الفصل السادس

إن الرجال الصارمين في مبادئهم، الجمهوريِّين العتاة المعتقدين أن القضية الشعبية قد سقطت تحت الحسام والنميمة مع صيغ قوانين عام ٣ الديموقراطية؛ إن هؤلاء الرجال قد اتخذوا انقلاب برومير كجريمة بحقِّ السلطة العظمى. أما كتلة الشعب، وهي الأكثرية بين جميع الأحزاب، تلك الكتلة التي تضمُّ الفئة العاملة والوسطى والتي تعلِّق على رُقِي فرنسا وسكينتها وأمانها الخارجي أهميةً أكبر من التي تعلِّقها على مسألة القوانين الدولية فإنها، مع استثناء عددٍ قليل من الأفكار الجموحة، قد عملت على تبرير بونابرت من تعدِّيات سن كلود التي اعتُبرت اليوم عملًا مُصلِحًا مفيدًا.

قال نابوليون في سنت هيلين: «لقد تناقشوا تناقُشًا نظريًّا وسيتناقشون طويلًا بعدُ في ما إذا كنا لم ننقض القوانين، أو لم نكن مجرمين، إلَّا أن الوطن لولانا لما نجا من الهلاك، وما أنقذه إلَّا نحن، ثم إن الرجال الذين مثَّلوا دورًا في ذلك الانقلاب المشهود لأحرى بهم، بدل أن يلجئوا إلى النكران، أن يسعوا إلى تبرير نفوسهم، أن يحْذُوا حَذْوَ ذلك الروماني فيكتفوا بأن يجيبوا الشاكين بهذه العبارة الفخورة: إننا نعترض بأنَّا أنقذنا بلادنا، فتعالوا معنا نحمد الآلهة.

إنني لقد مثَّلت دوري في ذلك المسرح السياسي بمساعدة المُعتدلِين، وإن ختام الفوضى الفجائي، وعودة النظام، والاتحاد، والقوة، والمجد، إنما كانت جميعها نتيجة ذلك النور.»

لم يجئ بونابرت والحساب في يده ليضع فكرته وإرادته موضع القوانين التي نظمها الشعب والقضاة الذين انتخبهم، إلَّا لأن القوانين والقضاة إنما كانوا عاجزين عن الدفاع عن قضيته ضدَّ أعدائه في داخل فرنسا وخارجها؛ ولأن الحكم المُطلَق كان يُهدِّد البلاد بدفعها إلى أهواء الأحزاب الفوضوية؛ وأخيرًا لأن المهاجرين وتمرُّد النورمنديِّين والفنديِّين والبرتونيِّين الذين يعضدهم حزب ملوك أوروبا كانوا ينازعون بأمل كبير الجاكوبيِّين في شيخوختهم تلك الفتوحات السياسية الكبرى، التي قُيِّض للجاكوبيين وحدهم في عهد فتوَّتهم أن يقدموا عليها فيحقِّقوها ويؤيِّدوها.

لم يَقْدُم نابوليون في سن كلود على خَلْع الشعب عن عرشه، بل إنه أبدل تمثيله وجعله فردًا بعد أن كان جمعًا، ورضي الشعب بذلك هاتفًا لظهوره بينهم بذلك الشكل الموافق.

لم يكد بونابرت يصل إلى ذلك المركز العظيم حتى قُدِّر له أن يتملَّص من سياييس الذي ترك نفسه ينهمك بإمهار وطني، وأُتِيح له أيضًا أن يعزل روجرديكو الذي وجد لنفسه ملجأً في مجلس الشيوخ، واتخذ له رفيقين جديدين هما لوبرون وكمباسيريس.

كانت أولى أعمال القنصلية أعمالًا إصلاحية. فإن قانون الرهائن والقرض الجبري أبطل، ناب التساهل عن الاضطهاد، وسمحت الفلسفة المتربِّعة على قمة السلطة أن يسترجع المؤمنون كهَنَتَهم ويرفعوا معابدهم، وعاد المهاجرون والمضطهدون جميعهم إلى وطنهم، وقدِّر لكارنو أن ينتقل من المَنْفَى إلى جمعية العلماء فالوزارة.

بقي بونابرت في عهد حكمه الأول، في حين كان لا يزال ساكنًا في لوكسانبرج، مُحتفِظًا بذوقه البسيط وعاداته الفطرية التي لم تستطع ساحات الحروب أن تُفْقِده إياها. كان زاهدًا في الأكل، إلَّا أنه كان يشعر بأنه سيصبح أكولًا كبيرًا ويزول سقمه ليحل محله السمن. ربما كان للاستحمام بالماء الساخن الذي كان يستعمله كثيرًا تأثيره على هذا التغيير الأخير. أما النوم فلم يكن يأخذ منه غير سبع ساعات في اليوم، وكان يُوصِي دائمًا بأن لا يوقظه أحدٌ إلَّا إذا كان هناك أمرٌ مُكدِّر، قال: «إذا كان هناك أمرٌ مُفرِح فلا حاجة للعجلة، وأمَّا إذا كان الأمر مُكدِّرًا فيجب أن لا تضيع دقيقة واحدة.»

كان يستقبل جميع كبراء العصر، بالرغم من الحياة المدنية المُتوسِّطة التي كان يسلكها في قصره القنصلي، وكانت جوزيفين تقوم بالواجبات التشريفية بظرافة سيدة كبيرة مِن سيِّدت تلك المجتمعات الفرنسية القديمة.

