عناصر كيان الصحيفة

انتهينا من دراسة التكييف القانوني للصحيفة، وقد عرضنا خلالها لطبيعة العلاقة الفقهية بين مصدر الصحيفة وقارئها من ناحية، وبينه وبين الحكومة من ناحية أخرى. وسردنا أنواع النظريات التي يستند إليها إصدار الصحف متراوحة بين الترخيص الصريح، والإخطار المعلَّق، والإخطار المجرد، والحرية المطلَقة.

ونصل اليوم إلى دراسة «عناصر كيان الصحيفة».

ولكيان الصحيفة الفعلي ثلاثة عناصر: عنصر مادي، وعنصر فني، وعنصر نفسي.

العنصر المادي

أما العنصر المادي فيتمثل في الورق، وما يتصل به من حيث الحجم وعدد الصفحات والنوع، وفي الطبع وما يتصل به من حيث الحروف ووسائل جَمْعها وصَفِّها، والصور وطرائق إخراجها وحفرها، والآلات وأكثرها ملاءمة لظروف الإكثار والسرعة، والحبر صنفه ولونه. ولقد بلغت مظاهر هذا العنصر المادي في القرن العشرين مبلغًا أدخل إصدار الصحف في عداد الصناعات الجدية التي تستلزم الاستعداد لا بالألوف من الجنيهات بل بالملايين، ولا سيما إذا أُضِيفَ إلى اعتبارِ هذه المظاهر المعينة اعتبارُ الإنفاق الذي يستدعيه الإعلان عن الصحيفة قبل صدورها، والمكان الذي يُخصَّص لها، والاشتراك في نشرات مختلف وكالات الأنباء والقصاصات، وعديد من الجرائد والمجلات، ناهيكم عن أجور البرقيات ومرتبات المحرِّرين والمستخدمين والعمَّال، والاستعداد لذلك كله أسابيع وشهورًا، وبعض الأحايين سنوات، إنفاقًا حيًّا كاملًا أو سدًّا للعجز الناشئ عن زيادة المصروفات على الإيرادات، إلى أن يتعادل الدخل والخرج، ثم إلى أن يزيد الدخل على الخرج، واحتياطًا للطوارئ التي تفاجئ بها الأزمات في السياسة أو في الخلق، فيتذبذب من جرائها الرأي العام، ويتحوَّل القراء عن صحيفتهم تحوُّلًا جزئيًّا أو كليًّا.

ولقد كانت تلك المظاهر المادية التي ذكرنا محل تطوُّر وتدرُّج خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخلال الثلث الأول من هذا القرن العشرين؛ فقد بدأت الصحف صغيرةَ الحجم ذات صفحة واحدة، ثم تدرَّجت إلى صفحتين صغيرتين، ثم إلى صفحتين أكبر نوعًا، ثم إلى صفحتين كبيرتين، ثم إلى أربع صفحات صغيرة، ثم إلى أربع كبيرة، ثم كان من أمر الصحف اليومية أن تابعت التدرج إلى أن بلغ عدد صفحات الواحدة منها اثنتين وثلاثين من القطع الكبير كجريدة التيمس، أو أربعًا وستين ككبرى جرائد الولايات المتحدة. وانتقل نوع الورق كذلك من الخشن الأصفر إلى ما ترون الآن من الناعم المصقول، وكذلك الحال في الحبر الذي كان يطغى على أكثر من حجم الحروف فيطمس معالمها، وكان ينتقل سواده إلى أيدي القراء حين يمسكون الصحيفة بأناملهم، فانتقل إلى ما نجده الآن من التعادل بين عناصره الطبيعية والكيماوية بحيث يزهو ويجف، فلا يُتعِب عين القارئ ولا ينضح على يديه.

وانتقل جَمْعُ الحروف وصَفُّها من الطريقة الابتدائية، التي كان يعمل فيها العمَّال العاديون إلى جانب صناديق وُزِّعَتْ فيها الحروف توزيعًا أوليًّا يوافي أشباه الأميين، إلى طريقة الجمع والصف بواسطة الآلات التي تدرَّجَتْ هي ذاتها من الآلات السطرية Linotypes إلى الآلات الحرفية Monotypes إلى ما بين السطرية Intertypes. وثمن كلٍّ من هذه الآلات يتجاوز الألف من الجنيهات، ويستدعي العملُ عليها فنيًّا ذا مرانٍ، يتقاضى أجرًا قد يتجاوز الأجر الذي يتقاضاه عشرون أو ثلاثون من أولئك العمَّال العاديين الأولين!

وانتقل طبع الصحيفة من الآلة البطيئة التي كان يديرها رجل من عامة الرجال تُخرِج مئاتٍ من النسخ في الساعة الواحدة، إلى آلة تدار بالبخار أو بالكهرباء تُخرِج ألفًا أو ألفًا ومائتين من النسخ في الساعة، إلى بيت آلي حديدي ضخم تُلحَق به المسابك والمحافر وما إليها، فتخرج الصحيفة — كما تخرج صحيفة التيمس مثلًا — في اثنتين وثلاثين صفحة من القطع الكبير مطوية مقصوصة معدودة، وتخرج منها ٣٦٠٠٠٠ نسخة في ساعة واحدة.

وإذا نحن ذكرنا «التيمس» فإنما نذكرها لأنها الصحيفة الوحيدة التي يُعتبَر تاريخها تاريخًا لتطور الصناعة الصحفية على العموم، وتطور الاحتياجات المالية التي تكون العنصر المادي بين عناصر كيان الصحيفة، وقد مرت منذ سنة ١٧٨٤ إلى سنة ١٩٣٧ بجميع أدوار التحسينات التي طرأت على صناعة الطباعة، وكان لها في هذه التحسينات ذاتها أثر كبير. ولعل من الطريف أن نذكر في هذا الصدد أنَّ صاحب مجلة Saturday Evening Post الأمريكية، التي يصدر عددها في ثلاثة ملايين نسخة، زار جريدة التيمس، وقد هالته دقة طَبْعها وأناقة إخراجها، وأراد أن يتعرَّف السبب الذي لم يُوفَّق هو إليه في مجلته الكبيرة، مع شدة حرصه على أن تظهر في أحسن صورة، وعني بتفصيل كل ما يتعلق بالطبع والإخراج، فلم يُوفَّق إلى تعرُّف السبب في سبق التيمس الذي كان يتلمسه. وقبل أن ينصرف من مطبعتها سأل رئيسها: «أليس هناك سر خفي لم تُطلِعني عليه؟» فأجاب الرئيس: «إنَّا لا نسمح لآلة طابعة أو لمحرك كهربائي بعدم استقامة السير، فبمجرد أن نلاحظ أقل عدم انتظام في آلة أو محرك نُخرِجهما من العمل على الفور، ولا نحاول إصلاحهما بل نستبدل بهما جديدين.»

