الفصل السادس عشر

وقف الملوك عن المقاومة في جميع الجهات؛ إذ إن كبرياء الأسر الأريستوقراطية الموروثة قد قُهِرت جميعها، وتضاءلت أمام مجد العرش الإمبراطوري، أو لجأت إلى ما وراء البحار لتُخفِي عارها وجراحاتها؛ فأسرة براغانس الشمالية هربت إلى البرازيل، وأسرة نابولي إلى سيسيليا، في حين قَدِم بوربونيو إسبانيا إلى بايون يتسوَّلون مساعدة نابوليون ويتخلَّون له عن عرشهم. أما الرءوس الشامخة في الشمال كأُسرَتَي لورين وبراندبورج، اللتين كانتا تذهبان في مذاهب العظمة والكبرياء، فقد اضطرتا إلى الرضوخ للإمبراطور العظيم والتشفُّع إليه في اعتبارهما حليفتين له، وأما زعيم أسرة رومانوف العظيمة، فقد تكلَّف ترك دوره البطولي الذي أحرز فيه لقب أول فارس من فوارس الحق الإلهي، ليصرِّح أينما كان بأنه صديق الرجل العظيم الذي أتاح له المبدأ الثوري أن يقبض على ناصية عرش فرنسا، ثم إن الأمراء الصغار والجمهوريات أجبرتهم الضرورة على الاشتراك في ذلك الرضوخ العالمي، فالأمراء الألمانيون لم يجدوا بدًّا من الدخول في حماية القاهر الأكبر، كما أن الجمهوريين الباتافيِّين طلبوا إليه أن يمنحهم ملكًا من أسرته.

إلا أن مستنقعًا مشبوهًا كان يتراءى، في وسط ذلك الرضوخ العالمي، الذي أنتجه الإعجاب عند البعض والخوف عند البعض الآخر؛ ففي زاوية من أوروبا، في أطراف إيطاليا، كان أحد الزعماء السياسيين، وهو أكثرهم ضعفًا وادِّعاءً، يتجاسر أن يقاوم وحده المتسلِّط العالمي فلا يخشى أن يكدِّر بوعيده ولعناته موسيقى الإكرام والإعجاب التي كانت تدقُّ في جميع أطراف أوروبا. أما ذلك الزعيم، أو بالحري ذلك الأمير المتمرِّد، آخر عنصر من عناصر مقاومة الماضي لتطلُّبات رجل الحاضر، فقد كان البابا نفسه الذي ترك في الماضي قصر الكيرينال١ ليكلل نابوليون في باريس.

أيستطيع البابا كأمير زمني غير مُهاب، أن يتَّكل بعدُ على تأثير الصواعق الروحية؟ وهل القرون الوسطى، التي تنهار أو تتداعى من جميع الجهات، تستطيع أن تجدِّد قواها في روما؟ ثم هل إن النُّظُم والمعتقدات الدينية، التي كانت سببًا لعظمة البابوية وازدهارها، لم تقاسِ نكبات الزمن كما قاستها النُّظُم والمعتقدات السياسية التي أُسِّست عليها الأريستوقراطية والملكية سلطانها؟

