النقابات الصحفية

سايرت الصحافة حركة التقدم البشري، وأفادت منها في مختلف عناصر الصحيفة عنصرها المادي من حيث الطباعة الآلية والورق المصقول والحبر الذي يجف بسرعة والتنظيم الاقتصادي في الحصول على الإعلانات والنقل بالطائرات، وعنصرها الفني من حيث الإخراج الفوتوغرافي وجلب الأخبار باللاسلكي وبالآلات الناقلة الخاصة وتوزيع العمل وتخصيص المحررين، وعنصرها النفسي من حيث انتقاء المحررين بين ذوي الكفايات الثقافية والخلقية، وتقرير التقاليد الصالحة التي تُعلِي من شأن المهنة، والحرص على ألَّا يحمل لقب صحفي إلا مَن توافرت فيه شروط تفرض الاحترام على زملائه وعلى سائر الناس.

سايرت الصحافة حركة التقدم البشري، وأفادت منها على ذلك النحو الموفَّق، لكن التوفيق الذي كُتِب لها في تلك النواحي التي ذكرنا لم يكن رائدها بالنسبة للحركة النقابية، وهي واحدة من أهم حركات التقدم في المائة السنة الأخيرة، ولعل للصحافة في هذا بعض العذر، وهي إنما وُجِدت لرعاية المصالح العامة أولًا، واعتبار الشيء العام هو الذي يطغى على تفكير رجالها، فيجعلهم يعالجون مصالح الغير في اتصالها بهذا الشيء العام، ولا يَدَعهم يفكرون في مصالحهم الخاصة، وإنِ اتصلت بالتنظيم الجماعي، أو لا يَدَعهم يفكرون فيها إلا متأخرين، وهذا الفرض الأخير هو الواقع، كما أنَّ الواقع أيضًا هو أنَّ التذبذب والتراوح والتنوع لم تبلغ في حرفة مثل ما بلغته عند الصحفيين، فبين الجماعات الصحفية ما يعنى بالصحيفة في ذاتها، فيضم أصحاب الصحف والمحررين ليعالجوا معًا مصالحهم المشتركة جميعًا، وبينها ما يتشبه بالاتحادات الصناعية، فلا يضم إلا أصحاب الصحف وحدهم، وبينها ما يُلحِق نفسه بنقابات العمال، ويحصر عضويته في المحرِّرين دون غيرهم من الصحفيين، على اعتبار أنهم أرباب الأجور يقابلون أصحاب العمل.

وذهب التنوع في الجماعات الصحفية إلى حد التمييز بينها بالاستناد إلى الفكرة التي يعتنقها الأعضاء، فوُجِدت جماعات للصحافة المحافظة، وأخرى للصحافة الاشتراكية، كما وُجِدت جماعات للصحافة الكاثوليكية، وكذلك ذهب التنوع إلى حد قصر العضوية على نوع واحد من المحرِّرين؛ فوُجِدت جماعات لرؤساء التحرير وحدهم، ووُجِدت جماعات لسكرتيري التحرير وحدهم، ووُجِدت جماعات للمندوبين والمخبرين، بل وُجِدت جماعات للمراسلين البرلمانيين دون سواهم من المحررين والمراسلين والمندوبين.

ولعل فرنسا هي التي بَزَّتْ غيرها في مضمار التعدد والتنوع والتخصص بالنسبة للجماعات الصحفية ونقابات الصحافة والصحفيين، وقد قامت فيها أولى الجماعات الصحفية سنة ١٨٧٩؛ إذ أُسِّسَت جماعة الصحافة الجمهورية الإقليمية، توالَى على إثرها تأسيس الجماعات والنقابات، إلى أن بلغ عددها في سنة ١٩٣٠، ١٥٢ جماعة كانت كلها من الضعف بحيث لا تستطيع القيام بأهم الأغراض التي أُنشِئت من أجلها، وهو إيجاد صندوق ادخار يفيد المسنين من الصحفيين، وقد حاول بعض الصحفيين إصلاح الحال، فأنشئوا لجنةً عامةً لجماعات الصحافة الفرنسية رأسها مدير سياسة جريدة البتي باريزيان، وهو الذي أصبح فيما بعدُ عضوًا بمجلس الشيوخ الفرنسي، ووزيرًا في وزارات متعاقبة. ومن هذه الجماعة الأولى خرجت نقابة الصحافة الباريسية صاحبة القوة والسلطان في فرنسا كلها، كما أخرجت الأزمةُ الاقتصادية ولا سيما أزمة الورق التي حلت سنة ١٩٢٦ الاتحادَ الأهلي للصحف الفرنسية، وكان أصحاب الصحف ومديروها هم أصحاب النفوذ في هذه الجماعات الصحفية الثلاث. وظل أرباب الأجور من الصحفيين مدة طويلة بعيدين عن الجماعات والنقابات الصحفية تحت تأثير تلك الروح الفردية التي تفشو عادةً عند المفكرين والذهنيين من ناحية، وتحت تأثير العلاقات التي كادت تكون عائلية بين أصحاب الصحف ومحرِّريها من ناحيةٍ ثانيةٍ. وقد كان أصحاب الصحف أفرادًا، وكان أبناؤهم يتوارثونها عن الآباء، لكن بعد إذ أصبحت الصحف منشئات تملكها شركات تشرف عليها مجالسُ إداراتٍ، نُزِعَتْ عن العلاقات بين الصحفيين وملَّاك الصحف تلك الصفةُ العائلية، ووُضِع فيها اعتبار الاتصال بين المالك والأجير وما يقابله من اعتبار الطائفة ومصلحتها الخاصة التي كثيرًا ما تناقض مصالح الطوائف الأخرى.

نضيف إلى هذا ما تطورت إليه الصحيفة في تفضيلها الخبر على المقالات، وفي سعيها إلى الحصول على الأخبار من وكالات الأنباء التي كثر عديدها، وأصبحت منافِسة للمخبرين والمندوبين العاملين في الصحف. بعد إذ أصبحت الصحف على هذه الوتيرة أفَاقَ المخبرون والمحررون والمندوبون، وأرادوا أن يقفوا من الملَّاك الموقف الذي يقفه كل أجير من صاحب عمل بالانخراط في سلك نقابة طائفية، تنظم العلاقات بين أعضائها وبين إدارات الصحف من حيث عقود العمل وأجوره وساعاته، ومن حيث السهر على دفع غوائل الشيخوخة والبطالة التي تهاجم أصحاب الحرفة الواحدة، فأسسوا في سنة ١٩١٨ نقابةَ الصحفيين التي بلغ عدد أعضائها ١٨٠٠ في سنة ١٩٣٣، وانتهت في سنة ١٩٣٤ إلى التفاهم مع أصحاب الصحف على مشروع قانونٍ لنقابة مختلطة تمثِّل أرباب الأجور وأرباب الأعمال.

