المغربي الصحفي والمصلح

رأيتم أنَّ المغربي كان مؤمنًا بأنَّ الصحافة هي الوسيلة الوحيدة للإصلاح وإنقاذ الأمة الإسلامية من ربقة الجهل والفوضى والتقهقر، وأنَّ أشياخه في الشام ومصر كانوا يتخذونها أداة لإبلاغ آرائهم، ونشر أفكارهم ودعوة الناس إلى مذاهب الخير التي يرتئونها.

ولذلك عمد إلى السير في هذا الطريق، فانصرف إلى الصحافة يمارسها، وينشر بوساطتها آراءه منذ أن امتشق القلم في مصر سنة ١٩٠٥ بعد وصوله إليها بسبعة أشهر إلى أن توفاه الله.

وقد أبقى لنا في خزانة كتبه أضابير جد قيمة أحصى فيها مقالاته الصحفية ورتبها ترتيبًا دقيقًا كاملًا منذ سنة ١٩٠٥ إلى سنة ١٩٥٦، وكأنه كان يريد نشرها في مجلدات، فقد صنفها تصنيفًا متقنًا، وكان قد نشر قسمًا منها في مجلدين سماهما «البينات» ضمنهما بعض مقالاته التي كتبها ما بين سنتي ١٩٠٦–١٩١٠م.

ونحن إذا رحنا نعرض مقالاته ورسائله الصحفية ونستقرئ بحوثها العلمية والأدبية والسياسية والاجتماعية نجد له في سنة ١٩٠٥ مقالًا واحدًا نشره في المقطم، ولعله أول مقال كتبه، وكان عنوانه «التمثيل العربي»،١ وقد كتب على هامش الجزازة التي تحوي المقالة «كتبتها بعد وصولي إلى القاهرة بسبعة أشهر في سنة ١٩٠٥م/١٣٢٣ﻫ»، ولعلها أول مقالة كتبها في مصر.

ونحن إذا درسنا تلك المقالة دراسة دقيقة نجد أسلوبًا مشرقًا وأفكارًا نيرة وملاحظات وتوجيهات تدل على سمو فكر الكاتب على الرغم من ثقافته البسيطة ومحيطه الأولي الذي تخرج فيه. فقد ابتدأ مقالته بتبيين فوائد التمثيل وقرنه إلى صنويه؛ الصحافة والخطابة، بل هو يذهب إلى تفضيله على الصحافة والخطابة؛ لأنه أقربها تأثيرًا وأنجعها علاجًا في تربية الأمم ووسائل تهذيبها.

ثم شرع في تصوير التمثيل، وكيف أنَّ الممثل يعمد إلى حادثة مشهورة، أو رواية مأثورة فيعرضها على الأنظار، ويقلد رجالها وكل من له مشاركة في حوادثها متحريًا محاكاتهم في أزيائهم وهيئاتهم وعادتهم وسائر ملابسهم.

والمغربي في وصفه عمل الممثلين واصف بارع دقيق الملاحظة مبسط للأمور المعقدة، شارح للقضايا الغامضة شرحًا يدلنا على دقة تفكيره وسلامة بصيرته وبخاصة حين يقول إنَّ «فن التمثيل إذن محاكاة وتقليد، والتقليد والمحاكاة غرائز من غرائز الإنسان نشأت معه مذ كان على بساط بساطته الأولى، انظر إلى الطفل فإنه لا تمسه نفحة من العقل، حتى يأخذ في تقليد من حوله ومحاكاتهم في أقوالهم وأعمالهم، فلا غرو إن كانت النفوس بالتمثيل أعلق، وإليه أحن وفيه أرغب»، ويبين المغربي بعدئذ أنَّ الهدف من التمثيل هو إصلاح الشعوب وتقويم النفوس والاحتيال على سوق الناس إلى ما يريده بهم المصلحون، إما عن طريق الأساليب البلاغية، أو ضرب الأمثال، أو تصوير الوقائع التاريخية، أو نحت التماثيل أو الغناء، وأنَّ التمثيل هو جماع تلك الفنون إذ يتناول الكاتب المؤلف الحادثة التاريخية فيضربها مثلًا يتجلى فيه جمال الفضيلة بأبهى مظاهرها وقبح الرذيلة بأبشع صورها، ثم يكسو ذلك من جلابيب البلاغة والشعر والتلحين والتصوير ما شاء وشاء تمكنه من نواحي تلك الفنون.

ثم يذكر المغربي اهتمام كتبة الفرنج بالتأليف في فن التمثيل؛ لأنهم وجدوا فيه ضالتهم من قيادة الشعب وسوقه من حيث يشعر أو لا يشعر إلى تربية ملكاته، ثم يلتفت المغربي بعدئذ إلى قومه فيرى حالتهم الاجتماعية المتقهقرة، ويتمنى أن يعظم شأن هذا الفن الاجتماعي الإصلاحي بين ظهرانيهم، ثم يثني ثناءً طيبًا على رائد هذا الفن في مصر الشيخ سلامة حجازي، ويصفه بأنه ممثل بارع ممتاز ببراعته، وبذلك وسعه في تحسين الفن والسعي لإتقان أساليبه حتى كاد يتجاوز به طور الطفولية، فيجب على أفاضل البلد وجمهور الكتاب أن يشجعوه ويشدوا أزره فيما يهدف إليه.