إن التاريخ يقول عكس ذلك. كُتِب إلى البابا من فرنسا، منذ أكثر من مائتي سنة، أن براءاته تصبح جليدًا وهي عابرة جبال الألب. ومنذ ثلاثة قرون أُتِيح للروح الفلسفية، والعلوم النظرية الحرة أن تنزع من السلطة الباباوية نفوذَها العظيم الذي ساد في شمالي أوروبا. لقد بدأت الثورة في ألمانيا ضد سيادة القرون الوسطى بعد أن اتخذت أساسًا لها المسائل الدينية التي اختلف عليها وأنكرها العقل البشري. ولقد هيَّجت الثورة في الكنيسة ثورة إنكلترا في الأمة. أمَّا في فرنسا فقد رُئِي أن الانشقاق والإلحاد بقيا يحترمان عرش القديس لويس، وقد يكون سبب ذلك أنهما لم يستطيعا أن يجلسا عليه، إلَّا أن الإيمان الروماني لم يربح شيئًا من الاحتفاظ العلني الذي أظهرته المملكة المسيحية الصرفة. لا يبقى لنا داعٍ لأن نتكلم عن الحملات التي وُجِّهت إلى تقاليد الفاتيكان لدى ظهور المذهب الكليكاني، الذي حاول أن يُخضِعَ نبوغ هلدبران٢ لنبوغ بوسويه إذا قلنا إنه كان هناك عنصر ثورةٍ أقوى وأشد بأسًا من الانشقاق والإلحاد قد شنَّ غارةً على جميع مراقي المجتمع الفرنسي، وهو الفلسفة التي لم تتَّخذ شعارها تشييد معابد ضد معابد، بل زعزعت جميع المذاهب بتسييرها شبح الشك والريبة عليها جميعًا، وفازت في ذلك أبهر فوز. ولقد كان مونتين وديكارت، فولتير وروسُّو أكثر خطرًا على السدة الرسولية من لوتيرس وكلفين.
لم يكن بيوس السابع ليتمكَّن من نكران هذه الحقيقة التي أعلنها خلفاؤه أنفسهم في شكايات مرة أليمة، إلا أنه إنما كان أمينَ سلطةٍ سادت على الملوك وتحكَّمت في ضمائر الشعوب، يوم كان الكهنوت الحارس الوحيد للعلوم والآداب، والخفير المُفلِح للرقي الاجتماعي، وحامي ذمار الشعوب ضد تعدِّيات الإقطاعية الظالمة، وكان فخورًا بهذا التذكار، ومستندًا في آنٍ واحد إلى الإيمان الذي يريه ينبوع سلطته في السماء؛ لذلك لم يكن يعتبر ذلك التواني في العقائد الدينية إلَّا ضلالًا عرضيًّا من الروح البشرية، ولم تكن كبرياؤه لتسمح له بأن يعترف أن انحطاط مذهبه إنما سيُنقِص من نفوذه العظيم. إلَّا أن ادِّعاء البابا هذا لم يكن سوى وهْمٍ شريف؛ فالسلطة الروحية التي هذَّبت العالم الإقطاعي لم تبلغ في سقوطها إلى الدركة التي بلغت إليها الإقطاعية نفسها. وكان من الطبيعي أن الأفكار الدينية، التي أعطت الإكليروس سيادته على الأشراف إبَّان ازدهارهم المشترك، تجعل خرائب النفوذ الإكليريكي أقلَّ تلفًا من هوان الأريستوقراطية؛ إذ إنَّ ذهاب الأريستوقراطية لم يترك أقلَّ فراغ في الأمة خلاف ذهاب الكهنوت؛ لأنه إذا كان من السهل على الفلسفة، التي تقلب نظامًا سياسيًّا، أن تُشيِّد على أنقاضه نظامًا جديدًا، وإذا كان من الهيِّن عليها أن تعمل جمهوريَّة أو ملكيَّة، وتنظِّم حكومة وتخلق شرطة، وتوجد رجالًا وقوانين لإنقاذ المجتمع خلال تشويش عهود الانقلابات الأدبي، فالنظام الديني لا يستطيع أن يقوم بعمل من هذه الأعمال. إذن فالعقائد القديمة، على ما يطرأ عليها من الضعف، تبقى كخرائب مُحترَمة يأوي إليها جميع الذين يشعرون بحاجة إلى الصلاة والإيمان. فهذا الثبات الذي تواظب عليه كتلة المؤمنين على سبيل العادة، والذي يكفي وحده لأن يصون بعض الحركة في المعابد؛ هذا الاستمرار في العبادة خلال خرائب المذاهب والمعتقدات، هو الذي استطاع أن يخدع السلطة الروحية في موقفها الحقيقي ويقودها إلى الاعتقاد بأنها لا تزال تحفظ من القوى ما يسمح لها أن تخاطب الملوك والأباطرة بتلك اللهجة الفخورة التي تعوَّدها راهب «كلوني».٣

أراد بيوس السابع عام ١٨٠٥، بعد تتويج الإمبراطور بأيام قلائل، أن يحقِّق الآمال التي عبر من أجلها جبال الألب «ليكرِّس» في باريس الثورة الفرنسية في شخص نابوليون؛ فطلب أن تُرجَع إليه سفاراته وتُرحَّب أراضيه، إلَّا أن هذه المنحة لم تدخل في نظريات الإمبراطور بإيطاليا، ورفضها رفضًا باتًّا. عند هذا ندم الخليفة على ما فعل، وتظاهر بغضبه في كلماته ورسائله وجميع أعماله، ورفض الطرق القانونية من الأساقفة الذين سمَّاهم الإمبراطور وفقًا للاتفاقية، وعزم أن يفتح مرافئه في وجه الإنكليز، فأثار هذا التصرُّف غضب الإمبراطور؛ فكتب إلى البابا في الثالث عشر من شهر شباط سنة ١٨٠٦ ما يلي:

«إن قداستك إنَّما هي سلطانة روما، إلَّا أنني إمبراطورها، ويجب على جميع أعدائي أن يكونوا أعداءها.»

