الفصل الرابع

أسبازيا مُعلِّمة الخطابة

«تُبرهن المرأة على أمومتها بأن تُرضع صغارها. كذلك تبرهن بلادنا على أمومتها بأن تنتج لأبنائها القمح والشعير!»

fig1
شكل ٤-١: «صالون أسبازيا»: أرشميدس، ألكبيادس، أنكساجوراس، أفلاطون، أسبازيا، بركليس، سقراط، بولينوس، إتيكس، أنتستين، سوفوكليس، فيدياس.

أولًا: حياتها

لا نعرف شيئًا عن ميلادها، لكنها ماتت على الأرجح عام ٤٠١ق.م. وهي مواطنة من مَلَطْية في أيونيا، وصلت إلى أثينا حوالَي عام ٤٥٠ق.م.، وافتَتحَت فيها مدرسةً لتعليم البلاغة والفلسفة، وأخذت تشجع بجرأة عظيمة — فيما يقول وِل ديورانت — خروجَ النساء من عزلتهن، واختلاطَهن بالرجال، وتربيتَهن تربية عالية، والتحقت بمدرستها كثيراتٌ من فتيات الطبقات العليا، وأرسل كثير من الأزواج زوجاتِهم ليدرسن معها.١
ويبدو أنها كانت تلقي محاضرات كان يستمع إليها الرجال أيضًا، ومن بينهم بركليس، وسقراط، وأكبر الظن أن أنكساجوراس نفسَه، ويوربيدس، وألكبيادس، وفيدياس المثَّال كانوا يستمعون إليها، أو كانوا يحضرون صالونها الأدبي، كما تدل الصورة التي سوف نتحدث عنها بعد قليل. وحين التقى بركليس بأسبازيا كان قد مضى على زواجه زمن طويل، وكانت هي من ذلك الطراز الذي تحاول خلقه في بلاد اليونان، طراز النساء اللاتي أصبح لهن — بعد قليل من الوقت — شأن كبير في الحياة الأثينية.٢
ويروي «ديورانت» أن بركليس وجد الفرصة سانحة أمامه للارتباط بأسبازيا، «إذ أحبت زوجته رجلًا آخر، فلم يكن منه إلا أن عرض عليها أن تستمتع بحريتها نظير استمتاعه هو بحريته، فرضيت بذلك، وجاء بركليس بأسبازيا إلى بيته، غير أن القانون الذي سنَّه بركليس نفسُه عام ٤٥١ق.م. يُحرِّم على الأثيني الزواج من أجنبية حتى ولو كانت يونانية.٣
ويروي المؤرخون أن بيتها كان منتدًى للشخصيات الكبيرة في أثينا، حتى إن شعراء الكوميديا كانوا يسمونها «هيرا» أو الإلهة الملكة، زوجة رب الأرباب، على اعتبار أن بركليس هو زيوس نفسه.