ولا ينسى المغربي أن يحرض من آنس من نفسه استعدادًا وميلًا فطريًّا إلى هذا الفن أن يعكف عليه، وأن يتأهب له أهبته بالإكثار من قراءة الروايات الإفرنجية واستظهار جيدها وترجمة المفيد منها، ثم يعرض بهذه المناسبة إلى موضوع ترجمة الروايات والتمثيليات التي هب الناس في ذلك الوقت إلى ترجمتها، فينقدها نقدًا علميًّا صحيحًا، ثم يعرض إلى الروايات المؤلفة ويقارن بينها وبين الروايات المترجمة ويقول: «ومن أوتي حظًّا من الفهم في هذا الفن أدرك لأول وهلة الفرق بين الروايات المترجمة والأخرى الموضوعة وضعًا فإنَّ حوادث الأولى تسرد على نسق غريب في أسلوب عجيب فهي كأنها متكافلة طورًا، يفسر السابق اللاحق وآونة يوضح المتأخر المتقدم.» ولا يسمع السامع حادثة منها حتى تنشب أنفاسه في حلقه مبهوتًا متشوقًا إلى معرفة ما يليها فإذا سمعه وقع من نفسه موقع الدهشة والاستغراب، وليس كذلك الروايات الأخرى — أي الروايات المؤلفة — حتى ما ينسب إلى أشهر المشتغلين في الفن، ويطيل المغربي في نقد الروايات المؤلفة ثم يقول: إنَّ كتابها يغفلون عن إيضاح مغزاها والغرض المفيد الذي وضعت من أجله من حث على فضيلة أو تغيير رذيلة بعبارات جلية وأساليب واضحة بحيث تسترعي أسماع النظارة، ولا ينسى أن يوجه ملاحظاته في آداب الاستماع والاعتبار، وبما يجب على النظارة أن يتحلوا به من الحشمة فيقول: «أما النظارة المتفرجون فإن أكثرهم لاهٍ عن تعرف الأسرار بهتك الحجب والأستار، مشغول عن تفهم الحكم والفضائل بما فوقه مائل وليس تحته طائل، إنه يحسن بنا أن نتشبث بالحشمة والوقار وندع الطيش وخيانة الأبصار ونترك كثرة اللغط والضوضاء، سيما عندما يروقنا شيء من أقوال الممثلين وأفعالهم، فإنَّ اللغط يحرمنا فهم تتمة السياق؛ بل ربما شوش على الممثلين أنفسهم، فلا يدرون أيمضون في حديثهم أم يسكتون، بينما يفرغ القوم من جلبتهم وضوضائهم.»

هذه هي ملاحظات المغربي وأقواله في وصف مسارح التمثيل المصري قبل نصف قرن، وهي لعمر الحق ملاحظات جد لطيفة، وأقوال تدل على عمق الملاحظة.

أما لغته في مقاله هذا فهي كما ترون لغة بسيطة قريبة المنال أفلت فيها من كثير من قيود الكتاب في عصره ومن صناعاتهم اللفظية، اللهم إلا بعض السجعات والجمل المترادفة، والمفردات المتكررة التي تدل على أنَّ الرجل كان حتى ذلك الحين متأثرًا بالأساليب القديمة على الرغم من محاولته التملص منها. وسنرى أنه في مقالاته التالية سينطلق شيئًا فشيئًا من قيود الكتابة القديمة ويسيل قلمه بقوة عجيبة.

ولما أطل عام ١٩٠٦م انخرط المغربي في المحيط المصري، وانضم إلى أسرة جريدة الظاهر التي كان يصدرها الأستاذ محمد أبو شادي — كما قلنا — فأخذ يحبر المقالات الاجتماعية والإصلاحية، ومن يستعرض هذه المقالات يجدها تبحث في «سيء العادات ووجوب الانتباه إليها والذهول عنها، والخلاص منها»، وفي «استهتار العامة بمصر وما يجب على العلماء نحوهم» وفي «الفضائل فرائض»، وفي «حياة الأمة في ثروتها»، وفي «الأمة كالفرد في أطواره وبلوغ استقلاله»، وما إلى هذا من المباحث الاجتماعية. كما نجد له مقالات تربوية ولغوية رائعة كمقالته التي عنوانها «إحياء اللغة العربية الصحيحة في نفوس العامة» ومقالته، التي كتبها إثر تولي الزعيم سعد زغلول نظارة المعارف العمومية، وعنوانها «ناظر المعارف الجديد سعد باشا زغلول وما ينتظره من القطر»، وقد عرض في هذه المقالة النفيسة إلى كثير من القضايا التربوية الإصلاحية الهامة فناقشه خير مناقشة، ومما يلاحظه المرء في المقالات الكثيرة التي كتبها في «الظاهر» هي بحوثه في نقد الكتب وتقريظها كبحثه عن «ابن حزم وكتابه في الأخلاق»، وبحثه عن كتاب أستاذنا العلَّامة المصلح بدر الدين النعساني الحلبي المسمى «بالتعليم والإرشاد»، وبحثه عن كتاب «أساس الشرائع الإنكليزية»، الذي ترجمه الأديب السيد نقولا حداد، وغيرها من الكتب المفيدة التي ظهرت في تلك الحقبة، وكان لظهورها أثر في المجتمع العربي.

ومما يلحظه المرء عن كتابات الشيخ المغربي في جريدة الظاهر في تلك الحقبة مقالته القيمة عن «الكلية المصرية» ومشروع إنشائها، ويقصد بالكلية نواة الجامعة التي كان الناس يتهامسون عن وجوب إنشائها، فقد كتب مقالين، بيَّن في الأول منهما ضرورة تكوين هذه الكلية، وبيَّن في المقال الثاني أنَّ ثمة أناسًا يعملون في الخفاء على تثبيط همة القائمين بهذا المشروع الجليل، ومما يلحق بهذه البحوث مقاله عن التعليم في «الأزهر وإصلاحه»، فقد أبان الحالة السيئة التي بلغها هذا الجامع العتيد، ودعا المصلحين إلى تقويم اعوجاج طريقة التعليم فيه بالأخذ بالأساليب الجديدة التي ستطبق في «الكلية المصرية».

