المواطن وسياسة وطنه

والمطالبة بإطلاق حريات المواطنين تستند إلى حق، بل إلى واجب مفروض على كل مواطن، وهو الاشتغال بسياسة وطنه. وهذه فكرة يجب أن تستقر في الأذهان، وأن يحارب بكل قوة الاتجاه الذي يدعو إلى عكسها باسم عدم التحزُّب ومحاربة الحزبية، والدعوة إلى الحزب الواحد.

إن المواطن الذي لا يهتم بسياسة وطنه، ولا يبدي فيها رأيًّا، ولا يتخذ وضعًا، وهو المواطن الفاسد، بل الكائن الطفيلي الذي لا يحق له أن يتمتع بخيرات وطنه، وشرف انتسابه له.

ولقد بليت مصر في عهد الفساد الغابر بمن كانوا يسمون بالمستقلين، وتلك كانت طائفة الانتهازيين الجبناء الذين تعوزهم شجاعة تحمُّل الرأي، والتضحية في سبيله عند الضرورة، فهم قوم لم يكونوا يحرصون على غير راحتهم ومصالحهم المادية، وكانوا يحاولون أن يكونوا على صلة طيبة بكافة الأحزاب، ثم بصلة أكثر طيبة بالسراي؛ أي بالملك وحاشيته، ليتخذوا من ذلك وسيلة للوصول إلى المال، أو الراتب والنياشين، أو الوجاهة الاجتماعية، وإنه لمن المحزن أن يحاول هذا النفر الظهور اليوم في ميدان الحياة العامة، وأن يزعموا أنهم خير من رجال الأحزاب، محملين هؤلاء الرجال مسئولية الفساد الذي انتشر في البلاد، مع أن أولئك المستقلين قد كان معظمهم الأداة الطيعة بين يدي الملك الفاسد لتحقيق مطامعه وطغيانه، ولم نسمع أحدًا منهم يومًا يستنكر شيئًا من ذلك الفساد، ويشير إلى مصدره الأعلى؛ وهو الملك عندئذ.

وإنه لمما يحزن أن ينجح هذا النفر في خداعه، وأن يصل إلى الإيهام بأنه من الخير محاربة الحزبية في البلاد؛ أي محاربة شجاعة الرأي، والمناضلة دون هذا الرأي، وتحمل الأذى في سبيله، بحيث رأينا عدة تشريعات تصدر لمحاربة كلِّ من ينتمي إلى حزب من الأحزاب، فالقانون الخاص بوكلاء الوزارة الدائمين يضع قيودًا تحرم رجال الأحزاب من تولي مثل هذه المناصب الهامة، وذلك مع أننا نرى دولًا عريقة في الديمقراطية؛ كأمريكا مثلًا، لا تختار وزراءها، ووكلاء وزاراتها من رجال الأحزاب فحسب، بل وتختار أيضًا رئيس الدولة ذاته، مع ما يتمتع به هذا الرئيس من سلطات واسعة، كما سمعنا عن اتجاهات أخرى ترمي إلى تحريم مناصب القضاء مثلًا على ذوي الآراء السياسية أو الحزبية، وكذلك الأمر في تضييق المجال تضييقًا مسرفًا على رجال البرلمان؛ أي رجال الأحزاب في العمل بالشركات. وليس من شك في أن الاستمرار في هذا الاتجاه سيؤدي إلى تنحية جميع الرجال الأكفاء عن الاشتغال بالسياسة، ما دام الاشتغال بها سينتهي إلى مصادرة أرزاقهم، وحرمانهم من شغل المناصب العامة الهامة، والمساهمة في تسيير أداة الحكم في البلاد.

ولقد سرت في مصر في السنوات الأخيرة بدعة آثمة يجب أن نضع حدًّا لها، وهي اتخاذ الآراء السياسية سببًا للتنكيل بالموظفين، وقلقلة أداة الحكم في البلاد، وشل إنتاجها، فكم من مرة تلغى استثناءات! ويضطهد موظفون لا لعيوب أخلاقية، أو لانعدام الكفاءة، بل لمجرد انتمائهم لآراء أو أحزاب سياسية معينة!