كان القنصل الأول كثيرًا ما يُرى مُستغرِقًا في تأمُّلاته وأحلامه فلا يشترك إلَّا نادرًا بالمطارحات اللطيفة في تلك الحلقة اللامعة التي بدأت تتألَّف في قصره إلَّا أنه كان أحيانًا ينفض عنه ثوب التفكير فيبرهن بعذوبة عباراته، وطلاقة لسانه، وجاذبية بيانه أنه لا ينقصه ليكون رجلًا لطيفًا، قريبًا من القلب إلَّا أن يريد. ولكن كان يريد ذلك نادرًا؛ ما جعل النساء يأسفن لهذا النقص في الإرادة، وكان بونابرت مع حدَّة مزاجه وسرعة غضبه يُخْفِي نَفْسًا تتدلَّف بسرعة إلى أرق العواطف وأعذب التأثيرات؛ فبقدر ما هو عبوس وصارم غضوب وفظ، لا يعرف الرحمةَ قلبُه في مشاغله السياسية، وبقدر ما هو وديع وألوف حنون وساذج في العلائق الوديَّة في حياته الساكنة. وبرهانًا على ما سردناه الآن من صفات قلبه ننقُل فقرةً من كتابٍ أرسله في عام ٢ إلى أخيه جوزيف، قال: «إنك تعرف جيدًا يا صديقي في أيِّ موقف كنت. إنك لا تستطيع أن تقع على مُحبٍّ أخلص منِّي يتمنَّى لك سعادة أكثر من السعادة التي أتمنَّاها لك …

إن الحياة إنما هي حلمٌ خفيف يتبدَّد بسرعة، فإذا كنتَ عازمًا على السفر وتعتقد أن سفرك يطول فأرسل إليَّ رسمك. إننا عشنا سنوات عديدة جنبًا إلى جنب، حتى إن قلبينا اتَّحدا معًا فأصبحا قلبًا واحدًا. إني أشعر وأنا أكتب إليك بعاطفة لم أشعر بمثلها من قبل، ويُخيَّل إليَّ أن فراقنا سيطول، وأُحسُّ أني لا أقوى على إنجاز رسالتي …»

كان نابوليون يقول، وهو مُنهمِك في أشغاله السياسية، إنه لا يحبُّ أحدًا؛ ذلك لأنه لم يكن مُنحازًا بعاطفة لكائن مَن كان، إلَّا أنه إنما كان يترك الطبيعة تستعيد حقوقها في خارج السياسة، ولقد رُئِي يلطف غبطة النصر وسكرته في ساحات الحروب نفسها، بالرجوع إلى عواطفَ كان من حقِّ المهنة الحربية أن تخنقها. ذات يوم، بعد موقعة هائلة من مواقع إيطاليا، كان مارًّا مع معسكره بين القتلى والمجاريح، فأبصر فجأةً كلبًا ينوح بالقرب من جثَّة جندي نمسوي، فقال نابوليون لجنوده: «انظروا أيها الأسياد، فهذا الكلب يعطينا مثلًا في الإنسانية.» ولكن، مهما كانت العاطفات التي تمكَّنت من نفس بونابرت والتي هي أساس الفضائل والسعادة، ومهما كان الجزاء الذي علَّقه على تلك السعادة؛ فإنه مدينٌ بتضحيته لمجد الشعب الذي جعل نفسه ممثِّله الوحيد، وإننا لنكرر قولنا: إنه، بالرغم من أن التنظيم الجديد قد عهد بالسلطة التنفيذية إلى ثلاثة قناصل فإن الجميع يُدرِكون أن الحاكم إنما هو واحد لا غير، وأن كمباسيريس ولوبرون إنما هما أقرب إلى شاهدَيْنِ منهما إلى رفيقين لِبونابرت، كان من حقِّ القنصل الأول أن يقوم بأيِّ عمل كان، وكان تالليران قد شعر بذلك قبلًا، فعندما رُقِّي إلى منصب وزيرٍ للأشغال الخارجية قال له: «أيها القنصل المواطن، لقد عهدتَ إليَّ بوزارة الأشغال الخارجية وسأحقِّق ثقتك، إلَّا أني أعتقد أنه من الواجب عليَّ أن أصرِّح لك من الآن بأنِّي لا أريد أن أعمل إلَّا معك، ليس هناك تشامُخٌ باطلٌ مني، فأنا أكلمك لفائدة فرنسا، فلكي يكون حكمها عادلًا، لكي يكون العمل مُوحَّدًا، يجب أن تكون القنصل الأول، وأن يكون في يد القنصل الأوَّل كلُّ ما من شأنه أن يتعلَّق رأسًا بالسياسة، يعني وزارتَي الداخلية، والشرطة للأشغال الداخلية، ووزارتي للأشغال الخارجية، وبعد ذلك الوسيلتان الكبريان للتنفيذ؛ الحربية والبحرية. ويجب إذن أن تعمل هذه الوزارات الخمس معك وحدك. أمَّا إذا شئت، يا حضرة القائد، أن أقول فإنِّي أضيف أنه يصلح أن يُعطَى القنصل الثاني حقَّ وضع يده على العدلية، وأن يُعطَى الثالث حقَّ وضع يده على المالية؛ عند ذلك يُتاح لك، يا حضرة القائد، أن تصل إلى الغاية النبيلة التي تقصدها وهي تجديد فرنسا.»

وبعد أن خرج الوزير من عنده التفت بونابرت إلى كاتِم أسراره قائلًا له: «أتعرف أن تالليران حسن الرأي؟ إنَّه لرجل كبير الإحساس … ولقد أثَّر بي، وإني لأرغب في عمل ما نصحني به، لقد أصاب في قوله: إن من يمشي وحده يمشي بسرعة. إن لوبرون رجلٌ شريف ولكنه لا يحمل سياسة في رأسه؛ فهو يُجِيد تأليف الكتب. وكمباسيريس مفعمٌ رأسه بسنن الثورة. فيجب أن يكون حكمي حكمًا جديدًا.»