وفي هذه السنة (١٩٠٦) انتقل الشيخ إلى أسرة الجريدة المصرية الكبرى، التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف باسم المؤيد، وفي هذه الجريدة أخذ المغربي يعالج بعض القضايا السياسية بعد أن رأيناه في «جريدة الظاهر» منصرفًا إلى معالجة القضايا الأدبية أو الاجتماعية أو اللغوية، فنراه يكتب مقالًا مطولًا بعنوان «العالم الإسلامي في الشهور الأخيرة»، حلل فيه أوضاع المسلمين السياسية، وما يجب عليهم أن يعملوه ليلحقوا بركب السياسة العالمي، ويتخلصوا من ربق الاستعمار الجاثم على صدورهم.

كما ينصرف إلى معالجة شئون الأزهر معالجة جذرية — كما يقولون — فيكتب المقالات الطويلة التي يحلل فيها أوضاع الزهر من إدارية وتدريسية ويسهب في ذلك ويطيل، ومن أروع هذه المقالات أربع، عناوينها «كلمة حق في الأزهر والأزهريين»، و«أزهري يخطب في الأزهريين»، و«كلمة إنصاف في الأزهر والأزهريين»، و«نموذج من إصلاح الأزهر»، وقد وفَّى الموضوع حقه وقتله درسًا وتمحيصًا، وكيف لا؟! وهو العالم المتحمس المخلص لدينه، الذي رأى فساد هذه المؤسسة التعليمية الكبرى وسوء طرائق تعليمها وتقهقر رجالاتها، وكتبها عن متابعة سير ركب العلم الحديث، فساءه ذلك، وأخذ يتفنن في بحث طرائق الإصلاح، ومما يعجبني له في هذه الفترة مقالاته التربوية المفيدة التي نشرها في المؤيد عن «تربية أطفال المسلمين الدينية» وكيف يجب أن تكون، وما هي الكتب التي يجب أن يقرءوها، وما إلى ذلك من المباحث التربوية المفيدة، وله في هذا المبحث سلسلتان من المقالات التعليمية، أولاهما بعنوان «درس في الدين لابن ثمان سنين»، والثانية عنوانها «معاتب لا مشاكس مع ناشئة المدارس» وقد أظهر في تينكم السلسلتين أنه مربٍّ منصف يغار على الشبيبة الإسلامية، ويحرص على تقويم اعوجاجها، ويختار لها أحدث الطرق التهذيبية لتبلغ المستوى الرفيع الذي بلغته شبيبة الأمم المتمدنة من أوروبا وأميركا.

هذه صورة خاطفة عن مقالات شيخنا المغربي التي دبجتها يراعته سنة ١٩٠٦م في جريدتي الظاهر فالمؤيد. حتى إذا ما جاء عام ١٩٠٧م رأيناه ينصرف إلى تحبير المقالات السياسية والاجتماعية والأدبية في «المؤيد» إلى أن غدا من أركان الصحافة في مصر، ويطير صيته وتذيع شهرته في العالم الإسلامي والعربي، ويكاتبه الأحرار والمفكرون في العالمين، يطلبون إليه معالجة بعض القضايا العامة، فانبرى لها بقلمه، وكله إخلاص وصدق وعلم عميق وأسلوب رائع.

ومن أروع مقالاته السياسية مقالته «مصر والسياسة» التي حلل فيها الأوضاع السياسية في مصر، وبَيَّن أنَّ الزعامة في العالم العربي والإسلامي يجب أن تكون لمصر لما منحها الله من الثروة، ولما لها من الإمكانيات المادية والمعنوية، وقد وسع هذا البحث في مقال آخر عنوانه «مصر والأقطار العربية» ذكر فيه أنَّ مصر تتوسط الأقطار العربية في الشرق والغرب، وأنها لعبت في الماضي أدوارًا هامة في حياة هذه الأقطار فعليها في هذه الحقبة التي أشرقت فيها شمس النهضة العربية أن تعود إلى سيرتها الأولى، ولا ينسى أنَّ للأقليات المصرية من أقباط ومسيحيين مكانة هامة في تاريخ البلد قديمًا وحديثًا، فيكتب في ذلك مقالًا جد نفيس يمتدحهم فيه، ويبين الصلات الطيبة التي كانت تربطهم بإخوانهم المسلمين، وأنهم كانوا دومًا يدًا واحدة؛ ويتراءى له من خلال الحجب أنَّ الأجنبي المستعمر ربما حاول استغلال الناحية الدينية وإثارة العصبيات الطائفية، فكتب في ذلك مقالًا عميق التفكير بيَّن فيه أنَّ «التسامح من أعظم قواعد ديننا الحنيف»، وأنَّ المسلمين كانوا دومًا قدوة صالحة لشعوب الأرض في التسامح، وأنَّ الفتح العربي كان أفضل الفتوح. وأنَّ التاريخ العام لم يعرف فاتحًا أرحم من العرب. ويحس الشيخ بالدسائس الأجنبية التي تحاك ضد مصر منذ ذلك الأمد ويرى الحبائل الاستعمارية المستترة بستار العلم تسعى إلى تشكيك المصريين في عروبتهم ووطنيتهم، وتعمل على زعزعة إيمان العامة منهم بجدارتهم بالاستقلال، وأنَّ مصر بلد مستعمر منذ القديم، فيكتب في ذلك مقالين من أروع ما كتب في سجل القومية والوطنية عنوانهما «مصر مستقلة بشهادة التاريخ»، عرض فيه إلى استقلال مصر منذ أقدم العصور حتى العصر الحديث، وبيَّن فيه مواقف مصر الخالدة، وما كان لها من آثار على الإنسانية جمعاء.