وكان هذا هو السر؛ لأن الطريقة الأميريكية تقضي باستعمال الآلة أو المحرك إلى آخِر طاقتها.

ومثل ذلك التطور في الآلات قد طرأ على عدد النُّسَخ التي تُطبَع، فبعد أن بدأت مئات وألوفًا متواضعة، وصلت الآن إلى الملايين التي تنقلها قطارات خاصة، وبعض الأحايين طيارات خاصة كذلك.

ولقد كان من شأن هذا التطور ومن شأن انتقال المطبعة الصحفية إلى هذا الدور، أن أصبحت الصحافة في إنجلترا صناعة من أضخم الصناعات، وأصبح عنصرها المادي من أهم عناصر الجماعات المالية في العالم. وقد نشرت مجلة «الاقتصادي» The Economist في أحد أعدادها الصادرة خلال شهر يناير سنة ١٩٣٧ بحثًا عن «صناعة الصحف»، ذكرت فيه أنَّ مبلغ مليونين من الجنيهات قد صرفت قبل أن تصل أحدث الصحف اللندنية الكبرى — وهي The Daily Herald — إلى تعادل إيراداتها ومصروفاتها. وقررت أنَّ صناعات نادرة جدًّا بين الصناعات العالمية، هي التي تفرض على نفسها مثل هذه الضخامة في مصاريف التأسيس.

ومثل هذا القول وأمعن منه في الأرقام التقديرية ينطبق على الصحف الأميركية التي تُصدَر في الولايات المتحدة.

•••

وإذا كانت الصحافة في مصر لم تبلغ بعدُ من حيث الفخامة الصناعية ذلك الحد الذي بلغته الصحافات الغربية على العموم، والإنجليزية والأميريكية منها على الخصوص — وهما متميزتان من حيث قوة الانتشار على سائر صحافات العالم — فإنها قد عرفت هي الأخرى في ميدانها المتواضع ذلك التدرُّج الذي عرفته الصحافات الأخرى، فتطورت فيها مظاهر العنصر المادي، وكان تطوُّرها أسرع من تطوُّر غيرها؛ نظرًا إلى ضيق الوقت الذي تم فيه.

وقد ظلت المطابع الصحفية في مصر هي المطابع التي تدار باليد إلى وقت قريب، وكانت «الجريدة» هي أولى الصحف التي استعملت مطبعةً مزدوجةً تدار بالتيار الكهربائي من نوع Duplex تطبع «الفرخ» مرة واحدة، وكان دخولها في المطبعة المصرية حادثًا فارقًا بين عهدين، وكان ذلك في سنة ١٩٠٦.
وقد كان هذا الحادث حافزًا للشيخ علي يوسف على أن يُدخِل إلى مصر ما هو أفخم من Duplex، فأدخل المطبعة العديدة الدورات Rotative، وأقام لتلك المناسبة احتفالًا دعا إليه النظَّار والكبراء والعظماء في مقر جريدته التي سُمِّيت منذ ذلك الاحتفال «دار المؤيد»، وكان ذلك في سنة ١٩٠٧. وكان هذا حافزًا بدوره لمصطفى كامل باشا على أن يحذو حذو الشيخ علي يوسف، فيجلب للِّواء وزميليه الفرنسي والإنجليزي مطبعة Rotative أيضًا في أواخر نفس سنة ١٩٠٧، ولا تزال المطبعتان التاريخيتان المذكورتان قائمتين ببعض العمل الصحفي في مصر. ومطبعة المؤيد هي الآن مطبعة التقدم لأصحابها ورثة أحمد نجيب، ومطبعة اللواء تعاون مطبعة «البورس» الكبرى على طبع جريدة الإجبشن ميل.

وقد أصبح الآن لكل جريدة يومية كبرى آلة طباعة كبرى من الطراز الحديث، وأضخمها ثلاث: الآلة التي تملكها جريدة الأهرام، والآلة التي كانت تملكها جريدة الجهاد، ثم أصبحت الآن ملكًا لشركة الطباعة المصرية تطبع بها جريدة المصري، والآلة التي تطبع عليها جريدة البورس إجبسين والإجبشان جازت. وتليها في الحجم آلات «البلاغ» و«المقطم» و«الشعب».

وإذا كانت جريدة «ديلي هيرلد» قد أنفقت مليونين من الجنيهات قبل أن تستقل بكيانها المالي، وكان تاريخ الصحافة الإنجليزية والفرنسية مملوءًا بحوادث وقوف الصحف، أو انتقال ملكيتها بسبب سوء حالتها المالية وعدم قدرتها على الاستمرار في الإنفاق، أو مجرد دفع الديون المتراكمة؛ فإن الصحافة المصرية لا يخلو تاريخها هو الآخَر من مثل هذه الحوادث. و«الجريدة» التي اجتمع على مؤازرتها حزب الأمة، وقد كان أعضاؤه من أكبر أصحاب الأملاك في مصر، و«المؤيد» الذي هُيِّئَتْ له ظروف التأييد الخديوي أحسن تهيئ، و«اللواء» الذي كُتِب له شغف الشعب به وإقبال المفكرين عليه وبذلهم في سبيله، وقد كان رمزًا لمقاومة الغاصبين والسعي في سبيل الاستقلال، و«السياسة» التي التَفَّ حولها مَن التَفَّ من رجال الأحرار الدستوريين، وقد جمعوا بين كبار أصحاب المال والجاه والرأي. كل تلك الصحف التي قامت بأهم الأدوار في حياة مصر الصحفية والسياسية، وقد أصبحت أثرًا بعد عين بعد أن أنفق في سبيلها ما أنفق من المال الكثير، الذي يتراوح بين الستين ألفًا والخمسين ألفًا من الجنيهات بالنسبة لكل واحدة منها. وكذلك نقول بالنسبة لجرائد الاتحاد والشعب والجهاد التي كانت تتصل بهيئات سياسية اتصال ملك أو إصدار أو تمثيل، وهذا غير العدد الوفير من الصحف التي كانت ملكًا للأفراد.