كان يجب أن يفهم الجميع هذا الخُلقَ المجدد؛ لأن أصدقاء الثورة من جهة كانوا يهتفون بصوت واحد للحكومة القنصلية بالرغم من أنها شُيِّدت على أنقاض نظام عام ٣ الجمهوري؛ ولأن الشعب المائل إلى القاعدة القديمة كان يرفض اتحاده بالسلطة الجديدة بالرغم من أنها وَسَمَتِ استقرارها بسِمَة الحكمة والإصلاح.

خشي القنصل الأول أن يُضرِم هذا الإصرارُ الحربَ الأهلية في الجهة الغربية؛ فوجَّه أولًا إلى سكَّان تلك الجهات نداءً لِيحذِّرهم من تحريض عملاء إنكلترا. فصادفت هذه التنبيهات المدعومة بجيش مؤلَّف من ستين ألف رجل نتائج حسنة واستدركت انفجارًا عموميًّا. على أن الزعماء الملكيين الراسخين في استمرارهم وحُجَجهم الشخصية وتنشيط المداولة الأوروبية بقُوا مستعدِّين على إعادة القتال. أما بونابرت الذي لم يكن يستطيع أن يتخذ من هذا القبيل لهجةَ عدمِ التعصب التي اتخذها في كلِّ خُطَبِه، فقد وصف بحماسته المعهودة المُعانِدين الذين حرَّكوا التمرُّد الملكي، وذلك في منشورٍ أذاعه فيهم وقفهم فيه لاحتقار الأمة وانتقام الجيش. ففهم الملكيون أن وقت الحروب الأهلية قد فات، وأنه لم يبقَ سبيل لشهر الوقائع ضدَّ مُمثِّل الثورة الجديد فاضطروا أن يُذْعِنوا إلى إغلاق تاريخ الفانده.

إن التضييق على أعداء الجمهورية المعاندين أو مُعاقَبتهم، ومجازاة من يُدافِع عنها دفاعًا شديدًا كان العمل المُزدوَج الذي واصله بونابرت بأشدِّ ما يكون من الحزم وأبعدِ ما يكون من العدالة. وكما أنه يعرف أن الاستحقاق إنما يرغب في أن يُجازَى، وزع مائة حسامِ شرفٍ على الجنود الذين امتازوا بالأعمال المَجِيدة، فما كان من الشعب، الذي أبصر الشجاعة تُمنَح سمات الشرف التي كانت في الماضي مُخصَّصة للنبلاء في الوراثة، إلَّا أن هتف لهذا التوزيع الذي، بعيدًا عن أن يمس المساواة التي من أجلها انطلقت الثورة، قُرِّر على أساس العدل الخالد ومكافأة الخدم والفضائل. والأجمل من ذلك أن يُرى بونابرت مُثْنِيًا على الشجاعة ومكافئًا إيَّاها بإقامة المهرجانات على شرف الرجال الذين ظُنَّ أنهم حافظوا عليه في سن كلود من أخطار لم يَقْتَحِمْها.

إذا كان صحيحًا أن بونابرت كان يطلب الشهرة رغبةً في تحقيق الأفكار الطمَّاعة التي يغذِّيها في نفسه، وإذا كان حقًّا أن عظمته الشخصية، وكبره، وشهرته كانت جميعُها تدخل في سائر أعماله الحربية والسياسية، فيجب أن يُعرَف أيضًا أن عظمته وكبره إنما هما عظمة فرنسا وكبرها، وأنه إذا عمل في سبيل مجده الذاتي وفوز أطماعه، وخلوده؛ فإنما هو يعمل لرفعة الشعب ورقيِّه ومستقبله. أجل، إن السلطة اللَّا حدَّ لها التي تمتَّع بها، لم تكن غير واسطة لإعطاء روح المساواة والرقي الحديث فلاحًا جديدًا لم تكن روح الحرية المُقيَّدة وقتيًّا بأشكالها الخارجية لتستطيع بعد أن تحقِّقه بنفسها. أمَّا العلماء ورجال الفن فقد نالوا جميع أنواع التنشيط، ونالت الصنائع الوطنية رقيًّا لم تعهده من قبل، بعد أن كانت الفتن الأهليَّة قد عرقلت سيرها، ونُظِّم بنك فرنسا، وصُدِّق على عيار الأثقال والقياسات تصديقًا قانونيًّا، وبكلمة واحدة حقَّق بونابرت بصفته رأس الحكومة الفرنسية كلَّ ما فكَّر به قبلًا، لم يكن سوى قائد جمهوري يرغب في تزيين المتحف الوطني، واستشارة المعلِّمين، ووضع العلماء على رأس معسكره، ويسعى إلى اكتساب ثقة الشعوب واحترامها بأن يُؤثِر لقب عضو في المجمع العلمي على لقب قائد للجيوش عظيم.

كان القنصل يرى نفسه سعيدًا جدًّا بأن يرأس الفتوحات العقلية، وينشِّط رقيَّ العلوم التي حلم بها وهو فتى. كان بونابرت في حداثته يفكِّر في أن يتفوَّق على نيوتن، قال: «كنت وأنا فتًى أحدِّث نفسي بأن أُصْبِح مخترعًا كنيوتن.» وحدَّث السيد جوفروا ده سنت هيلير أنه سمع بونابرت يقول: «لقد أصبحتْ مِهْنة العسكرية حرفتي من غير أن أختارها.»

