عصره

١٢٨٤–١٣٧٥ﻫ/١٨٦٧–١٩٥٦م

أطلَّ القرن الثالث عشر للهجرة مع نهاية القرن الثامن عشر للميلاد، وكانت الإمبراطورية العثمانية هي المسيطرة على أكثر أرجاء العالم العربي، وإن كانت هذه السيطرة روحية في بعض أقاليمه كشمالي أفريقيا، ومصر، أما الجزيرة العربية والشام والعراق فكانت تحت النفوذ المطلق للإمبراطورية، كما كانت على حالة عجيبة من التفكك والتفسخ الداخلي والخارجي.

ولما حاول السلطان العثماني سليم الثالث إصلاح الأمور وتنظيم الجيش، والأخذ بطرائق الإصلاح الأوروبية الحديثة بمعونة سفير نابليون الثالث لدى بلاطه الجنرال سباستياني Sébastiani لم يمكِّنه الإنكشاريون المرتزقة من القيام بتلك الحركة الإصلاحية، وأكرهوه على أن يخلع نفسه، وتم لهم ذلك في سنة ١٨٠٧م، وفتكوا بجميع زعماء الإصلاح الذين كانوا يؤازرون ذلك السلطان في حركته الإصلاحية، وأجلسوا على العرش ابن عمه مصطفى الرابع الذي سار معهم كما يريدون، وأرجع الإمبراطورية إلى طرائق الرجعية والفساد، وكذلك فعلوا مع خلفه السلطان محمود الثاني، الذي أراد أن يخطو خطوة نحو الإصلاح، فوقفوا في وجهه فترة إلى أن تغلب عليهم، وأصدر «فرمانًا شاهانيًّا في سنة ١٨٢٦م أوجب به تأليف جيش نظامي حديث في الإمبراطورية، وفتك بعدد كبير من الإنكشارية، وقضى على سلطانهم قضاءً مبيدًا، ولكن الدول الغربية الطامعة في استعمار الإمبراطورية العثمانية لم تترك السلطان المصلح يتم خطواته الجريئة؛ ففي سنة ١٨٢٧م اتفقت الدول الثلاث الكبرى آنئذ (وهي روسيا وإنكلترا وفرنسا) فيما بينها على تجزئة أوصال الإمبراطورية، وحطَّمت أسطولها في معركة «نافارين» المشهورة، ثم تتابعت المحن على الإمبراطورية المريضة، فلم يتمكن السلطان محمود الثاني من إتمام إصلاحاته، واستمرت الدولة تتخبط في حالة الفوضى والجهل، وكان لانفصال بعض أجزاء الإمبراطورية عنها أثر كبير في إلهاب عواطف الأجزاء الأخرى وإثارة العواطف القومية عند أهلها؛ فقد كان لانفصال اليونان عن جسم الإمبراطورية في سنة ١٨٣٠م بعد حرب فظيعة، ذهب بسببها أكثر قطع الأسطول التركي والأسطول المصري، كما كان لانفصال المقاطعات الرومانية عن الإمبراطورية وإعلانها استقلالها في ذلك الحين أثر بالغ في إضعاف كيان الدولة، وإثارة شعور القوميات غير التركية، وفي طليعتها القومية العربية.

ويظهر أنَّ الدولة العثمانية قد طاش صوابها في ذلك الحين، وأرادت التنفيس عن غمها، الذي ران عليها من جرَّاء تلك الضربات، فسلكت إلى ذلك سبيلًا بشعة مجرمة، وهي الانتقام من النصارى الخاضعين لها وبخاصة نصارى الديار الشامية، وكتبت حكومة الآستانة إلى ولاتها في الشام تطلب إليهم أن ينتقموا ممن تحت أيديهم من النصارى، وجمع والي دمشق التركي أعيان البلاد في سنة ١٨٣١م وتلا عليهم الفرمان الشاهاني القاضي بقتل كبراء النصارى في تلك البلاد لتآمرهم على الدولة وإفسادهم مصالحها، ولكن موقف أعيان المسلمين كان موقفًا مشرفًا إذ قالوا له: ليس بين النصارى المقيمين بيننا مفسدون، وإنما هم أهل ذمة وعهد، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإنَّ الرسول محمد أوصى بهم خيرًا، فقال: من آذى ذميًّا كنت خصمه يوم القيامة، ونحن لا نتحمل تبعة ظلمهم والفتك بهم، فأخذ الوالي العثماني خطوطهم على ذلك، وبعث بها إلى الباب العالي في الآستانة.