ومثل هذا التطور البطيء الذي ذكرنا تفصيله في فرنسا هو الذي جرى في إنجلترا وألمانيا وأمريكا وسائر الدول. وفي إنجلترا هيئتان كبيرتان تعنيان بظروف المهنة الصحفية؛ أولاهما معهد الصحفيين الملكي المؤسَّس بمرسوم ملكي صدر في سنة ١٨٩٨، وهو خاص مبدئيًّا بأصحاب الصحف، وثانيتهما الاتحاد الأهلي للصحفيين، وقد أُسِّس سنة ١٩٠٧، وطبيعته نقابية واضحة لا يضم غير أرباب الأجور من الصحفيين، وقد انتهى به الأمر إلى الانضمام إلى اتحاد النقابات العام منذ سنة ١٩١٩، وقد بلغ عدد الصحفيين المنضمين إليه في سنة ١٩٢٧ (٥٠٠٠)، أيْ نصف الصحفيين العاملين في بريطانيا العظمى.

وفي أمريكا تكثر الجماعات الصحفية كثرة لا عَدَّ لها ولا حصر، ولكن ليس بينها جماعة واحدة لأرباب الأجور تقوى على الوقوف في وجه جماعات أصحاب الصحف وملَّاكها من الشركات والممولين. وكانت في ألمانيا إلى ما قبل قيام النازية جماعة أهلية للصحافة الألمانية أُسِّست سنة ١٩١٠، سهرت على الدفاع عن المحررين فيما يتصل بمهنتهم بعد إمضائهم فيها سنة واحدة، وقد بلغ عدد أعضاء تلك الجماعة الموزعين على اتحاداتٍ إقليميةٍ: ٤٤٠٠ في سنة في سنة ١٩٢٦، وانتهى نشاطها إلى إنشاء لجنة أهلية يتعاون فيها أصحاب الصحف وتلك الجماعة الخاصة بالمحررين على وضع صيغ لعقود العمل في الصحف. أما بعد قيام النازية في ١٩٣٣ فقد أُخِذ في ألمانيا بما هو معمول به في إيطاليا الفاشية وروسيا البلشفية من نظام طائفي لا يعترف إلا بنقابة واحدة لجميع أعضاء الطائفة الصحفية، ويقرِّر لهم عن طريق التشريع أساليبَ العمل ونوع العلاقات بين المرءوسين منهم والرؤساء، وتقوم عادة في تلك البلاد إلى جانب الجمعيات والنقابات الصحفية الأهلية جمعيات ونقابات للصحفيين الأجانب، الذين يقومون بمراسلة صحف في بلادهم أو في بلاد أخرى غير التي يقيمون فيها، وترمي كل تلك الجمعيات والنقابات إلى تحديد الشروط الواجب توافرها في أعضائها، ويبرز بينها شرط الاشتغال الفعلي بالصحافة على أن تكون هي المهنة الرئيسية، وشرط حيازة مؤهلات الاحترام الواجب للحرفة؛ وذلك تطهيرًا للمهنة من أدعيائها والمتطفلين عليها من ناحية، ودفعًا لمنافسة الهواة الذين لا يتقاضون أجرًا على عملهم فيها من ناحية ثانية. وكذلك ترمي كل تلك الجمعيات والنقابات إلى تقرير تقاليد كريمة للمهنة، وتَوَلِّيها بنفسها فَضَّ ما قد يقوم بين أعضائها من خلافات، والحصول من الحكومات على امتيازات تسهل على الصحفيين تأدية مهمتهم، وإنشاء نظام يضمن لهم التعاون في سبيل درء عاديات الحاجة عنهم.

ولم تقف جهود العاملين في سبيل تنظيم حقوق الصحفيين وواجباتهم عند حدود بلادهم، يبذلونها لدى أصحاب الصحف والمحرِّرين؛ كي يُنشِئوا لهم جماعات ونقابات، ولدى الحكومة كي تُصدِر بهذه الجماعات والنقابات تشريعات، وتمنح عن طريقها امتيازات؛ بل تجاوزت تلك الجهود الميادين المحلية إلى الميدان الدولي بعقدِ مؤتمراتٍ وتأليفِ لجانٍ واتحاداتٍ تسعى إلى تعميم أساليب التنظيم الصحفي في كثرة البلاد. ولعل أول تلك المؤتمرات ذلك الذي عُقِد في مدينة أنفرس سنة ١٨٩٤، قرر فيه مشروع اتحاد دولي صدق على قانونه في السنة التالية، وكان من نتائجه أنْ توالَى عقد المؤتمرات الصحفية الدولية، وقد اجتمع فيها أصحاب الصحف ومديروها ومحرروها، وأقروا فيها وسائل حماية المصالح الصحفية والدفاع عنها لدى الحكومات، بمطالبتها بإنقاص أجور البريد والبرق بالنسبة للصحف ورسائلها، ولدى القضاء بتدعيم حق احتفاظ الصحفي بسر المهنة، وعدم إكراهه بالإدلاء به خلال ما يدعى إلى تأديته من شهادة.

وكذلك أوصت تلك المؤتمرات بالقصد في الحملات الصحفية، ومنع المبارزات بين الصحفيين، وكان مما أقره مؤتمر لشبونة المنعقد سنة ١٨٩٨ اعتبارُ مكتبِ الاتحاد الدولي محكمةَ تحكيمٍ صحفيةً دوليةً، ومنح المراسلين الأجانب نفس الامتيازات التي تُمنَح للصحفيين الوطنيين، وتوسيع مدى حق التأليف الذي يحمي الكتب حتى يشمل مقالات الصحف ويحميها من عبث النقل كذلك، وكان من أثر الحرب العالمية الماضية أن فقد ذلك الاتحاد الدولي أهميته، فقام على أنقاضه بعد الحرب اتحادٌ دوليٌّ آخَر، أعلن عن إنشائه سنة ١٩٢٦، وتميَّز عن الأول بأنْ حصَرَ عضويته في نقابات أرباب الأجور من الصحفيين وحدهم دون الملَّاك، وكانت إحصاءاته الأخيرة الصادرة سنة ١٩٣١ تدل على أنه يضم ٢٥ جماعة صحفية أهلية، و٧ جماعات للمراسلين الأجانب، تمثل جميعها ٢٠٠٠٠ صحفي محترف. وبفضل الصحفيين المقبولين لدى عصبة الأمم اعترف مكتب العمل الدولي بهذا الاتحاد، وأشركه في البحوث التي دعا إلى القيام بها عن حالات العمال الذهنيين.