٤ وكان سقراط يُعجب بفصاحتها ويدهش منها ويقول إنها هي التي علمته فن البيان، ويعزو إليها الفضل في إنشاء الخطبة الجنائزية التي ألقاها بركليس بعد الخسائر الأولى في حرب البيلوبونيز. وما لبثت أسبازيا أن أصبحت ملكة أثينا غير المتوجة، تُشيع فيها آخر أنماط الحياة الاجتماعية، وعنها تأخذ نساء المدينة «مُثُل الحرية العقلية والأخلاقية التي يتطلعن لها، والتي تثير حماسهن.»٥ وكان ذلك كله صدمةً قوية لمشاعر المحافظين من الأثينيين، فأخذوا ينددون ببركليس أولًا، ثم بأعضاء الصالون ثانيًا، فاتهموا فيدياس باختلاس بعض ما عُهد إليه مِن ذهبٍ لصنع تمثال الإلهة أثينا من الذهب والعاج. ووجهوا إلى أنكساجوراس تهمة تتعلق بالدين، ففر الفيلسوف خارج البلاد اتباعًا لمشورة بركليس. ووجهوا تهمة دينية أخرى إلى أسبازيا نفسِها، مضمونها أنها لا تخضع لأوامر الدين، وأنها جهرت بعدم تعظيم آلهة اليونان، وقُدمت للمحاكمة ونُظرت قضيتها أمام ألف وخمسمائة من القضاة، ودافع عنها بركليس دفاعًا مجيدًا استخدم فيه كل ما وُهب من بلاغة، وأصدرت المحكمة حكمها بالبراءة.٦
ولقد خلدتها الوثائق التاريخية في عملين بارزين:
  • الأول: هو محاورة مينكسينوس Menexenus لأفلاطون، حيث يقول سقراط: «عندي مُعلمة ممتازة في البيان (الخطابة). ولقد علَّمَت كثيرًا من الخطباء الممتازين، على رأسهم أفضل الخطباء جميعًا، ألا وهو بركليس. ولقد سمعتُ بالأمس أنها دبَّجت خطابًا جنائزيًّا عن موتانا هو الذي ألقاه بركليس في الحفل الجنائزي الشهير. ولقد حفظت منها هذا الخطاب عن ظهر قلب، وكانت هي على استعداد لأن تجلدني بالسياط إن نسيتُ منه شيئًا.»٧
  • الثاني: اللوحة الزيتية من الجص البارز الموجودة الآن على بوابة مكتبة جامعة أثينا، واللوحة تصورها في صحبة سقراط، وفيدياس Phidias المثَّال وهو يمسك في يده بالإزميل، وسوفوكليس، وبركليس قائد حرب البيلوبونيز، وأفلاطون عندما كان شابًّا، وأنتستين، وأنكساجوراس، وألكبيادس الوسيم … إلخ. وإن كان من الواضح أن بعض شخصيات هذه اللوحة لا يمكن لهم أن يجتمعوا معًا في وقتٍ واحد. وبعضهم مثل أرشميدس لم يكن قط من بين أعضاء صالون أسبازيا الشهير.

