أسبازيا مُعلِّمة الخطابة
«تُبرهن المرأة على أمومتها بأن تُرضع صغارها. كذلك تبرهن بلادنا على أمومتها بأن تنتج لأبنائها القمح والشعير!»
أولًا: حياتها
- الأول: هو محاورة مينكسينوس Menexenus لأفلاطون، حيث يقول سقراط: «عندي مُعلمة ممتازة في البيان (الخطابة). ولقد علَّمَت كثيرًا من الخطباء الممتازين، على رأسهم أفضل الخطباء جميعًا، ألا وهو بركليس. ولقد سمعتُ بالأمس أنها دبَّجت خطابًا جنائزيًّا عن موتانا هو الذي ألقاه بركليس في الحفل الجنائزي الشهير. ولقد حفظت منها هذا الخطاب عن ظهر قلب، وكانت هي على استعداد لأن تجلدني بالسياط إن نسيتُ منه شيئًا.»٧
- الثاني: اللوحة الزيتية من الجص البارز الموجودة الآن على بوابة مكتبة جامعة أثينا، واللوحة تصورها في صحبة سقراط، وفيدياس Phidias المثَّال وهو يمسك في يده بالإزميل، وسوفوكليس، وبركليس قائد حرب البيلوبونيز، وأفلاطون عندما كان شابًّا، وأنتستين، وأنكساجوراس، وألكبيادس الوسيم … إلخ. وإن كان من الواضح أن بعض شخصيات هذه اللوحة لا يمكن لهم أن يجتمعوا معًا في وقتٍ واحد. وبعضهم مثل أرشميدس لم يكن قط من بين أعضاء صالون أسبازيا الشهير.
ثانيًا: خطاب بركليس الجنائزي
«ونحن نطيع أولئك الذين وضعناهم في مراكز السلطة كما نطيع القوانين، ولا سيما تلك القوانين التي تحمي المضطهدين والمظلومين. والقوانين غير المكتوبة التي يُعَد انتهاكها عارًا على المواطن.»
«وهناك خاصية أخرى: إننا عندما ننتهي من أعمالنا نكون في وضع يسمح لنا بالاستمتاع بجميع أنواع الترويح عن أنفسنا، فعندنا تنافس في الألعاب الرياضية والأعياد المنتظمة التي نقدم فيها القرابين طَوال العام، كما أننا نجد الجمال في بيوتنا، والمذاق الجيد الذي يُبهجنا كل يوم ويُبعد عنا الملل والسأم. وبسبب عظمة مدينتنا ترِد إلى أسواقنا ثمار الأرض من كل فج، ومن حقنا — وذلك أمر طبيعي — أن نستمتع بمنتجات البلدان الأخرى كما نستمتع بمنتجاتنا المحلية سواء بسواء.»
«إننا نُمجد الموهبة أيًّا كان مجالها؛ لأن التفوق الممتاز هو في حد ذاته، جدير عندنا بالتمجيد، إننا نحب الجمال في غير إسراف، ونحب الحكمة — أي نتفلسف — في غير ضعف أو تخنُّث، ودون أن تُفقدنا شهامة الرجال. إن أحدًا منا لا يستسلم لأحد في أمر يمس استقلاله الرُّوحي وإبداعه المثمر، وإننا لنعتمد على أنفسنا اعتمادًا كاملًا.»
«لا بد لي أن أقول — في كلمة واحدة — إن أثينا هي مُعلِّمة بلاد اليونان ومدرستُها، وإنني لأعلن أن كل فرد من مواطنينا قادر في كل مناحي الحياة أن يَظهر على أنه سيد نفسه أو مالك شخصه، وأهلٌ لمعالجة مختلِف الأمور والشئون الطارئة في يُسر ولباقة. وليس قولي هذا عبارةً تُمليها المناسبة، ولا هو قول فيه مداهنة، بل إنني أقول الحق وأشير إلى الواقع، والدليل على صدق قولي هو سمو المكانة التي بلغتها الدولة بسبب هذه الفضائل والسجايا التي جئت على ذكرها …»
- (١)
يبدأ بركليس بامتداح السُّنَّة المتَّبعة في الاحتفال بتكريم الشهداء، لكنه يريد أن يكون في الحفل تكريم للأجداد أيضًا، الذين لم يبخلوا يومًا على الوطن بحياتهم.