كما أنه أُقِيمت محكمة صحفية دولية منذ سنة ١٩٣١ في مدينة لاهاي — مقر محكمة العدل الدولية الدائمة — تفصِل فيما يقوم من خلاف بين ملَّاك الصحف والمحررين فيها، أو بين صحف وأخرى، وكان من أثر تلك العلاقة التي قامت بين الاتحاد الصحافي الدولي ومكتب العمل الدولي، الذي ألَّف لجنة استشارية للعمال الذهنيين، خصَّص بعض اجتماعاتها للشئون الصحافية؛ كان من أثر تلك العلاقة أن تعددت رعاية عصبة الأمم للمؤتمرات الصحفية، وأن أصدرت الجمعية العامة لعصبة الأمم سنة ١٩٣١ قرارًا تدعو فيه مجلس العصبة إلى أن يدرس بالتعاون مع الصحافة مسألة نشر الأخبار الكاذبة، التي يكون من شأنها تعكير صفو السلام والعلاقات الحسنة بين الشعوب. وكان هذا القرار سببًا في عقد مؤتمر كوبنهاجن سنة ١٩٣٢، وهو المؤتمر الذي مثَّلت فيه اثنتان وعشرون دولة، وعني بدراسة العلاقات بين إدارات المطبوعات والهيئات المستقلة، التي ينشئها الصحفيون إلى جانب عنايته بالموضوع الأصلي الذي أُحِيل عليه درسه من مجلس العصبة، والذي أقر هذا المجلس في اجتماعه في يناير سنة ١٩٣٤ ما كان درس المؤتمر قد أوصل إليه من قرارات.

كما قامت إلى جانب تلك المؤتمرات التي دعت إليها عصبة الأمم مؤتمراتٌ صحفيةٌ أخرى ذات صبغة الوحدة في اللغة أو الجنس، كمؤتمر الصحافة الأنجلوسكسونية، ومؤتمر الصحافة اللاتينية الذي عُقِد في القاهرة منذ بضع سنوات. ذلك هو مجمل المظاهر الذي تكشفت عنها الجهود في سبيل التنظيم الصحافي عن طريق الجماعات والنقابات الأهلية منها والدولية.

ولم تكن مصر بمعزل عن ذلك التيار المنظم لمهنة الصحافة وحرفة الصحفيين؛ فقد حاولت صحافتها وحاول صحفيوها أن تكون لهم جماعة أو نقابة، فصادف المحاولات المصرية ما صادف سابقاتها في غير مصر من عقبات، إذ قامت الفكرة في أول الأمر على مبدأ حصر أعضاء النقابة في أصحاب الصحف من ناحية، وعلى مبدأ مطالَبَة الحكومة بالامتيازات الصحفية من ناحية ثانية، دون التفكير في هناءة المحررين وإقرار القواعد التي تستند عليها العلاقات بينهم وبين أصحاب الصحف. وإذ كانت أولى المحاولات التي لاحت في الأفق المصري ترجع إلى ٥٠ سنة، فإنها هي والتي تلتها حتى سنة ١٩٢٠ كانت تتميز بطابعها الأجنبي؛ إذ كانت الصحافة الأجنبية هي التي تدعو إليها عادةً وبطابع التكتل للتضامن في سبيل مناهضة الحكومة المصرية في كنف الامتيازات الأجنبية. على أنَّ النقابة المصرية التي وُجِدت في سنة ١٩٢٠، واستمرت متراوحة بين القيام والقعود إلى سنة ١٩٣٦، وكان اسمها نقابة الصحافة المصرية، كان يغلب فيها دائمًا اعتبار أصحاب الصحف واعتبار امتيازات الصحف، وكان يضؤل فيها اعتبار أرباب الأجور من العاملين في الصحف، واعتبار اطمئنانهم في عملهم وحمايتهم من استبداد أصحاب الصحف بهم. وقد رُوعِي هذان الاعتباران فيما روعي من اعتبارات في قانون جماعة الصحافة، الذي صدر به مرسوم في سنة ١٩٣٦، لكنه ظل قانونًا ميتًا لم تنفِّذه حكومة من الحكومات التي تعاقبت منذ ذلك التاريخ، وكان عليها لتنفيذه أن تعيِّن أعضاء مجلس الإدارة الأول، فلم تُقدِم واحدة منها على تعيينهم. وظلت أمور الصحافة على شيء من الفوضى إلى أن صدر قانون نقابة الصحفيين، وأصبح معمولًا به منذ يوم الخميس ٣ أبريل سنة ١٩٤١، وهو يوم نشره في الجريدة الرسمية، ويستند هذا القانون إلى مبادئ تتفق في كثير من نواحيها مع المبادئ التي تقوم عليها أحدث النقابات الصحفية في البلاد الديمقراطية، فهو:
  • (١)

    ينشئ نقابة للصحفيين على نحو ما هو مسمَّى به، وعلى نحو ما ورد في المادة الأولى من مواده، فيخالف في هذا جميع المحاولات السابقة في مصر من جانب الجهود الخاصة، ومن جانب التشريع الحكومي السابق، وقد كانت مجمعة على تسمية النقابةِ أو الجماعةِ نقابةَ الصحافة أو جمعية الصحافة، فانتقل بنا من اعتبار الصحيفة وملكها وامتيازاتها إلى اعتبار العاملين في الصحيفة وحقوقهم وواجباتهم.

  • (٢)

    يجمع في النقابة بين ملَّاك الصحف والمحرِّرين، فلا يجعل منهما طائفتين متحاربتين، بل يعمل على تضامن عناصر الطائفة الصحفية كلها في سبيل كرامة المهنة، وتقرير قواعد مزاولتها مزاولةً تدعو إلى الاحتراف.

  • (٣)

    يسهر على بيان العادات المرعية في المهنة الصحفية بدل أن يترك أمرها فوضى من غير ضابط ولا وازع، فيعمل بهذا على تدعيم الصحافة بما يثبت تقاليدها ويؤكد نظامها.