بقي نابوليون وفيًّا لميوله تحت أثقال مشاغله الحربية وفي وسط الانتصارات اليومية التي وسمت مواقعه في إيطاليا؛ ولم يقف عن ترحيب فرنسا ترحيبًا سياسيًّا وعلميًّا في سبيل الرقي العام. ففي بافي استشار العالم سكاربا، وفي عام ١٨٠١ جرت له مباحثات مع العالم الطبيعي فولتا الذي أغدق عليه العطايا والمراتب العليا، وفي عام ١٨٠٢ وضع جائزة قدْرُها ستون ألف فرنك لمن يتمكَّن باختباراته واكتشافاته أن يدفع الكهرباء قدمًا إلى الأمام كالتي دفعها فرنكلين وفولتا. وطلب أيضًا من المجمع العلمي خلاصة الأعمال القيمة التي عالجتها الثورة في الفنون والآداب والعلوم.

لم يكن اهتمام القنصل الأول مُنحصِرًا في تنظيم داخل الجمهورية فحسب، بل كان يفكر في السلام الخارجي الذي أراد أن يجعله حسنةً من الحسنات التي وَسَمَتْ ظهوره في السلطة؛ فجعل سبيلًا للمداولات مع ديوان لوندن على يد تالليران، وكتب هو نفسه الرسالة التالية إلى ملك إنكلترا في السادس والعشرين من شهر كانون أول عام ١٧٩٩، منذ الأيام الأولى التي صعد بها إلى القنصلية مع كمباسيريس ولوبرون:

بونابرت، القنصل الأول في الجمهورية، إلى جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا

أمن حقِّ الحرب التي تُتْلِف جهاتِ العالم الأربع منذ ثماني سنوات أن لا تقف؟ أليس هناك سبيل للتفاهم؟

كيف تستطيع الأمَّتان، وهما أعظم أمُمِ أوروبا وأكثرها تنوُّرًا، أن تضحِّيا لأجل فكرة من المجد باطلة بخيرات التجارة، والرقي الداخلي، وهناء العيال؟ كيف لا تشعر بأن السلام إنما هو من الضروريات الأولى كما هو أوَّل المجد؟

هذه الميول غريبة عن قلب جلالتك التي تسوس أمَّة حرَّة وترغب في إسعادها.

إن جلالتك لترى في مفاتحتي هذه رغبتي الأكيدة في العمل للمرَّة الثانية على الهدوء العام، بخطة سريعة مِلْؤها الثقة والإخلاص.

إن فرنسا وإنكلترا لتستطيعان، بما لهما من القوة، أن تُبقيا طويلًا بعدُ، ذلك الشقاق المؤسف العائد بالويل على الشعوب جميعها؛ ولكني، لا أجد بدًّا من القول إن مستقبل جميع الأمم الراقية مُتعلَّق بنهاية حرب تَكْتَنف جميع العالم.

بونابرت

كانت لهجة بونابرت صادقة؛ إذ إنه لو شاء مواصلة الحرب، لو لم يكن يحب إلَّا الحرب كما قيل عنه، لما أرغمه مُرغِم على اتخاذ تلك الخطة المُستقِيمة بجانب ملك إنكلترا. إنه إنما كان يعلم أن السلم مفيدٌ لحكمه، ولكنَّه لم يعمل على توطيد حكومته وجعلها حكومةً محبوبة إلَّا في سبيل فرنسا والرقي الأوروبي. كانت لهجة بونابرت لهجة ديموقراطي أمين على مصالح الثورة، ثم إن الملك المسنَّ رفض البدعة التي حاول القنصل الجمهوري أن يدخلها في المداولة، وأجابه على يد اللورد كرنفيل أن المراسلة التي بدأ بها لا تتفق مع رأيه وكلَّف اللورد نفسه بأن يُنشِئ مُذكِّرة ملؤها الشكوى على فرنسا. ففهم بونابرت أنه بحاجة إلى غير مخاطبة العقل والكرم لإرغام هذا العدوِّ العنيد على السلم. إلَّا أنه لم يشأ أن يُبْقِي على كَتِفيه خَصْمين عظيمين كلوندن وفيينا، فحاول أيضًا أن يفاتحهما بالسلم إلَّا أن مساعيه ذهبت أدْراج الرياح.

كان قصر لوكسانبرج مقرَّ سلطة ضعيفة خرجت من العصابات الثورية، وسقطت في وسط هتاف فرنسا تحت أثقال المضادَّات الشعبية التي خَلَقَها امتداد الفوضى ولا يزال يجعلها أشدَّ وأرسخ من يوم إلى يوم. فرأى بونابرت نفسه غير مرتاح إلى سكنٍ كهذا، تحفُّ به ذكرياتٌ مؤلمة فظيعة لا تنطبق على موقف حكومة تشعر بالقوة والاتحاد في نفسها وتعمل على توطيد مَجْدِها وبقائها، فكان من الضروري إذن أن يمهِّد القنصل قصر الملوك مَقَرًّا له؛ لأنه إنما كان يعالج سلطة الملوك معالجة حقَّة، كان من الضروري إذن أن يجعل مقرَّه التويلري المختصَّ برؤساء الأمة، ففي التاسع عشر من شهر كانون الثاني عام ١٨٠٠ قرَّ رأيُ القنصل على الانتقال إلى مَقَرِّه الجديد، فقال لكاتِم أسراره: «إذن سننام الليلة في التويلري … فيجب أن نذهب إليه بمَوكِب، وهذا يُضْجِرني جدًّا، ولكن أرى من الضروري أن نُبْهِر العيون.»

