الفصل السابع عشر

كانت الفئة المفكِّرة في فرنسا تأخذ على نابوليون احتكاره للحرية الأدبيَّة؛ إذ إنه خنق حريَّة الكلام في المجتمعات والصحف وعلى المنابر حتى قال عنه بعضُ رجال السياسة الأحرار: إنه كدَّر ضياء مشعله في الحياة وأثقل إكليله المُفعَم بالمجد بشبح الجلَّاد الظالم.١ إننا وإن كنَّا مُعجَبِين بالقائد الأعظم الذي ملك أعنَّة الأمم بحبِّه كما ملكها بسيفه، إلَّا أننا نقف وقفة الدهشة والاستغراب أمام ذلك الضعف الذي أظهره بكمِّ فم رجال القلم والمنبر. إننا نحترم فوق كلِّ شيء حقَّ الصحافة التي هي أولى السلطات المهذِّبة، وسلطانة الوقت الحاضر الحقيقية، والممثلة الخالدة للحكمة العلياء؛ فإنها إنما هي التي دارجت القنصل بونابرت في بدء حياته العسكرية، وهي هي التي أكملت الدفاع عن الثورة الكبرى.

عندما وضع نابوليون يده على زمام السلطة في فرنسا، بدأت الصحافة تشعر بتعب شديد، وأخذت تتلاشى رويدًا رويدًا بعد جهاد عشر سنوات! ثمَّ استحالت إلى أداة في يد كثير من الأحزاب وشرعت تخدم الحكم المُطلَق حتى أتمَّت المقت والاحتقار حول الثورة التي عرفت في الماضي كيف تعزِّزها وتجعلها مُحترَمة.

كان السيد ده شاتوبريان قد انتُخب خلفًا لشينيه في المجمع العلمي الفرنسي، وكانت العادة، كما هي اليوم، أن يُطْرِي الخلف السلف؛ فحاول شاتوبريان أن يحرِّر نفسه من نِير التقاليد، ولم يخشَ أن يتخذ دورًا ثوريًّا في قلب المجمع العلمي، فيتكلَّم ضدَّ الثورة الفرنسية وينزل باللائمة على الشاعر الوطني شينيه الذي أعطى فرنسا «نشيد الرحيل». إلَّا أن خطابه هذا لم ينجُ من المراقبة ومُنِع، ولما علم به نابوليون طلب في الحال أن يطَّلع عليه بنفسه، ثم إنه عندما رأى بأيَّة كبرياء وأي عنف حاول مؤلف «أتالا»، الذي لم يكن بعد قد بلغ أَوْج عظمته، أن يتحيَّف من الحاضر ويُطْرِي الماضي غضب غضبًا شديدًا، وفاجأ شاتوبريان في حلقةٍ من القوم وقال له: «أهو أنت الذي نهى بطعن كهذا؟ منذ كم يُجِيز المجمع العلمي لنفسه أن يكون جمعيَّة سياسيَّة؟ ألا فلْيَنْظِمْ أشعارًا ولْيبحث في أغلاط اللغة، ولا يخرج عن دائرة الفنون أو أعرف كيف أُعِيده إليها. أكان للسيد شاتوبريان سوء طويَّة أم كان مختلَّ الشعور، فعلى الحالين لا ينجو من عقوبات أليمة! إنني أعتبرك مُجرِمًا؛ إذ إنك لترمي إلى إقلاق الراحة والتشويش والفوضى والمذابح … أقتلةٌ نحن أم ماذا؟ وهل أنا مُختلِس؟ إنني لم أُسقِط أحدًا عن عرشه، فلقد رفعت التاج من الحمأ ووضعه الشعب على رأسي! فلنحترم مشيئة الشعب!

إن بحث المسائل الحديثة وتحليلها في الظروف الحاضرة إنما هما خلق مشاكل جديدة وإيجاد عداوة تقف في سبيل الراحة العمومية. ماذا؟ وهل ضاعت جهودي وثمار اهتمامي وعنايتي؟ فماذا يحلُّ بكم إذن إذا دارت الدائرة غدًا وفقدتموني؟ إنكم لتذبحون بعضكم بعضًا وتصبح الفوضى شرًّا مما كانت عليه في الماضي! مسكينة أنت يا فرنسا! كم أنتِ بحاجة بعدُ إلى وصيٍّ!»