ذلك بأن «الصحافة» إذا كانت صناعة، وإذا كانت قد أصبحت صناعة ضخمة، فإن لها لطبيعة خاصة تتميَّز عن طبائع سائر الصناعات، وتخضعها إلى اعتبارات وإلى تيارات لا تعرفها الصناعات العادية، فتطلب منها تضحيات لا تجرى على غيرها، وتعرضها لطوارئ لا تفاجئ سواها. وإنما يرجع ذلك إلى اتصال الصحف بالشيء العام وبالرأي العام. وللشيء العام ورسالة الصحافة في سبيله أحكامٌ وضروراتٌ، وللرأي العام تذبذبات، وللحكومة والأحزاب نحوه دسائس ومناورات، ومن شأن ذلك كله أن يكون العنصر المادي بين عناصر كيان الصحيفة في مهب الريح دائمًا، وأن تقضي الحكمة على هذا العنصر المادي بأن يكون مدعمًا التدعيم كله، وعلى الصحافة الحرة حقًّا بأن تعي هذا الوضع المحتوم، وتأخذ له أهبته المادية وعدته المالية.

وفي هذا الوضع من حيث وثوق العرى بين واجب الصحافة نحو الشيء العام، وضرورة الاستعداد المالي لاستطاعة التغلب على الصعوبات المادية، التي قد تحول دون تأدية ذلك الواجب؛ كتَبَ الأستاذ «سينيوبوس» Charles Signobus أستاذ التاريخ بالسوربون مقالًا في مجلة Revue de paris لمناسبة استقالة رئيس الجمهورية الفرنسية Valdeck Rousseau من منصبه في سنة ١٨٩٥؛ لأنه لم يجد في الدستور الفرنسي من السلطات الممنوحة له ما يستطيع أن يؤدي به واجبه كمعدل أعلى للشئون القومية Supréme Moderateur des affaires national وكانت قد قامت في فرنسا لتلك المناسبة مناقشات حول أحسن الوسائل الدستورية لصيانة الحريات العامة وتدعيم الأنظمة المستقرة. فدرس «سينيوبوس» في مقاله نظرية فصل السلطات كضمان للحرية على حدِّ ما ذهب إليه مونتسكيو Montesquieu في كتابه روح القوانين Sprit des Lois، فذكر أنَّ الجماعات قد استحالت في القرن التاسع عشر بفضل تقدُّم العلوم والإنتاج المادي والتربية والتعليم والصحافة استحالةً سريعة، لم يكن منتسكيو ليستطيع أن يحسب حسابها فيما قدره في بحوثه من تعاليم. وختم سينيوبوس بحثه بتقريره أنَّ تاريخ القرن التاسع عشر قد كشف عن وسيلتين فعَّالتين، يستطاع بهما مقاومة ميول التحكم عند رجال السلطة التنفيذية، وتجاوز حدود الوظيفة من جانب الموظفين، بل دسائس الهيئات التشريعية ذاتها.

أما الوسيلة الأولى؛ فهي أمة ذات تربية سياسية متعودة دقة الأخبار ومطالبة ممثليها بالكثير، ومجبرة إياهم على أن يؤدوا لها حسابًا عما يفعلون، وأن يقيموا وزنًا لإرادتها، ومصممة في الوقت نفسه على أن تؤيدهم عند الحاجة ضد الحكومة بجميع الطرق.

وأما الوسيلة الثانية؛ فصحافة نَشِطة عندها عِلْم كل شيء وحريصة على أن تبحث وتنشر، وتنقد كل أعمال الرجال الذين يتولون الحكم، وتكون من الاستقلال بحيث لا يمكن أن يُفرَض عليها الصمت من جانب الإدارة، بل لا من جانب القضاء أيضًا، وتكون (وهذا بيت القصيد) من الغنى ومن الكثرة بحيث لا يمكن التأثير فيها عن طريق الرشوة. ومع مثل هذه الأمة، وبمثل هذه الصحافة، تأمن الدولة جميع أصناف الاستبداد.

العنصر الفني

ذلك عن العنصر المادي من عناصر كيان الصحيفة. أما العنصر الفني فيتمثل في الصورة التي تخرج عليها الصحيفة، لا من حيث الورق والطبع، بل من حيث الأوضاع والمواد والأسلوب. والفكرة الأساسية التي يجب أن يستند إليها هذا العنصر الثاني في مظاهره جميعًا، إنما هي فكرة «الجذب»، بحيث يكون كل شيء في الصحيفة جذَّابًا للقارئ ومالكًا عليه مشاعره.

والجذب في الأوضاع يقتضي التنسيق في الصفحات، ويقتضي الإبراز للحوادث الهامة، سواءً كانت هذه الحوادث أخبارًا أو مقالات أو صورًا فوتوغرافية أو رسومًا أو مجرد إعلانات. فالتبويب شرط أساسي من شروط جاذبية الأوضاع؛ إذ يجب ألا يتعب القارئ في البحث عن مكان الموضوع الذي يريد أن يقرأه، أو الأخبار التي يريد أن يقف عليها. ومهما يكن الاتجاه الذي تتجه الصحيفة في هذا الشأن اتجاهًا تقليديًّا، تسير فيه على ما جرى العُرْف عليه من تخصيص الصفحة الأولى مثلًا للمقالات الرئيسية، وصفحتي الوسط للأنباء، أو اتجاهًا مجددًا إلى تخصيص الصفحة الأولى لإبراز ما تنشره الصحيفة مقالات أو أخبارًا أو إعلانات؛ فالذي ينبغي الحرص عليه دائمًا إنما هو الدقة في تحديد مكان الأشياء المنشورة، حتى يعتاد القارئ أن يذهب بعينيه إلى نهر معين من صفحة معينة، بل إلى ارتفاع معين من نهر معين ليجد فيه نوع الأخبار أو نوع المقالات أو نوع الإعلانات التي يتوق الوقوف عليها.