ثانيًا: خطاب بركليس الجنائزي

في عام ٤٣٢ق.م. اندلعت الحرب التي نطلق عليها اسم «حرب البيلوبونيز»، واستمرت مرحلتها الأولى عشر سنوات (٤٤٢–٤٣٢ق.م.) وانقسم فيها العالم الإغريقي قسمَين: أحدهما: «دوري» تتزعمه اسبرطة، والآخر: تغلب عليه الصفة الأيونية وتقوده أثينا. ولقد قاد بركليس هذه الحرب، ووضع خططها معتمدًا على قوة أثينا البحرية، وعلى التجمع خلف «الأسوار الطويلة».٨
وبعد مرور عام على اندلاع الحرب اجتمع الأثينيون حسب عادتهم، خارج أسوار المدينة؛ ليستمعوا إلى خطاب جنائزي (مرثية) يُعَد خصوصًا في أمثال هذه المناسبات للاحتفال بذكرى الشهداء الذين استُشهدوا في المعركة.٩
وكان بركليس هو الذي اختارته أثينا، فصعِد منبرًا عاليًا أُعدَّ خصوصًا كي يسمعَه أكبر عدد ممكن من الناس الواقفين بعيدًا عن المنبر وقال:
«إن معظم الذين تكلموا في الماضي في مثل هذه المناسبة أثنَوا ثناءً عاطرًا على هذه السُّنَّة المتَّبَعة في الاحتفال بدفن الشهداء، على اعتبار أن هذا التكريم للشهداء الذين سقطوا في ساحة المعركة واجب مقدس. لكن لستُ أوافق على ذلك؛ فأولئك الذين برهنوا على بسالتهم بالفعل، يكفيهم فخرًا في اعتقادي أن نعلن عن بسالتهم بالفعل أيضًا، كما شاهدتهم في هذا الاحتفال الجنائزي الذي نظمته الدولة. وهكذا لا يكون تكريمهم وقفًا على فصاحة الخطيب أو عدم فصاحته … سأقول كلمة عن أجدادنا، إذ من المناسب ونحن نقيم مأتمًا للشهداء أن نكرم ذكرى السلف. فلم تخلُ هذه الأرض يومًا من الأبطال الذين استطاعوا بشجاعتهم أن يورثوها لأبنائهم جيلًا بعد جيل … وإن كنت لن أدبج خطابًا عن أشياء تعرفونها …»١٠ ثم ترك بركليس شهداء المعركة وذكرى الأسلاف، وراح يعدد مناقب المواطن الأثيني، ونظام حكمه بشكل عام. قال:
«إنني أقول إن نظام الحكم عندنا ليس نسخة من المؤسسات السياسية عند جيراننا. فنحن لا نقلد أحدًا، بل إننا مثال يُحتذى. ودستورنا هو الديمقراطية؛ لأن نظام الحكم ليس في أيدي القلة، بل في يد الشعب كله. وإذا سأل سائل عن الطريقة التي تُحسم بها المنازعات الشخصية، لكان من جوابنا أن كل مواطن يتساوى مع غيره أمام القانون. وإذا سأل من جديد عن الطريقة التي يُعيَّن بها شخصٌ ما في منصب رفيع دون غيره، ولا سيما في مراكز المسئولية العامة، لكان جوابنا: إن ما يوضع في الاعتبار ليس هو مكانة الطبقة التي ينتمي إليها ذلك الشخص، بل القدرات الفعلية التي يملكها. ولن تجد فردًا يقف بعيدًا عن الأضواء في خدمة الدولة لأنه فقير، فالحياة السياسية عندنا حرة ومفتوحة، وليست احتكارًا أو وقفًا على فئة من الناس. ونحن لا نتدخل في حياة جيراننا، ولا نغضب منهم إذا ما استمتعوا بحياتهم بالطريقة التي يرتضونها لأنفسهم. ولسنا نزدري الرجل الذي لا يروق لنا ما دام رجلًا لا ضرر منه.١١ ونحن في حياتنا الخاصة تغلب علينا رُوح الحرية والتسامح، أما في المسائل العامة فإننا نحافظ على احترام القانون.»

«ونحن نطيع أولئك الذين وضعناهم في مراكز السلطة كما نطيع القوانين، ولا سيما تلك القوانين التي تحمي المضطهدين والمظلومين. والقوانين غير المكتوبة التي يُعَد انتهاكها عارًا على المواطن.»

«وهناك خاصية أخرى: إننا عندما ننتهي من أعمالنا نكون في وضع يسمح لنا بالاستمتاع بجميع أنواع الترويح عن أنفسنا، فعندنا تنافس في الألعاب الرياضية والأعياد المنتظمة التي نقدم فيها القرابين طَوال العام، كما أننا نجد الجمال في بيوتنا، والمذاق الجيد الذي يُبهجنا كل يوم ويُبعد عنا الملل والسأم. وبسبب عظمة مدينتنا ترِد إلى أسواقنا ثمار الأرض من كل فج، ومن حقنا — وذلك أمر طبيعي — أن نستمتع بمنتجات البلدان الأخرى كما نستمتع بمنتجاتنا المحلية سواء بسواء.»

«إننا نُمجد الموهبة أيًّا كان مجالها؛ لأن التفوق الممتاز هو في حد ذاته، جدير عندنا بالتمجيد، إننا نحب الجمال في غير إسراف، ونحب الحكمة — أي نتفلسف — في غير ضعف أو تخنُّث، ودون أن تُفقدنا شهامة الرجال. إن أحدًا منا لا يستسلم لأحد في أمر يمس استقلاله الرُّوحي وإبداعه المثمر، وإننا لنعتمد على أنفسنا اعتمادًا كاملًا.»