في التاسع عشر من شهر آذار عام ١٨١١ بدأت الإمبراطورة ماري لويز تشعر بأوجاع الولادة، فخِيف بادئ ذي بدء من نفاس خطر، وسأل ديبوس الشهير، الذي رأى أنه لا بدَّ من عملية جراحية صعبة، ماذا يجب أن يعمل إذا اضطُرَّ إلى الوقوف أمام إنقاذ الأمِّ أو إنقاذ الولد؟ فأجاب الإمبراطور بحدة: «لا تهتمَّ بسوى الأم!» إذ إنَّ ميول الرجل كانت قد انتصرت في قلبه على مصالح الأمير في تلك الساعة العصيبة. في اليوم العشرين منه، الساعة التاسعة صباحًا، زال قلق نابوليون وتحقَّقت آماله لأن ماري لويز وضعت ولدًا ذكرًا أخذه الإمبراطور بين ذراعيه في الحال وأراه إلى ضبَّاط قصره صارخًا في سكرة من سكرات الفرح: «هذا ملك روما!»

وقصف دويُّ المدفع في العاصمة مُعلِنًا عن الحادث السعيد الذي حقَّق أمنيات الإمبراطور، ثم جرت احتفالات وأعياد في جميع أنحاء فرنسا وأنحاء المدن التي استولى عليها الجيش الفرنسي كنابولي وميلان وسواهما. وفي التاسع من شهر حزيران احتفل بعماد ملك روما، في كاتدرائية نوتردام، فخفَّت باريس بأسرها إلى ملاقاة الإمبراطور؛ لأن الشعب أراد أن يتصفَّح بنفسه على جبين بطله المشرق غبطة الأب في الإمبراطور، وأن يُظهِر له تعلُّقه به وحبه إيَّاه. وكانت الشمس جميلة والسماء صافية الأديم؛ ما جعل القوم المتحمِّس يقول: «إن السماء لتخدمه في كلِّ حين!» كان عماد الولد على يد الكردينال فيش، فأُعْطِي أسماء نابوليون: فرانسوا – شارل – جوزيف. قال السيد ده بوريين: «لقد حيَّا الحماس العمومي مجيء ملك روما إلى العالم؛ فما من ولدٍ أبْصَرَ النور مُحاطًا بمثل هذا الإكليل الباهر من المجد!»

كان البابا في سافون كما تقدَّم، وكان دائمًا مصرًّا على عزمه الأوَّل، فرأى الإمبراطور أنه قريب الجوار إلى روما أو مُعرَّض لإنقاذ الإنكليز إيَّاه، فأمر بنقله إلى فونتينبلو. إلَّا أن نابوليون، مع قساوته لبيوس السابع، لم يكن لينسى ما عليه من واجب الاعتناء بأسيره العظيم فأرسل إليه دينون ليخفِّف عنه أثقال المنفى؛ وما هي إلَّا بعض أيام حتى أخذ بيوس السابع يشعر بحبه واحترامه للعالم دينون، لِمَا عرف فيه من سعة الاطلاع وحلو الحديث، فكان يطرح عليه من وقت إلى آخر أسئلة تتعلَّق بحملة مصر ورغب أن يطَّلع على الكتاب الذي ألَّفه عن آثار هذه البلاد. أما دينون، الذي كان يتذكَّر أن كتابه يحتوي على بعض صفحات أرثوذكسية لا تتَّفق ومبدأ الكتاب المُقدَّس في ما يتعلَّق بعمر العالم، فقد خَشِي بادئ ذي بدء أن يجرح قداسته ما في الكتاب من المسائل العلمية التي تُخالِف سفر التكوين، إلَّا أن البابا لم يقف عند هذا التبايُن بين النظرية العلمية والمبدأ المُوحَى، ولما تبيَّن له أن دينون يجتهد في إخفائه عنه أخذ يطمئنه بقوله: «لا فرق عندي يا بنيَّ، فكلُّ هذا غريب مُدهِش؛ والحق أقول لك إنني كنتُ أجهل ذلك.» عند هذا أطلعه العالِم الفرنسي أن قداسته قد حرَّمت في ذلك الوقت الكتاب الذي يمدحه وحرَّمت مؤلِّفه معه. فقال له البابا: «محروم أنت يا بني؟ حرمتك؟ إنني لشديد الأسف على ذلك، ولكنني أؤكد لك إني لم أشكَّ في ذلك قطُّ.»