في الساعة الواحدة تمامًا ترك بونابرت لوكسنبرج يتبعه موكِبٌ فخْم من الجنود، فكان الشعب يتهافت إليه في الطرق ليشاهد عن قرب بَطَل المواقع العديدة الذي سار صِيته سَيْر الشمس في مذاهب السماء. كانت العيون كلُّها شاخصة إلى القنصل الأول تقلُّه مركبة يقودها ستة من الجياد البيض قدَّمها إليه إمبراطور ألمانيا بعد معاهدة كمبوفورميو، أما كمباسيريس ولوبرون فقد كانا جالسين في مقدَّم المركبة كأنهما ليسا إلَّا حاجبين لرفيقهما، اجتاز الموكب قسمًا كبيرًا من باريس، فكان الشعب يستقبله بالهتاف والدعاء حتى إن السيد ده برويين لم يتمالك أن قال: «إنه لم يكن بحاجة إلى حراسة الشرطة.»

عندما وصل القنصل إلى باحة القصر مرَّ بين الجنود مرور مُستعرض إلى جانبه مورات ولان. وساعة اصطفَّت أمامه الفرق ٩٦ و٤٣ و٣٠، رفع قبَّعته وانحنى باحترامٍ لدى مشاهدته أعلامها المحرَّقة بنار العدوِّ والمسودَّة من البارود، وبعد أن انتهى الاستعراض حلَّ من غير أبَّهة في المقر الملكي القديم.

على أنه لكي يُبْعِد شبهة تجديد ملوكيٍّ فجائيٍّ أراد أن يطلق على المقرِّ الملكيِّ اسم قصر الحكومة، ولكي يراعي أكثر من ذلك نزاقة الجمهوريِّين، أدخل معه إلى مقرِّه الجديد رسوم عظماء رجال العهد القديم الذين كان تذكارهم عزيزًا عند أصدقاء الحرية.

إن كلَّ هذه الاحتياطات التي اتخذها القنصل الأول إنما كانت تُعْلِن، مع مَيْل ملكيٍّ، عن ميول مُنْشِئه العميقة ومركزه الثوري.

إن الأعمال المُصلِحة والتنظيمات الكبرى التي قام بها بونابرت كتنظيم بنك فرنسا، وإعادة المهاجرين إلى بلادهم وغير ذلك … إنما تبتدئ من عهد إقامته في التويلري.

مات واشنطون، فأصدر بونابرت أمرًا نَشَرَه على الجيش جاء فيه: «إن هذا الرجل قد قاتل ضدَّ الظلم، لقد مكَّن دعائم الحرية في وطنه؛ فتَذْكاره يبقى عزيزًا عند جميع الشعوب الحرة ولا سيما الشعب الفرنسي الذي حاربت جنوده وتحارب في سبيل الحرية والمساواة. إذن فالقنصل الأول يأمر بأن تُعلَّق الشرائط السود مدة عشرة أيام على أعلام الجمهورية وبيارقها.» في اليوم نفسه أعلن القناصل نتيجة التصويت للحكم الشرعي الجديد، فكان عدد الذين رفضوا الحكم ألفًا وخمسمائة واثنين وستين من ثلاثة ملايين واثني عشر ألفًا وخمس مائة وتسعة وستين مصوِّتًا.

في أثناء ذلك وصلت إلى الحكومة أخبارٌ عن جيش مصر، وجَّهها كليبر إلى مجلس الشعب، من غير أن يراعي فيها بونابرت الذي شكاه بأنه هجر جيشه في وسط الضِّيقة والفاقة، أما القنصل الأول الذي فتح تلك البرقيات بنفسه فقد اغتبط لوقوعها بين يديه، وأجاب كليبر عليها جوابَ رجلٍ يعرف أن يملك نفسه ويبرهن عن جدارته بإدارة الغير، فكان جوابه نداءً مُوجَّهًا إلى جيش الشرق، وهذا هو:

أيها الجنود

إن قناصل الجمهوريَّة ليهتمُّون غالبًا بجيش الشرق.

إن فرنسا لتعرف كلَّ المعرفة تأثير فتوحاتكم على إحياء تجارتها ورقيِّ العالم، ثم إن أوروبا جميعَها شاخصةٌ إليكم، وإني معكم بالفكر دائمًا.

كونوا دائمًا جنود ريفوليو وأبو قير فلا تُقهَروا قطُّ.

احمِلوا إلى كليبر تلك الثقة اللَّا حدَّ لها التي حملتموها إليَّ فإنه يستحقُّها.

أيها الجنود، فكِّروا باليوم الذي تدخلون فيه منتصرين إلى الأرض المباركة؛ فإنه سيكون يومًا مَجِيدًا للأمة جميعها.

على أن بلاط فيينا، العائد من الانحطاط الذي أوقعته به انكساراته العديدة في مواقع إيطاليا المشهودة، كان قد أذعن مرة أخرى لحقده المُزمِن ضدَّ الجمهورية الفرنسية، وهرول للانضمام إلى سياسة الديوان الإنكليزي دافعًا إلى الوراء جميع مطاليب بونابرت الهادئة. عند هذا أَمَرَ القنصل الأول بتأليف جيش احتياطيٍّ في ديجون مُؤلَّف من ستين ألف رجل عَهِدَ بقيادته إلى برتيه الذي ناب عنه كارنو في وزارة الحربية، إلَّا أنَّه ما لبث أن ذهب هو نفسه فاستلم قيادة ذلك الجيش وألَّف منه جيش إيطاليا الجديد.

خرج من باريس في السادس من أيار فوصل في الخامس عشر منه إلى جبل سن برنار الذي اجتازه بثلاثة أيام. في اليوم الثامن عشر كتب بونابرت من معسكره في مارتيني إلى وزير الداخلية ليبشِّره بأن ذلك الممر الصعب قد عُبِر، وأن الجيش يدخل الأرض الإيطالية في الواحد والعشرين. قال: «أيها الوزير المواطن، إنني على أقدام جبال الألب الكبرى في وسط الفاله.١
إن الكران سن برنار٢ قد عرض لنا عوائق كثيرة اخترقت جميعها بتلك الشجاعة النادرة التي تميز الكتائب الفرنسية عن سواها في جميع المواقف، إن ثلث المدفعية قد أصبح الآن في إيطاليا، وبرتيه هو في بييمونت. كل يعبر بعد ثلاثة أيام.»