والموظف لا يجب أن يؤاخذ إلا بشيء واحد؛ وهو عدم احترامه للقوانين، أو صدوره عن الهوى في تصرفاته. ومع ذلك، فقد لوحظ على نحو واضح أن الاستثناءات المغرضة لم تكن تمنح لوحدة الرأي السياسي، أو الحزبي، بقدر ما كانت تمنح لعلاقات قرابة أو مصاهرة أو مصالح مادية مشتركة بين أولئك المحظوظين، وبين رجال الحكم، بصرف النظر عن الوحدة الحزبية، التي كثيرًا ما كانت تتخطاها تلك الاستثناءات من حكومة حزب إلى أتباع حزب آخر معارض، بينما كانت تلاحظ اضطهادات داخل الحزب الواحد، وكانت تصيب تلك الاضطهادات في الغالب ذوي الكفايات الممتازة. وهكذا يتضح أن هذا النوع من الفساد لم يكن مرجعه إلى الحزبية، بقدر ما كان مرجعه ضعف الأخلاق العامة والخاصة.

ولذلك لا ينبغي أن تُحمَّل الحزبية القائمة على وحدة الرأي والمبدأ أوزارًا هي بريئة منها.

إن محاربة الحزبية على هذا النحو ستنتهي إلى إقصاء جميع الأكفاء عن الاهتمام بمصير وطنهم، وبذلك تصبح السياسة متصدرة على التافهين أو العاجزين أو المرتزقة، وفي هذا أكبر إفساد للحياة العامة، وكل ما يمكن أن يؤخذ به المواطن هو ألا يجعل للهوى التسوية بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، تنفيذًا لقوانين الدولة الملزمة له، ولعامة المواطنين، وبالرغم من الفساد العام الذي كان سائدًا في العهد؛ فقد شهدنا بعض رجال الأحزاب يتولون أخطر المناصب المتطلبة للعدالة المطلقة، والمساواة التامة بين المواطنين، ويخلعون رداء الحزبية على أبواب تلك المناصب، ويصبحون مثالًا طيبًا لنزاهة الحكم، وبراءة القصد، والأمانة في أداء المهمة الخطيرة التي نيطت بهم. وجميع المصريين لا يزالون يذكرون بالخير المغفور له عبد العزيز باشا فهمي، الذي ترك رئاسة حزب الأحرار الدستوريين لكي يتولى رئاسة محكمة النقض، فسوى في عدالته بين الجميع، فأصدر أحكامًا خالدة، وقرر مبادئ سليمة لا تزال نبراسًا للقضاء، كما أن جميع المصريين يحمدون لرئيس مجلس الدولة الحالي عدالته، مع أن الأستاذ عبد الرزاق السنهوري قد كان قبل تولية منصبه الخطير وزيرًا في الوزارة السعدية، بل أحد أقطابها البارزين، ولم يمنعه هذا عن أن يترك أيضًا رداء الحزبية على أبواب مجلس الدولة. فكيف إذن يمكن أن تحرم البلاد من أمثال هؤلاء الرجال، لا لشيء إلا لأنهم قد اشتركوا يومًا في توجيه سياسة وطنهم، أو كافحوا في سبيل الآراء التي يؤمنون بها في تلك السياسة؟ والعبرة — كما قلنا — بطبيعة الرجال، ومتانة أخلاقهم، واتساع عقلهم. وأمثال هؤلاء الرجال يعرفون واجبهم، ويقدرون أنهم في مثل هذه المناصب لا يعملون لحزب ولا لفكرة خاصة، إنما يعملون للوطن كله، ولخدمة جميع المواطنين، ولذلك يتخلون عن حزبيتهم بمجرد شغلهم لتلك المناصب. وما دامت هناك قوانين تحمي الوطن والمواطنين من ضعفاء النفوس الذين قد يجنحون إلى استغلال نفوذهم الشعبي أو السياسي في المصالح الخاصة، فإنه لا ينبغي اعتبار الاشتغال بالسياسة في ذاته جريمة، أو موضع مؤاخذة ينتج عنها محاربة أولئك المواطنين في أرزاقهم، ومواضع طموحهم المشروع، وتطلعهم إلى خدمة البلاد في شتى نواحي النشاط الحكومي والحر.