في تلك الأثناء كانت الحرب مُشتعِلة في قلب إسبانيا بين الجيش الفرنسي والجيش الإنكلوإسباني، وكان المرشال سول القائد العام للجيش الفرنسي، فنادى إليه فيكتور ومورتيه وسبستياني ومشى توًّا إلى العدوِّ فدَحَره حتى أوكانيا حيث تلاشى الجيش الإسباني عام ١٨٠٩؛ وكان الوقت قد حان لإلقاء الضربة القاضية على التمرُّد الإسباني والوساطة الإنكليزية، فجرَّد الإمبراطور ثلاثمائة ألف جندي جعلهم تحت قيادة الملك جوزيف. إلَّا أن الذي زحف بهم إنما كان بالحقيقة القائد العام المرشال سول، الذي بالرغم من المقاومة الشديدة التي قام بها الإسبانيُّون، تمكَّن من الاستيلاء على غرناطة، وسفيل، وملاغه، ومورسي، وأوليفنزا، وباداجوز.

بينما كان سول يطارد بقايا الجيش الإسباني في الأندلس فيحاصر المراكز ويستولي عليها، كان ماسينا، الذي جاء إلى إسبانيا تحفُّ به أكاليل المجد التي ربحها في أسلنغ، يغزو البورتغال ويزحف إلى ليسبون، إلَّا أنه كان مُتَّكلًا على مساعدة جيش الأندلس. سوى أن هذه المساعدة لم تحقِّق أمانيه لأن سول، الذي أوقفه الجيش الإنكلوإسباني للجزيرة وجبل طارق، ذلك الجيش الذي كان يغزو الأندلس والمقاطعات الشرقية لم يستطع أن يجرِّد فرقة واحدة من جيشه ليتبعها بجيش البورتغال، فبقي ماسينا متنحِّيًا لا يقدر أن يقاوِم ويللنكتون حتى اضطر أن يعود إلى إسبانيا، كان تقهقُر ماسينا فظيعًا؛ فإن ويللنكتون أخذ يطارد الجيش الفرنسي في الأراضي الإسبانية حتى تمكَّن من الاستيلاء على أوليفنزا ومحاصرة باداجوز. عند هذا انتعشت آمال التمرُّد وقويت عزائم أعداء الفرنسيين لدى ظهور ويللنكتون، إلَّا أن سول أسرع فهاجم برسفورد في البويرا مهاجمةً شديدة، واتَّجه إلى أقدام الجبال ينتظر المَدَد لينقذ باداجوز، ولكنَّ حركات بلاك وبللستيروس أرجعته إلى سيفيل.

أمَّا ويللنكتون، فلمَّا انعتق من مراقبة سول، حاصر باداجوز واستولى عليها في السادس من شهر نيسان سنة ١٨١٢، فأسرع سول لَدُن عَلِم بذلك لينقذها ولكنَّه لم يصل إلَّا في اليوم التالي للاستيلاء، ورفض المنتصر الحرب التي عرضها عليه القائد الفرنسي؛ لأنه لم يكن يريد أن يعرِّض نفسه لخسارة فتحِه الحديث.

عاد سول إلى سيفيل حيث انصرف إلى تسكين الأندلس، إلَّا أن الإنكلوإسبانيين بقُوا متابعين فوزهم؛ فإنهم زحفوا من الاستريمادور إلى المانش فقاتلوا جيش الوسط، واحتلُّوا مدريد، وأرغموا الملك جوزيف أن ينتقل إلى بلنسيا حيث يصبح تحت حماية سوشه. منذ ذلك الحين أصبح احتلال الأندلس مُستحِيلًا فتقهقر المرشال سول نحو غرناطة ومورسي، ثم انضمَّ إلى جيش الوسط ليأخذ مرَّة أخرى طريق مدريد ويعدَّ العدة للاستيلاء على هذه العاصمة.

كان إسكندر روسيا قد انقطع منذ زمن طويل عن اعتبار صداقة نابوليون كفضل من فضل الآلهة، ولم يبقَ في روح هذا القيصر من ذكريات أرفورث إلَّا المقت والموجدة اللذان تَلِدهما في غالب الأحيان عاطفةٌ منطفئة أو أملٌ مخدوع؛ فبالرغم من أن أوروبا البرية كانت تبدو لعينيه قويَّةً قادرة على مواصلة الحرب التي شهرتها المبادئ على الثورة الفرنسيَّة الممثَّلة في شخص نابوليون، لم يجد رادِعًا يردعه عن الإصغاء إلى تحريض الوزارة الإنكليزية له للوقوف في وجه فرنسا. منذ ذلك الحين أصبح الشعب الروسي إنكليزيًّا في قلب روسيا؛ لأن فرنسا كانت رفضت بفم نابوليون أن تضعف وتلاشي بولونيا، وتسمح للأطماع الروسية باجتياز الدانوب وتمهيد مركزٍ لها على أبواب القسطنطينية. هذا من جهة، وأما من جهة أخرى؛ فإن اختيار نابوليون زوجةً له من الأسرة النمسوية، إنما كان من أشدِّ العوامل التي دفعت إمبراطور روسيا إلى الانسحاب من سياسة نابوليون.

