في الواحد والثلاثين من شهر أيار كتب إلى جوزيفين ذاكرًا لها حزنه الشديد على موت لان الذي مات في الصباح، تاركًا هذه العبارة تفلت من قلمه: «وهكذا يفنى كلُّ شيء!» ناسيًا عظمة أعماله ورحابة مجده.

إلَّا أن موقعة أسلنغ، التي أسبغت على الجند الفرنسي مجدًا عظيمًا، تركت النصر مُبهَمًا؛ إذ إن كلًّا من الخَصْمين كان يدَّعي الفوز لنفسه. ولكن أوروبا اعتبرت تلك الموقعة خاسرة من جهة نابوليون، الذي تعوَّد أن يسحق عدوَّه؛ لأنه لم يتمكَّن هذه المرة من طرد النمسويين من مراكزهم. عند هذا عزم بونابرت أن يحاصر في جزيرة لوبو لئلا ينجم من تقهقُره تأثيرٌ أدبي مؤسف في فرنسا وفي الخارج. أمَّا الأمير كارلوس، الذي أزعجته حركات دافو الذي كان يطلق القنابل على برسبورج، فلم يجرؤ أن يبادئ القتال، وعزم أن يحصِّن مركزه بين إسبرن وإنزرسدورف.

في أثناء ذلك كان نابوليون مهتمًّا بإعادة بناء الجسور حتى تمَّ له ذلك، وما عتم الأمر أن تحقَّقت المواصلات بين الجزيرة والشاطئ الأيمن وما هي إلَّا أن انتهى إلى نابوليون أن جيشَ إيطاليا، الذي يقوده الأمير أوجين، قد قاتل الفرقة النمسوية في سن ميشيل بعد موقعة أسلنغ بثلاثة أيام، وأنَّ المنتصرين قد التقَوا بجيش ألمانيا في أعالي جبل سيمرنغ، فبشَّر الكتائب بهذا النبأ المفرح في النداء الآتي:

يا جنود جيش إيطاليا

لقد بلغتم الغاية التي عهدتُ بها إليكم بمجد عظيم، والسيمِرنغ شاهد عدل على التقائكم بالجيش الكبير.

مرحبًا! إنني لمسرورٌ بكم! لقد فاجأكم عدوٌ لئيم قبل أن تمكَّنت صفوفكم من الانضمام بعضها إلى بعض فاضطررتم أن تتقهقروا حتى الأديج، ولكن عندما أُمِرتم بالتقدُّم إلى الأمام كنتم في ساحة إركول المشهودة حيث أقسمتم على أرواح أبطالنا أن تبلغوا غاية النصر! ولقد حقَّقتم القسم في مواقع بيافا، وسن دانيال، وتارفي وغوريس. أما الكتيبة النمسوية، التي دخلت إلى مونيخ بادئ ذي بدء وأعطت إشارة المذبحة في التيرول، فقد اكْتَنَفْتُموها في سن ميشيل وأسْقَطْتُموها تحت حِرابكم.

أيها الجنود، إن هذا الجيش النمسوي الذي لطَّخ شرف مقاطعاتي، وصوَّر له الوهْم حينًا أن يحطِّم تاجي الحديدي سيصبح، بعد أن قاتلتموه وشتَّتم شمله ولاشيتموه، مثلًا لصرامة هذا الشعار: لقد وهبني الله هذا التاج فالويل لمَن يمسُّه!

وفي الرابع عشر من شهر حزيران، في ذلك اليوم التذكاري لمعركتي مارنغو وفرييدلان، انتصر الأمير أوجين انتصارًا آخر على الأرشيدوق جان والأرشيدوق البلاتيني في رآب. وبعد أن أبلى مارمون بلاءً حسنًا في دالماسي جاء بدوره ينضمُّ إلى الجيش الكبير؛ عند هذا رأى الإمبراطور أنَّ الوقت قد حان للقضاء على العدوَّ ذلك القضاء المُبرَم الذي يستعدُّ له منذ أكثر من شهر. أجل، لقد شخص نابوليون إلى فرييدلان بعد ذلك الدم المجيد الذي أُهرِق عبثًا في أيلو، وهو شاخص الآن إلي وكرام بعد أسلنغ! ننقُل هنا كيفية حدوث تلك المعركة الهائلة، مجتزئيها من المذكرة الخامسة والعشرين، التي تقص كيفية عبور الدانوب في الرابع من شهر تموز الساعة العاشرة مساءً، وحريق إنزرسدورف، وبعض الحوادث التي جرت في اليوم الخامس.