- (٢)
يقوم بركليس، في الواقع، بالتركيز أساسًا على خصائص «الشخصية الأثينية» الحقة، فمعظم الخطاب ينصب على صفات المواطن الأثيني، من ناحية، ومناقب أثينا بصفة عامة، من ناحية أخرى.
- (٣)
بدأ يصف نظام الحكم في أثينا، وهو النظام الديمقراطي، الذي يفخر به المواطن الأثيني، ويَعُده نَموذجًا تحتذيه الدول الأخرى. وهو يعني حكم الشعب لا حكم طبقة ولا جماعة ولا فئة.
- (٤)
خصائص هذا النظام هي:
- (أ)
كل الأفراد متساوون أمام القانون.
- (ب)
جميع الفرص متاحة أمام الأفراد لاختيار صاحب الكفاءة للمناصب الشاغرة.
- (جـ)
لا أهمية للطبقة التي ينتمي إليها الفرد، فليست هي التي تؤهله لشغل المناصب الرفيعة ذات المسئولية.
- (د)
لا أهمية للثروة، فلا يكون الفرد بعيدًا عن الأضواء، أو محرومًا من خدمة بلده بسبب فقره.
- (هـ)
الحياة السياسية حرة ومفتوحة وليست احتكارًا لأحد.
- (و)
لكل إنسان أن يستمتع بحياته التي يرتضيها لنفسه ما دامت لا تضر الآخرين.
- (ز)
تغلب على المواطن الأثيني، في حياته الخاصة، رُوح الحرية والتسامح، وفي المسائل العامة طاعة القانون.
- (أ)
- (٥)
يعود بركليس بعد ذلك إلى الحديث عن «المواطن الأثيني» الذي من خصائصه الاستمتاع والترويح عن النفس بعد عناء العمل.
- (٦)
المواطن الأثيني يمجد الموهبة ويحب الجمال في غير إسراف، ويحب الحكمة دون أن تُفقده شهامة الرجال.
- (٧)
المواطن الأثيني لا يستسلم لأحد في أمر يمس استقلاله الرُّوحي وإبداعه المثمر، وهو يعتمد على نفسه اعتمادًا كاملًا.
- (٨)
المواطن الأثيني، حتى إذا انخرط في أعمال تجارية، تراه مُلِمًّا إلمامًا جيدًا بشئون بلاده السياسية.
- (٩)
ثم يعود بركليس إلى التفاخر بأثينا مُعلِّمة اليونان ومَدرستُها، وأن ما تحارب من أجله أثينا — وهو الحرية — أثمن كثيرًا مما يحارب الآخرون من أجله. ومن هنا جاء فضل الشهداء.
ونذكر هذه العناصر الأساسية في خطاب بركليس؛ لأننا سوف نجدها تتردد في خطاب أسبازيا الذي يرويه سقراط في «محاورة مينكسينوس» لأفلاطون.
ثالثًا: أسبازيا ومحاورة «مينكسينوس»
ويكون تعليق مينكسينوس: «إنك تسخر، على الدوام، من الخطباء يا سقراط، وعلى أية حال، فقد اختاروا اليوم خطيبًا لهذه المناسبة (وهو بركليس) ولا أظن أن مهمته ستكون سهلة؛ لأن عليه — فيما أظن — أن يرتجل الخطاب!»
رابعًا: خطاب «أسبازيا» الجنائزي
(١) نبالة المَحتِد
(٢) جودة التربية
إن بلادنا التي كانت باستمرار حرة وطاهرة، احتضنت أبناءها وربتهم إلى أن أصبحوا رجالًا، ثم منحتهم آلهة ليكونوا لهم حكماء ومعلمين، وهذه الآلهة هي التي نظمت حياتنا، وعلَّمتنا، وأرشدتنا في فنون حياتنا اليومية.
«لقد كان شعبنا — على الدوام — يُقدِّر الأعمال الجميلة، العامة منها والخاصة على حدٍّ سواء، ويجد أنه من الضروري أن يقاتل من أجل الحرية: فمن أجلها قاتل الاسبرطيون، كما قاتل البرابرة على حدٍّ سواء.»
تلك هي الخطوط الرئيسية في الخطاب الجنائزي الذي ذكره سقراط في «محاورة مينكسينوس» على لسان «أسبازيا»، ومن الواضح أن النظرة العجلى تلاحظ التشابه القوي بين هذا الخطاب وبين خطاب بركليس الذي سبق لنا أن أوردنا أهم عناصره. مما يؤكد قول سقراط بأن أسبازيا كانت مُعلمة فن الخطابة لبركليس ولغيره من خطباء أثينا.