والدعوة إلى نظام الحزب الواحد أو محاربة تعدد الأحزاب لا تقل خطورة عن الدعوة إلى محاربة الحزبية والتحزب في ذاته؛ وذلك لأن النظام الديمقراطي لا يقوم بطبيعته إلا على تعدد الأحزاب، حتى يكون بعضها رقيبًا على بعض. وفي بلاد كإنجلترا، لا يُسلِّمون بضرورة وجوب المعارضة فحسب، بل ويجعلونها نظامًا رسميًّا في الدولة، وكما يقولون «حكومة جلالة الملك» يقولون «معارضة جلالة الملك». وزعيم المعارضة عندهم يتقاضى مرتبًا كمرتب رئيس الوزراء، وله سكرتيرون ومعاونون، وهيئات مكاتب تعمل تحت إشرافه، وتعاونه على أداء مهمته الرسمية، وهي المعارضة، وتشديد الرقابة على الحكومة؛ تسديدًا لخطاها، ومعاونة لها على النهوض بأعباء الحكم، وتحقيق الخير للوطن والمواطنين.

وإذا كان هناك من يشكون من عدم تفاوت برامج الأحزاب تفاوتًا يبرر تعددها، فإن الذنب في ذلك ليس ذنب الأحزاب ولا ذنب المواطنين، وإنما هو ذنب النظم والقوانين الفاسدة التي ضيقت المجال أمام الأحزاب وأمام المواطنين … ولكن كيف السبيل إلى إنشاء مثل هذه الأحزاب وتطاحنها في المذاهب والآراء بحثًا وتوفيقًا بين الاتجاهات والمصالح، والوسائل الكيدية تُلصق بالمعارضين للحكومات في المسائل المسموح بها قانونًا؟ فنرى من يعارضون مثلًا في التحالف مع الغرب ويدعون إلى الحياد يُتَّهمون بالشيوعية من أجل التنكيل بهم. وكلنا يذكر ما سماه المرحوم إسماعيل صدقي باشا حملة على الشيوعية والشيوعيين، بينما كان قصده الحقيقي البطش بالمعارضين لمشروع معاهدته مع بيفن، وآثار تلك الحملة الظالمة لاصقة بالكثيرين من أحرار هذا الوطن، وقادة الفكر فيه. ولو أن أحدًا في العهد البائد اقترح إصلاحًا زراعيًّا كالذي حققته الثورة الأخيرة لأُلقِي به في غياهب السجون مُتهمًا بالشيوعية، وبالدعوة لقلب نظام الحكم.

هذا هو السبب الحقيقي في عدم تفاوت برامج الأحزاب تفاوتًا كبيرًا، ومع ذلك فإننا على ثقة من أنه في اليوم الذي تطلق فيه الحريات إطلاقًا صحيحًا، وتستقيم الأوضاع الحرة النزيهة، ستنشأ في بلادنا أحزاب متفاوتة البرامج على نحو ما نشاهد في بلاد الديمقراطيات الحرة.

وفضلًا عن كل ذلك، فإن ما يسمونه تشابهًا في البرامج لا يمنع من اختلاف تلك الأحزاب اختلافًا كبيرًا في الرجال، والتفاصيل الهامة، والوسائل، وكلنا يعلم أن جميع الديانات في العالم تتحد في الأصول العامة، أو على الأقل في أصل الأصول؛ وهو عبادة الله، ومع ذلك، فكلنا يعلم مدى تفاوت هذه الديانات، بل وتطاحنها، وأحيانًا تعصبها.

إن تعدد الأحزاب ضرورة ملازمة لطبيعة الديمقراطية، والدعوة إلى محاربة هذا التعدد دعوة رجعية تحارب الحرية، وتمهِّد السبيل لأنواع من الحكم الاستبدادي، الذي يجب أن تجنِّب بلادنا ويلاته حتى نظل أحرارًا، وحتى تزدهر ملكات شعبنا في ظلال تلك الحرية المقدسة.