معركة وكرام

خشي العدو من النتائج الكبرى التي حصَّلها الجيش الفرنسي من غير جهد؛ فأمر كتائبه جميعها بالزحف دفعة واحدة، وفي الساعة السادسة من المساء شغل المراكز الآتية: ميمنته من ستادلو إلى جيراسدورف، وسطه من جيراسدورف إلى وكرام، وميسرته من وكرام إلى نوسييدبل. وشغلت ميسرة الجيش الفرنسي مركز كروس إسبيرن، ووسطه راشدورف، وميمنته كلنزندورف. ووقعت موقعة وكرام، فاستولت الكتائب الفرنسية على هذه القرية، إلا أن صفًّا من السكسونيِّين وآخر من الفرنسيين خدعتهما الظلمة الحالكة فظنَّ كلٌّ منهما الآخر عدوًّا وجرى القتال بين الطرفين، وهكذا ذهبت تلك المعركة أدراج الرياح.

بقي الإمبراطور طوال الليل يجمع قوَّاته في وسطه استعدادًا لمعركة وكرام، في حين كان الدوق ده ريفولي يزحف إلى ميسرة أدركلا تاركًا للزحف إلى إسبيرن فرقة واحدة أُمِرت بأن تتظاهر بالتقهقُر إلى جزيرة لوبو. وأُعطِي الدوق دورستيد أمرًا بمجاوزة قرية كروسهوفن للدنوِّ من الوسط.

في صباح اليوم السادس من الشهر شغل أمير بونت كورفو الميسرة، وكان الدوق ده ريفولي في الخطِّ الثاني، وأما الخطوط الأخرى فكانت تشغلها فِرَق الكونت أودينو والدوق ده راغوز والحرس الإمبراطوري.

زحف الدوق دورستيد من الميمنة ليصل إلى الوسط، في حين كانت فرقة بللفارد العدوَّة تزحف إلى ستادلو، وفِرَق كوللوراث وليكتنستن وهيللر تربط هذه الميمنة بمركز وكرام حيث كان أمير هوهنزوللرن.

وما هي إلا هنيهة حتى التقت فرقة روزنبرج بفرقة دورستيد وبدأت بوادر القتال، عند هذا انقضَّ الإمبراطور على هذه النقطة بما لديه من الجند والمدافع، ولم يمرَّ ربع ساعة حتى كسرت فرقةُ الدوق دورستيد فرقةَ روزنبرج ورمتها إلى ما وراء نوزييديل بعد أن حمَّلتها خسائر لا تُحصَى.

كانت المدافع في تلك الآونة تقوم بواجبها على طول الخط؛ فأمر نابوليون الدوق ده ريفولي بالهجوم على القرية التي يشغلها العدوُّ، وأشار إلى الدوق دورستيد بأن يزحف إلى وكرام، وأعطى أوامره للدوق ده راغوز والجنرال مكدونلد بالاستيلاء على وكرام ساعة يدخلها الدوق دورستيد.