إلَّا أن نابوليون، الذي كان يرغب دائمًا في أن يُلقِي على أخصامه مسئولية الحروب، لم يشأ أن يدخل إلى المعمعة ضدَّ صديقه في أرفورث، من غير أن يسعى في بادئ الأمر لإيجاد طريقة للصلح تتوقف عليها راحة أوروبا وطمأنينتها، فكتب إلى إسكندر روسيا يقول: «إن هذا العمل إنما هو تَكرار ما رأيته في روسيا سنة ١٨٠٦ وفي فيينا سنة ١٨٠٩. أمَّا من جهتي فسأبقى صديق جلالتك ولو اضطرَّ الشؤم الذي يستولي على أوروبا أن يضع السلاح في أيدي شعبَيْنا. إنني لن أهاجم في الأول ولن تزحف كتائبي إلَّا بعد أن تمزِّق جلالتك معاهدة تلسيت.»

إن هذه اللهجة المُلطَّفة خيَّلت للإمبراطور إسكندر أن نابوليون يخشى شقاقًا علنيًّا، وأنه ليس مستعدًّا للحرب؛ والذي زاده رسوخًا في ظنِّه هذا هو التعليمات التي كان يتلقَّاها رومانزوف من باريس، والتي تُمثِّل إمبراطور الفرنسيين مستعدًّا للقيام بتضحياتٍ كبيرة ليتجنَّب معركة جديدة في البر. قال المداول الروسي السيد ده رومانزوف: «كانت الفرصة سانحة، وكان من الواجب أن نستفيد منها.»

قبل أن يغادر نابوليون باريس ويُعلِن لفرنسا أن القَسَم الذي أُعطِي في أرفورث لم يكن إلَّا لعبة أمراء، وأن إسكندر يضطره إلى إعادة الحرب في شمالي أوروبا، أشار إلى فِرَق الإمبراطورة الكبيرة أن تتأهَّب تأهُّبات مُختلِفة للقيام بالحملة العظيمة التي يعدُّها، والحرب البعيدة التي ستدوي عن قرب.

في الثالث والعشرين من شهر كانون الأول سنة ١٨١١ صدر مرسومٌ يضع تحت تصرُّف وزير الحربية مائة وعشرين ألف رجل. وفي الثالث عشر من شهر آذار التالي صدر مرسومٌ جديد بتنظيم الحرس الوطني وتقسيمه إلى ثلاث فرق؛ وفي السادس عشر منه تألَّف من الفرقة الأولى المحتوية على ستين ألف رجل الجيشُ الداخلي الذي عُهِد إليه بالمدافعة عن الحدود.

غادر نابوليون باريس تصحبه الإمبراطورة في التاسع من شهر أيار ١٨١٢ فاجتاز متز بسرعة، فمايانس وفرانكفور، ووصل إلى دريسد في السابع عشر منه، فشغل هناك غرف القصر الكبيرة.

كان نابوليون ينهض من فراشه في الساعة التاسعة صباحًا، كعادته، فتخفُّ إليه فئة من الأمراء بينهم إمبراطور النمسا وملك بروسيا ووزيرهما مترنيك وهردنبرج الذين كانوا ينتظرون ظهوره مع سائر الندماء.

لا تسل عن فرح إمبراطور النمسا الذي عانق صِهْره معانقةً ملؤها الحب، وقال له إنه يستطيع أن يتَّكل على النمسا في انتصار المبدأ العام، وحذا ملك بروسيا حَذْوَه فأكَّد لنابوليون صِدْق العلاقة الحميمة التي تجمعهما على مبدأ واحد.

لم تطُلْ إقامة نابوليون في دريسد فإنه لم يفتأ أن اتجه إلى شواطئ النييمن مارًّا ببراغ حيث انفصل عن ماري لويز. وقبل أن يدخل في الموقعة زار كنيكسبرج ودانتزيك، وكان معه مورات وبرتيه.