فأجابه الخليفة: «إن الخليفة الأعظم لم يعترف ولن يعترف بسلطةٍ فوق سلطته … فإمبراطور روما غير موجود، ومن واجب نائب الله أن يحافظ على السلام مع الجميع من غير أن يفرِّق بين كاثوليكي وهرطوقي.»

حاول سفير نابوليون أن يقنع الخليفة بأن لهجته هذه لا تجديه نفعًا سوى أنها تسبِّب لروما نكبةً شديد. فبقي البابا مُصِرًّا على عزمه، وقال للسفير الفرنسي: «إذا نزعوا مني حياتي فإن قبري ليشرِّفني، وينتصر لي الله في السماء والتاريخ على الأرض … وإذا نفَّذ الإمبراطور تهديداته وأبى أن يعترف بي كأمير ذي سلطان؛ فإني لأرفض أن أعترفَ به كإمبراطور.» كان الخليفة يظنُّ أن لعنةً تسقط من فمه تكون شؤمًا على نابوليون. قال: «إن الاضطهاد يورث الانشقاق وهو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الكنيسة.»

إلا أن القوة الأدبية، التي كان البابا يتمسَّك بها، لم تستطع أن تُعِيد إلى روما سلطانها القديم؛ لأن الشعوب جميعها نزعت عن الرضوخ والطاعة. فبعد أن سادت روما على الملوك في سبيل الشعوب المسيحية، أنفقت والملوك على الشعوب ساعة خلع الرقيُّ ثوب الكاهن ليرتدي وشاح الفلسفة. أجل، عدلت القوى الفاتيكانيَّة عن القيام ضدَّ المظالم الإقطاعية وصوبت إلى العقل المتمرِّد والروح النزوعة، وحصل الاتفاق بين التاجين الملكي والباباوي من غير ما نظر إلى المعتقدات الدينية.

لقد حلا للبابا بيوس السابع أن يرتفع إلى كبرياء الفاتيكان، تلك الكبرياء التقليدية، وأن يُظهِر من أعالي الكيرينال صواعِقَه المنطفئة. إلا أنه كان يعلم أنه لم يبقَ يستطيع أن يحرِّك إلا بعض النفوس المنزوية في أعماق الأديرة والمعابد. ومع كلِّ ذلك، تظاهر باستعداده لاستقبال عدوِّه القاهر في قصر الفاتيكان من غير أن يترك حسام غريغوريوس السابع وسكست الخامس. قال: «إن قصر الفاتيكان ليتشرف باستقبال جلالتكم وحاشيتها.» ولكن الإمبراطور لم يستطع أن يقوم بهذه الرحلة، التي كان قد أعلنها إلى البابا؛ لأن مسائل البورتغال وإسبانيا أبقته في باريس لِيُعِدَّ العدَّة لاجتياز البيرينه. إلا أن المفاوضات بقيت مستمرة بين نابوليون والسدَّة الرسولية من غير أن تُفضِي إلى نتيجة حسنة، وما كان سخط البابا على نابوليون إلَّا ليزداد من يوم إلى يوم. أما نابوليون فأصر إصرارًا تامًّا على رفض مطاليب الخليفة، وعزم أن يدفع الجيوش الفرنسية إلى احتلال الولايات الرومانية، إلَّا أن البابا قد حَزَرَ ذلك فقال للمفاوض الفرنسي: «إننا لن نقف في وجه الجنود، ولن أدع سبيلًا لإطلاق بندقية، ولكن يجب على قائدك أن يحطِّم الأبواب حتى تضطر الكتائب أن تمرَّ على جثتي؛ إذ إنني أكون بنفسي على أبواب المدينة، عند هذا يعلم الخلْق جميعُهم أن الإمبراطور رفس برجله ذلك الذي «كرَّسه» والله العلي يكمل الباقي.»