«أما المال والثراء فننفقهما في الوجوه الصحيحة، ولا نستخدمهما للمباهاة أو الادعاء الفارغ، ولا نرى عيبًا في الاعتراف بوجود الفقر بين ظَهرانَينا، إنما العيب الحقيقي هو التقاعس عن محاربة الفقر. والمواطن الأثيني لا يُغفل أمر بلاده لأنه يهتم بشئونه الخاصة، بل إن الذين ينخرطون منا في التجارة تجدهم على علم جيد بشئون بلادهم السياسية، وتلك خاصية أساسية من خواصنا. إننا لا نقول عن الرجل الذي لا يهتم بأمور السياسة إنه يهتم بأموره الخاصة، بل إننا نقول إنه لا يهتم بشيء على الإطلاق. إننا نحن الأثينيين نتخذ قراراتنا ونضع خططنا بعد إخضاعها للمناقشات المناسبة؛ لأننا لا نعتقد أن ثمة تناقضًا بين الأقوال والأفعال، بل إن أسوأ الأمور هو الاندفاع إلى الفعل قبل مناقشة النتائج مناقشة جيدة …»١٢

«لا بد لي أن أقول — في كلمة واحدة — إن أثينا هي مُعلِّمة بلاد اليونان ومدرستُها، وإنني لأعلن أن كل فرد من مواطنينا قادر في كل مناحي الحياة أن يَظهر على أنه سيد نفسه أو مالك شخصه، وأهلٌ لمعالجة مختلِف الأمور والشئون الطارئة في يُسر ولباقة. وليس قولي هذا عبارةً تُمليها المناسبة، ولا هو قول فيه مداهنة، بل إنني أقول الحق وأشير إلى الواقع، والدليل على صدق قولي هو سمو المكانة التي بلغتها الدولة بسبب هذه الفضائل والسجايا التي جئت على ذكرها …»

«لقد أطلت الحديث عن عظمة أثينا؛ لأنني أود أولًا أن أؤكد لكم أن ما نحارب من أجله أثمنُ جدًّا مما يحارب من أجله الآخرون؛ ولأبرهن لكم ثانيًا لماذا استحق هؤلاء الشهداء مثل هذا التكريم، ومثل هذا الاحتفال الذي أقمناه … إنني بتقريظي لهذه المدينة، والحديث عن فضائلها فإنني أكون قد نوهت بتضحية هؤلاء الشهداء، وأمثالهم من الرجال الذين أقامت المدينةُ على أساس فضائلهم عزَّها وسؤددَها …»١٣
حاولنا أن نختصر — قدر المستطاع — هذا الخطاب الجنائزي الطويل الذي ألقاه بركليس في حفل شهداء أثينا، الذين سقطوا في أول عام من أعوام حرب البيلوبونيز العشَرة. ولعل أهم عناصر الخطاب هي كما يلي:
  • (١)

    يبدأ بركليس بامتداح السُّنَّة المتَّبعة في الاحتفال بتكريم الشهداء، لكنه يريد أن يكون في الحفل تكريم للأجداد أيضًا، الذين لم يبخلوا يومًا على الوطن بحياتهم.

  • (٢)

    يقوم بركليس، في الواقع، بالتركيز أساسًا على خصائص «الشخصية الأثينية» الحقة، فمعظم الخطاب ينصب على صفات المواطن الأثيني، من ناحية، ومناقب أثينا بصفة عامة، من ناحية أخرى.

  • (٣)

    بدأ يصف نظام الحكم في أثينا، وهو النظام الديمقراطي، الذي يفخر به المواطن الأثيني، ويَعُده نَموذجًا تحتذيه الدول الأخرى. وهو يعني حكم الشعب لا حكم طبقة ولا جماعة ولا فئة.

  • (٤)

    خصائص هذا النظام هي:

    • (أ)

      كل الأفراد متساوون أمام القانون.

    • (ب)

      جميع الفرص متاحة أمام الأفراد لاختيار صاحب الكفاءة للمناصب الشاغرة.