في الحادي عشر من شهر حزيران ترك الإمبراطور دانتزيك، وأخذ طريق كنيكسبرج التي وصلها في اليوم التالي بعد أن استعرض في طريقه فرقة دافو، إلَّا أنه قبل أن يُعطِي إشارة العداء، أراد مرة أخرى أن يسعى لإيجاد الوفاق بينه وبين الإسكندر، فعهد إلى معاونه القائد لوريستيون بأن يجتهد للوصول إلى القيصر نفسه ويعبِّر له عن رغبته الشديدة في التفاهُم مع صديقه في تلسيت وأرفورث، ولكن لوريستون لم يستطع أن يصل لا إلى الإسكندر ولا إلى وزرائه. فلما انتهى إلى نابوليون أنَّ معاونه قد أُهِين لم يتردَّد بأن أعطى إشارة للتقدُّم إلى الأمام وعبور النييمن. قال: «إن المقهورين يتَّخذون لهجةَ القاهرين، فلا ريب أن القضاء قد استولى عليهم فدفعهم إلى ذلك، ألا فلْتَتِمَّ مشيئة القدر!» ونشر هذا النداء التالي المؤرَّخ عن معسكر ويلكورسكي:

أيها الجنود

لقد بدأت حرب بولونيا الثانية، أمَّا الأولى فقد انتهت في فرييدلان وتلسيت؛ في تلسيت، أقسمت روسيا لفرنسا على اتحاد دائم معها وعداوة لإنكلترا. وهي تحنث اليوم بقَسَمها.

إن روسيا تسير مع القضاء! ويجب على مُقدَّراتها أن تتمَّ. ماذا؟ أتظنُّنا قد قلقنا؟ ألم نبقَ جنود أوسترلتز؟ إنها لتوقفنا بين العار والحرب، إذن فلنزحف إلى الأمام! ولنعبر النييمن ونحمل الحرب إلى حدودها. ستكون حرب بولونيا الثانية مجيدة للجيش الفرنسي كما كانت الأولى، إلَّا أن الصلح الذي سنعقده إنَّما سيحمل الضمان المؤكَّد ويضع حدًّا لذلك التأثير المُتعجرِف الذي راضته روسيا منذ خمسين سنة في مسائل أوروبا.

كان الجيش الفرنسي المؤلَّف من ثلاثمائة ألف رجل مقسَّمًا إلى ثلاث عشرة فرقة مع استثناء الحرس. فعُهِدت الفرقة الأولى إلى دافو، والثانية إلى أودينو، والثالثة إلى ناي، والرابعة إلى الأمير أوجين، والخامسة إلى بونياتووسكي، والسادسة إلى كوفيون سن سير، والسابعة إلى رينيه، والثامنة إلى جيروم نابوليون ملك وستفالي، والتاسعة إلى فيكتور، والعاشرة إلى ماكدونلد، والحادية عشرة إلى أوجرو، والثانية عشرة إلى مورات، والثالثة عشرة إلى أمير شوارتزنبرج، أمَّا فِرَق الحرس المُختلِفة فقد عُهِدت قيادتها إلى ثلاثة مرشالية هم: لوفيفر، ومورتيه وباسيير.

عندما اقترب هذا الجيش الهائل أخذ الروسيُّون بالتقهقُر تاركين خط النييمن ليتجهوا إلى شواطئ الدنيبر والدوينا. أمَّا نابوليون فتبعهم عن كَثَب. في الثالث والعشرين من شهر حزيران، الساعة الثانية صباحًا، وصل الإمبراطور إلى نواحي كوونو فتنكَّر بقبعة وسترة بولونيَّتين تمكَّن بهما أن يطوف شواطئ النييمن لاكتشاف المكان الأنسب لمرور الكتائب؛ وكان الجنرال هاكسو يرافقه وحده في هذا الطواف. فلمَّا لاحظ نابوليون أن النهر قد عمل دائرة بالقرب من قرية بونييمن عيَّن هذه النقطة ليمرَّ على الشاطئ الآخر، وفي مساء اليوم نفسه تحرَّك الجيش، وما هي إلَّا ساعتان من الزمن حتى بنى الجنرال أبله ثلاثة جسور عَبَرَ عليها الجيش طوال الليل؛ ولما انبثق الفجر كان الجيش الفرنسي قد مهَّد له مكانًا على مسافة من النهر.

في السابع والعشرين منه وصل الإمبراطور إلى تحت أسوار ويلنا، وفي صباح اليوم التالي أخذ يستعد لهجومٍ عظيم. سوى أن الروسيين، بعد أن أطلقوا بعض المدافع ونسفُوا جسر فيليا وأحرقوا المئونة التي معهم، تراجعوا بسرعة لدى دنوِّ الجيش الفرنسي، وكان الإسكندر هو الذي أعطى إشارة التقهقُر هذه. وفي الثامن والعشرين منه دخل نابوليون إلى ويلنا يحيط به البولونيون، الذين يقودهم الأمير رادزيويل، فاستقبله هتاف الشعب الذي كان ينظر إليه كمُنْقِذه الوحيد.