وقد كانت جريدة التيمس مثلًا تصدر إلى ما قبل هذه الحرب في اثنين وثلاثين صفحة من القطع الكبير، وكان المعروف أنها تنشر الإعلانات العادية في الأربع الصفحات الخارجية الأولى والثانية والحادية والثلاثين والثانية والثلاثين، وكان معروفًا كذلك أنها تخصِّص الصفحة الثالثة للأخبار المالية والبورصات، كما كانت تخصِّص الصفحة الخامسة لمناقشات البرلمان، وكان كثير من قرائها الذين يعنون بالسياسة الدولية يكتفون بسحب الأربع الصفحات الوسطى ويتركون بقية الجريدة؛ لأن المقالة الرئيسية عن السياسة الخارجية، ولأن أخبار السياسة الدولية، إنما يقتصر في نشرها على تلك الصفحات الأربع. ومن القراء كذلك مَن كان يكتفي بسحب الثماني الصفحات الوسطى أيضًا؛ لأنه يريد أن يطَّلِع إلى جانب أخبار السياسة الدولية على الأخبار الداخلية أيضًا، ومعروف أنَّ الأخبار الداخلية وما إليها من بحوث إنما تُنشَر على الصفحات الثالثة عشرة والرابعة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين، كما أنَّ من القراء مَن يكتفي بقراءة الصفحة المالية، ومنهم مَن يكتفي بقراءة أخبار الألعاب والسباق، وكان كل قارئ يعرف بكل اطمئنان في أية صفحة، بل في أي مكان من الصفحة يجد نوع الأخبار أو نوع المقالات التي يريد أن يطَّلِع عليها. وكذلك من المعروف لقراء جريدة ديلي هرالد مثلًا أنَّ أهم ما فيها من أخبار يُنشَر إنْ لم يكن بأكمله فبأوله فقط في صفحتها الأولى، على أن يحال القارئ إلى الصفحة التي نشرت عليها البقية. وكان معروفًا لقراء جريدة الطان الفرنسية أنَّ مقالها الافتتاحي الذي لا يتجاوز عادة النهر ونصف النهر الذي يليه، إنما يُنشَر في صدر الجريدة، يليه مباشرةً من غير أي فاصل المقال الرئيسي للأحوال الداخلية. كما أنه يُعرَف عن الطان أنَّ الصفحة الأخيرة منها إنما هي صفحة الأنباء الأخيرة من الأخبار الخارجية على الأكثر، ومنها الأنباء الداخلية على الأقل. ويقابل جريدة ديلي هرالد من حيث الأوضاع في الصحافة الفرنسية جريدة باري سوار مثلًا؛ فإنها تُكثِر من الصور الفوتوغرافية، وتضع أبرز الحوادث في صفحتها الأولى، تشير إلى كل واحد منها في سطر أو أكثر، وتُحِيل القارئ على الصفحات الأخرى التي تنشر فيها البقية.

وفي صحافتنا المصرية نجد في الكبير منها شيئًا من تلك الدقة في الأوضاع، فإذا أخذنا مثلًا جريدة الأهرام في أيامها العادية التي تصدر فيها الآن في ست صفحات، فالمعروف أنها تنشر الوفيات مثلًا في الصفحة الثانية، وأنها تبدأ في الأخبار الداخلية على الصفحة الرابعة، كما أنها تخصِّص الصفحتين الأولى والسادسة للبرقيات. وكذلك الحال في جريدة البورص مثلًا، فإنها تراعي نفس الدقة في الوضع، بحيث يعرف قارئها في سهولة أين يجد بسرعة نوع الخبر الذي يريد أن يطَّلِع عليه. وإذا كان الجري في الصحف المصرية جريًا تقليديًّا يستند إلى تخصيص الصفحات الوسطى للأخبار المحلية، فإن الاتجاه الجديد يظهر في بعضها من آنٍ لآخَر، بحيث يغيِّر المكان التقليدي ويدعو إلى تجديد طريف، وقد حدث مثلًا عندما خرجت صحيفة روز اليوسف اليومية، أن أخذت عن باري سوار وديلي هرالد مثلًا تقليد نشر الأخبار الهامة والصور الفوتوغرافية عن الحوادث البارزة في الصفحة الأولى، ثم جدَّدت بأن أخذت عن الصحافة الفرنسية نشر الأخبار في الصفحة الثانية مباشرةً بدل جعل صفحتي الوسط هما المختَصَّتَيْن بالأنباء الداخلية.

أما الجذب في المواد فيستند بلا ريب إلى حُسْن اختيار الموضوعات التي تُعالَج في الصحيفة، بحيث تكون موضوعات اليوم بالنسبة للصحيفة اليومية، وموضوعات الأسبوع على الأكثر بالنسبة للصحف الأسبوعية، وكذلك ينبغي أن تكون تلك الموضوعات من الموضوعات الهينة التي يعنى بها أغلب القراء، لا أن تكون من الموضوعات الخاصة التي لا يُقبِل عليها إلا عددٌ محدَّدٌ من المثقفين. والجذب في الأسلوب يقتضي أن يكون سهلًا سلسًا، والصحيفة إنما تتقدم لجمهور القراء، وهي إذا أرادت أن تطلع بمستواهم العقلي، فإنما يجب أن تراعي في الوقت ذاته مستوى فهمهم الواقعي؛ كي تؤدي رسالتها الصحيحة عن طريق انسياب الأفكار الخيرة إلى مشاعر القراء انسيابًا هينًا لطيفًا، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الأسلوب السهل والكتابة السلسة. وقد دلَّتِ التجارب الصحفية على أنَّ القراء ينتهون بالنفور عاجلًا أو آجلًا من الصحف المظلمة الجافة.

العنصر النفسي

والعنصر الثالث من عناصر كيان الصحيفة هو العنصر النفسي، وهو يتمثَّل في الفكرة التي يستند إليها الصحفي وهو يُخرِج صحيفته، والمعروف أنَّ هناك خاطرين في هذا الصدد: خاطر الرسالة التي تقع على عاتق الصحفي، وخاطر الكسب الذي يريد أن يناله مصدر الصحيفة من عمليته. الخاطر الأول خاطر معنوي يستند إلى اعتبارٍ سامٍ متصل بالمصلحة العامة وبالحياة العامة، والخاطر الثاني خاطر تجاري يستند إلى اعتبار مادي هو الاعتبار الشخصي، أما إذا كان مُصدِر الصحيفة قد أقبل على إصدارها مدفوعًا بفكرة الكسب، فإن العامل النفسي ينتفي حتمًا، ولا تكون للصحيفة إلا صفة مادية وصفة الفنية. وإذن فلا يكون كيان الصحيفة كاملًا؛ لأن العنصر النفسي يكون قد نقص. وإذن فلا تكون صحيفة بالمعنى العلمي وبالمعنى الاجتماعي، ولا يكون لهذه الصحيفة اتصال بالصحافة كوظيفة اجتماعية تؤديها الصحافة، بل يكون الأمر كله أمر صحافة؛ أيْ صناعة مستندة إلى فكرة الكسب ليس غير. والمفهوم طبعًا أنَّ العنصر النفسي من عناصر كيان الصحيفة، إنما هو العنصر المستند إلى إحساس الصحفي في رسالته السامية رسالة تهذيب الرأي العام والدعوة إلى الصالح العام.