وما هي إلا أيام قلائل حتى احتُلَّت روما احتلالًا عسكريًّا، فلقد زحف إليها بعض الكتائب التي أُتِيح لها أن تقبض على ناصية مدينة قُيِّض لها مرتين أن تسود على العالم. وهكذا احتجبت مليكة الأمم، فلم تبقَ روح العصر القديم لتستطيع أن تسهر في الكابيتول، وحشرجت روح القرون الوسطى في أعماق الفاتيكان.

إن هذا الانقلاب، الذي لم يكن أقلَّ عظمةً من انقلاب بابل، أكمل انتصار الثورة الفرنسية فأُتِيح للروح العصرية أن تؤيِّد سلطتها في العالم وتضع حدًّا نهائيًّا للعظمة الرومانية، من غير أن تُثِير اعتراض الشعوب المسيحية وملوكها أو تدقَّ في العالم الكاثوليكي أجراس حرب صليبية أُخرى. أما البابا فلم يشأ أن يبقى ساكنًا لدى هذا الانقلاب، فأطلق على الإمبراطور حرمًا علنيًّا جاء فيه: «باسم الله العلي العظيم، والرسولين بطرس وبولس، وباسمنا نحن نصرِّح بأنكم استحققتم الحرم أنتم وجميع حاشيتكم استنادًا إلى الجرم الفظيع الذي اقترفتموه.»

كان نابوليون في فيينا تحفُّ به أكاليل أكموهل وراتيسبون عندما علم بنشر هذا الحرم، فعزم أن يطلب من الخليفة حالًا أن تنضمَّ أراضي الفاتيكان إلى الإمبراطورية الفرنسية، وإذا حاول أن يرفض ذلك يضطره إلى أخذه أسيرًا، وعهد إلى الجنرال راده بأن يقوم بهذه المهمَّة الشاقة. في ليل اليوم الخامس من شهر تموز ١٨٠٩ وصل الجنرال راده إلى قصر الكيرينال وألحَّ على الخليفة بأن ينزل عند طلب الإمبراطور، لئلا يؤدِّي رفضُه إلى عاقبة وخيمة، فأجابه البابا: «لا أستطيع ولا أُريد. فلقد وعدت الله أن أحفظ للكنيسة جميع ممتلكاتها ولن أُخلِف بوعدي ما زلت حيًّا!» فقال الجنرال: «إنني آسفٌ أيها الأب الأقدس أن ترفض قداستك النزول عند هذا الطلب؛ إذ إن هذا الرفض إنما يعرِّض قداستك لسوء.» فقال البابا: «لقد قلت؛ وما من شيء على الأرض يستطيع أن يحوِّلني عن عزمي، تراني مستعدًّا لهرق آخر نقطة من دمي قبل أن أحنث باليمين التي أعطيتُها لله.» فقال الجنرال: «بما أن عزمكم هو هذا؛ فإني آسفٌ أن أنفِّذ الأوامر التي أُعْطِيتُها.» فقال البابا: «حقًّا يا ولدي إن هذه الأوامر لا تمنحكم بركات السماء.» فقال الجنرال: «أيها الأب الأقدس، يجب أن أصحب قداستكم.» فقال البابا: «هذه هي المكافأة التي استحقَقْتها جزاء ما صنعتْ يدي لإمبراطورك! ولكن قد أكون مخطئًا أمام الله فيريد أن يعاقبني وإني لراضِخٌ بكلِّ تواضع.» فقال الجنرال: «إني أقوم بما عُهِد إلي، وأراني آسفًا على تنفيذه لأني كاثوليكي وولد قداستك.» عند هذا سأله الكردينال بكا: «أيستطيع الأب الأقدس أن يصحب معه مَن يشاء؟» فأجابه الجنرال إنه تبعًا لأوامر الإمبراطور لا يحقُّ لأحد أن يكون بمعية البابا إلا نيافته. فاستطرد الكردينال قائلًا: «كم هي المدة المعطاة لنا للتأهُّب؟» فقال الجنرال: «نصف ساعة.» عند هذا نهض الخليفة ولم يتلفَّظ بسوى هذه العبارة: «فلنذهب ولْتكن معنا مشيئة الله.»