وليس من شك في أن إطلاق حرية التفكير السياسي سيؤدي إلى قيام الأحزاب على أساس من المبادئ والمذاهب والأفكار، وبذلك ينتفي العيب الملاحظ على أحزابنا الحالية من قيامها على العنصر الشخصي، فهذا العيب إنما نشأ؛ لأن مجال التفكير السياسي كان محددًا محصورًا؛ ولذلك لم ينشأ تعدد الأحزاب داخل هذا النطاق الضيق إلا على أساس التكتل الشخصي، بدلًا من التكتل الفكري أو المذهبي؛ مما أفسد الكثير من حياتنا الحزبية، وحياتنا الديمقراطية على السواء، وأظهر مفاسد المحسوبيات والاستثناءات، واستغلال النفوذ والكسب غير المشروع، وما إلى ذلك من مساوئ ترجع — كما قلنا — إلى العلاقات الشخصية أكثر من رجوعها إلى العلاقات الحزبية أو السياسية المذهبية.

ومن الواجب أن يكون الحق في تكون الأحزاب السياسية غير خاضع لقيود، غير استجابة الأمة، وحكمها على كل حزب ناشئ أو قديم، وما أن نخضع تكوين الأحزاب إلى إدارة الحكومة القائمة لتتحكم في البرامج والأغراض، فإن هذا يعتبر تعويضًا لأكبر أسس الديمقراطية القائمة على كسب ثقة الرأي العام، وتكتيله خلف مذهب أو فكرة سياسية، وتقييد الأحزاب برقابة الحكومة لن يصلح حياتنا العامة. وإنما سبيل الإصلاح هو ما ذكرناه من إطلاق الحريات السياسية، وعلى رأسها حرية الرأي، وتمكين جميع المواطنين من أن يكونوا حكمًا على كل مذهب أو رأي سياسيٍّ يعرض عليهم، وفي رقابة الأمة ما يغني عن كل رقابة إدارية أو حكومية، ما دمنا قد ارتضينا النظام الديمقراطي والحكم النيابي أساسًا لحياتنا العامة … حيث حرية الرأي مطلقة، وبالتالي حرية تكوين الأحزاب، والدعوة إلى تغيير كافة النظم بالطرق المشروعة، التي لا ينافيها غير استعمال العنف، والاعتداء على حرية التفكير للآخرين، ومحاولة إملاء رأي بالقوة.

وإذا كان هناك شكوى جدية من أن الأحزاب لم تستطع خدمة مصالح الوطن والمواطنين خدمة مطردة حقيقية، فإنما يرجع ذلك إلى الحالة العامة السيئة، التي كانت سائدة في البلاد، والتي حرمت الشعب من أن يكون المصدر الحقيقي للسلطات، والمرجع النهائي للأحزاب. ومن المعلوم أن مصر كان بها قوًى ثلاث تنازع الشعب، وبالتالي الأحزاب؛ السيادة … وهي طغيان الملك، وسطوة الاستعمار، ومناورات الإقطاع، وما من شك في أن القضاء على هذه السلطات سيرجع إلى الشعب سلطانه؛ أي رقابته التامة على الأحزاب؛ وبالتالي على أدوات الحكم في البلاد، وبذلك تصبح الأحزاب، ويصبح مصدرها مصدر خير للبلاد وللمواطنين أجمعين.

على أن تعدد الأحزاب لن يمنع، ولا ينبغي أن يمنع اتفاقها على المسائل القومية الكبرى، ورسم خطة موحدة لحلها، وفي مقدمتها المسألة الوطنية التي تتطلب حركة اجتماعية للتخلص من الاحتلال، والشعب كفيل بأن ينبذ الخونة والمترددين، وما نظنهم إلا نفرًا قليلًا لا أهمية له، وفي بلاد كإنجلترا وأمريكا نرى خطوط السياسة الخارجية العامة متفقًا عليها من الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة، وذلك من أن إنجلترا بلاد لا تجاهد في سبيل استقلالها وسيادتها كما هو الحال عندنا، بل تجاهد لاستمرار المحافظة على نفوذها وسيطرتها الدولية.

ومع ذلك، فإن الدعوة إلى القومية في سبيل قضيتنا الوطنية يجب ألا تستخدم للإضرار بهذه القضية، وإنزال كارثة بالوطن ومستقبله، فشعب وادي النيل على استعداد للتكتل لاسترداد سيادته كاملة، والتخلص من كل أثر للاستعمار البغيض دون دفع أي ثمن لهذه السيادة؛ من دفاع مشترك، أو دخول في أحلاف لا مصلحة لنا فيها، بل سيصيبنا منها الويل والدمار. وما لم يحصل اتفاق على هذه السياسة، فإن الدعوة البراقة إلى القومية يجب أن تُحارَب. وإنه لمن الإجرام أن يحاول أي مصري جمع الكلمة للتسليم للإنجليز وحلفائهم بما يريدون، من تعريضنا للمخاطر الدولية المدمرة، وإبقائنا عاجزين عن الدفاع عن أنفسنا، محتاجين لحمايتهم الأبدية.