هذه بعض مقالات شيخنا في الحقل السياسي الداخلي، أما مقالاته في حقل السياسة الخارجية التي تنتظم شئون العالم الإسلامي، فنجد بعضها في مقالاته عن «مراكش ما لها وما عليها»، التي بيَّن فيها سوء الحالة الداخلية التي كانت عليها مراكش قبيل الاحتلال الفرنسي، والتي دعا عقلاءها إلى حل الخصومات الداخلية بالحسنى، فإنَّ العدو يتربص بهم، وقد كان للمغربي باع طويل في محاربة الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا بصورة عامة، وبرهان ذلك ما كتبه جلالة السلطان سيدي محمد الخامس بن يوسف عنه في كلمته السامية التي وجهها إلى لجنة تأبين المغربي، وفيها جاء: «وما نسينا ولن ننسى موقف الشيخ عبد القادر من القضية المغربية في عهد الأزمات الأخيرة، إذ كان في الصف الأول من المناضلين عن حق المغرب العربي في الحرية والكرامة.»

ومن مقالاته في السياسة الخارجية مقاله المعنون «إسبارطة وأميركا» وقد بحث فيه بحثًا سياسيًّا رائعًا عن سياسة أميركا القاسية وبين أنَّ هذه طريقة غير حميدة، وأنَّ القوة هي التي سوَّغت قسوة أميركا.

ومن مقالاته السياسية الهامة مقالته عن بلاد جاوه وما إليها، فقد فند فيها مزاعم الاستعماريين الهولنديين، وحرض سكان تلك البلاد على الثورة على الظلم، والقيام في وجه المستعمر، الذي استطاع بتنظيم شئونه أن يقهر شعبًا عظيمًا عديدًا ذا إمكانيات وثروات هائلة كالشعب الأندنوسي.

هذا طرف من المقالات السياسية الهامة التي نجدها للشيخ في هذه الفترة.

أما مقالاته الإصلاحية فتتجلى في مقاله عن «المولد النبوي الشريف والاحتفال به»، ومقاله عن «الدين وأطفال المصريين»، وقد ناقش فيه الأستاذ إدريس بك راغب الذي استحسن أن لا يعلَّم الدين في المدارس المصرية؛ ليكون المصريون علمانيين، ويسود التفاهم بينهم وبين إخوانهم الأقباط، وقد عالج الشيخ هذه القضية معالجة حكيمة أثبت فيها أنَّ الدين الإسلامي بتسامحه وسمو مبادئه لا يحول دون الألفة؛ بل هو على العكس مدعاة لتطهير قلوب العامة والصغار من أدران التعصب البغيض.

ومن مقالاته الإصلاحية مقالته في «وصف حفلة مشهودة» نقد فيها جماعة من الصوفية ومشايخ الطرق الذين كانوا يقيمون حلقات الذكر، ويدعون الأجانب للتفرج عليهم. وقد رد عليه شيخ مشايخ الصوفية آنئذ وهو السيد البكري، ولكن الرأي العام أيَّد وجهة نظر المغربي الإصلاحية.

ومن مقالاته الإصلاحية الطريفة التي تبين شدة حرصه على الدفاع عن الإسلام الصحيح مقالته التي تخيل فيها حديثًا جرى بين نزيلين في مصر أحدهما مسلم يدعى محمودًا، وثانيهما مبشر يزعم أنَّ المصريين لا يصلحون للاستقلال، وقد ألقم محمود المبشر حجرًا وأبان له أنَّ التبشير ومن ورائه الاستعمار فاشلان في محاولاتهما الظالمة الرامية إلى الطعن في كفايات المصريين وغيرهم من الشعوب العربية والمسلمة.

وفي طليعة مقالاته الإصلاحية التي كان لها دوي هائل سلسلة مقالاته التي جعل عنوانها «حمامة الأزهر»، ومقالته «فتاة إنكليزية تصف الأزهر»، ومقالته «فتاة إنكليزية تصف المحمل» فقد ضمن هذه السلسلة أفكارًا جريئة في انتقاد الأزهر وشيوخه وطريقتهم القديمة العقيمة.

ولم يقتصر المغربي في مقالاته هذه على مباحث السياسة والاجتماع؛ بل كانت له جولات في ميدان الأدب، ظهرت في نقده لعشرات من الكتب الأدبية واللغوية التي طبعت في ذلك الوقت، كما تجلت في سلسلة أدبية طويلة كتبها بعنوان «أمالي أدب في لغة العرب»، وقد ضمنها كثيرًا من مقروءاته المنتقاة، وملاحظاته الأدبية.

هذه جولة مع شيخنا حول أعمدة «المؤيد» في مقالاته التي كتبها عام ١٩٠٧، وقد استمر على طريقته هذه طوال عام ١٩٠٨ حتى إذا ما أعلن الدستور العثماني وخلع السلطان عبد الحميد رجع إلى الشام، وابتدأ عهدًا جديدًا من حياته.

تعشق المغربي الصحافة، واتخذها سلوة ومتعة، وحرفة فانصقل أسلوبه، وأشرقت ديباجته، وذاع صيته في مصر وسائر أنحاء العالمين الإسلامي والعربي. ولما رجع إلى الشام في عام ١٩٠٩ استمر يراسل الصحف المصرية الكبيرة كالمؤيد، واللواء التي كان يصدرها الزعيم مصطفى كامل والشيخ عبد العزيز جاويش، وجريدة العلم، والمقطم، وغيرها من كبريات الصحف المصرية، كما شرع يكتب الفصول الإصلاحية في جرائد سورية كجريدة الاتحاد العثماني البيروتية، وجريدة طرابلس الشامية، وجريدة القبس الدمشقية، وجريدة المفيد البيروتية. ثم رأى أن يشمر عن ساعديه، ويحترف مهنة الصحافة، فأصدر في طرابلس الشام «جريدة البرهان» في غرة محرم ١٣٣٠ﻫ (٢٢ كانون الأول/ديسمبر ١٩١١م)، وقد ترجم في افتتاحية العدد الأول نفسه وما لاقاه من الويلات والمآسي في سبيل حرية فكره، وتعشقه لخدمة القضايا العامة، واستسهاله كل صعب في سبيل الإصلاح، ورفع مستوى أمته قال: «إذا مرت ببالي ذكرى أيام طفولتي، مر بجانبها ذكرى كراسة صغيرة جمع لي والدي فيها أبياتًا شعرية تتضمن ضوابط نحوية وفقهية، ومسائل شتى في مختلف العلوم اللغوية والدينية، ثم انتقلت من حجر الأسرة إلى حجر المدرسة، وكان مديرها أستاذًا من أكبر أساتذة العلم والدين في بلادنا السورية، وفي هذه المدرسة تنبهت إلى أنه ليس كل ما عزي إلى الدين كان صحيحًا؛ بل إنَّ هناك مسائل مدسوسة.

