ما هي الصحافة؟

استقرت التعبيرات إذن عند حد استعمال كلمة «الصحف» للدلالة على الدوريات المطبوعة في عمومها، ولفظ «صِحافة» بالكسر للدلالة على صناعة إصدار الصحف وعلى فن إخراجها، كما استقرت عند استعمال لفظ «صَحافة» (بالفتح) للدلالة على مجموع الصحف وعلى الوظيفة الاجتماعية التي تقوم بها.

وسيختص برنامج السنة الثانية للمعهد بدراسة «الصِّحافة» (بالكسر) بمعنيَيْها — معنى صناعة الإصدار، ومعنى فن الإخراج — أما دراسة «الصَّحافة» بالفتح بمعنيَيْها أيضًا — معنى الصحف في مجموعها، ومعنى الوظيفة الاجتماعية التي تقوم بها — وكذلك الصحفي، فيختص بها برنامج هذه السنة الأولى.

وسندرس «الصحف»:
  • أولًا: من حيث وجودها القانوني والنظريات التي تشرف على إصدارها.
  • وثانيًا: من حيث عناصر كيانها العقلي.
  • وثالثًا: من حيث أنواعها بالرجوع إلى طبيعتها، وإلى موضوعاتها، وإلى مكانها ومواعيدها.
  • ورابعًا: من حيث معاوناتها؛ وكالات الأنباء، والمقالات، والقصاصات والأسانيد، ودور النشر والتوزيع.
وأما «الصحفي» فسندرسه:
  • أولًا: من حيث تحديد شخصيته والعمل الذي يزاوله في الصحيفة.
  • وثانيًا: من حيث تكوينه وإعداده.
  • وثالثًا: من حيث اتصاله بحرفته انتظامًا في نقابات واستمتاعًا بامتيازات.
وأما الصحافة فستكون دراستها:
  • أولًا: من حيث ناموسها، وما يفرضه من سرٍّ للمهنة وواجبات للزمالة، ويقتضي مراعاته من حقٍّ للرد وحقوق للتأليف.
  • وثانيًا: من حيث علاقتها بنظام الدولة والجماعة، عن طريق ما تحمل لها النصوص الدستورية وقوانين المطبوعات من أحكام، وما يكون لقوانين العقوبات قبلها من اتجاهات.
  • وثالثًا: من حيث ما تخصها به الحكومات من أدوات اتصال، كإدارات المطبوعات، ومصالح الصحافة، ودواوين الرقابة.

وكذلك سنعرض للدعاية والإذاعة كملحقتين بالصحافة، وقد بلغتا ما بلغتا من تقدُّمٍ ونفوذ.

•••

ولقد قدَّمْنا لدراسة «المبادئ الصحفية العامة» على ما تذكرون بحديث موجز عن طرائق تسجيل الحوادث وإذاعة الأخبار في مصر منذ العصور القديمة حتى الحملة الفرنسية، وببحث عن نشأة الصحف في مصر في عهد هذه الحملة وفي عهد محمد علي، ثم ببحث في المصطلحات التي تطوَّر التعبير بها عن الصحف والعاملين فيها. ونودُّ أن نُتِمَّ ذلك الذي قدَّمْنا ببحثٍ عن الوظيفة الاجتماعية للصحافة؛ كي تكون رسالتها ورسالتكم ماثلة دائمًا أمام أعينكم طوال تناولنا سائر موضوعات المنهاج بالدرس والتحليل، ثم بتحديد لمكان الصحافة من أنواع المعرفة جميعها علومًا وفنونًا.

وعندنا أنَّ الصحافة — وظيفة اجتماعية — إنما هي «توجيه الرأي العام عن طريق نشر المعلومات والأفكار الخيِّرَة الناضجة معمَّمة ومنسابة إلى مشاعر القرَّاء خلال صحف دورية».