ولعمري إنه لموقف مشرف، وإنه لدليل على أنَّ الروح القومية السليمة كانت قويمة صحيحة في الأمة العربية منذ آنذاك، على الرغم من محاولة الدولة العثمانية تفكيكها، فأيَّة علاقة بين نصارى اليونان الثائرين على الدولة العثمانية، وبين نصارى العرب العائشين في الشام، المحافظين على حقوق المواطن الصالح! ولكنه منطق الظلم والفوضى، ولا شك في أنَّ هذا العمل كان بذرة من بذور الانبعاث القومي العربي؛ فقد رأى العرب المسلمون في هذه الديار فساد خطة الأتراك وسوء إدارتهم، فتركزت في نفوس الواعين منهم — على الأقل — فكرة التخلص من الظلم التركي، وإنقاذ البلاد العربية الرازحة تحت عبئه من تلك الحالة الشاذة؛ وكانت أولى الانتفاضات ثورة أهالي دمشق على واليهم التركي سليم باشا في سنة ١٢٤٧ﻫ؛ حين قدم إليهم من الباب العالي وأخذ يعاملهم بقسوة وعنف، بعد أن قاسى منه أهل حلب قسوة وعنفًا شديدين، وما أن وصل إلى دمشق حتى زاد الضرائب والمكوس، واحتقر الوجوه والأعيان، وضرب العامة فعزموا على الفتك به وبجنده، وتجمهروا متظاهرين عليه، ثم حصروه في قصره وضيقوا عليه فاضطر إلى أن يلجأ إلى القلعة، ثم أمر بإحراق دار الحكومة ليشغل الناس عن محاصرته ويستطيع النجاة بنفسه، فلم يأبهوا للحريق، واضطر إلى أن يقذف عليهم نيران المدافع من القلعة فهلك عدد كبير منهم، ثم لجأ هو إلى بيت القاضي الشرعي، فهاجم الناس البيت واحتلوه وقتلوا الوالي، وألَّفوا من بينهم حكومة محلية تدير شئون البلاد.

هكذا كانت حالة ولاية دمشق، ولم تكن حالة سائر ولايات الشام أو غيره من أجزاء العالم العربي أحسن وضعًا؛ ولذلك تداعى العقلاء وأهل الحكمة والوعي، إلى العمل في كافة الحقوق المؤدية إلى إثارة القومية الصحيحة، والإصلاح العام، والتوجيه المستقيم، لا في السياسة وحسب، بل في التعليم والأدب والاجتماع والإصلاح.

أما التعليم والأدب فقد كان أول المجالات التي ابتدأ فيها الإصلاح؛ ففي القرن السابع عشر نبغ في حلب المطران جرمانوس فرحات (١٦٧٠–١٧٣٢م) العالم المصلح الذي رأى فساد اللغة العربية، فعمل على إصلاحها والتأليف فيها، وعرَّب الإنجيل تعريبًا صحيحًا مسجوعًا، عرَّف الكنيسة فصاحة لغة العرب، ووضع معجمًا صغيرًا سمَّاه «الإعراب عن لسان الأعراب»، وأوجد أول مجمع علمي لغوي في حلب، انتخب له نخبة من علماء حلب الدينيين والمدنيين، الذين انصرفوا إلى الترجمة والنقل، وكانوا يعرضون عليه نتاجهم فينقحه، وأخذ يسعى في جمع المخطوطات العربية، وبذلك غدَت حلب في عهده مركز الإشعاع الفكري في النهضة الحديثة، ومنها انتقل إلى لبنان وسورية، فظهر فيهما نفر من رجال الفكر أمثال: الشيخ أحمد عبد اللطيف البربير (١٧٤٧–١٨١١م)، وبطرس كرامة (١٧٧٤–١٨٥١م)، وأمين الجندي (١٧٥٦–١٨٤٠م)، والشيخ ناصيف اليازجي (١٨٠٠–١٨٧١م)، والشيخ يوسف الأسير (١٨١٤–١٨٨٩م)، وأحمد فارس الشدياق (١٨٠٤–١٨٨٨م)، وبطرس البستاني (١٨١٩–١٨٨٣م)، والشيخ إبراهيم الأحدب (١٨٢٦–١٨٩٠م)، والشيخ حسين الجسر (١٨٤٥–١٩٠٩م)، والشيخ حسين بيهم (١٨٣٣–١٨٨١م)، والشيخ طاهر الجزائري (١٨٥٠–١٩١٩م)، والشيخ عمر الأنسي (١٨٢١–١٨٧٦م) …

وليس ها هنا مجال البحث التفصيلي في التعليم والأدب.

وأما الاجتماع والإصلاح فقد نبغ أوائل القرن التاسع عشر نفر من المصلحين في سورية ولبنان رأوا سوء الحالة الاجتماعية التي كان عليها قومهم، فألَّفوا في الإصلاح آثارًا كان لها وقعها، وتأثيرها في المجتمع العربي وهم: أحمد فارس الشدياق (١٨٠٤–١٨٨٨م) في مقالاته العديدة وكتبه الكثيرة، وأجلُّها «الفارياق» و«كشف المخبَّأ» و«كنز الرغائب».

وفرنسيس المرَّاش (١٨٢٦–١٨٧٣م) في كتابيه «مشهد الأحوال» و«غابة الحق».

وسليم بطرس البستاني (١٨٤٨–١٨٨٤م) في رواياته الإصلاحية، سواء التي ترجمها، أو التي ألَّفها، أو في مقالاته التي ملأ بها جداول مجلته «الجنان».