كانت هذه المدرسة ابتدائية، فلم يكن يدرس فيها شيء من العلوم العصرية العالية، وأذكر أنني رأيت مرة أحد معلمي المدرسة واقفًا في ساحتها وحوله فئة من التلامذة، وبيده مجلة المقتطف، فسمعته يشرح لهم الغرض من إنشاء هذه المجلة، ففهمت إذ ذاك أنه يوجد في الدنيا علوم أخرى وراء علوم الدين، وأنها تؤثر في ارتقاء البشر، ثم سافرت من بلدي إلى مدرسة أخرى أرقى من الأولى، وقد اتفق لي في هذه المدرسة أيضًا أنني رأيت الأستاذ ناظرها أمسك بيده عددًا من جريدة العروة الوثقى، وأخذ يخطب في تلامذته، ويذكر لهم شيئًا من سيرة مؤسسي الجريدة ومبلغهما من العلم، والغرض الذي أنشآ هذه الجريدة من أجله، ثم استطرد إلى وصف حالة العالم الإسلامي وما وصل إليه المسلمون من الجهل والوهن والتفرق؛ من حيث أدى هذا جميعه إلى طمع دول أوروبا بهم، ففطنت منذ سمعت هذا القول إلى ما لم أكن فطنت له من قبل وقلت في نفسي: إنه يجب على المسلمين إذن السعي في حفظ استقلالهم السياسي وإلا استعبدتهم الأمم، وجعلت من يومئذ أهتم بالمسائل السياسية وأتصفح ما ينشر من الكتب والرسائل فيها، ومن ثم تولد في نفسي الميل لخدمة أمتي من طريق فن الصحافة، هذا هو السر الذي دفع بالمغربي في عالم الصحافة، فإنه رأى أنها الوسيلة الوحيدة للإصلاح، فأخذ يحاول الكتابة، ثم أخذ يكتب وينشر، ثم عزم على امتهان هذه الحرفة، وقد بيَّن لنا سرًّا آخر دفعه إلى احتراف هذه الصناعة فقال: لما جاء دور العمل وأردت ممارسة الأشغال الدنيوية، كان سعيي بالطبع موجهًا نحو العمل الذي يلائم الوسط الذي أعيش فيه، فيممت دار السعادة بقصد الدخول في مكتب النواب، ثم حال بيني وبين المضي في الأمر حائل اضطرني للرجوع إلى وطني فأُبْتُ إليه، ولزمت أستاذي الأول وأخذت في دراسة العلوم، ثم عينت موظفًا في المحكمة الشرعية. هذا هو الظاهر من حالتي، ولكن هناك باطن يجول فيه سر خفي، وتكمن تحت رماده شرارة لا تنطفي، وليست هذه الشرارة سوى حركة النفس في تدبر أحوالنا الاجتماعية والاهتمام بشئوننا السياسية، وترديد الشكوى من موقفنا المنحط عن مواقف بقية الأمم، وقد أتاح الله لي صديقًا حميمًا (هو السيد محمد رشيد رضا)، نفسه في الميل نفسي وهمه في الحياة همي، فكانت صداقته عاملًا قويًّا في تكوين ميلي الصحافي ونزوعي نحو الاشتغال في الشئون العامة، وهو اليوم من أكبر رجال الصحافة وأشهر دعاة الإصلاح، ولم يكن منزعي وفكري ورأيي الاجتماعي ليخفى على من حولي من أهلي وأناسي، فكانوا ينذرونني بيوم شديد من أيام السلطان عبد الحميد، ولم أنس متصرف طرابلس وقد هالته رزم الأوراق وأضابير الرسائل التي ألقيت بين يديه، فجعل ينقِّر فيها ويشكو التعب من قراءتها، ثم حانت منه التفاتة، فرأى دفترًا صغيرًا لخصت فيه نتفًا من شئون ممالك أوروبا، فجعل يقلب يديه ويزوي حاجبيه ويقول: موظف في المحكمة الشرعية ما شأنه وشأن إيطاليا وفرنسا وروسيا. هبني نسيت هذا كله، فهل تراني أنسى والي بيروت، وقد تناول من مجموعة كتبي مجموعة أعداد العروة الوثقى، فطفق يقلب صفحاتها، وينظر في تاريخ كتابتها، ثم هز رأسه وجمجم كأنه يقول: شاب في البضع عشرة سنة من سني حياته يكتب بقلمه جميع أعداد العروة الوثقى حتى التلغرافيات والوفيات، ويعلق عليها هوامش تفسر كلماتها … إلى السجن إلى السجن …»