  • (٤)

    يقرِّر وضع القواعد الخاصة بعقد استخدام الصحفيين، والتعويضات التي تستحق لهم عند فسخه، فيحميهم من استبداد أصحاب الصحف.

  • (٥)

    ينظم قواعد تسوية المنازعات التي قد تنشأ بين أعضاء النقابة، أو بينهم وبين غيرهم، فيضمن لهم ولها ما ينبغي من هيبة ووقار؛ وذلك بفض الخلافات في دائرة مقفلة بدل عرضها على الملأ وكشف عورات الذين ينظر إليهم الرأي العام خلال منظار الشيء العام.

  • (٦)

    ينشئ صندوق ادخار يقي أعضاء النقابة شرور العوز والحاجة عند الكبر والعجز عن العمل.

  • (٧)

    يقرر حق الانتفاع بالمزايا التي تسهل مزاولة المهنة.

أغراض النقابة المصرية ونظامها

صدر إذن القانون رقم ١٠ لسنة ١٩٤١ مُنشِئًا بحكم مادته الأولى نقابةً للصحفيين، مركزها مدينة القاهرة، ولا يكون عضوًا فيها إلا مَن كان مقيَّدًا في جدول النقابة، أو معيَّنًا من مجلس النقابة ممَّن تتوافر فيهم شروط وردت في المادة الرابعة والمادة التاسعة والعشرين، ودرسنا تفصيلها من قبلُ، ومقرِّرًا للنقابة في مادته الثالثة الشخصية المعنوية المصرية، ومحدِّدًا أغراضها في مادته الثانية على النحو الآتي:
  • (١)

    العمل على صيانة حقوق الصحفيين وتحديد واجباتهم.

  • (٢)

    تنظيم علاقات الصحافة مع الحكومة والجمهور.

  • (٣)

    سن القواعد المنظمة لمزاولة المهنة الصحفية، وبيان العادات المرعية فيها.

  • (٤)

    جزاء المخالفين على الخروج على مبادئ المهنة ولوائحها والعادات المرعية فيها.

  • (٥)

    تسوية المنازعات ذات الصلة بالمهنة التي قد تنشأ بين أعضاء النقابة أو بينهم وبين غيرهم.

  • (٦)

    العمل على تحقيق كل مشروع أو عمل من شأنه رفع مستوى الصحافة وإعلاء كرامتها.

ويحظر على النقابة الاشتغال بأي عملٍ خارجٍ عن هذه الأغراض.

والمقصود بالعمل الخارج عن أغراض النقابة الذي يحظر القانون الاشتغال به، إنما هو العمل السياسي والعمل الديني؛ خشيةَ أن يُفسِد الاشتغالُ بهما اتجاهَ النقابة الأصلي، وهو اتجاه متصل باعتبارات المهنة وحدها، وقد كان نص مشروع الحكومة صريحًا في حظر الاشتغال بالأعمال السياسية أو الدينية، لكن خشي أن يساء تفسير معنى الأعمال السياسية، والصحافة تعنى بهذه المسائل قبل غيرها من الشئون، فوضع النص الجديد، وأن يكون مفهومًا أنَّ الاشتغال بالسياسة والمسائل الدينية هو المقصود حظره على النقابة كنقابةٍ لا على أفرادها كصحفيين. ويتضح من هذه البنود الستة أنَّ أغراض النقابة تنقسم إلى قسمين، يتعلق قسم منها بحقوق الصحفيين، ويتعلق القسم الثاني بواجبات الصحفيين.

أما الحقوق التي قرَّرها القانون للصحفيين فهي:
  • أولًا: حصر لقب الصحفي في أعضاء النقابة، ومنع غيرهم من حمل هذا اللقب، وتوقيع العقاب على مَن يجرؤ على حمله على حدِّ ما نصَّتْ عليه المادة الثانية والعشرون.
  • ثانيًا: حق التمتع بالمزايا الصحفية على نحو ما نصَّتْ عليه المادة الثالثة والعشرون من القانون، ونصها: «لأعضاء النقابة وحدهم حق الانتفاع بالمزايا والمنح التي تمنحها السلطات العامة بقصد تسهيل مزاولة المهنة، كتذاكر الانتقال والمرور والشروط الخاصة، فيما يتعلق بأعمال البريد والتلغرافات والتليفونات والسكك الحديدية. وتعطي وزارة الداخلية تذكرة إثبات شخصية خاصة لجميع أعضاء النقابة.» وأنواع الامتيازات الواردة في هذه المادة تتصل بما يسهل على صاحب الجريدة جلب المواد اللازمة لإخراج الصحيفة، وعلى المحرر جلب الأنباء الواجب ظهورها في الصحيفة. وإذا لم تكن المادة قد نصت على امتياز جمركي، فهذا الامتياز في الواقع مزية من المزايا التي تتمتع بها الصحف المصرية؛ إذ تدفع نصف الرسوم الجمركية المقرَّرة على الورق، بشرط أن يكون هو ورق الجرائد ذا الخطوط المائية، وبشرط أن تقدِّم الصحيفة قوائم شهرية عن استهلاكها المنتظر، وأن تخضع لتفتيش مصلحة الجمارك على استهلاكها الفعلي. وإلى جانب هذا الامتياز الجمركي يوجد بالنسبة للصحف المصرية امتياز أجور البريد، وقد صدر به أمر عالٍ في سنة ١٨٧٩، عدل بالقانون رقم ١٠ لسنة ١٩٢١، يجعل الرسوم البريدية على الجرائد والمطبوعات الدورية مليمًا واحدًا عن كل نسخة من الجريدة أو المجلة.

    وهناك الامتياز التلغرافي، وهو يقضي بأن تعامل البرقيات الصحفية الواردة من المراسلين إلى الجرائد معامَلَةً ممتازة تنزل الرسوم فيها إلى معدل النصف، وإلى جانب هذه المعاملة الداخلية توجد معاملة خاصة بالبرقيات الصحفية الخارجية تصل إلى ربع الرسوم. ثم الامتيازات التليفونية وهي تُمنَح في مصر لكل صحيفة يومية، ولبعض الصحف الأسبوعية حالة تليفونية مجانية. وهناك امتياز السفر على السكك الحديدية الحكومية بقيمة مخفضة، تذهب عادةً إلى حد النصف، ويتجاوز عن النصف في بعض الأحايين، فتُصرَف التذكرة مجانًا. أما تذاكر المرور التي تشير إليها المادة الثالثة والعشرون، فهي بطاقات تسمح لحاملها من المندوبين بحرية الانتقال أثناء الحفلات، وفي المناسبات التي يتقيد فيها المرور في الشوارع؛ وذلك تسهيلًا للمندوب ولمهمته الصحفية.