والواقع أنَّ هذا العنصر النفسي يستند إلى أنَّ الصحافة نوع من شركات التعاون، يكون فيها الجمهور ويكون فيها الرأي العام عضوًا من أعضاء تلك الشركة، ومن أجل ذلك واجب على الصحفي أن يفكِّر دائمًا فيما يريده الجمهور. وإنَّ الصحفيين الذين يُوفَّقون لمعرفة رغبات الجمهور الحقيقية يساوون وزنهم ذهبًا على حدِّ تعبير ويكهام ستيد الذي عمل طويلًا رئيسًا لتحرير جريدة التيمس. وهو يذكر في هذا الصدد أنَّ بعض الصحفيين الذين يتلمسون رغبة الجمهور ليلبوها يحسبون الجمهور في مستوى أحط من مستواهم، فيحاولون أن يقدِّموا له صحيفة ينزل مستواها بعض الشيء، وهم كأنهم يضاربون على النزول، ويذكُرُ أنَّ البعض الآخَر من الصحفيين وملَّاك الصحف يحسبون واجبهم مُنْصَبًّا على إنارة قرائهم وتهذيبهم، فيقدِّمون له صحيفة ترفع أو ترتفع بمستواه إلى حيث يحسبون الخير الصحيح، وهناك فريق ثالث من الصحفيين وملَّاك الصحف يحسبون أنَّ أحسن وسيلة لمعالجة الجمهور إنما هي وسيلة تخفيف وزن ما يقدِّمون إليه من نصائح وإرشادات، بحيث تتقبله المشاعر قبل أن تتقبله العقول، دون تعرُّضهم للمستوى الذي يحسبون مدارك القراء قد وصلت إليه. وعند الصحفي الإنجليزي الكبير أنَّ هذا النوع الأخير من الصحفيين وأصحاب الصحف هو الأكثر توفيقًا في عالم الصحافة؛ لأنه لا يعنى كثيرًا بالمستوى، والمستوى قد يخطئ الصحفي في تقديره، فيمتد الخطأ إليه وإلى كيان الصحيفة. إنما أولئك الذين يحصرون عنايتهم في التوجُّه إلى المشاعر — وهي أخف وألين من العقول — فإنما يكون نصيبهم من النجاح أضمن وأقوى. على أنَّ رسالة الصحفي في ذاتها قد تتعارض مع اعتبارات جمة، أهمها وأكثرها قيامًا في وجهه اعتبارات العلاقة التي يجب أن تكون بين الصحافة والحكومة، بين الصحفيين ورجال الحكم. والصحفيون يعتبرون أنفسهم رسلًا يبلغون الناس ويحاسبون مَن يتولون منهم السلطان، ورجال السلطة يحسبون نفوذهم ملكًا لهم لا لغيرهم، ولا يتقبلون تقبُّلًا حسنًا تدخُّلًا من غيرهم في سبيل هذا النفوذ.

ولعل أحسن ما حُدِّدت به تلك العلاقة بين الصحافة في حرصها على حريتها وعلى تأدية رسالتها كاملة، وبين رجال الحكم في غيرتهم على نفوذهم وسلطانهم، لعل أحسن ما حُدِّدت به تلك العلاقة هو ما نشرته جريدة التيمس في عددين متواليين صدرا في ٦، ٧ فبراير سنة ١٨٥٢ لمناسبة حادث تاريخي دولي، فقد قام لويس نابليون رئيس الجمهورية الفرنسية الثانية بانقلاب في شهر ديسمبر سنة ١٨٥١، استحال به إمبراطورًا للفرنسيين، وكان لورد بالمرستون وزيرًا للخارجية الإنجليزية في ذلك الحين، فأعلن إقراره الانقلاب الفرنسي، وأعلنه من تلقاء نفسه دون استشارة زملائه الوزراء ودون إخطار الملكة، فقامت جريدة التيمس بحملة على بالمرستون، أنتجت استقالته ومجيء لورد دربي مكانه، ثم استقالت الوزارة كلها وتولَّى لورد دربي رياستها، وكانت حملة التيمس قد مسَّتْ لويس نابليون أيضًا، فأنتجت من المانش الأخرى غضب إمبراطور الفرنسيين، فتدخلت حكومته لدى حكومة لندن، وانتهز لورد دربي فرصة مناقشة الرد على خطاب العرش الذي أُلْقِي لمناسبة تأليف وزارته الجديدة، فعرض بالتيمس قائلًا: «وبما أنَّ الصحافة الإنجليزية ترنو إلى أن تقاسِم رجال الدولة نفوذهم، فهي أيضًا يجب أن تقاسِمهم تبعاتهم.» وكان ذلك في اليوم الرابع من فبراير سنة ١٨٥٢، فنشرت التيمس في عدديها الصادرين بتاريخ ٦ و٧ فبراير ذاته مقالين دبجهما يراع روبرت لو رَدَّ بهما على قول لورد دربي رئيس الوزارة، وقال في أولهما:

إذا صح التسليم بأولى هاتين القضيتين، فإن القضية الثانية تتبعها منطقيًّا، ونحن من الناس جميعًا أقلهم ميلًا إلى تقليل أهمية الرسالة أو القوة التي نستمدها من ثقة الشعب، أو إلى انكسار مسئولياتنا أمامه، ولكن مهما تزد هذه القوة أو تنقص، فلا يسعنا أن نعترف بأن الغرض منها مشاطرة السياسيين ما يتكبدونه من عناءٍ، أو التقيُّد بنفس الحدود والواجبات والمسئوليات التي يتقيَّد بها وزراء التاج، فإن أعراض هاتين السلطتين وواجباتهما منفصلتان على الدوام، وهما مستقلتان بوجه عام، وعلى طرفي نقيض في بعض الأحيان. إنَّ كرامة الصحافة وحريتها تهونان في اللحظة التي تقبل الصحافة فيها مكان التبعية، وإنه لكي تؤدي الصحافة واجباتها في استقلال كامل حتى يستفيد الشعب منها أكثر الفائدة، لا تستطيع أن تتفق مع الساسة المعاصرين، أو ترتبط بهم، كما أنها لا تستطيع أن تفرط في امتيازاتها الدائمة لمصلحة قوى الحكومات المعارضة.