أما «الرأي العام» فتعبير مطاط لا يسهل تعيين حدوده، شأنه في ذلك شأن أغلب التعبيرات المنعوتة بالعامة، كالنظام العام والصالح العام، يبعد مداه ويقصر وتتسع دائرته وتضيق بحسب النظريات التي يلجأ إليها معالِجه، وبحسب الميول التي تكون متفشية في الجماعة التي يعنيها أمره، فيتراوح بين حُسْن الظن به وسوئه، وبين تقديسه واحتقاره، وبين خصِّه بالسلطان وإغفاله تمام الإغفال. يعتبره البعض المسيِّر لكل شيء يصدر عن الحكومة، والواضع لسُنَن التقاليد، ويراه البعض الآخَر قطيعًا أبله يُسَاق سوق الأغنام.

والواقع أنَّ الرأي العام لا يتكوَّن في بلدٍ من البلاد من فئةٍ واحدةٍ متجانسةٍ تتقارب مداركها، فينتظر أن تتقارب أحكامها وتتقارب اتجاهاتها، بل إنه يتكون من فئات عدة تتباعد واحدتها والأخرى، فتتباعد أحكامهما، وتتباعد اتجاهاتهما، ويصح انطباق حُسْن الظن والتقديس والخص بالسلطان على بعضها، بينما تنطبق اعتبارات سوء الظن والاحتقار والإغفال على بعضها الآخَر. وهذا التعدد في الفئات التي يتكون منها الرأي العام هو الذي يُنتِج التضارب بين الزوايا التي ينظر منها إلى الرأي العام، ويجعل النظرات خلالها كلها صحيحة مهما يكن ما بينها من تناقُض ظاهر.

والرأي العام في نظر «الصحافة» على ثلاثة أنواع: رأي عام نابه – ورأي عام قارئ – ورأي عام منساق.

والأول مؤلَّف من أكمل العناصر ثقافةً، وأصحها للأمور وزنًا، وأقدرها على إسداء النصح في سبيل الشيء العام، وهو بطبيعة تكوينه الأقل عددًا والأقل تأثُّرًا بالصحف، لكن الأكثر تأثيرًا فيها بما يصدر عنه من نشاطٍ مستندٍ إلى الوعي القومي السليم.

ويتألَّف الثاني من المتعلمين في عمومهم، ويختلف عدده باختلاف انتشار التعليم في الجماعات، كما تختلف ملكة إدراكه باختلاف متانة التعليم ذاته، وهو حتمًا أكثر عددًا من الرأي العام النابه، كما أنه متعادل التأثُّر بالصحف والتأثير فيها.

وأما الثالث فمؤلَّف من العامة صاحبة الكثرة العددية في كل جماعة، ويختلف مستواه الإدراكي باختلاف انتشار التعليم وتعميم الثقافة، لا حول له في التأثير من تلقاء نفسه ولا قوة، بل هو دائمًا متأثر وهو دائمًا مقود.

وتتصل الصحافة بالرأي العام القارئ أكثر من اتصالها بالنوعين الآخَرين، وتعنى به أكثر من عنايتها بهما في الوقت عينه؛ ذلك أنه «النوع الوسط» الذي يحس الرغبة في استكمال معلوماته من ناحية، كما يحس الرغبة في أن يهيمن على سير الأمور في بلده من ناحية أخرى. وتريد الصحافة — وهذا هو ركن التوجيه في التعريف الذي ذكرنا — أن تعالج الرأي العام القارئ؛ لتوجِّهه الوجهة التي ترتسمها، ولترده عن الطريق التي يكون قد سلكها من تلقاء نفسه قبل أن تدله الصحافة عليها. وفي هذا التوجيه الصحفي تسود فكرة التفاعل؛ فالصحافة تجذب الرأي العام لتسيِّره أو تصحِّح خطأه، والرأي العام يقاوِم بعض الأحايين، ويحاول تصحيح الاتجاه الذي تريد الصحافة تولية وجهه شطره إذا لم يكن مُدْرِكًا فائدته للشيء العام، أو كان مُدْرِكًا ضرره بالشيء العام، فتتناوله الصحافة بشتى أنواع المعالجة، وقد تنجح وقد تفشل.