  • ثالثًا: حق عقود الاستخدام المنصوص عليها في المادة الرابعة والعشرين من القانون، ونصها: «يضع مجلس النقابة لائحةً بالقواعد الخاصة بعقد استخدام الصحفيين، والتعويضات التي تستحق لهم عند فسخ العقد وفقًا لأحكام القانون العام، وكذلك القواعد التي يجب عليهم مزاولة مهنتهم طِبْقًا لها، وغير ذلك، وتصدق لجنة الجدول والتأديب على هذه اللائحة، فلا تسري هذه اللائحة إلا على أعضاء النقابة وحدهم.»
  • رابعًا: حق صندوق الادخار المنصوص عليه في المادة الثلاثين من القانون، ونصها: «ينشئ مجلس النقابة بمعاونة الحكومة صندوقَ ادِّخارٍ لصالح أعضاء النقابة، ويضع نظامًا خاصًّا لا يُنفَّذ إلا بعد إقراره من الجمعية العمومية وتصديق وزير الداخلية.» ولا شك أنَّ إنشاء هذا الصندوق هو من الأعمال المشار إليها في البند السادس من بنود أغراض النقابة؛ إذ إنه مشروع من شأن إعلاء كرامة الصحافة بالاحتفاظ بكرامة الصحفيين.
أما الواجبات التي يفرضها قانون النقابة على أعضائها، فترجع إلى بيان العادات المرعية في الصحافة ونزول الصحفيين عندها، كما ترجع إلى التسوية الإجبارية للمنازعات التي تقوم بين الصحفيين بعضهم والبعض الآخَر، وتدعم هذه الواجبات المختلفة بدعامة الجزاء لمَن يخالفها، وهو جزاء يذهب إلى حد الشطب وعدم التمتع بالحقوق والامتيازات المقابلة لهذه الواجبات. وليست في مصر عادات مرعية لمزاولة المهنة الصحفية، وسيكون للنقابة الجديدة فضل الاجتهاد في تقريرها، وإنْ كان هذا الاجتهاد ميسورًا؛ لأن التقاليد الصحفية مقرَّرة في غير مصر، ويمكن الأخذ عنها بسهولة، وأهم تلك العادات الصحفية هي: حق التأليف، وحق الرد، وسر المهنة، ومعاملة الزملاء.
  • (١)

    أما حق التأليف فيقضي بالاعتراف بالمؤلف وعدم الاعتداء على إنتاجه، وإذا طُبِّق هذا الحق على الصحافة، فإنما هو يعني أن تذكر كلُّ صحيفة المصدرَ الذي تأخذ عنه، فلا تسمعنا عبارات «إحدى جرائد الصباح وإحدى جرائد المساء»، بل تذكُرُ اسم الصحيفة التي تأخذ عنها الخبر أو التي تعلِّق على خبرها جليًّا واضحًا، ويُذكَر اسم مَن جرى معه الحديث واضحًا جليًّا كذلك، بل لا يُنشَر الحديث في صحيفة إلا إذا سبق عرضه على صاحبه، وأُخِذت موافقة منه على حديثه. وحق التأليف وإن لم يكن معترفًا به في مصر، إلا أنَّ المحاكم ولا سيما المحاكم المختلطة تسهر على الملكية الأدبية، عن طريق التعويض الذي تحكم به على سارق الأدب ومستغل التأليف.

  • (٢)

    وحق الرد يوجب على الصحيفة أن تنشر ما يبعث به إليها متعلقًا بموضوع ذكر فيه اسم شخص أو هيئة، وأراد هذا الشخص أو هذه الهيئة أن تبيِّن رأيها فيما كُتِب عنها، ويقضي القانون العام بأن تنشر الصحيفة الرد الذي يجيئُها في نفس المكان الذي نُشِر فيه الموضوع المردود عليه، وبنفس الحروف التي طُبِع بها ذلك الموضوع؛ بل يُعطَى لصاحب الرد الحقُّ في أن يكون رده ثلاثة أمثال المساحة التي احتلها الموضوع الأول.

  • (٣)

    وسر المهنة؛ ومعناها أن يفرض على الصحفي الاحتفاظ بسر الأنباء التي تصل إليه، فلا يذيع اسم صاحبها، ولا يذكر شيئًا عن طريقة الحصول عليها، ولا يستطيع القضاء أن يرغمه على كشف هذا السر أثناء تأديته الشهادة أمامه.

  • (٤)

    احترام الزمالة؛ فلا يصح بحال أن يذكر زميل، أو أن تذكر صحيفة زميلة بعبارات تنال من الكرامة أو تحط من القدر، ويُعتبَر دائمًا المس بكرامة الزمالة من أعظم الذنوب التي يقترفها صحفي، والتي تسهر النقابات على المعاقبة من أجلها معاقبة شديدة.

ونستطيع أن نذكر لمناسبة هذه العادات المرعية والتقاليد الصحفية التي تسهر النقابات عادةً على رعايتها؛ أنَّ لسان الاتحاد الصحفي الفرنسي — وهو يصدر في شكل مجلة شهرية — ينشر دائمًا على غلافه هذه العبارة التي تتركز فيها واجبات الصحفي الشريف، وهذه العبارة هي: «إنَّ الصحفي الجدير بهذا الاسم يأخذ على عاتقه تبعة كل كتاباته، حتى لو كانت غفلًا من الإمضاء، ويُعتبَر الطعن والتشهير والقذف والاتهامات التي لا دليل عليها من أشنع أخطاء الصنعة، وهو لا يَقْبَل إلا المهمات التي تتفق مع كرامة المهنة، وهو يمتنع عن ادِّعَاء لقب أو انتحال صفة ليحصل على الخبر، وهو لا يأخذ مالًا في عمل حكومي أو في منشأة خاصة، يمكن أن تصبح فيهما صفته الصحفية أو علاقاته أو يصبح نفوذه عُرْضَةً للاستغلال، وهو لا يوقِّع باسمه مقالات للإعلان التجاري أو المالي البحت، وهو لا يرتكب سرقة أدبية، ولا يسعى في أخذ مركز زميل له، ولا يعمل على فصله بأن يتقدم للعمل بشروط أدنى، وهو يحفظ سر المهنة ولا يسيء استعمال حرية الصحافة بقصدٍ مغرضٍ.»