خامسًا: حجتان ضد «مينكسينوس»
- المشكلة الأولى: أن هذا الخطاب الذي أورده سقراط على لسان أسبازيا ليست له أهمية فلسفية، فهو مجرد ضرب من البلاغة، أو البيان، أو الفصاحة اللغوية دون أن ينطوي على أية أفكار فلسفية بالمعنى الدقيق لهذا اللفظ.
- المشكلة الثانية: أنه على الرغم من أن أفلاطون هو الذي كتب محاورة مينكسينوس، وعلى الرغم من أن وجهة النظر التي نسبها إلى أسبازيا صحيحة، وهي خاصة بها فعلًا، فإن أفلاطون كان يسخر من الخطابة والخطباء، حتى إن المحاورة بأسرها يمكن أن تُعَد — في نظر البعض — قطعةً من أدب «السخرية والتهكم»، ومن ثَم فإن أفلاطون لم يكن جادًّا عندما كتب هذه المحاورة!
- (١)
كيف يتفق ذلك مع القول بأن أفلاطون هو صاحب المحاورة؟ وبعبارة أخرى: كيف نفسر كتابة أفلاطون لهذه المحاورة رغم طابعها اللافلسفي الظاهر؟ كيف يمكن أن نقول إن هذه المحاورة هي العمل الوحيد «اللافلسفي» لأفلاطون؟ وكيف تستقيم مع بقية محاوراته؟
- (٢) ومن ناحية أخرى ألم يكن «فن الخطابة» فرعًا من الفلسفة؟ ألم يفرق أفلاطون نفسه في محاورة جورجياس بين نوعين من الخطابة أحدهما يعتمد على النفاق والتملق وهو نوع رديء ومرفوض، والآخر وحده جميل ومطلوب وهو الذي يعمل على جعل نفوس المواطنين أفضل.٢٨
- (٣) ألم يكتب أرسطو كتابًا مستقلًّا عن الخطابة، ويشير فيه بالفعل إلى «الخطاب الجنائزي» الذي ذكره سقراط على لسان أسبازيا ليقول بعد ذلك — في لمحة ذكية بارعة: «ليس من الصعب أن نمتدح الأثينيين ونحن بين ظَهرانَيهم، لكن المشكلة حقًّا أن نمتدح الأثيني في اسبرطة.»٢٩ عدوة أثينا اللدود! ومن المحتمل أن أرسطو كان يقرر صدق محاورة مينكسينوس، كما أنه كان يتابع تراث الأكاديمية المبكر، وهو يزودنا بمِفتاح لتفسير المحاورة.٣٠
- (٤) ألم تكن الخطابة من بين المجموعة الثلاثية Trivium — طَوال العصور الوسطى — التي كانت تضم فقه اللغة، والخطابة، والمنطق، وكانت تسمى ﺑ «العلوم العقلية»؛ لأنها تتناول أفعال العقل، ما يدل على الوضع «العقلي»، ومن ثَم الفلسفي، للخطابة عند اليونان وفي العصور الوسطى؟
والمشكلة الثانية: هي أن أفلاطون لم يكن جادًّا، بل إن محاورة مينكسينوس ليست سوى قطعة من أدب السخرية والتهكم. فالخطابة في عصر أفلاطون بصفة خاصة كانت جزءًا من الفلسفة السوفِسطائية. ولم تكن شخصية أسبازيا شخصية أدبية أو خرافية خلقها أفلاطون، بل إن العكس هو الصحيح، فقد تمتعت هذه المرأة بشهرة عريضة؛ ولهذا فإن الأدنى إلى الصواب أن نقول إن أفلاطون كان يضع في ذهنه أسبازيا مُعلمة الخطابة السوفِسطائية، وأنها ساهمت مع غيرها في نمو الحركة السوفِسطائية، كما أسهمت إسهاماتٍ ملحوظةً في تطور فن الخطابة، وأنها كانت رسولًا لهذا الفكر الجديد الذي كان يعتقد أفلاطون أن له نتائجَ سلبيةً على أثينا.