ويمكث شيخنا المغربي مسجونًا في دائرة الشرطة ببيروت نحوًا من سنة ثم حين يرى نفسه طليقًا يعزم على الرحيل إلى مصر، ويصل إليها هاربًا لاجئًا، ثم ينضم إلى أسرة الجريدة الكبرى «المؤيد»، فيفرح بذلك فرحًا عظيمًا يبينه لنا قوله: «ثم بعد حين من الزمان رأيتني في إدارة جريدة المؤيد وحولي طائفة من كبار الكتَّاب المبرزين في حلبة الإنشاء، والعاكفين على خدمة الصحافة، وقد قضيت ثمة سنتين ونيفًا حتى تأذن الله بانتشال الوطن من مخالب المحن فأسرعت الكرة إليه ونزلت بآمالي عليه»، وما أن حلَّ أرض الوطن حتى سكنت نفسه بعد اضطرابها وعزم على خوض معركة الإصلاح فأصدر جريدة «البرهان». ولقد ظلت البرهان منارًا لأولي الفكر، ومألفًا للكتاب من مستنيري الشيوخ والشباب، على نمط زميلتها «المقتبس» التي كان يصدرها المرحوم الأستاذ محمد كرد علي في دمشق إلى أن أعلنت الحرب العالمية الأولى، فاضطر إلى وقفها فتوقفت عن الصدور في ٢٠ آب (أغسطس) سنة ١٩١٤.

وفي خزانة المغربي مجلد ضخم ضم أعداد «البرهان» منذ يوم صدورها إلى يوم توقفها، وقد كنت زرته مرات فحدثني عن هذه المجموعة وأراني إياها وأعلمني بشدة حرصه عليها، فتصفحتها وقرأت أكثر مقالاتها وبحوثها التي تدل على سعة أفقه وشدة حرصه على خدمة أُمَّته، وبعده عن الإسفاف والقضايا الخاصة، أو المنافع الشخصية، أو المهاترات، وقد ذكر في العدد الأول منها أنَّ «الصحافة ليست من صنف التجارة التي يتمتع صاحبها ببيع الحبر والورق أو ابتياعهما، بل هي فئة من أصحاب الأفكار المتنورة تجمع على الدوام بين مصالحها الذاتية والمصالح المشتركة مع الوطن وأبنائه، وتبذل جهدها بترويج الأمور التي تراها نافعة للمملكة وبيان الوسائل الفعالة لإزالة كل ما تراه مضرًّا حسب قناعتها الوجدانية، وإذا كانت نتائج الخدمات الحسنة التي تؤديها إلى الوطن الجريدة العارفة بوظيفتها حق المعرفة والقادرة على القيام بها أعظم ما يتصور، فكذلك النتائج المضرة التي تنشأ عنها. والمحافظة على شرف المطبوعات تكون بمقدار درجة ترفع أصحابها عن اتخاذها آلة للأغراض الشخصية، على أنه متى كانت الغاية المشتركة بيننا وبين المطبوعات سلامة الوطن وسعادته، فإن المساعي المختلفة تتحد حالًا وانتقادات الجرائد وملاحظتها المنبعثة عن عواطف وطنية محضة وضمن دائرة الأخلاق والآداب هي تجاه الآراء العمومية، وبنوع خاص تجاهنا نحن معشر المأمورين من قبيل الاستشارة التي تنبه أفكارنا، وتسهل علينا التوفيق في وظائفنا.»

هذا ولا ينسى المغربي دومًا نزعته الإسلامية العثمانية فقد كتب وأسهب في وجوب «تسكين المملكة وتوطيد دعائم الائتلاف والصفاء بين جميع العناصر العثمانية بلا استثناء، وبعبارة أخرى بين جميع أبناء هذا الوطن العزيز المنقسمين إلى جماعات تحت أسماء مختلفة، والعمل على تقوية الروابط الوطنية الجامعة بينهم»، هذه هي عقيدة المغربي الوطنية: إسلامية أولًا، وعثمانية ثانيًا، وقد ظل مؤمنًا بهذه الفكرة حتى آخر عمره، أما القومية الضيقة فإنه لم يكن من أنصارها؛ بل كان ممن عملوا على محاربتها، وظل يسعى جاهدًا لإصلاح حالة الإمبراطورية العثمانية، وعلى هذا دأب طوال إقامته في مصر في العصر الحميدي، ثم بعد أن رجع إلى طرابلس الشام وأصدر البرهان سار على تلك الخطة، فحارب كل دعاة التفرقة الإسلامية — العثمانية، وقد رأى رجال الدولة العثمانية منه ذلك، فوثقوا بصدقه وإخلاصه في دعوته، فطلبوا إليه أن يشرف هو وجماعة من رجال الفكر العرب المؤمنين بهذه الفكرة على إنشاء معهدين في قلب العالم العربي لإحياء فكرة الإسلام ومحاربة الأقليميات وتأييد الفكرة الإسلامية — العثمانية، وكان أول هذين المعهدين في المدينة المنورة، وثانيهما في بيت المقدس باسم كلية صلاح الدين. فقام بعمله هذا بطلب من قائد الفيلق الرابع أحمد جمال باشا أحسن قيام هو وزملاؤه الثلاثة الشيخ عبد العزيز جاويش، والأمير شكيب أرسلان والشيخ بدر الدين النعساني.٢
ولما أمرت الدولة العثمانية أحمد جمال باشا ناظر البحرية العثمانية، وقائد الجيش الرابع العثماني، والقائد الأعلى لسورية، وبلاد العرب في سنة ١٩١٦م بإصدار جريدة «الشرق» للدعاية للدولة العثمانية في الأقطار الإسلامية، جمع في دمشق نفرًا من حملة الأقلام العربية لإصدار تلك الجريدة، وفي طليعتهم السادة:
  • صاحب امتيازها: خليل أفندي الأيوبي الأنصاري.
  • والمدير المسئول: محمد تاج الدين أفندي الحسني.
  • ورئيس الهيئة التحريرية: الأمير شكيب بك أرسلان مبعوث حوران.
  • ومدير الهيئة التحريرية: الشيخ عبد القادر أفندي المغربي.
  • ومدير الإدارة: علي حكمت ناهيد بك.