وقد عالج القانون الجديد مسألة تسوية المنازعات ذات الصلة بالمهنة التي قد تنشأ بين أعضاء النقابة، أو بينهم وبين غيرهم، وهي المسألة المنصوص عليها في البند الخامس من بنود المادة الثانية المحددة لأغراض النقابة، عالج القانون هذه المسألة؛ إذ قرَّر لها مبدأ وأقرَّ لأخذ هذا المبدأ إجراءات.

أما المبدأ؛ فقد قرر في المادة ١٥، وهي لا تُجِيز لعضوٍ في النقابة أن يقدِّم شكوى من زميل له، أو يرفع الأمر إلى القضاء في شئون تتصل بالمهنة إلا بعد إبلاغ الأمر للمجلس، وفي هذا بطبيعة الحال حد من حرية الصحفي في استعمال حقه الطبيعي في الالتجاء إلى القضاء، ولكنه حد في مسألة المهنة وكرامتها التي تقضي بفض المنازعات عن طريق التحكيم إلى هيئة من أهل المتنازعين، لا سيما وأنَّ هذا الحد واقف عند المنازعات في الشئون المتصلة بالمهنة وحدها، لا يتجاوزها إلى الشئون الخارجة أو العادية التي يجري بشأنها العُرْف العادي، وهو عُرْف الالتجاء إلى القضاء إذا أُرِيدَ هذا الالتجاء. وأما الإجراءات التي يؤخذ بها ذلك المبدأ، فقد نظمتها أحكام المادة ١٤ التي تحمل عليها نهاية المادة ١٥، حين تقرَّر المبدأ المذكور، وحين تقول: إنَّ إبلاغ الأمر للمجلس إنما هو كي يسعى المجلس في الصلح المشار إليه في المادة ١٤.

ويتبع تلك الواجبات المفروضة على الصحفي من حيث احترام العادات الصحفية وقواعد مزاولة المهنة المقررة، ومن حيث تسوية المنازعات عن طريق مجلس النقابة؛ يتبع تلك الواجبات جزاء المخالفين لها، وقد تقرر هذا الجزاء غرضًا من أغراض النقابة نُصَّ عليه في البند الرابع المادة الثانية من القانون.

أما الإجراءات الخاصة في تطبيق الجزاء، فقد نُصَّ عليها في المواد ٢٥ و٢٦ و٢٨ من القانون، وهي تقضي بأن يرفع مجلس النقابة أمر المخالفة إلى لجنة الجدول والتأديب، بقرارٍ يُصدِره بعد تحقيقٍ يجريه بناءً على طلب وزير الداخلية، أو شكوى تُقدَّم من أحد أعضاء النقابة أو أحد الأفراد، وإذا ما رفع الأمر على تلك الوتيرة إلى لجنة القيد والتأديب، فإنها تُعلِن صاحب الشأن بالحضور قبل الموعد بثمانية أيام على الأقل، فإذا تأخَّر عن الحضور بعذر مقبول قُبِلَ عذره وحُدِّد بالتفاهم معه موعد آخَر، وإذا تأخَّر عن الحضور بغير عذر مقبول أُعِيد إعلانه مرة ثانية، فإذا حضر فُصِل في الأمر بحضوره، ويجوز له الاستعانة بمحامٍ. أما إذا لم يحضر فإنه يجوز الفصل في الأمر في غيبته، وفي الحالتين تكون قرارات اللجنة مسببة وتكون نهائية غير قابلة للطعن. والعقوبات التي توقع على المخالفين على الخروج على مبادئ المهنة ولوائحها والعادات المرعية، هي بنص المادة الخامسة والعشرين الإنذار، ورفع الاسم من الجدول لمدة لا تزيد على سنة واحدة، وشطب الاسم من الجدول، ويفقد العضوُ الذي صدر قرار برفع اسمه من الجدول أو شطبه منه جميعَ المزايا والمنح التي يتمتع بها عضو النقابة نهائيًّا في حالة الشطب، ومدة رفع الاسم من الجدول في الحالة الأولى، وذلك كنص المادة الثامنة والعشرين من القانون. على أنَّ هناك حالتين أخريين يفقد فيهما الصحفي حق العضوية في النقابة، نصَّتْ عليهما المادة السابعة والعشرون، وهما حالة فقد العضو أحد الشروط المنصوص عليها في المادة الرابعة الخاصة بالقيد في الجدول، وحالة عدم تسديد الاشتراك في النقابة في مدى ستة أشهر من تاريخ التنبيه بالدفع. وفي كلتا الحالتين يصدر الأمر بالشطب من لجنة الجدول والتأديب بعد إعلان العضو قبل موعد الجلسة بثمانية أيام على الأقل، فإذا تأخَّر عن الحضور أُعِيد إعلانه مرةً ثانيةً، وفي هذه الحالة — إذا لم يحضر — جاز الفصل في الأمر في غيبته، وتكون قرارات اللجنة مسببة ولا تقبل الطعن. على أنَّ أعضاء النقابة الذين تُشطَب أسماؤهم في حالة من هاتين الحالتين الأخيرتين، يجوز أن تعيد اللجنة قيدهم بالجدول بناءً على طلبهم، إذا ثبت للجنة أنهم قد توافرت فيهم الشروط اللازمة للقيد بالجدول، أو أنهم سددوا الاشتراكات المستحقة عليهم.

نظام النقابة

تلك هي أغراض النقابة، وتلك هي الإجراءات التي يقرِّر القانون اتخاذها سعيًا في سبيل تحقيق هذه الأغراض. أما نظام النقابة ذاته فيستند إلى هيئات ثلاث رئيسية: لجنة القيد والتأديب، ومجلس النقابة، والجمعية العمومية. وتصدر عن مجلس النقابة هيئتان فرعيتان هما: المكتب ولجنة التسوية التي عرفنا الآن اختصاصها في فض المنازعات.
  • (١)