ومعنى ذلك أن «محاورة مينكسينوس» كُتبت لنقد أسبازيا السوفِسطائية، وللسخرية مما تقول، والتهكم من فن الخطابة حتى مع اعتراف أفلاطون أن هذا الفن فرع من الفلسفة، ومع تسليمه بأن أسبازيا فيلسوفة، لكنها فيلسوفة سوفِسطائية تستحق التهكم والنقد كغيرها من السوفِسطائيين في عصره. وعلى الرغم من أننا في هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى النتيجة التي نريد إثباتها، وهي قدرة «أسبازيا» — والمرأة بصفة عامة — على التفلسف، حتى بغض النظر عن نوع هذه الفلسفة، فإننا نود أن نقف قليلًا عند «النتائج السلبية» التي كانت في ذهن أفلاطون.
سادسًا: أسبازيا وحركة الخطابة السوفِسطائية
ما هي النتائج السلبية التي كانت في ذهن أفلاطون عندما أراد نقد حركة الخطابة السوفِسطائية؟
لكن ما عَلاقة ذلك بأسبازيا؟ وماذا نقول في أمر أسبازيا مُعلِّمة فن الخطابة؟
نقول إن أفلاطون تعلم منها الكثير من «فن الخطابة» على نحو ما تعلم سقراط، ولكن ربما كان ما تعلمه أفلاطون هو الأضرار أو الآثار السيئة التي ينطوي عليها فن الخطابة كفرع من أفرع الفلسفة؛ ذلك لأن الفلسفة عنده نظام من المعرفة يسعى للكشف عن الحقيقة، كما يسعى لتنوير أذهان الناس. لكن الفلسفة، من ناحية أخرى، لديها القدرة على إقناع الناس بأشياء غير صحيحة، أو قُل إن لديها القدرةَ على طمس الحقيقة، ولا سيما إذا لم يكن المستمع على قدر كافٍ من الذكاء — مثل سقراط أو أفلاطون — يمكِّنه من اكتشاف ذلك، ومن هنا تأتي أهمية نقد «الخطاب الجنائزي» الذي حفظه سقراط عن أسبازيا، وما فيه من ادعاءات وتزييف للتاريخ، وألوان من البلاغة تدغدغ مشاعر الناس بغير حق. ولعل هذا هو ما جعل أفلاطون يبدأ المحاورة بافتتاحية تنطوي على سخرية من نفاق الخطباء الذين يمتدحون المواطن بخلال ليست فيه حتى «يُمسي مسحورًا بهذه الكلمات»، وقد يتصور نفسه وقد أصبح إنسانًا عظيمًا!
ومن هنا فإننا نستطيع أن نقول إن ما حفظه سقراط هو «فن الخطابة السوفِسطائية» وذلك يعني قوة التأثير في الجماهير، والحديث في أمور من شأنها أن تجعل الشعب ينخدع فيظن في نفسه شيئًا آخر غير ما يعرف!
الخاتمة
- (١)
سوف يعني ذلك بوضوح أن أسبازيا كانت واحدة من المثقفين اللامعين، والمفكرين المؤثرين في حياة أثينا، وأنها صاحبة عقل لماح في الموضوعات السياسية التي تهم الشعب، فضلًا عن اهتمامها بفن الخطابة.
- (٢)
إن معنى ذلك أن نأخذ بجِديةٍ واقعةَ أنها تعاونت مع بركليس في كتابة خطابه الجنائزي الشهير.
- (٣)
أن أسبازيا كانت في ذلك الوقت في مركز الحلقة الفلسفية السوفِسطائية، وهي حلقة كرَّست نفسها لتحليل البيان وشرح وكتابة فن الخطابة.
- (٤)
معناه أيضًا أن أفلاطون نظر إليها على أنها مصدر تهديد، وليس تهديدًا شخصيًّا، بل تهديد سياسي وعقلي في الحياة الثقافية الأثينية.
- (٥)
يبدو أن أفلاطون اعتبرها ممثلةً لسوء استخدام الفلسفة، بل وسوء استخدام الحكمة والحقيقة من خلال سيطرتها على البيان، وموهبتها في فن الخطابة.
- (٦)
يبدو أن تهمة الإلحاد التي وُجهت إليها، والتي حوكمت بسببها أمام ألف وخمسمائة من القضاة، كانت دليلًا آخر على أن الآخرين كانوا يعتبرونها أيضًا مصدر تهديد، يضاف إلى ذلك تخليد ذكراها في لوحة الجص المرسومة على بوابة مكتبة الجامعة، والتي تدل على تقدير الأثينيين لها كمفكرة أثينية في دولة المدينة.
Thucydides: History of the Peloponnesian War, p. 98 Eng. Trans. by Rex Warner, 1954. Penguin Classics.