إنَّ أول واجب للصحافة هو الحصول على أسبق الأنباء الجارية وأصدقها وإذاعتها فورًا؛ لكي تصبح ملكًا مشاعًا للشعب. أما السياسي فيحصل على أخباره سرًّا وبوسائل مستورة، ويخفي أخبار اليوم الجارية ذاتها، ويمعن في الاحتياط لهذا الإخفاء إلى أن تنهزم الدبلوماتية في سياقها مع النشر. تعيش الصحافة على الجهر، فكل ما ينتهي إليها يصبح جزءًا من معلومات عصرنا وتاريخه، وهي تخاطب يوميًّا وعلى الدوام قوة الرأي العام المستنيرة، متنبِّئة إذا أمكن التنبؤ بسير الحوادث قائمة بين الحاضر والمستقبل، ناشرة بحثها في جميع الآفاق. أما واجب السياسي فهو بعكس هذا تمامًا، يخفي عن أعين الجمهور بحذر المعلومات التي ينظم بها آراءه وأعماله، ويحتفظ بحكمه على الحوادث الجارية حتى آخِر لحظة، ثم يدوِّنه بلغة تقليدية غامضة، ويحصر جهده حصرًا تامًّا إذا كان حكيمًا في مصالح أمته العملية، أو في المصالح التي تتصل بها مباشرةً، ولا يجازف بتخمينات طائشة فيما يتعلق بالمستقبل، ويركز في عمله كل تلك القوة التي تسعى الصحافة إلى نشرها في العالم. واجب إحدى القوتين أن تتكلم، وواجب الأخرى أن تصمت، إحداهما تبرز وجودها بالمناقشة، والثانية تجنح إلى العمل. عملُ إحداهما الرئيسي البحثُ في الآراء والعواطف، وعملُ الأخرى البحثُ في الحقوق والمصالح. الأولى بالطبع طليقة، والثانية بالضرورة متحفظة.

أما المقال الثاني فقد جاء فيه:

إنَّ الغايات التي يجب أن تكون نُصْب عيني الصحيفة الوطنية المثلى والمستنيرة، تتفق فيما نظن اتفاقًا كليًّا مع غايات أي وزير مستنير ووطني، بَيْدَ أنَّ الوسائل التي تتبعها الصحيفة ويتبعها الوزير — لتحقيق هذه الغايات والظروف التي يعملان فيها — مختلفة اختلافًا عميقًا وجوهريًّا، فالسياسي المعارض ينبغي أن يتكلم كأنما هو مستعد لتولي الحكم، والسياسي الذي بيده زمام الحكم يجب أن يتكلم كأنه مستعد للتنفيذ، فإذا وعدا أو عملا لغايةٍ كان الوعد أو العمل أكثر من محاجة أو مقالة، وبما أنهما لا يقومان بفحص المشكلات السياسية بقدر ما يقومان بتسيير دفة السياسة، فهما بالضرورة لا يبحثان عن الحقيقة بقدر ما يبحثان عن العلاج اللازم. وعلى نقيض هذا ليست للصحافة وظيفة عملية، فهي تصل إلى الغايات التي ترمي إليها بالجدل والنقاش وحدهما، وبما أنها منفصلة انفصالاً تامًّا عن الالتزامات الإدارية أو التنفيذية، فإن لها — بل عليها — أن تخوض بحرية في الموضوعات التي لا يجرؤ رجال السياسة على تناولها. ينبغي على الحكومة أن تعامل الحكومات الأخرى باحترام ظاهري مهما يكن منشؤها سيئًا، ومهما تكن أعمالها شائنة، ولكن ليست الصحافة لحسن الحظ مقيَّدة بشيء من هذا، وبينما يتقارض الدبلوماتيون عبارات المجاملة، تستطيع الصحافة أن تكشف القناع عن الذئب، أو عن القلب الدنيء الذي يخفق تحت النجم، أو تشير إلى لطخات الدم التي تمسك بالصولجان. إنَّ واجب الصحافي والسياسي نفس الأساليب هي في الحقيقة خلط بين الأشياء، كما أنها خطأ من الناحية النظرية والعملية لم يَقُلْ به أحد. لا تسعى الصحافة — كما يقول لورد دربي — إلى اقتسام نفوذ الساسة، ولكنها تسعى إلى بسط نفوذها هي، وتحتفظ بالاحترام لشيء أدعى إلى الاحترام من القوة الحيوانية الغشوم، تلك القوة الدامية التي لا تتورع عن اتخاذ أي وسيلة لتنفيذ أغراضها، والتي يقدِّم لها لورد دربي احترامه. ا.ﻫ.