    أما لجنة القيد والتأديب فتؤلف كحكم المادة الخامسة من رئيس محكمة استئناف القاهرة رئيسًا، ومن أحد مستشاري هذه المحكمة تعيِّنه كل سنة جمعيتها العمومية، ومن النائب العام أو مَن ينيبه عنه، ومن عضوٍ يعيِّنه كل سنة وزير الداخلية، ومن رئيس النقابة أو مَن ينيبه عنه كل سنة مجلس النقابة أعضاء. وتختص هذه اللجنة بقيد أسماء الأعضاء في الجدول، عن طريق النظر في الطلبات التي تُقدَّم إليها، ويُرسَل طلب القيد إلى اللجنة كحكم المادة السادسة مصحوبًا بالمستندات، فتقرر القيد إذا تبيَّن لها أنَّ مقدِّم الطلب تتوافر فيه الشروط المطلوبة، وهي الواردة في المادة الرابعة من القانون، وترفض الطلب إذا لم يتبيَّن لها ذلك، فإذا كان رفض الطلب دون أن تكون قد سمعت أقوال الطالب، أُبلِغ قرارُ الرفض إليه، وله في هذه الحالة أن يتظلم إلى اللجنة في مدى خمسة عشرة يومًا من تاريخ الإبلاغ، ويصدر قرار اللجنة مسببًا، ويكون غير قابل للطعن، ويرسل مجلس النقابة في كل عام إلى وزارة الداخلية صورة من الجدول مصدقًا عليها، وتجرى هذه الإجراءات بالنسبة للصحفيين المصريين ولغير المصريين المقيمين في مصر، الذين يجوز اعتبارهم عن هذا الطريق أعضاء مشتركين في النقابة. أما سائر الأعضاء المشتركين، وهم أعضاء النقابة السابقون المنصوص عليهم في المادة التاسعة والعشرين، وما صدر بشأنها من تفسير تشريعي في مجلس الشيوخ، فإن مجلس النقابة هو الذي يجوز له تعيينهم دون علاقة بلجنة القيد والتأديب، ولهذه اللجنة كذلك الاختصاص التأديبي الذي ذكرناه في مقام العرض للإخلال بواجبات المهنة، وما يستدعيه من مؤاخذةٍ وما رُتِّبَ لهذه المؤاخذة من إجراءات.

  • (٢)

    وأما مجلس النقابة فيؤلَّف بحكم المواد ٨ و٩ و١٠ و١٢ من اثني عشر عضوًا، تنتخبهم الجمعية العمومية بالاقتراع السري لمدة سنتين من بين المصريين المقيدين بجدول النقابة، لمدة ثلاث سنين على الأقل، منهم ستة أعضاء يُختارون من بين مالكي الصحف أو مَن يمثِّلونهم، وستة أعضاء من بين رؤساء التحرير والمحررين، وتنتهي كل سنة عضوية نصف أعضاء المجلس، ويكون إخراج الستة الأعضاء الذين تنتهي مدة عضويتهم بعد نهاية السنة الأولى بالقرعة، على أن يكون منهم ثلاثة من بين مالكي الصحف أو مَن يمثلونهم، وتكون العضوية في مجلس النقابة بلا أجر، وينتخِب المجلس من بين أعضائه كلَّ سنة رئيسًا ووكيلين وسكرتيرًا وأمينًا للصندوق، وتجوز إعادة انتخاب الأعضاء، ولا تجوز إعادة انتخاب الرئيس أكثر من مرتين متواليتين، وإذا خلا محل أحد أعضاء مجلس النقابة بالاستقالة أو الوفاة أو بأي سبب آخَر، عيَّن المجلس عضوًا بدلًا منه بصفة مؤقتة، ويُعرَض هذا التعيين على الجمعية العمومية في أول جلسة لها، وتنتهي مدة العضو الجديد بانتهاء مدة العضو الذي حلَّ محله.

    ويختص مجلس النقابة على حد ما قررته المادة الثالثة عشرة بإدارة أموال النقابة، والإشراف على نظام حساباتها، وإعداد الميزانية، ووضع الحسابات السنوية، وانتخاب عضو النقابة الذي ينوب مناب الرئيس عند غيابه لدى لجنة الجدول والتأديب، وتعيين الأعضاء المشتركين، ووضع وتدوين القواعد الخاصة بمزاولة مهنة الصحافة، وبيان العادات المرعية في شئونها، وتسوية المنازعات على النحو الذي فصَّلته المادة الرابعة عشرة، وإعداد اللائحة الداخلية واقتراح تعديلها، وهو الذي يمثل النقابة ويذود عن حقوقها ومصالحها وكرامتها. وينعقد مرة في كل شهر على الأقل بدعوة من الرئيس، وكذلك يجتمع كلما دعت الضرورة بدعوة من الرئيس، أو إذا طلَبَ اجتماعه ثلثُ أعضائه كتابةً، وتكون مداولاته صحيحة إذا حضره سبعة أعضاء، وعند تساوي الأصوات يكون صوت الرئيس مرجَّحًا.

    ويرأس الرئيس جلسات المكتب والمجلس والجمعية العمومية، ويضع جدول أعمال الجلسات، ويوقِّع مع السكرتير المَحَاضِرَ، ويشرف على تنفيذ القرارات، ويوقِّع جميع المكاتبات والأوراق الخاصة بأعمال التصرف والإدارة التي يتخذها المجلس، ويمثِّل النقابة لدى الجهات القضائية والإدارية. وفي حالة غياب الرئيس أو تعذَّر حضورُه يحل محله في اختصاصاته أقدم الوكيلَيْن، وعند تساوي الأقدمية أكبرهما سنًّا. ويشرف السكرتير على المكاتبات ونظام المحفوظات، ويحرِّر محاضر جلسات المكتب والمجلس والجمعية العمومية. ويشرف أمين الصندوق على تحصيل الاشتراك ومطلوبات النقابة، وتسديد ديونها، وإيداع أموالها في المصرف الذي يعيِّنه المجلس. ويتألف المكتب بحكم المادة ١٠ من القانون من الرئيس والوكيلَيْن والسكرتير وأمين الصندوق، ويختص بتصريف الأعمال العامة.

  • (٣)

    أما الجمعية العمومية فتؤلَّف بحكم المادتين ١٩ و٢٠ من الأعضاء المقيَّدين بالجدول، وتُعقَد عادةً مرة في السنة بدعوة من مجلس النقابة في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر، وتُعقَد بوجه غير عادي بدعوة من مجلس النقابة من تلقاء نفسه، أو بناءً على طلبٍ يقدِّمه عشرة أعضاء، ولا تكون مداولات الجمعية العمومية في اجتماعها الأول صحيحة، إلا إذا حضرها ثلثا الأعضاء، فإذا لم يتكامل هذا العدد أُجِّلَ الاجتماع أسبوعين، وتكون مداولات الجمعية العمومية الثانية صحيحة مهما يكن عدد الأعضاء الحاضرين، وتصدر قرارات الجمعية العمومية بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين. ويحضر الجمعية العمومية كذلك — بحكم المادة التاسعة والعشرين — الأعضاءُ المشتركون بنوعيهم، ويشتركون في مناقشاتها على أن يكون رأيهم استشاريًّا فقط. وتختص الجمعية العمومية بحكم المادة ٢١ بمراجعة حسابات السنة المنقضية والتصديق عليها، وبإبداء الرأي في الميزانية السنوية التي يعرضها المجلس عليها، وبانتخاب مجلس النقابة، وببحث المسائل التي تهم النقابة، والتي تعرض عليها من المجلس، أو التي يدرجها بجدول الأعمال بناءً على طلبٍ يوقِّعه عشرة من الأعضاء على الأقل، ويُقدَّم إليه قبل انعقاد الجمعية بخمسة عشر يومًا على الأقل.