وبالحقيقة جرى كلُّ شيء بنظام وسرعة كما توقَّعه القنصل الأول، وبعد أن استولوا على مدينة أوست، رأى الجيش نفسه أمام قلعة بار المنيعة بسبب وجودها على صخر عمودي يسدُّ واديًا عميقًا لا بدَّ من اجتيازه.

كان لا سبيل إلى خَرْق هذا الحاجز إلَّا بحفر مَسْلَك في الصخر تَعْبُر منه الخيَّالة والمشاة، وبعد أن أُجْرِى ذلك غُلِّفت دواليب العجلات والمدافع بالقشِّ، في ليلة حالِكة، وهكذا أُتِيح لهم أن يتجاوزوا القلعة عابرين مدينة بار الصغيرة تحت نار اثنين وعشرين مِدْفعًا كان ضررها طفيفًا على الجمهوريين.

في أوائل حزيران زحف المعسكر إلى ميلان حيث وجَّه بونابرت إلى الجيش النداء التالي بعد أن أمر بتجديد الجمهورية السيزاليينية:٣

أيها الجنود

كانت إحدى مقاطعاتنا تحت سلطة العدو، كان الحزن شاملًا شمال فرنسا جميعَه، كما أن القسم الأكبر من الأرض الليكورينيَّة،٤ وهي الأرض الأمينة على صداقة الجمهورية، إنما كانت عرضةً للغزوات والمظالم.

إن الجمهورية السيزاليينية التي تلاشت منذ الحملة الماضية كانت قد أصبحت أُلعُوبة السياسة الإقطاعيَّة المسخة. أيها الجنود، إنكم تزحفون، ولقد نجت الأرض الفرنسية، وأُتِيح للأمل في وطننا أن ينوب عن الكآبة والمخاوف، إنكم ستعيدون الحرية والاستقلال إلى شعب جنوا، وسينجو إلى الأبد من أعدائه الأبديِّين.

إنكم الآن لفي عاصمة السيزاليين، ولم يبقَ للعدوِّ الخائف أملٌ بسوى العودة إلى حدوده، فلقد جرَّدتموه من مستشفياته ومخازنه وحظائر مؤنته.

لقد انتهى أول عمل من أعمال الحملة، وإنكم لتسمعون كلَّ يوم الملايين من الرجال يوجِّهون إليكم عبارات الثناء. ولكن أتَدَعُون الجيش الذي حمل الحزن إلى عيالكم يعود إلى مآويه؟ بل تزحفون إليه!

أَسْرِعوا إلى مطاردته، وانزِعوا منه أكاليل الغار التي تزيَّن بها، وأفهموا العالم أن اللعنة إنما تقع على الأغبياء الذين يجرُءون على إهانة أرض الشعب الكبير.

إن نتيجة جهودنا ستكون مجدًا من غير غيوم وسلامًا مكينًا.

إن المجد الساطع الذي لا غيومَ عليه إنما كان منذ زمن طويل حليفَ الجيش الفرنسي وقائده، غير أن السلام المكين كان صعبَ المنال، في التاسع من حزيران عبر بونابرت البو وقاتل الإمبراطوريِّين في مونتيبللو حيث قدر لأحد ملازميه الجنرال لان أن يجعل اسمه خالدًا. في الرابع عشر منه قاتل الإمبراطوريِّين مرةً أخرى في سهول مارنغو وانتصر عليهم انتصارًا أكسب الجيش الجمهوري مجدًا لم يكسبه مثله في جميع المواقع التي امتاز بها. لِنَترك المنتصِر نفسه يسرد تفصيل تلك الموقعة المشهودة، قال: «بعد موقعة مونتيبللو، زحف الجيش ليعبر السييرا. في الرابع والعشرين من الشهر التقت فرقة الحرس التي يقودها الجنرال غاردان بالعدوِّ فقهرته وغنمت منه مدفعَين ومائة أسير.

وفي الوقت نفسه وصلت فرقة القائد شابران عن طريق البو، تجاه فالنس، لتمنع العدوَّ من عبور هذا النهر؛ وهكذا أصبح ميلاس محصورًا بين البورميدا والبو. في الخامس والعشرين صباحًا عبر العدوُّ البورميدا على الجسور الثلاثة التي تخصُّه بالقرب من ألكسندري وعزم أن يجعل له منفذًا، ثم فاجأ فرقة الحرس وبدأ بكلِّ ما أوتيه من الشدة بموقعة مارنغو المشهودة التي تصرَّفت أخيرًا بمستقبل إيطاليا والجيش النمسوي.

تقهقرنا في الموقعة أربع مرات وتقدَّمنا أربعًا، وغنمنا ستين مِدْفعًا في مواقف مختلفة وساعات متفاوتة، ثم خسرناها ثم استُرجعت.

كانت الساعة الثالثة بعد الظهر عندما تجاوز ميمنتنا عشرة آلاف من المشاة في سبل سن جوليان الجميل؛ كان يعضدهم صفٌّ من الخيالة وكثيرٌ من المدافع، عند هذا وُضِعت رمَّاحة الحرس في وسط ذلك السهل الفسيح كمتراس من الصوَّان فلم يستطع أحدٌ سبيلًا إلى خرقها، بالرغم من اتجاه الخيالة والمشاة والمدفعية ضدَّها.