    • (جـ)

      لا أهمية للطبقة التي ينتمي إليها الفرد، فليست هي التي تؤهله لشغل المناصب الرفيعة ذات المسئولية.

    • (د)

      لا أهمية للثروة، فلا يكون الفرد بعيدًا عن الأضواء، أو محرومًا من خدمة بلده بسبب فقره.

    • (هـ)

      الحياة السياسية حرة ومفتوحة وليست احتكارًا لأحد.

    • (و)

      لكل إنسان أن يستمتع بحياته التي يرتضيها لنفسه ما دامت لا تضر الآخرين.

    • (ز)

      تغلب على المواطن الأثيني، في حياته الخاصة، رُوح الحرية والتسامح، وفي المسائل العامة طاعة القانون.

  • (٥)

    يعود بركليس بعد ذلك إلى الحديث عن «المواطن الأثيني» الذي من خصائصه الاستمتاع والترويح عن النفس بعد عناء العمل.

  • (٦)

    المواطن الأثيني يمجد الموهبة ويحب الجمال في غير إسراف، ويحب الحكمة دون أن تُفقده شهامة الرجال.

  • (٧)

    المواطن الأثيني لا يستسلم لأحد في أمر يمس استقلاله الرُّوحي وإبداعه المثمر، وهو يعتمد على نفسه اعتمادًا كاملًا.

  • (٨)

    المواطن الأثيني، حتى إذا انخرط في أعمال تجارية، تراه مُلِمًّا إلمامًا جيدًا بشئون بلاده السياسية.

  • (٩)

    ثم يعود بركليس إلى التفاخر بأثينا مُعلِّمة اليونان ومَدرستُها، وأن ما تحارب من أجله أثينا — وهو الحرية — أثمن كثيرًا مما يحارب الآخرون من أجله. ومن هنا جاء فضل الشهداء.

ونذكر هذه العناصر الأساسية في خطاب بركليس؛ لأننا سوف نجدها تتردد في خطاب أسبازيا الذي يرويه سقراط في «محاورة مينكسينوس» لأفلاطون.

ثالثًا: أسبازيا ومحاورة «مينكسينوس»

تدور المحاورة حول «الخطاب الجنائزي» الذي سمعه سقراط من أسبازيا رفيقة «بركليس بن اكزانثيبس XANTHIPUS»، وهي التي علَّمته فن الخطابة، كما علَّمت كثيرين غيره. والخطاب تأبين لشهداء سقطوا في معركة. ولم يهتم أفلاطون بتحديد هوية المعركة ولا نوع الحرب.١٤
وتبدأ المحاورة بمقدمة تنطوي على سخرية من نفاق الخطباء، حتى ليُخيَّل إلى المرء أن «التملق والنفاق والمداهنة» هي موضوع محاورة مينكسينوس، وإن كان ذلك لا يظهر إلا في المقدمة فحسب، حيث يقول سقراط ساخرًا: «ربما كان من الأفضل للمرء أن يموت في المعركة؛ لأنه في هذه الحالة سوف يحظى بجنازة رائعة حتى ولو كان فقيرًا، وسوف يمتدحه الناس بكلمات قد لا يستحقها، ويعلن الحكم عن فضائله، سواء أكانت لديه أم لم تكن، حتى يمسيَ المرء مسحورًا بهذه الكلمات، وقد يتصور نفسه وقد أصبح إنسانًا عظيمًا، بل أعظم وأسمى وأنبل مما كان يظن! ويستمر معه هذا الشعور بالكرامة ثلاثة أيام (هي مدة الاحتفالات) وقد لا يفيق منه إلا في اليوم الرابع أو الخامس.»١٥

ويكون تعليق مينكسينوس: «إنك تسخر، على الدوام، من الخطباء يا سقراط، وعلى أية حال، فقد اختاروا اليوم خطيبًا لهذه المناسبة (وهو بركليس) ولا أظن أن مهمته ستكون سهلة؛ لأن عليه — فيما أظن — أن يرتجل الخطاب!»