توازن عناصر كيان الصحيفة

(النضال بين الإدارة والتحرير). لا يكفي توافُر تلك العناصر — التي ذكرنا — لوجود الصحيفة، بل إنه يجب أن يكون بين هذه العناصر نوع من التوازن، والواقع أنَّ العنصر المادي يستند إلى المال، والعنصر النفسي يستند إلى المبدأ والرسالة الصحفية، والعنصر الفني موزَّع في الحقيقة بين اعتبار المال واعتبار المبدأ. فالمال هو الذي يُعِين على وجود الكتَّاب والمخبرين، الذين يساهمون في إصدار الصحيفة بعنصرها الفني الصحيح، ويجب أن يتحلَّى هؤلاء الكتَّاب والمخبرون بما يتصف به مُصدِر الصحيفة من الاستمساك بالمبدأ الذي يصدر صحيفته لخدمته. وإذن فالتوازن بين العناصر الثلاثة إنما هو في الحقيقة توفيق بين الضرورات المالية والاعتبارات المعنوية، وفي سبيل هذا التوفيق يقوم النضال في كل صحيفة بين قسم الإدارة فيها وقسم التحرير، والإدارة في الغالب لا تريد أن تعنى إلا بزيادة الدخل، والتحرير لا يريد أن يعنى إلا بالإخراج من الناحية الفنية في حدود المبدأ والرسالة، والمديرون رجال أعمال وقواعد حسابية على الغالب، والمحررون رجال أفكار ومُثُل عليا، أو هم يجب أن يكونوا كذلك، وهم على الغالب من غير ذوي العقلية التجارية مهما تبلغ الأرباح التي تعود على غيرهم بفضل مجهوداتهم. والمديرون يريدون أن يكون الدخل منتظمًا، وأن يكون الإنفاق مأمونًا، وأن تكون المرتبات بخاصة مضمونة، والمحررون في عمومهم لا يمكن أن يستمتعوا بطمأنينة الموظفين في مناصبهم، ويحظوا في الوقت عينه بحرية التفكير والكتابة والتوجه بهما إلى حيث تدفعهم ضمائرهم ومُثُلهم العليا في سبيل الصالح العام، وإنهم ليتناوبون الخشن من الظروف والهين، وكثيرًا ما يهيمون وحياتهم على كفهم؛ ذلك بأن ريح المغامرة هي الهواء الذي يستنشقه الصحفي الصحيح، وذلك بأن الصحافة في ذاتها لا يمكن أن تكون حِرفة حرة وصناعة مأمونة معًا، ولكن لا يجوز للصحفي الصحيح أيضًا أن ينسى أنَّ رسالته المستندة إلى المبادئ السامية لا يمكن أن تكون مستقلة عن قسم الحسابات في الصحيفة التي يصدرها أو يعمل فيها.

والمعروف على العموم أن نصف دَخْل الصحيفة من البيع والاشتراكات، ونصفه الآخَر إنما يجيء من الإعلانات، ومن أجل هذا كان النضال بين الإدارة والتحرير أمرًا مألوفًا في كل صحيفة، وكان التوفيق بينهما خلال هذا النضال من أول الواجبات. ويقوم النضال عادةً على الإعلانات من حيث مساحتها، ومن حيث مكانها، ومن حيث نوعها؛ فالإدارة تحاول دائمًا أن يكون للإعلانات أكبر عدد من أنهر الصحيفة؛ لأنها تريد أكبر مال يدخل عن طريقها، والتحرير يحرص على أن تُخصَّص كثرة الأعمدة للمقالات والأخبار والبرقيات، وما إليها من عناصر التحرير الأصلية، والإدارة تريد أن يكون ولو لبعض الإعلانات مكان بارز في الصفحات الرئيسية في الجريدة، بينما يحرص التحرير على أن تكون هذه الصفحات لأبرز ما عنده من أخبار وبرقيات ومقالات. والإدارة لا تقف عند أي اعتبار بالنسبة لنوع الإعلان، فهي تراه إعلانًا له أجر وكفى، أما التحرير فيحرص على أن يكون نوع الإعلان غير منافٍ للخُلُق الفاضلة، وبعض الأحايين غير منافٍ للاتجاه العام الذي تتجهه الصحيفة في رسالتها. لا يضير الإدارة في صحيفة يغلب فيها المظهر الديني، أن تقبل إعلانات عن الخمر وما إليه من المنكرات، ولكن التحرير يعارض أشد المعارضة في مثل هذه الإعلانات، ويحرص على أن تكون إعلانات صحيفته متَّفِقة مع المستوى الذي يريد أن تظهر به. كذلك يقوم النضال بين الإدارة والتحرير على ما يُنشَر في الصحيفة من صور فوتوغرافية، فتميل الإدارة غالبًا عادةً إلى نشر ما قد يثير الغرائز عند القراء تحت ستار الفن الجميل، والتحرير يود دائمًا أن تكون الصور في حدود الخُلُق الذي ترتضيه الجماعة. وكذلك يقوم النضال عن نوع من الأخبار الخاصة بأصحاب النفوذ ورجال الأعمال، ترى الإدارة ضرورة نشرها لأنها تجلب عليها نفعًا ماديًّا أو نفوذًا أدبيًّا من جانب هؤلاء أو أولئك، ويرى التحرير أنَّ في نشرها نزولًا بمستوى الصحيفة إلى ما لا يود لها من مقام. ويقوم النضال فيما يقوم على نوع من الوسائل التي تريد الإدارة أن تلجأ إليها؛ لأنها تكون مصدر دَخْل جديد للجريدة، ويعارض التحرير فيها لأنها بعيدة البعد كله عن طبيعة الصحافة وصفاتها، مثال ذلك ما اعتاد بعض الصحف أن تلجأ إليه من المسابقات أو اليانصيب أو التأمينات. يقوم النضال باختصار بين اعتبار المال واعتبار المعنى، وليس المطلوب محو هذا النضال، فمحو النضال بين الاعتبارين السالفين في الصحيفة محال، ولكن المرغوب فيه إنما هو التوفيق بين عنصري النضال ما أستطيع التوفيق.