ويكون التوجيه عن طريق النشر، أيْ عن طريق الإذاعة والإعلان، وإذن فكل ما يبذل — ولو في سبيل التوجيه — داخلَ مكانٍ مغلَقٍ في الأندية وفي الجامعات والمدارس، وفي المنشئات الخاصة وسائر الاجتماعات غير العلنية؛ لا يمت للصحافة بسبب، بل إنَّ التوجيه الصحفي لا يكون عن طريق مطلَق النشر والعلانية، بل إنه يحتم أن يكون عن طريق النشر خلال الصحف الدورية وحدها. وإذن فليس منه في شيء، ولا علاقة له بالصحافة ما يكون محل كتب خاصة أو مؤلَّفَات أو نشرات غير منتظمة الصدور، ومن باب أولى ما يكون محل خطب، وإن أُلقِيت في اجتماع عامٍّ، بل ما يكون محل إذاعة إلا أن يُعتبَر هذا النوع الأخير ملحَقًا بالصحافة وكفى.

ويكون موضوع النشر الذي يوجه الرأي العام عن طريقه موضوع معلومات وأخبار أو موضوع أفكار وآراء.

ويجب أن تؤخَذ المعلومات على أوسع معانيها وأعمها وأفسحها أرجاء، فمن مجرد سرد الحوادث اليومية التي تعطي القارئ صورةً لما يجري في الحياة التي يحياها، إلى البرقيات التي تصف ما يجري خارج بلاده من وقائع تفتح ذهنه، إلى المقارنة بين الحياة التي يحياها والحيوات التي يحياها غيره من الناس، والتي تزيد من علم الجمهرة بمواقع البلاد وطرق المواصلات، إذا هي تعلَّقت بالحروب أو أزمات الحروب، إلى أسعار الحاصلات وأخبار الأسواق التجارية والمالية وأنباء المنشئات الصناعية، التي يعمل نشرها على تنظيم العلاقات بين المنتجين والمستهلكين، والعمَّال وأرباب الأعمال، وبين هؤلاء جميعًا والتجار والوسطاء؛ مما يدعو إلى التوازن بين القوى الاقتصادية جميعًا. وذلك إلى المعلومات الإدارية والسياسية، بل التشريعية وحتى القضائية ذاتها، تمكينًا للرأي العام من مراقبة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عن طريق الاطِّلَاع على ما يُنشَر من أنباء تصرُّفات الحكومة المجسمة في قرارات مجلس الوزراء، وسائر قرارات الوزراء والمصالح ومن مناقشات البرلمان، وما يدور في جلسات المحاكم، وتمكينًا للرأي العالمي ذاته من مراقبة التصرفات الدولية، عن طريق الاطِّلَاع على ما يُنشَر من أنباء المؤتمرات والمفاوضات واجتماعات عصبة الأمم.

وكذلك الأفكار والآراء يجب أخذها على أوسع معانيها هي الأخرى، بحيث تتصل بأية ناحية من نواحي النشاط الثقافي في اللغة والدين والفقه والطب والصحة والعلم والسياسة والاقتصاد والفن والذوق والخلق والتربية والتعليم والاجتماع، وجوانب الإصلاح في ذلك كله، وبحيث يتجلى في معالجة تلك المواضيع كلها أبعد ما يمكن تصوُّره من مدى لحرية الفكر واحترام الرأي. وحرية الإدلاء بالمعلومات وحرية تناول هذه المعلومات بالشرح والتعليق، إنما هما الشرطان اللذان لا يمكن أن تؤدي الصحف وظيفتها الاجتماعية إلا بتحقُّقهما.

على أنَّ هذه الحرية يحدها في فترات الأحكام العرفية الاستثنائية اعتبار الرقابة المستندة إلى المصلحة العامة، ويجب أن يحدها في الأيام العادية اعتبار الخير واعتبار النضوج؛ إذ لا يصح أن تصدر عن الصحف — إذا هي شاءت أن تؤدي وظيفتها الاجتماعية — أفكار خبيثة أو آراء فجة، والصحافة إنما هي رسالة تهذيب وتنشئة لجيلها، ولا يمكن أن يكون تهذيب إلا إذا اتَّصَف بالخير، ولا يمكن أن تكون تنشئة إلا إذا اعتمدت على النضوج. أما الآراء الفطيرة، فلا يمكن إلا أن يجيء عن طريقها الضرر، ولا يمكن إلا أن تكون غذاء غير كامل للعقول، وقد يكون نقصه عاملًا من عوامل انقلابه سُمًّا وهلاكًا.