كانت مركبة تنتظر البابا على باب القصر، فصعدها بيوس السابع والكردينال بكا وجلس الجنرال راده أمامهما. وبعد فترة وصلت المركبة إلى الباب الخارجي، فترجَّل الجنرال راده، وألحَّ على البابا مرة أخرى أن يرتدع عن إصراره، فلم يُجِبْه الخليفة بسوى هذه الكلمة الجافَّة: لا! وكان هناك مركبة أخرى صعدها البابا والكردينال، وما هي إلا مدة قصيرة حتى كانت المركبة خارج روما على طريق فلورنسا.

قال السيد ده بورِّيين: «بقي الخليفة المسكين يتيه من مدينة إلى مدينة؛ فإنَّ إليزه أرسلته من فرنسا إلى تورين، ومن تورين أرسله أمير بورغيز إلى داخليَّة فرنسا، حتى أرسله نابوليون إلى سافون. إلَّا أن هذا الحادث، وإن كان أليمًا؛ فإنه لم يبشِّرْ بغضب السماء على نابوليون؛ إذ إنه في الليلة نفسها التي أُسِر فيها البابا ربح الفرنسيون معركة وكرام.»

بينما كانت المفاوضات في سبيل السلم جارية بين نابوليون والنمسا، أرسل نابوليون من قصر شنبرن الإمبراطوري إلى الجنرال ميوللي، الحاكم العسكري في روما، أمرًا بتنفيذ المرسوم القاضي بضمِّ الولايات الباباوية إلى الإمبراطورية الفرنسية.

توقَّف الإمبراطور مدة في فونتنبلو لدى عودته من ألمانيا، ثم والى سيره إلى باريس فخفَّ إليه الملوك الذين خلقهم لتهنئته بانتصاراته الجديدة وعقد الصلح. إذا استثنينا إنكلترا، التي لم يستطع نابوليون أن يغرس نسوره على أبراجها، فيكون الإمبراطور قد وصل إلى أَوْجِه؛ إذ لم يبقَ له في أوروبا ما يضيفه إلى مجده وعظمته، فلقد مهَّد للثورة الفرنسية عروشًا في نابولي، ومدريد، وروما، وميلان، وفيينا، ومونيخ، وستوتجار، وكاسل، وميانس، ودريسد، وهمبورج، وبرلين، وفرسوفي. إلا أنه إنما كان يتمنَّى شيئًا واحدًا بعدُ، وهو أن يكون له ذرية تَرِث التاج بعده، فأخذ يحلم في اكتساب أصدقاء وحلفاء لأسرته، وخُيِّل إليه أنه يبلغ هذا الأرَب إذا طلَّق جوزيفين وتزوَّج زواجًا آخر يضمن له ورثاء شرعيِّين؛ إذ إن تبنِّيه لأوجين بوهارنه لم يكن كافيًا، ولم يكن أوجين قد نشأ ليجلس على العرش. كان نابوليون يرغب في أن يُلقِي مُقدَّرات إمبراطوريته في مهد طفلٍ وُلِد أميرًا إمبراطوريًّا، لا أن يعهد بها إلى الخلق النبيل والكفاءة الأكيدة اللذين عُرِفا في رجلٍ نضجت روحه إلى جنب الإمبراطور. وكانت جوزيفين تتوقَّع حدوث هذا الأمر الجلل، بالرغم من أنها، على حدِّ قول نابوليون نفسه في مذكِّرات سنت هيلين، مَنَحَت زوجها السعادة في الحياة وأظهرت له في كلِّ حين أنها الصديقة الأكثر عطفًا ورِقَّة.