    هذا وقد عرضت المادة ٣١ من القانون لحالة يجوز فيها حلُّ مجلس النقابة، وهي حالة مخالفته أحكام الفقرة الأخيرة من المادة الثانية، وهي التي تقضي بحظر اشتغال النقابة بأي عمل خارج عن أغراضها المحددة. وقد افترض القانون أنَّ اشتغال النقابة بما يخرج عن أغراضها دليل على عدم كفاية المجلس لإدارة شئونها، وعالج أمر عدم هذه الكفاية بأن أجاز لوزير الداخلية رفع الأمر إلى مجلس الوزراء، وأجاز لمجلس الوزراء إصدار قرار بحل مجلس النقابة، وفي هذه الحالة يعهد إلى لجنة الجدول والتأديب بدعوة الجمعية العمومية؛ لإجراء انتخاب مجلس جديد في ظرف ثلاثين يومًا من تاريخ صدور القرار، وإلى أن يُنتخَب المجلس الجديد تتولى اللجنة المحافظة على أموال النقابة وتصريف الأمور العادية، على أن يضم إليها عضو صحفي يعيِّنه وزير الداخلية.

    ولما كان القانون يقضي بأن يكون العضو الصحفي بلجنة القيد والتأديب عضوًا بمجلس النقابة، وكان يقضي بأن يكون انتخاب أعضاء مجلس النقابة ممَّن يكونوا قد مضت ثلاث سنوات على الأقل على قيدهم بجدول النقابة، فقد وُضِعت بالمادتين ٣٢ و٣٣ — كما وضعت بالتفسير التشريعي للمادة ٢٩ — أحكامٌ وقتيةٌ، استبدل فيها بشرط القيد بجدول النقابة ثلاث سنوات أن يكون العضو مالكًا لصحيفة، أو ممثِّلًا لها، أو رئيسًا للتحرير، أو محرِّرًا مدة خمس سنوات، وذلك خلال الثلاث السنوات الأولى لوجود النقابة، وعهد بها إلى وزير الداخلية تعيين أعضاء مجلس النقابة الأول، وتعيين العضو الصحفي للجنة الجدول الأولى، على أن تجتمع لجنة الجدول والتأديب الأولى في مدى شهر من تاريخ العمل بالقانون للنظر في طلبات القيد بالجدول، وتدعو بعد انقضاء شهرين من تاريخ انعقادها الأول الجمعية العمومية لانتخاب مجلس النقابة تحت رياسة رئيس محكمة الاستئناف وإشرافه.

    وقد بدأ العمل بالقانون في اليوم الثالث من شهر أبريل سنة ١٩٤١، وهو تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وأصدر وزير الداخلية قراره بتعيين مجلس النقابة الأول والعضو الصحفي للجنة القيد والتأديب الأول، فأصبح واجبًا أن تجتمع هذه اللجنة للنظر في طلبات القيد بالجدول خلال الأيام الباقية حتى اليوم الثاني من شهر مايو، كما أصبح واجبًا أن تدعى الجمعية العمومية للصحفيين الذين يكونون مقيَّدين بالجدول بالفعل، وللأعضاء المشتركين الذين يكون مجلس النقابة قد عيَّنهم بعد انقضاء شهرين من تاريخ انعقادها الأول؛ أيْ خلال شهر يونيو، لانتخاب مجلس النقابة بدل المجلس الذي عيَّنه وزير الداخلية. ويؤسفنا أن نلاحظ أنَّ الخطأ كان نصيب الإجرائين اللذين اتخذهما وزير الداخلية وهو يطبق لأول مرة حكمًا من أحكام قانون نقابة الصحفيين الجديد؛ فقد عيَّن اثني عشر عضوًا لمجلس النقابة، مثَّل ستة منهم أصحاب الصحف، ومثَّل الستة الآخرون رؤساء التحرير والمحررين، وكان الستة الأول من ملَّاك الصحف، لكن الستة الآخرون كان منهم خمسة من فئة المحررين، وواحد من أصحاب الصحف هو الأستاذ محمد خالد. وقانون نقابة الصحفيين حريص على المساواة المطلقة بين الفئتين؛ فنَصَّ على أن يكون عدد مجلس النقابة قسمة متساوية بينهما، وعاد فكرَّر هذا النص في حالة سقوط نصف الأعضاء، فقال إنَّ ثلاثة من الستة يجب أن يكونوا من الملَّاك، يقابلهم طبعًا ثلاثة من المحررين. صحيحٌ أنَّ الأستاذ خالد رئيس تحرير، لكنه صاحب امتياز جريدته، فهو مالك لها قبل كل شيء، وهو من فئة ملَّاك الصحف بلا ريب. وإذن فقد خالف قرار وزير الداخلية روحَ التشريع الجديد ونصه الصريح، عند اختياره الأستاذ خالد ضمن ممثِّلي الناحية التحريرية. وإذن فقد ظلمت هذه الناحية بأن أصبحت ممثلة بخمسة مقابل سبعة.

    وأما الإجراء الثاني الذي ارتكب فيه خطأ آخَر قبل قانون النقابة الجديد، فهو في تعيين العضو الصحفي في لجنة القيد والتأديب من غير أعضاء مجلس النقابة، والنص صريح على أنَّ هذا العضو إنما هو رئيس النقابة بصفة أصلية، ومَن ينيبه عنه مجلس النقابة بصفة احتياطية، وليس الأستاذ أنطون بك الجميل بين الأعضاء الاثني عشر الذين عيَّنهم وزير الداخلية لمجلس النقابة، ولا ينبغي أن يكون هؤلاء الأعضاء أكثر من ١٢. وإذن فكان ينبغي أن يكون الأستاذ أنطون بك الجميل عضوًا ممثلًا للمحرِّرين؛ حتى يصبح تعيينه عضوًا صحفيًّا في لجنة القيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