على أنَّ النضج في الأفكار لا يعني التعمق والتدقيق، والتعمق والتدقيق والتحقيق إنما هي من شرائط البحوث العلمية، وموضع البحوث العلمية ليس في الصحف جرائد بل مجلات، ولكنه في الكتب والمؤلَّفات التي يتسع الوقت لوضعها وتصنيفها. والسرعة ركن من أركان الصحافة لا تتوافر مع ضرورتها فريضة الانكباب والاستقراء والرجوع إلى المصادر، ثم الأناة والتدبُّر قبل الإخراج العلمي المتين.

وكذلك فإن المؤلَّفات العلمية تتجه إلى فئةٍ محدودةٍ من المثقفين والفاقهين، في حين أنَّ الصحف تتجه على الغالب إلى جمهرة القارئين وعامة المتعلمين، والبون بين الفئتين شاسع؛ ولذلك وجب أن تكون الأفكار التي تقوم الصحف بوظيفتها الاجتماعية عن طريق نشرها «معمَّمة»، أيْ مقدَّمة بأسلوبٍ يستطيع أن يستسيغه الرأي العام القارئ، وهو الرأي العام الوسط، بل متوسط أفراد هذا الرأي العام الوسط، على أن يكون هذا الأسلوب — مع ابتعاده عن الأسلوب الغائر في أصول الأدب وفقه اللغة — أسلوبًا سليمًا تجمله السلاسة وتزينه السهولة.

وكذلك يجب أن تكون تلك الأفكار المعمَّمة على النحو الذي ذكرنا «منسابة إلى مشاعر القرَّاء»، وهي مقدَّمة إلى أواسط القراء، وأواسط الناس على العموم ليسوا مسلَّحين بوسائل النقد، ولا بمَلَكَات الصبر التي يتسلَّح بها الباحث العلمي، بل هم قرَّاء على عجل يحسون أكثر مما يَعُون، فيجب أن تقصد الصحف إلى مشاعرهم أكثر مما تقصد إلى عقولهم، فالمشاعر هي التي ستتولى إيصال المدارك بعد أن تستحيل معقولات إلى العقول في حينها.

ولعل من المناسب أن أذكر في هذا المقام أنَّ أظرف ما وقفت عليه تعريفًا للصحفي، التعريف بأنه: «هو الذي يكيِّف فكرةً تكييفًا سهلًا، بحيث تذهب مباشَرَةً إلى قلوب القراء تداعِب إحساساتهم، ثم تطرق بعد ذلك بوقت قصير أو طويل أبواب عقولهم، حين تجدها مفتوحة أو نصف مفتوحة.»

•••

ولعلكم تلمسون الآن بعد أن حللنا وظيفة الصحف الاجتماعية إلى عناصر تعريفها الأولى؛ ما للصحافة في الجماعة من مكانة، وما على الصحفي لبيئته من رسالة. ولعل هذه الرسالة وتلك المكانة تتجليان على أوضح ما تتجليان إذا استحضرتم ما كان للصحف من أثر في حركات الشعوب ونهضاتها وحرياتها. وحركة من الحركات التي وجهت في بلد من البلاد إلى مظهر من مظاهر الاستبداد، وانتهت بعلُوِّ كلمة الحرية، لم تقم إلا على أكتاف الصحافة. والثورة الفرنسية خير مثل يُقدَّم للتدليل على صحة هذا التقرير؛ فقد كانت الصحف الفرنسية إلى عهد قيام الثورة مكمَّمة مضغوطًا عليها، فلما تكاتفت الاعتبارات التي دفعت بالشعب الفرنسي إلى القيام في وجه الأشراف والحكَّام، قطعت في اللحظة ذاتها الأغلال التي كانت تقيِّد حرية الأفراد، وتلك التي كانت تقيِّد حرية الأفكار، وتفاعَلَ التحرران، وأنتج التفاعل الفوز المبين للثورة والثائرين.