وجُعل لها محررون ومترجمون أخصائيون ومستخدمون، كما جعل لها وكلاء ومكاتبون في دار الخلافة والعواصم الكبرى … فصدرت يوم الخميس في ٢٥ جمادى الثانية ١٣٣٤ﻫ/٢٧ نيسان ١٩١٦م.

أما خطتها فقد ذكرت في المقال الافتتاحي وإليكم خلاصته:
  • (١)

    إيجاد وحدة كافية بين الأمم والشعوب الإسلامية سواءً أكانوا تابعين للحكومة العثمانية أو كانوا تحت إدارة أجنبية.

  • (٢)

    الحث على رعاية الطوائف العثمانية الأخرى غير المسلمة ممن جمعتهم والمسلمين الرابطة الشرقية والتابعية العثمانية وتأمين راحتهم.

  • (٣)

    الدفاع عن حوض دولتنا العثمانية ومقام الخلافة الإسلامية، وبيان ما لها من المآثر والمواقف في خدمة الإسلام والمسلمين.

  • (٤)

    إزالة سوء التفاهم الذي يحاول الأعداء دسه بين العناصر العثمانية؛ لأجل أن يستفيدوا من ورائه مطامع ضارة باستقلال المملكة.

  • (٥)

    ينشر في الأحايين مقالات خاصة بسورية وماضيها، وما هي الوسائل العاملة على تقدمها من الوجهة الاقتصادية وترقيها.

  • (٦)

    وينشر أيضًا أمالي أدبية ممتعة في ترقية اللغة العربية وتقوية ملكتها في النفوس وطبع القرائح على ما امتازت به من التراكيب الفصيحة والأساليب العربية.

وقد اشتمل العدد الأول على مقالة افتتاحية طويلة بقلم الأمير شكيب أرسلان، بيَّن فيها خطة الجريدة، وأتى فيها على ذكر السلطان محمد الخامس «رشاد» وقال عن جمال باشا: «وحسبكه أنَّ في غرسها يد القائد الكبير والوزير الشهير الذي حقق الآمال بالأعمال وكفانا عن التعريف بقولنا «الجمال»، وتلى ذلك كلمة للشيخ خليل الأيوبي في فضائل الجهاد، ويلي ذلك «درس الجمعة»، وهو ملخص مما كان يلقيه مسند الشام وخاتمة محدثيه الأستاذ الشيخ بدر الدين الحسني في الجامع الأموي بقلم المغربي وموضوعاته «الصبر، الفتن، الجهاد، النهي عن المنكر» نوجزه فيما يلي:

افتتح أحد القراء الدرس بتلاوة آيات من سورة القصص التي منها هذه الآية: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ، ثم بدأ الأستاذ، فحمد الله وأثنى عليه وقال: قال المؤلف (ويعني به البخاري): سُئِل رسول الله : أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. فذكر الأستاذ معنى الإيمان، وهل هو التصديق فقط، أو التصديق والعمل، وشرح مذهب المحدثين والمعتزلة وأهل السنة الذين يقولون: إنَّ الإيمان هو التصديق فقط، أما الأعمال — وإن أطلق عليها اسم الإيمان — فهي من المكملات، ثم انتقل الأستاذ إلى مسألة زيادة الإيمان ونقصه وذكر أقوال الأصوليين في ذلك … وهكذا انتهى القسم الأول من تلخيص كلام الأستاذ الحسني، فلما انتقل إلى القسم الثاني منه ذكر فضائل الصبر، وقال: إنَّ أنواعه ثلاثة: (١) صبر المرء على المصائب فيترك الجزع. (٢) صبره على الطاعات فيحسن أداءها. (٣) صبره على الحرمات فيكف نفسه عنها، ثم قال: وهذا الأخير أفضل أنواع الصبر، وبيَّن السبب في تفضيل هذا النوع على أخويه، وأفاض في ذكر الأحاديث والآثار الواردة في فضل الصبر على الأمراض البدنية وعلى فقد الأولاد، وأنَّ العبد تكون له الدرجة والمنزلة عند الله، فلا يبلغها إلا بالصبر على المصائب في ماله أو ولده أو نفسه، وفي حديث ابن مسعود — رضي الله عنه — «حمَّى يومين كفارة ذنوب سنتين»، وبين الأستاذ الحكمة في تعيين السنتين فقال: لأن أثر ضعف الحمى في الجسم يبقى سنتين، وذكر مسلم في صحيحه عن أبي هريرة — رضي الله عنه — جاءت امرأة إلى النبي وهي تحمل ابنًا لها فقالت: يا رسول الله! دفنت ثلاثة أولاد، وإني أخاف على ابني هذا، فقال لها: دفنت ثلاثة أولاد؟

قالت: نعم.

فقال: لقد احتظرت بحِظار شديد من النار.

أقول: الحظار بالكسر ويفتح كل شيء حجز بين شيئين، واحتظر به احتمى؛ أي لقد تحصنت بحصن شديد من النار.

قال الأستاذ: وعند الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل — رضي الله عنه — ما من مسلمين — يعني أبوين — يموت لهما ثلاثة من الأولاد إلا أدخلهما الله الجنة برحمته، قالوا: يا رسول الله! واثنان، قال: واثنان قالوا: وواحد، قال: وواحد، والذي نفسي بيده، إنَّ السقط ليجُرُّ أمَّه بسرره إلى الجنة.

أقول: السقط مثلث السين الولد يسقط من بطن أمه لغير تمام، والسرر بفتحتين ما تقطعه القابلة من سرة المولود، وهذا كناية عن أنَّ السقط يكون سببًا في دخول أمه الجنَّة.

وهكذا ينهي المغربي تلخيص القسم الثاني من كلام الأستاذ الحسني.