وأما في مسائل السياسة الداخلية، فإنه وإن يكن من الممكن الاتفاق القومي على خطط موحدة للإنشاء والتعمير، وتنمية الإنتاج، واستغلال مصادر الثروة في البلاد، إلا أنه من الشاق الدعوة إلى القومية في مجال توزيع الإنتاج والثروة بين طوائف الأمة المختلفة، ولا مفر من أن تتعارض الأحزاب والمذاهب في هذا المجال. وهو صراع لا بد أن ينتهي إلى إيجاد التوازن، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع المواطنين، بينما يختل ذلك التوازن وتضيع تلك العدالة إذا انعدمت الأحزاب، أو أصبحت السيطرة لحزب واحد يملي على البلاد إرادته دون رقيب أو معارض.

بل إننا لنذهب أبعد من ذلك، فنشير إلى أنه إذا كان من الممكن الاتفاق على هدف مشترك في تنمية الإنتاج، واستغلال الثروات الطبيعية في البلاد، فإن الوسائل شديدة التباين، ومن الطبيعي أن تختلف فيها برامج الأحزاب اختلافًا بينًا؛ فقد يرى بعضها ترك هذه المهمة لنشاط الأفراد والشركات الحر، وقد يرى البعض تدخل الدولة في هذه المهمة تدخلًا مباشرًا أو غير مباشر، وقد يرى البعض الاستعانة برءوس الأموال الأجنبية، بينما يرى البعض الآخر الاحتفاظ بثمرات وطننا لرءوس الأموال القومية، حتى لا نُنكب استعمارًا اقتصاديًّا لا يقل قسوة عن الاحتلال العسكري. وقد تتفاوت الآراء في تركيز الاهتمام على الاستغلال الزراعي، أو التصنيع، أو النشاط التجاري، كما تتفاوت في ترتيب الأولوية لكل نوع من هذه الاتجاهات الإنتاجية.

وعلى أية حال، فإن إطلاق الحريات السياسية وتعدد الأحزاب لا بد أن ينتهي بنشر الثقافة السياسية بين المواطنين، وإنهاض التفكير العام، بحيث يصبح الصراع الحزبي قائمًا حول المبادئ والأفكار، لا حول الأشخاص، ويصبح الهدف العام هو خدمة الوطن والمواطنين.

وليس من شك في أن إباحة الحريات وتعدد الأحزاب — أي رد السيادة الحقيقية للأمة — هو السبيل الوحيد لخلق حالة استقرار، واطمئنان النفوس إلى الحياة. وهذا شرط أساسي لانتعاش النشاط في البلاد؛ حيث يواصل دولاب العمل الحكومي والفردي دورانه، فينمو الإنتاج، ويسرع التداول، ويتحقق الرخاء لجميع طوائف الأمة وأفرادها، ويستطيع كل مواطن أن يرتِّب أموره وينظم وسائل عيشه على أساس المناهج السياسية التي يبدو أن لها الغلبة بين المواطنين، وأن مقاليد الحكم سائرة إليها، ولا يعود أحد يخشى المفاجأة فيما يعتزم من مشروعات أو نشاط؛ لأن الأمر سيصبح كله بيِّنًا معروضًا على الجميع. ولن يكون أي قانون أو نظام سرًّا منطويًا في نفس مواطن، أو عدد قليل من المواطنين الذين بيدهم مقاليد الأمور. وما من شك في أن الركود لا تولده أية آراء أو مذاهب سياسية، وإنما تولده حالة الغموض والخوف من المفاجأة، والجهل بالمستقبل، وبالنيات السياسية المجهولة، ولا سبيل إلى الخروج من هذه الحالة إلا بإطلاق الحريات، وإعلان البرامج والخطط على أساس النظام الحزبي السليم، والديمقراطي الصحيح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