كان نابوليون رجلَ سياسة قبل كلِّ شيء، فلم تستطع العاطفة الحميمة أن تتغلَّب على مصالح الأمة في نفسه. أما جوزيفين فلم يفُتْها أن تقرأ بختها المنتظر على سيماء زوجها العظيم، الذي كان يتباعد عنها كلما ارتفع في دائرة المجد وأباطيل الملك. وأخيرًا تحقَّق ما كانت تتوقَّعه ساعة فاتحها الإمبراطور بالسرِّ المشئوم الذي كثيرًا ما أبصرته في أعماق نفسه. في اليوم الثلاثين من شهر تشرين الثاني عام ١٨٠٩ تناول نابوليون وجوزيفين الغذاء معًا، فكان نابوليون كالِح الوجه مفكِّرًا وجوزيفين حزينةً صامتة. وبعد الغداء اختلى الاثنان في غرفة. قالت جوزيفين بعد ذلك: «كنت أقرأ على ملامحه المتغيِّرة الخصام الأليم الذي كان يحدث في نفسه؛ إلَّا أنني ما لبثت أن أبصرت دنوَّ ساعتي من خلال اضطرابه وارتعاشه. اقترب مني فأخذ يدي ووضعها على قلبه، ثم نظر إليَّ فترة من غير أن يتلفَّظ بكلمة إلى أن ترك هذه الكلمات المشئومة تَفْلِت من شفتيه: «جوزيفين، حبيبتي جوزيفين! أنتِ تعرفين كم أحببتك وكم أحبُّك! … فإليكِ، إليكِ وحدكِ ترجع تلك الأوقات السعيدة التي ذُقْتها في هذا العالم. ولكن مستقبلي لأقوى من إرادتي يا جوزيفين. ويجب على عواطفي، مهما كانت حسَّاسة، أن تصمت أمام صالح فرنسا».» فلم تشأ جوزيفين أن تسمع أكثر من ذلك وقاطعت الإمبراطور بحدَّة قائلة: «لا تَزِد، فلقد كنت أتوقَّع ذلك؛ وإني لأفهمك.» إلَّا أن الزفرات خنقت صوتها، وتلاشى الكلام على شفتيها، ثمَّ خارت قواها، فحُمِلت إلى مخدعها حيث رأت نفسها، بعد أن عادت إلى رشدها، بين ابنتها هورتنس وكورفيزار وأمام نابوليون.

سوى أن هذه الصدمة العنيفة الأولى، التي كان الإمبراطور يتوقُّعها، تركت مكانًا لألمٍ أقل شدةً وأخف وطأةً من الأول؛ فتظاهرت جوزيفين بالتجلُّد ونزلت عند جميع التظاهرات العمومية التي طُلِبت منها. ففي ليل الخامس عشر من كانون الأول ١٨٠٩ مُثِّلت الفاجعة في التويلري، أمام حلقة من الأقرباء، حضرها الأرشيشنسليه كامباسيريس. وهناك وقف نابوليون وتلفَّظ بهذه الخطبة الوجيزة، قال: «إن سياسة إمبراطوريتي، ومصالح شعوبي الذين عضدوني في جميع أعمالي تريد أن أترك بعدي لأولاد يرثون حبِّي لشعوبي هذا العرش الذي أجلستني عليه الحكمة العلياء. وبما أن الحظَّ لم يشأ أن يُنِيلني أولادًا من زوجتي الحبيبة الإمبراطورة جوزيفين، أراني مضطرًّا إلى التضحية بأعذب ميول قلبي، وأن لا أصغي لسوى خير الأمة والنزول عند فسخ زواجنا … وإني، وقد بلغت الأربعين من عمري، لأستطيع أن أعتقد بأن سأعيش عمرًا كافيًا أتعهَّد فيه الأبناء الذين ستمنحني إيَّاهم الحكمة العلياء. يعلم الله كم كلَّف قلبي هذا العزم، ولكن ما من تضحيةٍ تسمو على شجاعتي ساعة يتَّضح لي أنها مفيدة لخير فرنسا.

لقد جمَّلت جوزيفين خمس عشرة سنة من حياتي سيبقى تذكارًا محفورًا في قلبي. ولقد توَّجتها بيدي وأريد أن تحفظ لقب إمبراطورة، وأن لا تشك يومًا في شواعري بل تعتبرني دائمًا كأعزِّ صديقٍ لها.»

فتمالكت جوزيفين ولَفَظَت بأمانة هذه الكلمات العلنية، التي كان كامباسيريس ينتظرها ليحملها إلى مجلس الشيوخ، قالت: «يأذن لي زوجي العظيم أن أُصرِّح بأنني، وقد قطعت الرجاء من أولاد يحقِّقون آمال سياسة فرنسا ومصالحها، يعذب لي أن أعطيه برهانًا على حبي إياه لم يُعطَ بعد على الأرض. إنني نلت كلَّ شيء من كرمه وحبه، فيدُه هي التي توَّجتني، ولم أنل من أعالي هذا العرش إلَّا تمنِّيات الشعب الفرنسي وعطفه.