هذه المقاومة الشديدة قمعت ميسرة العدو، وأتاحت لميمنتنا أن تثبت حتى وصول القائد مونيه الذي أخذ بالحراب قرية كاستيل سيريولو.

كان العدو يتقدَّم على طول الخط مُطلِقًا قنابل مائة مِدْفع ونيِّف، وكانت الطرق ملأى بالهاربين والجرحى والجثث. في تلك الساعة خُيِّل لنا أننا سنخسر الموقعة، ولكننا تركنا العدوَّ يتقدَّم حتى مسافة رصاصة بندقية من قرية سن جوليان، حيث كانت فرقة دوزه مهيَّأة للقتال بثمانية مدافع خفيفة إلى الأمام وكتيبتين لعضد الجانحين. وكان الهاربون جميعُهم يتجمَّعون وراءنا. إلا أن العدوَّ كان يرتكب هَفَوات تشير إلى قُرْب نَكْبَته؛ إذ إنه إنما كان يبسط أجنحته أكثر من اللازم.

في تلك الساعة التفت القنصل إلى الكتائب، وقال لها: «أيها الأبناء، تذكَّروا أني تعوَّدت النوم في ساحات القتال!» عند هذا هجم دوزه على العدو بين صراخ: «لتحيَ الجمهورية! ليحيَ القنصل الأول!» وما هي إلا هنيهة حتى تَضَعْضع العدوُّ، وهجم الجنرال كيلليرمان هجومًا شديدًا نَجَم عنه أن أُسِر ستة آلاف رجل والقائد زاخ وقتل كثير من قوَّاد العدو، وهكذا دبَّ الذعر والحزن في صفوف الأعداء.

أما الخيَّالة النمسوية فقد كانت هجمت إلى الوسط لتحمي المُندحِرين، فلاقاها قائد الفرقة يسيير على رأس رمَّاحة الحرس وعالج في الهجوم نشاطًا عظيمًا حتى خرق صفَّ خيَّالة العدوِّ وتمَّ له بذلك أن شتَّت الجيش جميعَه.

غَنَمْنا خمسة عشر علمًا، وأربعين مِدْفعًا، ومن ستة إلى ثمانية ألف أسير، وبقي في ساحة القتال أكثر من ستة آلاف عدوٍّ.

لقد استحقَّت المِدْفَعية الخفيفة التاسعة لقب «بلا مثيل»، وفرقتا الخيَّالة الجسيمة، و«الدراغون» الثامنة نالتا من المجد قِسْطًا عظيمًا، أمَّا خَسَارتنا فهي فادحة أيضًا؛ لقد قُتِل منا ستمائة رجل، وجُرِح ألف وخمسمائة، وأُسِر تسع مائة.

جُرِح القواد شالبو، ومارمون، وبوده.

إلَّا أن خسارة فادحة، أثَّرت في الجيش تأثيرًا عظيمًا وستؤثِّر في الجمهورية أيضًا، أغلقت قلبنا في وجْهِ الغِبْطة؛ أُصِيب دوزه برصاصة لدى أول هجوم فِرْقَتِه فمات على الأثر، من غير أن يترك له القَدَرُ فرصةً يقول فيها إلَّا هذه العبارة التي قالها لِلوبرون الفتى الذي كان معه: «اذهب وقلْ للقنصل الأول: إنني أموت آسفًا على عدم تمكُّني من القيام بعمل يُذكَر لأعيش في صدور الأجيال.»

لقد أصيب القائد دوزه بثلاثة جراح في مدة حياته، وسقط تحته أربعة جياد، لم يلحق بمعسكره إلَّا منذ ثلاثة أيام، وكان مُشتاقًا للقتال اشتياقًا عظيمًا، حتى إنه قال مرارًا لمعاونيه: «لقد مضى وقت طويل من غير أن أحارب في أوروبا، حتى أصبحت القنابل لا تعرفني.» وعندما بلغ القنصلَ الأول نبأُ مقتل دوزه لم يفُهْ بسوى هذه العبارة: «لمَ لمْ يُسمَح لي بأن أبكي؟» نُقِلت جثته إلى ميلان لتحنَّطَ هناك.»

سلَّمت معركة مارنغو البييمونت ولمومباردي إلى فرنسا، بقي القنصل الأول بعض أيام في إيطاليا، وجرى له في ميلان استقبالٌ حافل حتى إن القُسُوس أنفسَهم اشتركوا بهذا الاحتفال العمومي، أما نابوليون فلكي يحظى بعضدهم خاطب قُسُوس تلك العاصمة بهذه الكلمات: «رؤساء دينٍ هو ديني، إني أعتبركم كأعزِّ أصدقائي، وأُصرِّح لكم بأنني أُعَدُّ مقلِقًا الراحة العمومية، وأعاقب عقابًا شديدًا وإذا اقتضى الأمر أعْدِم كلَّ مَن يوجِّه إهانةً ولو صغيرة إلى ديننا، أو يجرؤ على هَتْك حرمة ذواتكم المُقدَّسة.

إن الفلاسفة العصريين سعَوا كثيرًا ليحقِّقوا لفرنسا أن الدين الكاثوليكي إنما هو عدو لكلِّ قاعدة ديموقراطية وكلِّ حكومة جمهورية، ومن هنا نجمت تلك الاضطهادات التي عالجتها الجمهورية الفرنسية ضدَّ الدين ورؤسائه، أنا أيضًا فيلسوف، وأعرف أن لا رجل في العالم يُتاح له أن يكون فضيلًا وحكيمًا إذا جهل من أين جاء وإلى أين يذهب. إن العقل البسيط لا يستطيع أن يوفِّر لنا نورًا كافيًا لمعرفة ذلك، ولولا الدين لمشى الإنسان طوال حياته في الظلمات، ثم إن الدين الكاثوليكي هو الدين الوحيد الذي يهب الرجل أنوارًا لا تضلُّ تهديه إلى الصراط القويم» … كان بونابرت يقول: «إني لا أرى في الدين سرَّ التجسد بل أرى فيه سرَّ النظام العالمي، إنه ينيط بالسماء فكرة مساواة تحفظ الغني من تعدِّيات الفقير … وإننا عرفنا جمهوريات وديموقراطيات، ولم نعرف أمَّة من غير دين وعبادة وكهنة.»