أول ما قام به نابوليون عندما استولى على عاصمة ليتواني هو إعطاء هذه المقاطعة حكومة موقوتة مسلِّمًا زمامها إلى بينون الذي اشتهر بعد ذلك بكتابته «وصية نابوليون» و«القضاء الوطني» و«تاريخ المداولة الفرنسية». لا تسل عن التأثير الحسن الذي سبَّبه في ليتواني عبور الجيش الفرنسي نهر النييمن؛ فإن الشعب البولوني اهتزَّ طربًا في جميع الجهات، ورُفِع النسر الأبيض على جميع المراكز، وقام جميع الكهنة والأشراف والفلَّاحين والنساء يطلبون استقلال أمتهم.

لم يكن هيِّنًا ذلك الهتاف العظيم للكتائب الفرنسية الذي هتفته الشعوب التي سيعبر الفرنسيون أراضيها للوصول إلى الروسيين.

كان معسكر الإمبراطور العام في ويلنا، إلَّا أن الجيش الفرنسي إنما كان يواصل زحفه المنتصر على جميع النقاط، فخشي الإسكندر سوء العاقبة فأرسل معاونه الجنرال بالاشوف إلى نابوليون مُتظاهِرًا برغبته في فتْح مفاوضات للصلْح، فاستقبل نابوليون رسول الإسكندر بكلِّ حفاوة وإكرام وأظهر له أسَفَه الشديد على الشقاق الذي حاول طويلًا أن يتلافاه. فأجابه القائد الروسي على حفاوته هذه قائلًا له: «إن الإمبراطور إسكندر مستعدٌّ للدخول في المبدأ البري إذا ارتدَّ الفرنسيون عن النييمن وتخلَّوا عن الأرض الروسية.» ففكَّر نابوليون قليلًا ثم أجاب الرسول: «إذن فلنعقد الصلح حالًا، في ويلنا نفسها، وعندما تُمضَى المعاهدة أرتد عن النييمن.»٢

إلَّا أن الأمر الذي جاء بالاشوف من أجله لم يكن لهذه الغاية، فصرَّح أنه يريد قبل كلِّ شيء أن يحصل التخلِّي السريع عن الأرض الروسية، فصرخ نابوليون قائلًا: «أعبارات صلح هذه؟ أهكذا نهجنا في تلسيت؟ إن هؤلاء القوم لا يريدون سوى بعض أيام راحة، ولا يفكِّرون في سوى إنقاذ باغراسيون. إذن فلنكمل ما بدأنا به حتى نضطر إمبراطورهم أن يرجع إليَّ.»

ترك الإمبراطور ويلنا في السادس عشر من شهر تمُّوز وفي عزمه أن يدخل روسيا القديمة بوضعه الوسط بين الدوينا والبوريستين، ثمَّ قرَّر أن يزحف ووجهته ويتبسك وسمولنسك متجنِّبًا مطاردة بركلاي الهارب إلى بطرسبورج، وتاركًا لدافو وجيروم وشارتزنبرج الاهتمام بمنع باغراسيون من بلوغ معسكر دريسا حيث كان الإسكندر ينتظره، إلَّا أنه لم يُظهِر الغاية من هذه الخطة لأحد من جميع هؤلاء القوَّاد بل آثر أن تبقى سرًّا لا يطَّلع عليه سواه حتى تكشفه النار في ساحة الحرب، إلَّا أن هذا الموقف ترك فراغًا لتأويلات عديدة؛ فإن كلًّا من هؤلاء القوَّاد كان يحاول أن يحزر خُطَّة الإمبراطور، سوى أن الإمبراطور كان واثقًا من صحَّة خطَّته وانتصارها فلم يعبأ بموقف القوَّاد؛ ولكن، واحسرتاه، لم يكن جميع قوَّاده عند السرعة في التنفيذ كما خُيِّل إليه في بادئ الأمر؛ فإنَّ شقيقه جيروم الذي عُهِد إليه بمطاردة باغراسيون ترك للجنرال الروسي على ما جاء في مذكِّرة سنة ١٨١٢ ثلاثة أيام متوالية استراح خلالها من أتعابه في نيسويغ في حين أن نابوليون كان قد كتب لأخيه بإلحاح شديد يحثُّه لدفع فرقته إلى الأمام. فلما جرى هذا الحادث اغتاظ الإمبراطور ووضع شقيقه جيروم تحت أوامر دافو؛ إلَّا أن جيروم رأى أنَّ لقبه الملكي لا يسمح له بقبول ذلك فانسحب من الجيش وكتب إلى الملكة ما يلي: «بعد أن طاردتُ باغراسيون وطردته من أمامي ألقيته على أمير أكموهل؛ أما اليوم فقد استلمت من أمير أكموهل كتابًا يقول لي فيه إنني أصبحت تحت أمره … أنتِ تعرفين أنني لا أستطيع أن أعتبر هذا إلَّا أمرًا من الإمبراطور، إذن فأنا أنسحب من قيادة الجناح الأيمن.» فدوَّنت الملكة هذا الكتاب في مذكِّراتها اليومية وأضافت إليه هذه الملحوظات: «مهما كان تصرُّف الإمبراطور ظالمًا تجاه الملك فقد كان عليه أن يرضخ للظروف؛ إذ إنه ما من فائدة في معاندة الإمبراطور.»