ثم يذكر في عدد يوم السبت ٢٧ جمادى الثانية سنة ١٣٣٤ﻫ/٢٩ نيسان ١٩١٦م بقية كلام الشيخ وشرح الغامض منه ويكتب في الخاتمة ما يلي: حين بلغت هذا الموضع شعرت نفسي بشيء من الملل وخدر الأصابع فألقيت القلم من يدي وكففت عن الكتابة، أما الأستاذ فبقي يواصل الكلام من دون تلعثم ولا إحجام، ومدة درسه عادةً ثلاث ساعات يحدر الأستاذ فيها المسائل حدرًا لا يتخلله سكوت ولا يقاطعه من الحاضرين سؤال، وكل المسائل التي يلقيها تكون تعليقًا على «الحديث» الذي كان قد افتتح به الدرس، وهو يجعل من تلك المسائل تناسبًا دقيق اللحام، ويفرغها بأسلوب حسن السبك والنظام، ولا يذكر حديثًا ما لم يرو سنده ويعين مأخذه فمستمع درسه يعجب من ذلك الاستحضار، كما يعجب من فصاحة ألفاظه وصحة تراكيبه حتى لو أمكن كتابة ما يمليه الأستاذ في درس واحد وطبع ذلك ونشر بين الناس كان لهم منه كتاب يبلغ حجمه عشرة أجزاء من القرآن، وقد تضمن أبحاثًا جمَّة في أنواع العلوم الإسلامية.

ونحن في المسائل التي لخصناها من درس الأستاذ لقراء «الشرق»، لم نلخص إلا قليلًا من كثير ووشلًا من غدير، وما يجده القارئ فيه من خطل أو خطاء أو قول هراء فهو منا وتبعته راجعة إلينا، والأستاذ بريء منه وعيبه طاهر عنه …»

وقد استمر المغربي يحرر في جريدة «الشرق» الشرق المباحث الأدبية واللغوية والإصلاحية، وبعض المقالات السياسية، طوال فترة الحرب العالمية الأولى، فلما وضعت الحرب أوزارها، ودخلت الجيوش الأجنبية إلى دمشق انزوى في بيته منصرفًا إلى التأليف، وكتابة مقالات العلم واللغة والأدب.

ثم عُهد إليه، حين أسس الملك فيصل الأول الجامعة السورية بدمشق، أن يصحح لغة كثير من التآليف العلمية فيها، ولا سيما في كتب كليتي الطب والحقوق، فأصلح لغتها، وأدخل فيها ألفاظًا جديدة، ودرَّس اللغة العربية وفقهها للطلاب.

وكان إلى جانب تدريسه، وتصحيحه للكتب، يزود مجمعي دمشق والقاهرة، ثم مجمع بغداد، بالمقالات والبحوث والتعليقات، وقد أهمل الكتابة في الصحف اليومية — هذه الفترة من عمره — إهمالًا تامًّا لاعتقاده بأنه قد أدى قسطه نحو أمته في هذا الحقل.

هوامش

(١) ارجع إلى هذا المقال في آخر هذه المحاضرات.
(٢) فيما يلي معلومات موجزة عن الكلية الصلاحية نقلتها من خط المغربي في دفتر عنوانه «ترجمة تعليمات كلية صلاح الدين الأيوبي الإسلامية» سنة ١٣٣٣ﻫ/١٩١٥م. وقد جاء في صلب المادة الأولى من تلك التعليمات ما يلي: تأسست في القدس الشريف كلية إسلامية باسم كلية صلاح الدين الأيوبي؛ وذلك إحياءً لذكرى مدرسته التي كان أنشأها في حياته، وقد ربطت هذه الكلية مباشرةً بمقام المشيخة الإسلامية الجليلة وبنظارة الأوقاف والغرض منها تدريس العلوم الشرعية والحقوقية والفنون المختلفة والألسنة المتنوعة وتخريج رجال أخصائيين في هذه العلوم للدفاع عن التعاليم الدينية، ويصلحون للوظائف الشرعية والعلمية، وقد عهد بإدارة شئونها إلى مدير ومعاون مدير وناظر درس وغيرهم من المأمورين، كما عهد بأمر التدريسات إلى أساتذة من أرباب الكفاية والاختصاص.
المادة «٢» مدة التحصيل في الكلية عشر سنوات سبع منها تالٍ وثلاث عالٍ، ولسان التعليم فيها اللغة العربية، وتقبل كل سنة مائة طالب في الصف الأول موزعة على الصورة الآتية:
  • عشرة من لواء القدس.

  • خمسون من سائر الولايات والألوية العثمانية.

  • أربعون من أقطار العالم الإسلامي.

وذكرت في الفصل الرابع المادة «٣٥» شرائط قبول الطلاب فقالت: يوضح هنا ما جاء في المادة الثانية بخصوص مقدار ما يقبل من الطلاب من أقطار العالم الإسلامي، فينتخب من لواء القدس وملحقاته، أما الطلاب الأربعون الذين يؤخذون من أطراف العالم الإسلامي فتوزيعهم بحسب ما يلي:
  • ٤ من مصر.

  • ٢ من السودان والحبش.

  • ٢ من طرابلس الغرب وبنغازي.

  • ١ من تونس والجزائر وفاس وجنوبي أفريقيا.

  • ٣ من جاوة وفيليبين.

  • ٣ من الصين وكاشغر.

  • ٥ من الهند.

  • ٢ من الأفغان.

  • ١ من بلوخستان.

  • ٢ من إيران.

  • ٦ من تركستان (بخارى، خيوا، طشقند، سمرقند وما يلي ذلك).

  • ٦ من قفقاسيا واسترخان وقازان والقريم وبولونيا.

ثم يلي سبعة فصول وتسع وتسعون مادة بتاريخ (٣ جمادى الثانية سنة ١٣٣٣).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