ولميرابو فضل يجب أن يُذكَر في هذا الصدد، وقد أقدم حين أُعلِنت الثورة على إصدار صحيفةٍ دون أن يرضخ لإجراءات قانون المطبوعات، فلم يقدِّم طلبًا، ولم يشفعه بكفالة، ولم ينتظر ترخيصًا، بل أصدر جريدة حرة أطلقها هو من قيود القانون المفروض؛ فكان هذا الخروج على القانون بالنسبة للصحيفة الثائرة إيذانًا بخروج الناس على القانون في ميادين الثورة جميعًا.

وهكذا كان نصيب ذلك الصحفي الإنجليزي، الذي كان تحرُّره من القيود المفروضة، وتوجُّهه بالنقد للتاج، والحكم عليه من أجل ذلك بالإعدام، من أشد العوامل فعلًا في قيام الثورة الإنجليزية أيام «كرومويل».

ولعلكم تعرفون للصحف المصرية وللصحفيين المصريين موقفها وموقفهم من النهضة المصرية الحديثة في سنة ١٩١٩، وما استتبعها من جهاد في سبيل الاستقلال والدستور، احتملت الصحف أثناءه ما احتملت من مصادرة وتعطيل، واحتمَلَ الصحفيون ما احتملوا من محاكمة. وتاريخ الحركات القومية في كل بلاد العالم مملوءة بمثل هذه الذكريات، ومن سخرية الأقدار حقًّا أن تكون حرية الرأي من الأسباب التي تقضي على العاملين لها بالقيود الاجتماعية، التي تختلف عنفًا، فتتراوح بين الغرامات المادية وعقوبة السجن وعقوبة الإعدام.

ولعل تلك السخرية القدرية هي التي دعت البعض إلى قول تلك الكلمة الخالدة، التي يمثل فيها الصحفي «بشمعة تحترق لتضيء الناس».

على أنَّ مواقف الصحفيين ليست كلها بالمواقف الناصعة بالنسبة لحرية الرأي؛ فكثير منهم لا يعرفون لحرية الفكر قدسيتها، ولا يطلقون للنقد البريء في سبيل الشيء العام عنانه، ولا يعتصمون بالإقدام والصبر على احتمال المكاره من أجل إعلان آرائهم، فلا يحتفظون للصحافة بكرامتها، وينزلون بها إلى دركات المساومة والاتجار. ولقد كان من الآثار القيمة التي أنتجتها الحرب الماضية أثر خالد قطعًا على مر الأيام، أنتجته قريحة كاتب من كبار المفكرين الفرنسيين هو Julien Benda، وقد أخرج كتابًا عنوانه La Trahison des Clercs سجَّل فيه على ذلك النوع من العارفين، والذين يعلمون ما اقترفوه من ذنوب وارتكبوه من أوزار، حين تركوا أقلامهم وأفكارهم تُؤجَّر لأصحاب المال وأصحاب الصناعات الكبيرة، وتركوها تقول غير الواقع وغير ما يعتقدونه هم، فاعتبرهم خائنين للفكر والرأي، وحمَّلهم وزر ما طبعوا به خُلُق الجيل الجديد من طابع الطمع والأنانية والمساومة على كل شيء.
ولعل من المناسب أن نذكر هنا قولًا لشيخ من شيوخ الصحافة العالميين هو Wickham Steed في الصحافة والصحافيين، يصورها ويصورهم أحسن تصوير قال:

ليست الصحافة حِرفة كسائر الحِرَف. هي أكثر من مهنة، وهي غير صناعة. هي طبيعة من طبائع الموهبة، هي شيء من بين الفن والعبادة.

والصحافيون خادمون عموميون غير رسميين، غرضهم الأول العمل على رقي المجتمع.

إنهم — رجالًا ونساءً — ذوو عقول ومَلَكَات خاصة بهم، ذوو غيرة (قلما يتباهون بها) على نشر المعرفة المكونة، وذوو عزم على أن يقتحموا طاحون الصحيفة، يتلمسون فيها منفذًا يطلون منه على الجمهور، ليقولوا له ما يعتقدون أنَّ من حقه أن يعرفه.