بعد أن مرَّ بضعة أيام على فتح بونابرت إيطاليا للمرة الثانية أسرع بالعودة إلى فرنسا، في السادس والعشرين من حزيران أشار بنقل جثة دوزه إلى جبل سن برنار، وأمر برفع تمثال في ذلك المكان لذكرى هذا البطل الفتى. في الثلاثين منه وصل إلى ليون حيث أراد أن يقوم بعمل مُصلِح يكافئ به هذه المدينة الصناعية على ثباتها في التعلُّق به ومحبَّتها إياه، فأمر بترميم جهات بيللكور الأمامية ووضع هو نفسه الحجر الأول لها.

في الثالث من شهر تموز، أي قبل سفره من باريس بشهرين، دخل منتصرًا إلى هذه العاصمة بين هتاف شعب غفير. وأول عمل شرع به هو مكافأة شجاعة رِفاقه الحربيين. وكان قد منح لاتور دوفرني الباسل لقب «جندي الجمهورية الأول» على أقدام جبل سن برنار، فرفض هذا كل تقدُّم. وعند عودته، بعد حملة سريعة كُلِّلت بنصر باهر، أراد أن يقوم بمنح رُتَب عديدة وتوزيع شهادات شرف.

بينما كان القنصل الأول يستعيد ببعض أيام أجمل قسمة من إيطاليا، كان برون وبرنادوت قد سكنا بريطانيا، وقُرِّر عيد عظيم بمناسبة اتحاد الفرنسيين جميعِهم، أمَّا هذا العيد فقد عُيِّن في الرابع عشر من تموز، ولكيلا يفوت هذا المهرجان شيء من مجالَيِ الأبهة والعظمة عين في النهار نفسه وضع الحجارة الأولى من الأعمدة الإقليمية والعمود الوطني؛ الأولى تُرفَع في كلِّ قصبة من الأقاليم، والآخر في باريس، ساحة فاندوم، وجميعها لمجد البُسَلاء الذين ماتوا في سبيل الوطن والحرية. والشان ده مرس٥ الذي استقبل جميع نواب حرس فرنسا الوطنيين، يوم احتفل للمرة الأولى بعيد تموز، في ذلك اليوم المشهود، يوم المعاهدة الذي سُعِي في جعله يومًا دينيًّا، والذي مثَّل فيه لافاييت الوطنية المولودة ومثَّل تالليران الإيمان المحتضر؛ قلنا: إن الشان ده مرس أبصر بعد عشر سنوات مرَّت بالاضطرابات الأهلية والحروب الخارجية المحامين عن الثورة مُجتمِعين في باحته الفسيحة، لا ليقسموا — هذه المرة — على الانتصار أو الموت، بل ليروا نوَّاب الجيش يشهدون علنًا أنَّ قسم نوَّاب الحرس الوطني قد تُمِّم بمجد عظيم وأن فرنسا الحديثة قد قهرت أوروبا المسنَّة، وعندما قدمت فرقة من الضباط أرسلها جيشَا الرين وإيطاليا فنشرت أمام القناصل الأعلام التي غنمتها من الأعداء لترفعها إلى الحكومة كتحيَّة للوطن نهض بونابرت ووجه إليها هذه الكلمات النبيلة: «إن الأعلام المرفوعة إلى الحكومة أمام شعب هذه العاصمة الكبرى لتشهد بنبوغ القواد مورو وماسينا وبرتيه، ومناقب القواد العسكرية وملازميهم وشجاعة الجندي الفرنسي.

عندما تعودون إلى المعسكر بلَّغوا الجنود أن الشعب الفرنسي ينتظر في الأول من فنديميير يوم الاحتفال بعيد الجمهورية، إمَّا عقد الصلح وإمَّا، إذا أقدم العدوُّ على إقامة حواجز دونه، أعلامًا جديدة ثمرة انتصارات أخر.»

وخُتِم هذا اليوم المشهود بوليمة أقامها القنصل الأول لأصحاب المراتب العليا في الجمهورية شرب فيها نَخْب الشعب الفرنسي قائلًا: «أشرب نَخْب ١٤ تموز والشعب الفرنسي، صاحب السلطة.»

١  إقليم سويسري في وادي الرون.
٢  جهة من جبال الألب بين الفاله وإيطاليا، شُيِّدَ فيها دير القديس برنار عام ٩٨٢. هذا الدير مشهور بكلابه التي تساعد القُسُوس على اكتشاف المسافرين الضائعين بين المفاوز المغمورة بالثلوج.
٣  شكلها بونابرت في شمالي إيطاليا عام ١٧٩٧، وفي عام ١٨٠٣ أصبحت الجمهورية الإيطالية وأُعْطِيت ميلان عاصمة لها.
٤  مقاطعة في شمالي إيطاليا على خليج جنوا، عدد سكانها ٩٩٠٠٠٠.
٥  أرض واسعة بين المدرسة الحربية والشاطئ الأيسر من السين، أصبحت اليوم شارعًا من أجمل شوارع باريس، كان الشان ده مرس في الماضي مُخصَّصًا للتمرينات الحربية واستعراضات الجيوش، ولقد احتفل بمهرجان المعاهدة في ١٤ تموز ٧٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