التوفيق بين عنصري النضال

والتوفيق بين تلك العناصر الثلاثة — وهو أمر لا بد منه لتكوين الصحيفة — هو في الواقع أمر شاق جدًّا، وموضوع الصعوبة فيه أنَّ التوفيق بين المبدأ المعنوي وبين المنفعة المادية، من الأمور التي تحتاج إلى جهاد نفسي كبير، لا تقوى عليه العوامل العادية، فصاحب المبدأ إنما يرمي قبل كل شيء إلى تحقيق مبدئه مهما ضحَّى في سبيله ومهما أوذي، وصاحب الفكرة النفعية إنما يرمي دائمًا إلى تحقيق الكسب مهما كان طغيانه على المبادئ وعلى الرسالات، ومن أجل هذا نجد أنَّ الصحف التي تستند إلى الرأي قبل كل شيء إنما تدفع ثمن حرية رأيها خسارة مادية تلحق بالمصدرين، وليس في العالم مثل لجريدة من جرائد الرأي يستطيع الباحث في تاريخها أن يقرِّر مطمئنًّا أنَّ حالتها المالية كانت على الدوام، أو في أغلب الأحيان، حالةَ زيادةٍ في الإيراد على المصروف، وقد ضربنا مثل جريدة ديلي هرالد الإنجليزية، وما استدعى قيامها من إنفاق مليونين من الجنيهات، قبل أن تعتدل ميزانيتها دخلًا وخرجًا، ونعرف أنَّ جريدة مورننج بوست، وقد كان قبل إغلاقها صحيفة المحافظين ولا سيما غلاتهم، كانت تلك الجريدة تخسر مبلغًا جسيمًا في كل أسبوع، كان حزب المحافظين يسدِّده بانتظام إلى أن ضَجَّ ومَلَّ، فانتهت الخسائر بأن سَعَتِ الجريدة إلى الاندماج في جريدة أخرى، وإلى الاختفاء من الميدان الصحفي الإنجليزي. وفي فرنسا كانت جريدة الطان في أيامها العادية إلى ما قبل الحرب القائمة، وهي كبرى الصحف الفرنسية، وهي تستند إلى رجال المصانع الكبيرة وإلى جماعة البروتستانت من الفرنسيين، كانت تلك الجريدة تتوالى خسائرها السنوية، ولا تستطيع أن تستمر في رسالتها إلا بتسديد أنصارها تلك الخسارة، وكذلك الحال فيما يختص بجريدة الديبا، التي تستند هي الأخرى إلى المصارف ورجال المال كما تستند إلى البيئة الكاثوليكية في فرنسا. وقد كان من شأن تلك الخسائر التي تتوالى على الصحف في فرنسا أنْ فكَّرَ بعض الصحفيين الفرنسيين في نظام طريف لإصدار صحيفة يومية كبيرة هي صحيفة «لي جور»، فإنها لم تصدر إلا بعد أن دعى الراغب في إصدارها أنصارَ رأيه إلى أن يتعاونوا وإياه في الإصدار، وبأن يتقدموا بقيمة الاشتراك، وبأن يصل عددهم (أيْ عدد المشتركين الدافعين بالفعل) رقمًا معينًا أعلن أنه لن يصدر صحيفته إلا إذا حُقِّقَ بالفعل، وأقام علاقته بزملائه المحررين، وكذلك علاقته الصحفية بقرائها على قاعدة التعاون، بمعنى أن يوزِّع الربح بينهم جميعًا، وبمعنى أن يتحمَّل المشتركون الخسارة فيما بينهم كذلك.

وفي مصر نأسف إذ تقرَّرَ مبدأ عدم التعادل على العموم بين العناصر المكوِّنة للصحيفة؛ لذلك فإنا نقرِّر أن لا صحافة في مصر على العموم بالمعنى العلمي الصحيح، وهو المعنى الذي تتوافر معه تلك العناصر الثلاثة المكوِّنة للصحيفة من ناحيةٍ، والذي يتوافر معه من ناحيةٍ أخرى التوفيق بين تلك العناصر جميعًا، وسنعالج شأن الصحافة المصرية في هذا الصدد من ناحيتين: ناحية تاريخية وناحية الدوافع الشخصية. أما من الناحية التاريخية فنعلم أنَّ الصحافة المصرية من حيث العناصر التي كوَّنتها قد مرت بأدوار، برز في كلٍّ منها عدد معين من الصحف، وقد كان الدور الأول هو الذي برزت فيه الصحف العثمانية: السلطنة (٥٧)، ووادي النيل (٦٧)، والأهرام (٧٥)، الأولى لتؤيِّد النظرية العثمانية، والثانية لتؤيِّد وجهة النظر المصرية، والثالثة لتؤيِّد وجهة النظر الفرنسية. والفترة الثانية فترة الاحتلال وما بعده مباشرةً نجد فيها «الأهرام» و«المقطم» و«المؤيد»، والأول يمثِّل النظرية الفرنسية، والثاني يمثِّل نظرية الاحتلال الإنجليزي، والثالث يؤيِّد وجهة النظر للحكومة المصرية. والعهد الثالث عهد نشاط الحركة المصرية والنزعة المصرية، والتنظيم المصري في الصفوف المصرية، ونجد فيه: «الأهرام» و«المقطم» و«المؤيد» و«اللواء» و«الجريدة» و«الأهالي» و«البصير»، وقد مثَّل «اللواء» حركة الشباب المثقف، وظل ﻟ «المقطم» طابعه المعين، كما وجدت «الجريدة» لاعتبار «المقطم» لتكون تأييدًا مصريًّا للاحتلال؛ ولاعتبار «المؤيد» فهي تُعَادِي الخديوي كما تؤيِّده «المؤيد»، وهناك عنصر آخَر ظهر في الميدان، وهو جريدة «الأهالي» تصدر في الإسكندرية، تمثِّل أعيان الإسكندرية، مُنشِئها محمد سعيد باشا، ويحرِّرها عبد القادر حمزة، ووُجِد «البصير» في الإسكندرية ليكون جريدةً تجارية بحتة. والفترة الرابعة هي فترة الحرب الكبرى الماضية، وفيها «الأهرام» و«المقطم» و«البصير» و«الأهالي» و«النظام»، والجديد على هذه الصحف هو «النظام» التي تمثِّل من بعيد فكرة الحزب الوطني.

والفترة الخامسة هي فترة النهضة المصرية الموحدة، وفيها «الأهرام» و«المقطم» و«البصير» و«النظام» و«الأخبار» و«المحروسة» و«الأفكار» و«الاستقلال»، وقد بقي «النظام» وجاوره، ثم طغى عليه «الأخبار» لأمين الرافعي، كما ظهرت «المحروسة» و«الأفكار» و«الاستقلال»، وكانت «الأخبار» وطنية بمعنى أوسع، وتعبِّر عن الوفد المصري المتكوِّن حديثًا، والثلاثة الأخيرة معبِّرة عن فكرة التقدم للنهضة بغير اتصال بأفكار أو هيئات. ثم العهد السادس وهو النهضة المصرية المشتَّتة، وفيه «الأهرام» و«المقطم» و«البصير» و«السياسة» و«المنبر» و«البلاغ» و«الكشاف» و«الاتحاد» و«الشعب» و«الجهاد» و«المصري» و«كوكب الشرق» و«روز اليوسف اليومية»، وقد بدأت «السياسة» بإنشاء حزب الأحرار الدستوريين، كما مثَّلت «المنبر» و«البلاغ» و«الكشاف» حزب الوفد، ومثَّل «الاتحاد» الانشقاق الثاني و«الشعب» الانشقاق الثالث، وظهرت انشقاقات داخل الوفد، فمثَّل كل فريق فيه صحيفة، كما ظهرت «روز اليوسف اليومية» لتمثِّل حركة الجبهة الوطنية. والفترة الأخيرة الحاضرة، وفيها «الأهرام» و«المقطم» و«البصير» و«البلاغ» و«المصري» و«الوفد المصري» و«الدستور».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١