إن فسخ زواجنا لن يغيِّر شيئًا من شواعر قلبي، فسأظلُّ للإمبراطور صديقته الكبيرة، إني أعلم كم أنَّ هذا الحادث، الذي أوجبته السياسة والمصالح الخطيرة، قد أساءَ إلى قلبه، ولكن كلًّا منَّا فخورٌ بالتضحية التي يقدمها في سبيل الوطن وخيره.»

كانت الحلقة غفيرة، فلمَّا سمع الجميع هذه الكلمات تفطَّرت قلوبهم حتى كادت الدموع تتفجر من عيونهم. وفي اليوم التالي أصدر مجلس الشيوخ مرسومًا يقضي بطلاق نابوليون وجوزيفين. ومن ثَمَّ أخذ الإمبراطور يهتمُّ باختيار زوجة جديدة، فأشعره الإسكندر بأنه يعطيه يد إحدى أخواته الغراندوقة آن، إلا أن نابوليون ما لبث أن انتهى إليه، على يد سفيره في النمسا السيد ده ناربون، أن أسرة لورين تغار على اتحادها به، وأنها تغتبط بأن تراه يقترن بأميرة نمسوية هي الأرشيدوقة ماري لويز.

إن سعي الأسر الأوروبية، التي هي أكثر أُسَر العالم ذهابًا في الكبرياء؛ أجل، إن سعيها للاتحاد بنابوليون، بعد أن أعمل فيها السيف وغرس نسوره على جميع أبراجها، إنما سيبقى في التاريخ مثلًا حيًّا للعظمة الخالدة التي بلغت إليها فرنسا وزعيمها الخالد. يا له نصرًا عظيمًا للديموقراطية الفرنسية!

بعد أن أُوتِي نابوليون الحرية في اختيار مَن يشاء من أميرات الدم الأكثر عظمة، صحَّت عزيمته على اختيار ابنة إمبراطور النمسا الأرشيدوقة ماري لويز؛ فعهد إلى المرشال برتيه بأن يذهب إلى النمسا ليطلب يد الأميرة للإمبراطور، فوصل في أول شهر آذار سنة ١٨١٠ إلى العاصمة النمسوية، وبعد أن رفع لإمبراطور النمسا رسم نابوليون قال له: «يا صاحب الجلالة، لقد جئت باسم الإمبراطور، مولاي، أطلب منك يد الأرشيدوقة ماري لويز ابنتك العظيمة.

إن ما اتَّصفتْ به هذه الأميرة من الخلال الممتازة يُعِدُّها اليوم للجلوس على عرش عظيم تُطلِق من أعاليه تباشير السعادة على شعب كبير ورجل عظيم.

إن سياسة مولاي الإمبراطور رأت نفسها مُتَّفقةً وأماني قلبه. وإن اتحاد الأسرتين العظيمتين هذا يضمن للأمتين الكريمتين حياةً هادئة وسلامًا أكيدًا.»

فأجاب إمبراطور النمسا: «إنني أعتبر طلب زواج الإمبراطور نابوليون من ابنتي كعربون لشواعر إمبراطور الفرنسيين التي أحترمها. أما تمنِّياتي للزوجين المزمعَيْنِ فلا أستطيع أن أعبِّر عنها؛ لأنها إنما هي عائدة لسعادتي كما هي لسعادتهما. لقد منحت إمبراطور الفرنسيِّين يد ابنتي.»

عند هذا تحول المرشال إلى الأرشيدوقة ماري لويز وقال لها: «سيدتي، لقد حقَّق والداك العظيمان أماني مولاي الإمبراطور. قد تكون بعض أسباب سياسية أدَّت إلى قبول إمبراطورينا العظيمين، إلَّا أن السبب الأول إنما هو سعادتك وسعادة قلبك يا مولاتي، تلك السعادة التي يرغب مولاي الإمبراطور في أن يُنِيلَك إيَّاها. إن هذا اليوم، يا مولاتي، سيكون سعيدًا على الإمبراطور مولاي، إذا أمرتني جلالتك الإمبراطورية بأن أحمل إليك تمنِّيات قلبك وشعوره.»

فأعطته الأميرة الجواب الذي أُمْلِي عليها، قالت: «لقد كانت مشيئة والدي وما زالت مشيئتي، إذن فسعادتي إنما هي سعادته.