في أثناء ذلك، شاع أن العدو يهاجم القرية التي استولى عليها الدوق ده ريفولي مهاجمة شديدة، وأن ميسرة الجيش الفرنسي قد تقدَّمت إلى الأمام ثمانية عشر ألف قدم، وأن المدافع تنطلق كالعواصف في كروس إسبيرن والمسافة التي بين كروس إسبيرن ووكرام مغطَّاة بخط عظيم من المدافع؛ فأمر الإمبراطور الجنرال مكدونالد بأن ينظِّم فرقتَيْ بروسييه ولامرك صفوفًا للهجوم عضدها بفرقة الجنرال نانسوتي وخيَّالة الحرس مع مائة مدفع. أما الجنرال الكونت ده لوريستون فقد زحف على رأس تلك الكتيبة المؤلَّفة من مائة مدفع إلى حيث كان العدو من غير أن يطلق النار، حتى صار على مقربة منه؛ عند هذا بدأت طلائع نيران هائلة أطفأت نيران العدو وزرعت الموت في جميع صفوفه. وزحف الجنرال مكدونالد نحو الأعداء يعضده الجنرال راي، وما هي إلا لمحة عين حتى خسر وسط العدوِّ فرسخًا من الأرض، وشعرت ميمنته بخطورة المركز الذي هي فيه فتقهقرت بسرعة عظيمة ولحق بها الدوق ده ريفولي يهاجمها مهاجمة شديدة. بينما كان اندحار الوسط يكابد الويل ويحمِّل الميمنة ويلًا آخر، كان الدوق دورستيد يهاجم الميسرة وهو زاحف إلى وكرام. لقد تكلَّلت فرقتا بروسييه وغودن بمجد عظيم!

عند الظهر، زحف الكونت أودينو إلى وكرام ليعضِّد الدوق دورتسيد ففاز فوزًا باهرًا واستولى على هذا المركز الخطير، وفي صباح النهار السابع كان الجيش زاحفًا إلى كورنوبرج وولكرسدورف، أمَّا العدو فلما قُطِع عليه طريق هونغاريا ومورافي وجد نفسه منحصرًا في جهة بوهيميا.

هذه هي كيفية حدوث موقعة وكرام، تلك الموقعة الخالدة في التاريخ التي شاهدت أربعمائة ألف رجل وألفًا وخمسمائة مدفع يتطاحنون في سبيل مصالح كبيرة في ساحةٍ درسها العدوُّ وحصَّنها طوال أشهر عديدة. أما الغنائم التي استولى عليها الجند الفرنسي فهي عشرة أعلام وأربعون مدفعًا وعشرون ألف أسير بينهم أربعمائة ضابط وعددٌ من القوَّاد غير قليل، وأمَّا ساحات القتال فقد غُطِّيَتْ بالموتى، الذين شُوهِدت بينهم جثثُ كثيرٍ من القواد، عدا عن قائد يُدعَى نورمان وهو فرنسي خان وطنه ودنَّس مواهبه في سبيل العدو!

رأى نابوليون نفسه، للمرة الثالثة، سيِّدًا على البيت اللوريني الذي عزا إليه نكران الجميل أمام أوروبا والتاريخ، وللمرة الثالثة نزل هذا المنتصِر العظيم عند المطاليب السلمية، التي طرحها مسبِّبو الحرب، الذين أفقدتهم معركة وكرام كلَّ آمالهم وقضت على جميع ذخائرهم. طلب إمبراطور النمسا توقيف القتال فمنحه نابوليون ذلك في العاشر من شهر تموز، في زنائيم، ثم فتحت المداولات في سبيل السلم، وبقيت ثلاثة أشهر سَكَنَ نابوليون خلالها قصر شنبرن.

أمر الإمبراطور بمحاكمة الجنرال مونه الذي أساء الدفاع في فليسنغ. ولكنه، بقدر ما كان صارمًا نحو الذين لم يعملوا كلَّ ما بوسعهم لإنقاذ الشرف الفرنسي، كان متساهلًا في مجازاة رجال الدماغ والقلب الذين عضدوه في ساحات الحروب، إنْ بشجاعتهم، وإنْ بآرائهم؛ فإنه أعطى لقب مرشال، بعد معركة وكرام، إلى أودينو ومكدونالد ومارمون.

كان الجيش الفرنسي في ذلك الحين مستتبًّا في جميع جهات ألمانيا؛ من الدانوب إلى الأيلب، ومن الرين إلى الأودير. إلا أن هذا الاحتلال المُثقِل على الأهلين إنما كان يدفعهم إلى سماع جميع الشكايات التي كان عملاء إنكلترا وجواسيس فيينا وبرلين يوجِّهونها نحو فرنسا وإمبراطورها، والنزول عندها والاقتناع بها، فتصويب اللوم والحقد على نابوليون إذ يصوِّر لهم أنه إنما يُغذِّي الحرب في سبيل مطامعه وجشعه.