هؤلاء الصحافيون هم الصحافة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فإذا حاولَتْ صناعة الصحف الاستغناء عنهم، والاعتماد على نفسها منفردة كمنشأة تجارية قصدها إغناء أصحابها أو حمَلَة أسهمها، فسيكون في ذلك القضاء عليها كمؤسسة عامة.

وهم مثاليون صلب القلوب؛ ظروف عملهم عسيرة غالبًا، وواجبهم لا ينتهي أبدًا، ليسوا على العموم ذوي عقلية نفعية، مهما تبلغ ضخامة الأرباح التي يرون الآخرين يستخلصونها من جهودهم، وإنَّ رائحة حبر المطبعة لأزكي في خياشيمهم من العطور النادرة، وإنَّ منظر قصاصات تجارب «السلخ» ليكفي لينسيهم أنهم هم أنفسهم مسلوخو الكواهل كعبيد السفن في العصور القديمة.

بقي التساؤل عن مكان «الصحافة» من أنواع المعرفة، وبعبارة أخرى بقي التساؤل هل الصحافة علم أو هي فن؟

وأنتم تعرفون أنَّ العلم والفن يشتركان في أنَّ كليهما يدرس نشاطًا بشريًّا خاصًّا، وأنَّ كليهما يستند إلى قواعد وقوانين، وأنَّ لكليهما معلومات معاونة يجب أن يتسلَّح بها المُقدِم على البحث في أيهما، وأنهما يتميزان من حيث إنَّ قوانين العلم عامةً ثابتةٌ Universelles، وأنَّ قواعد الفن غير مرتكزة، وأنَّ الموضوعية Objectivité هي التي تسود العلم، بينما الشخصية Subjectivité هي التي تؤثِّر في الفن تأثيرًا.
والعلوم — كما تعرفون — كذلك قسمان: علوم واقعية Sciences Positives كالرياضيات والفلك والطبيعة والكيمياء وما إليها، وعلوم اجتماعية كالفلسفة والفقه والتاريخ والاقتصاد والاجتماع.

وليست الصحافة علمًا واقعيًّا على التحقيق، فليس ميدانها تفاعل عناصر المادة في الأرض ولا في السماء. ولكن هل هي علم من العلوم الاجتماعية تتصل بنوع من أنواع النشاط البشري، وتنظم شأنًا من شئون الحياة في الجماعة كالفقه مثلًا أو الاقتصاد؟

لقد عُرِض هذا السؤال في غير معهد من معاهد الصحافة، فذهبَتْ فيه مذاهب شتى. وقد درجت كثرة الباحثين على اعتبار الصحافة فنًّا من الفنون، ولم يأخذ بفكرة أنها علم من العلوم الاجتماعية طبعًا إلا معهد الصحافة في «مونيخ»؛ إذ أطلق على نفسه اسم «معهد علم الصحافة»، وإلا معهد الصحافة التابع لجامعة باريس — وقد أنشئ في سنة ١٩٣٨ — إذ يشمل منهاجه مادة «الصحافة كعلم».

وعندي أنَّ الصحافة لا تزال في دور الفنية، ولما تصل إلى مرتبة العلوم. وهي إذا كانت تعنى بناحية من نواحي النشاط البشري، وإذا كان لكيانها نوع من القواعد المقرَّرة تستند إليه، وكان من المحتم أن تستند دراستها إلى معلومات معاونة من التاريخ وعلوم الاجتماع والنفس والفقه؛ فإن قواعدها لم تبلغ بعدُ درجة الثبات والعموم التي تتميَّز بها قوانين العلوم، وللشخصية بخاصة أثر غائر في مظاهرها جميعًا.

هي إذن — حتى الآن على الأقل — فن من الفنون لها تاريخها، ولها معاوناتها من المعلومات الفقهية والاجتماعية والنفسية، وقد بدئ في دراستها علميًّا في أوروبا وفي أميريكا منذ سنوات غير بعيدة، ووجدت لها المعاهد التي يُعَدُّ فيها الصحفيون إعدادًا علميًّا، كما يُعَدُّ أهل الفنون الرفيعة كالنحت والتصوير والموسيقى، ولهم جميعًا مكانتهم العلمية المقررة، ولهم بخاصة مهمتهم الاجتماعية الكبرى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