فاز الفرنسيون في المعركة الأولى فوزًا باهرًا، وكان هذا الفوز عائدًا إلى وصول كتيبة دلزون التي قهرت المشاة الروسيين الذين هاجمتهم خيالة ملك نابولي من غير فائدة. وفي اليوم الثاني ظهر الجيش الروسي الذي جاءه مددٌ في الليل مستعدًّا لإعادة القتال؛ وكان الفرنسيون أيضًا على استعداد تامٍّ؛ إذ إن الأمير أوجين انضمَّ إلى مورات فتضاعف عددُ الجنود.

كان الروسيون يشغلون مركزًا خطيرًا لا يطردهم منه إلَّا مجموع شجاعة الجند الفرنسي؛ إذ إنهم إنما كانوا على مرتفع وادٍ عميق يقوم على يساره غابٌ كثيف وعلى يمينه نهر الدوينا، فدافع الروسيون عن أنفسهم دفاعًا جميلًا في بادئ الأمر، فلما رأى القوَّاد الفرنسيون هذه الحركة الناجِحة فهموا أنه لا ينشلهم من الخطر إلَّا شجاعة نادرة وهجوم هائل؛ فأعطى مورات وأوجين المثل وحذا حَذْوَهما جونو ونانسوتي؛ إذ إنهم هجموا جميعُهم في مقدِّمة كتائبهم، وما هي إلا بضع ساعات حتى تزعزع الروسيون من مراكزهم، واندحروا حتى نواحي كومارشي حيث وجدوا غابًا لَجَئوا إليه والتقوا بالجنرال توتشكوف فعضدهم.

كان الجيش الفرنسي ينتظر بفروغ صبر اختراق الحاجز الأخير الذي يؤخر دخوله إلى ويتبسك، إلا أن قوَّاده لم يكونوا ليريدوا التوغُّل من غير حكمة في غابٍ كثيف ملأه الروسيون بعدد من الجنود لا يُحصَى، إذن فبقي مورات وأوجين متردِّدَيْنِ حتى قدم نابوليون، فأشرقت الوجوه بنور من الأمل، وعلا الهتاف من جميع الشفاه، وارتسم الحماس على جميع الوجوه، عند هذا أشار إليهم الإمبراطور بالزحف، وما هو إلَّا وقت قصير حتى كان الجيش في وسط الغاب وانحدر منه إلى إكمات ويتبسك، وفي السابع والعشرين من الشهر، عند مطلع الفجر، والى الجيشُ المُنتصِر زحفَه، إلَّا أن الروسيين الذين تراجعوا بنظام، التقَوا بجيش باركلي فتوقَّفوا وظهرت عليهم دلائل الاستعداد للمعركة.

كانت ساقية لوتشيسا تفصل الجيشين بعضهما عن بعض، وكان جسرٌ صغير ملقًى على منحدر هناك وقد تهدَّم بعضُه فأشار نابوليون إلى الجنرال بروسيه بترميمه لتتمكَّن الكتائب من المرور عليه، ثم اتجه إلى مرتفعٍ فوقَعَ نظره على مائتي جندي من الفرنسيين يحتجبون بين الرجال والخيل ويظهرون مُنتصِرين بعد أن أُحِيطوا بالخيَّالة الروسية من جميع الجهات، فسأل الإمبراطور بحدَّة قائلًا: «لأيَّة فرقة ينتمي هؤلاء البُسَلاء؟» ثم أرسل أحد قواده ليستعلم عن ذلك ويقول لهم باسمه إنهم استحقوا جميعًا وسام الشرف، فكان جواب الجنود: «نحن أبناء باريس!» قالوا ذلك وجعلوا يحرِّكون قبعاتهم على رءوس الحِراب هاتفين: «ليحيَ الإمبراطور!»