أما بوادر هذا الحقد فقد ظهرت في شنبرن حيث حاول أحد الشبَّان المتعصِّبين أن يقتل نابوليون وقد جاء من أرفورث إلى فيينا لهذه الغاية، ولما أُلقِي القبض عليه بقي هادئًا لم ينبس ببِنْت شَفَة، ولم يُبدِ أقلَّ ندمٍ على محاولته، بل أظهر تأسُّفه على عدم تمكُّنه من قتل الإمبراطور، فأراد نابوليون أن يطَّلع منه على بلاده وأسرته وعلاقاته وعاداته، فصرَّح الشاب أنه يُدعَى ستاب من مدينة أرفورث وابن أحد الوزراء المُنتمِين إلى مذهب لوتيروس، فسأله نابوليون عن السبب الذي ردعه عن قتله يوم كان في أرفورث، فأجابه الفتى: «كنت يوم ذاك متساهِلًا مع بلادي حتى ظننت الحرب قد انتهت واستتبَّ السلام.» لم يشأ هذا الشاب أن يضرب في نابوليون إلا مسبِّب الحرب، والقاهر المنتصر الذي لا يعيى، ومقلق الراحة الأوروبية. ولو أدرك الشعب الألماني الموقف الحقيقي، ومَن هم الذين غذَّوا الحرب في أوروبا لصوَّب حقده على حكومته نفسها وشهر عليها الحرب. ولقد فهم نابوليون من جواب هذا الفتى إلى أيَّة درجة هيَّجت سياسة أعدائه الكاذبة أدمغة الألمانيين، وودَّ أن يعفو عن ستاب الذي أعجبته صراحتُه وجرأته، والذي لم يكن سوى آلة عمياء تُدِيرها مشتهياتٌ حرَّكتها المداولات القديمة، إلا أن أوامره لم تصِلْ في الوقت المناسب، ونُفِّذ حكم الموت في الفتى الألماني الذي تلقَّاه بكلِّ ثبات ورباطة جأش صارخًا: «ليحيَ السلام! لتحيَ الحرية! لتحيَ ألمانيا!»

وأخيرًا عُقِد الصلح في فيينا في الرابع عشر من شهر تشرين الأول سنة ١٨٠٩، ولقد أذعن إمبراطور النمسا إلى التخلي عن بعض أراضيه لفرنسا، حتى إن القيصر نفسه، الذي كثيرًا ما عاضد أعداء فرنسا في الحرب، أُتِيح له أن يأخذ حصَّته من الأراضي التي سُلِخت عن ممالك حلفائه السريِّين؛ إذ إن نابوليون، الذي كان يثق برصانة المظاهرات التي جرت في أرفورث، أعطى الإسكندر القسمة الشرقية من غالليسيا القديمة المحتوية على أربعمائة ألف ساكن. ولما وُقِّعت المعاهدة غادر نابوليون شنبرن ليعود إلى فرنسا، ووصل إلى فونتينبلو في السادس والعشرين من شهر تشرين الأول.

١  مقاطعة قديمة من مقاطعات إسبانيا.
٢  اسم تحمله إحدى النجوم التي تغرب وتطلع مع الشمس من ٢٢ تموز إلى ٢٣ آب، وتكون الحرارة في ذلك الشهر شديدة جدًّا.
٣  (١٧٦١–١٨٠٩) قائد إنكليزي ولد في غلاسكو.
٤  مرشال فرنسي ولد في تول.
٥  (١٧٧٣–١٨٥٩) رجل سياسي نمسوي عظيم.
٦  نهر في ألمانيا وهو مصبُّ الدانوب، مساحته ٥٢٥ كيلومترًا.
٧  مدينة بافارية على نهر الدانوب.
٨  امرأة ساحرة، هربت مع جازون زعيم الأبطال اليونانيين عندما أُتِيح له أن يستولي على العقد الذهبي، ولقد أرجعت إلى الشباب، بفنِّها السحري، أزون والد زوجها، ولكن عندما هجرها هذا الأخير انتقمت لنفسها بأن خنقت أولادها بيدها (عن أساطير اليونان).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