إني لسعيدة بأن أشارك جلالة الإمبراطور نابوليون عواطفه وعواطف أمَّة كبيرة! لقد رضيت، بإذن والدي، أن أتَّخذ الإمبراطور نابوليون زوجًا لي.»

ثمَّ وجَّه المرشال خطابًا ثالثًا إلى الإمبراطورة التي أجابت بمثل ما أجاب زوجها العظيم. وأحيرًا أعلن السفير الفرنسي أن الإمبراطور نابوليون يرغب إلى جلالة الإمبراطور أن يرضى بنيابته عنه في حفلة الزفاف. فأجاب الإمبراطور: «إنني أقبل بكلِّ سرور الطلب الذي تعرضه جلالة إمبراطور الفرنسيِّين، وأرجو منك يا سموَّ الأمير (كان المرشال قد مُنِح لقب أمير نوشاتيل ووكرام) أن تبقى تجاه فرنسا حامل التمنِّيات الحارَّة التي أُنشِئها، لكي توطِّد فضائل الأرشيدوقة محبَّة الأميرين وسعادة شعوبهما.»

جرت حفلة الزواج في الرابع عشر من شهر آذار في عاصمة فيينا، وفي الخامس عشر منه سلكت الإمبراطورة الجديدة طريق فرنسا، فوصلت في السابع والعشرين إلى كومبياني حيث كان نابوليون ينتظرها. كانت قد أُعدَّت حفلة باهرة لهذه المقابلة الأولى، إلَّا أن نابوليون خرق النظام الذي كان خطَّه بنفسه فغادر كومبياني سرًّا في نهار ممطر، يصحبه ملك نابولي، ووقف ينتظر الإمبراطورة المزمعة في رواق كنيسة صغيرة من كنائس إحدى القرى، فلمَّا وصلت ماري لويز قفز إلى مركبتها وعاد الجميع إلى قصر كومبياني، ثم اتَّجه الزوجان العظيمان إلى سن كلود حيث جرى الزواج الأهلي في الواحد من شهر نيسان. وفي اليوم التالي دخل الزوجان إلى العاصمة حيث جرت حفلة الزواج الديني التي حضرها جميع أرباب العروش والمذاهب الكاثوليكية. فمُنِح الإمبراطور والإمبراطورة البركة الزوجية من يد الكردينال فيش بحضور الأسرة الإمبراطوريَّة والكرادلة والأساقفة وأرباب الدولة وجميع وفود فرق الأمة.

لم يمرَّ بضعة أيام على تلك المهرجانات حتى جرى في شمالي أوروبا حادث عظيم. فلقد انتخب برنادوت أميرًا ملكيًّا على السويد خلفًا لكارلوس الثالث عشر، اعتقادًا من ممثِّلي الأمة السويدية أنهم إنما ينزلون عند رغائب نابوليون في ذلك. قال نابوليون: «لقد انتُخب برنادوت لأن امرأته كانت شقيقة امرأة أخي جوزيف الذي كان ملكًا على مدريد. أما برنادوت، الذي كان يتظاهر باستقلال تامٍّ قبل انتخابه، فقد جاء إليَّ يأخذ رأيي قائلًا. إنه لا يرضى إلَّا إذا رضيت أنا. ولكني أجبته أنني لا أعرف أن أقف في سبيل انتخابات شعوب أخرى. هذا ما قلته لبرنادوت الذي كانت سيماؤه، تخون على وجهه الحزن الذي ولَّده جوابي، الذي توقَّعه طويلًا.»

لم يكن نابوليون ليستطيع أن ينسى أنه كان بينه وبين برنادوت شبه مزاحمة سريَّة، مع أن برنادوت إنما كان إفرنسيًّا وجنديًّا من جنود الجمهورية أبلى بلاءً حسنًا في جميع المواقع التي شهرها الجيش الفرنسي.

١  قصر كائن على تلٍّ من تلال روما.
٢  غريغوريوس السابع أحد مشاهير الخلفاء الرومانيين الذي اشتهر بحملاته على هنريكوس الرابع إمبراطور ألمانيا.
٣  مدينة فرنسية بنى فيها البنديكتان دَيْرًا عظيمًا سنة ٩١٠، كان له نفوذه الكبير في ذلك العهد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