على أنه حدث أمر أخَّر الحرب التي انتظرها الإمبراطور طويلًا. فلقد علم باركلاي أن باغراسيون قد أُجبِر على اختيار الدنيبر والانحدار إلى شواطئ السوج فغيَّر عزمه، وترك مُعسكَره تحت جنح الظلام، واتجه إلى ما وراء ويتبسك زاحفًا توًّا إلى برويستين حيث كان يرجو أن يلتقي بباغراسيون. ولمَّا برز النهار دُهِش الفرنسيون؛ إذ إنهم لم يعودوا يرون أمامهم جيشَ العدوِّ الذي كان قبل ساعات يملأ بنيرانه شواطئ لوتشيسا، فاحتلُّوا بسرعة المراكز التي تركها الروسيون ودخلوا من غير مقاومة إلى ويتبسك التي هجرها ساكنوها عندما رأوا باركلاي هاربًا منها.

بقي المعسكر العام أيامًا عديدة في هذه المدينة، انتصر الجيش الفرنسي أثناءها عدة انتصارات، ولكن مداولة فجائية عضدت الروسيين في وسط انكساراتهم، قبل أن تعضدهم الطبيعة بعناصرها؛ إذ إن السلطان محمود عقد الصلح مع القيصر وتداول برنادوت مع أعداء فرنسا. علم الإمبراطور بهذا النبأ في ويتبسك، فقال: «سيدفع الأتراك غاليًا ثمن هذه الهفوة! فهي هفوة ثقيلة إلى درجة أنني ما كنت لأتنبَّأ عنها قط!» غير أن الجيش الفرنسي بقي يتقدَّم من بوريستين ويلج قلب روسيا، وفي الرابع عشر من شهر آب استوطن المعسكر العام في راسَّاسنا على مقربة من سمولنسك، التي كان قد احتلَّها باركلاي وباغراسيون معًا، وفي السابع عشر منه وقعت بين الفريقين معركةٌ هائلة اشتبك فيها مائتا ألف رجل فكان النصر للفرنسيين، فلمَّا رأى الروسيون أنهم يدافعون من غير جدوى أعملوا النار في المدينة وأحرقوا الجسور. وفي الساعة الثانية من الصباح كان المركز خاليًا للفرنسيين بعد أن ترك الأعداء عددًا كبيرًا من الموتى والمُحتضِرين في وسط النيران والخرائب! عند هذا صرف الإمبراطور اهتمامه لإيقاف الحريق وإرسال النجدة إلى المجاريح. قال الجنرال غورغو: «لم يُوجَد بين قوَّاد الأمس واليوم من اهتمَّ بالمجاريح اهتمام نابوليون بهم؛ فإن سكرة المجد لم تقْوَ يومًا على إنسائه إيَّاهم، وما كان فكره بعد كلِّ معركة إلَّا لينصرف إليهم.»

بعد أن طاف نابوليون في خارج المدينة، وتفقَّد المراكز المُحصَّنة التي طرد الروسيين منها، أراد أن يرى بنفسه المركز الجديد الذي استولى عليه العدوُّ ما وراء بوريستين؛ فصعد إلى برج قديم تهدَّمت أكثر جوانبه، وأخذ يفتِّش بعينيه عن معسكري باركلاي وباغراسيون، إلَّا أن هذين القائدين كانا قد تقهقرا؛ الأول على طريق بطرسبورج، والآخر على طريق موسكو، ولكن انتهى إلى نابوليون بعد ذلك أن باركلاي تحوَّل عن الجهة الشمالية وهو يتقدَّم إلى باغراسيون في طريق موسكو، فأمر جيشه بمطاردة العدوِّ مطاردةً شديدة على أمل أن يدركه فيحطِّمه قبل أن يصل إلى عاصمته القديمة، فنفَّذ المرشال ناي هذا الأمر تنفيذًا تامًّا.

كانت هذه الموقعة من أدمى المواقع، فلقد طُرِد الروسيون فيها أربع مرات من مراكزهم، وأربع مرات عادوا فاسترجعوها حتى كسرهم الجنرال غودن شرَّ كسرة، إلَّا أن الحظَّ شاء أن يَقْضِي على حياة هذا القائد الباسل الذي بكاه نابوليون وجميع الجيش ودُفِن في برج كمولنسك.

١  مراجعة المقدمة.
٢  من مذكرة عام ١٨١٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