وإبراهيم اليازجي (١٨٤٧–١٩٠٦م) في قصائده التوجيهية، أو في مقالاته القومية التي نشرها في جريدة «النجاح»، أو مجلة «الضياء».

وعبد الرحمن الكواكبي (١٨٤٩–١٩٠٢م) في مقالاته الإصلاحية التي نشرها في «جريدة الشهباء» وفي كتابيه المشهورين «أم القرى» و«طبائع الاستبداد».

وأديب إسحق (١٨٥٦–١٨٨٥م) في مقالاته التي نشرها في «جريدة التقدم» أو رواياته الاجتماعية التي ألَّفها أو ترجمها أو في كتبه الاجتماعية.

وشبلي الشميِّل (١٨٦٠–١٩١٦م) في مقالاته التوجيهية الجدلية، ومباحثه العلمية، وبخاصة مباحث علم النشوء والارتقاء.

وفرح أنطون (١٨٦١–١٩٢٢م) في رواياته الاجتماعية التي ترجمها أو ألَّفها، وفي مباحثه الفلسفية والاجتماعية التي نشرها.

ونجيب الحداد (١٨٦٧–١٨٩٩م) في رواياته الإصلاحية ومقالاته النقدية.

وعلامتنا وشيخنا دولة الأستاذ فارس الخوري مدَّ الله في عمره (١٨٧٧م) في مقالاته وقصائده الإصلاحية ومباحثه السياسية والقانونية والاجتماعية.

هؤلاء هم أئمة الشاميين المصلحين في القرن التاسع عشر.

أما الناحية السياسية القومية فقد ظهرت في الجزيرة العربية منذ أن قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١١١٥–١٢٠٦ﻫ/١٧٠٣–١٧٨٧م بدعوته الدينية الإصلاحية الرامية إلى تطهير الإسلام مما علق به من البدع، وقد اعتنق فكرته الأمراء السعوديون في أوائل القرن التاسع عشر، وكان هذا بدء الانطلاق في القومية العربية الهادفة إلى استقلال الجزيرة العربية، وما حولها من البلاد العربية عن السلطنة العثمانية.

وقد قوَّى السعوديون صلاتهم بالزعماء الدينيين المصلحين في الأقطار الأخرى كالشيخ محمد عبده في مصر والألوسيين في العراق، وازدادت هذه الصلة قوة حين نبغ من تلاميذهم السيد محمد رشيد رضا، والشيخ عبد القادر المغربي — رحمهما الله — والشيخان محمد بهجة الأثري، ومحمد بهجة البيطار — حفظهما الله.

وكان إلى جانب هذه الحركة السياسية التي قامت في قلب الجزيرة العربية، حركة أخرى تمتُّ بصلة قوية إلى الناحية السياسية، وهي حركة الجمعية الخيرية التي قامت في دمشق في أواخر عهد الوالي المصلح مدحت باشا سنة ١٨٧٨م/١٢٩٥ﻫ برعاية الوالي نفسه، وكان على رأسها العلامة الكبير الشيخ طاهر الجزائري، ومن رجالاتها رفيق بك العظم، وعطا أفندي الكيلاني، والأمير شكيب أرسلان، وسليم أفندي البخاري والشيخ جمال الدين القاسمي، وأسعد بك الدرويش، وسليم بك الجزائري، وشكري بك العسلي، وعبد الوهاب بك الإنكليزي، وأستاذنا فارس بك الخوري، وغيرهم من الشبان العرب المخلصين. وقد امتدت حركتهم من سورية إلى لبنان، فاتصلوا ببعض رجالاته في بيروت كالشيخ أحمد عباس الأزهري، والشيخ عبد القادر المغربي، والشيخ محمد رشيد رضا، والأمير شكيب أرسلان، والسيد عبد الغني العريسي، والسيد محمد المحمصاني، والسيد عمر حمد، وعملوا جميعًا في دمشق وبيروت على إحياء جذوة القومية العربية والوقوف أمام حملة التتريك، التي كانت تسعى إليها الدولة العثمانية، وإن كانوا يختلفون في الطريق المؤدية إلى ذلك، فبعضهم يرى أنَّ الحركة يجب أن تهدف إلى انتزاع حقوق العرب من الأتراك انتزاعًا بالقوة بعيدًا عن الجامعة العثمانية الإسلامية، وهو رأي الشبان، وبعضهم يرى أنَّ الأصلح في نظرهم وفي تلك الظروف أن يكون ذلك ضمن الجامعة العثمانية الإسلامية، وهو رأي الشيوخ، وكان شيخنا المغربي، والشيخ رشيد رضا، والأمير شكيب أرسلان يرون الرأي الثاني كما سنفصله فيما بعد.

أما بعد فهذه لمحة رأينا أن نقدمها بين يدي محاضراتنا؛ لنبيِّن البيئة التي ظهر فيها الشيخ الإمام عبد القادر المغربي، والمحيط الذي نشأ فيه، والحالة الاجتماعية والثقافة التي كانت عليها بلاد الشام في تلك الفترة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