ويرد سقراط: إنه لا خوف على بركليس فقد علَّمته مُعلِّمة البيان «أسبازيا» فن الخطابة، وقد أعدت بالفعل الخطاب الجنائزي الذي سوف يلقيه قائد أثينا.١٦ ولقد سمعته منها بنفسي، بل إنني حفظته عن ظهر قلب، وكانت هي على استعداد لأن تجلدني بالسوط إن نسيت منه شيئًا!»١٧

رابعًا: خطاب «أسبازيا» الجنائزي

بعد ذلك يبدأ سقراط في رواية خطاب أسبازيا الجنائزي تحت إلحاح مينكسينوس، فيقول إنها بدأت الخطاب على نحو ما فعل بركليس في الخطاب الذي أسلفنا ذكره، في امتداح هذه السُّنَّة الحميدة التي جرت عليها أثينا في تأبين شهدائها «إذ من الضروري أن يكون هناك تأبين للشهداء، وخطاب يمتدح الأموات الأبطال، وينصح الأحياء، خاصةً الإخوة والأبناء، أن يقلدوا ذويهم من الشهداء.»١٨ هكذا بدأت «أسبازيا» خطابها لسقراط، ثم استطردت متسائلة: لكن على أي نحوٍ يمكن أن يكون هذا الخطاب؟ وكيف نبدأ مديح هؤلاء الأبطال؟ يبدو لي أنه من المناسب لطبيعة الأمور أن يُمتدحوا لخيريتهم، وهم أخيار بالفعل؛ لأنهم انحدروا من أخيار، فتُمتدح إذن نبالة المَحتِد، وجودة التربية …»١٩

(١) نبالة المَحتِد

من حيث ولادة هؤلاء الأبطال، فإن أسلافهم لم يكونوا أجانب، بل كانوا أبناء هذه الأرض الطيبة، عاشوا عليها، وحملتهم وأرضعتهم، وتلقفتهم برعايتها، وكانت أمهم الحقيقية التي يستريحون في حضنها؛ ولهذا كان من المناسب أن نبدأ بتمجيد الأرض التي هي الأم، وتلك هي الطريقة المناسبة لتمجيد هؤلاء الأبناء، وهي بلاد جديرة فعلًا بالثناء؛ وذلك بسبب مناقب أثينا التي لا نمتدحها نحن فحسب، بل يمتدحها الجنس البشري كله، بل إنها لعزيزة حتى على الآلهة.٢٠ فهي كالأم الحانية على أبنائها. فكما أن المرأة تبرهن على أمومتها بأن ترضع صغارها (وليست أُمًّا من لا تكون لديها هذا النبع) كذلك تبرهن بلادنا على أمومتها بأن تنتج لأبنائها القمح والشعير، الذي يحتاج إليه الإنسان في طعامه. وتلك علامة على الأمومة أصدق من أمومة المرأة؛ لأن المرأة في حملها وولادتها تحاكي الأرض، وليست الأرض التي تقلد المرأة …»٢١

(٢) جودة التربية

إن بلادنا التي كانت باستمرار حرة وطاهرة، احتضنت أبناءها وربتهم إلى أن أصبحوا رجالًا، ثم منحتهم آلهة ليكونوا لهم حكماء ومعلمين، وهذه الآلهة هي التي نظمت حياتنا، وعلَّمتنا، وأرشدتنا في فنون حياتنا اليومية.

وُلد أجدادنا وتعلموا، وشكلوا حكومة لأنفسهم: حكومة حكيمة، وعاقلة للرجال الأخيار. وسُمي هذا الشكل من أشكال الحكومة بالحكومة الديمقراطية — لبعض الوقت — وإن كان شكل حكومتنا هو «الأرستقراطية»؛ لأنه في الواقع أفضل نظم الحكم …»٢٢
لقد كان الملوك في تاريخنا القديم يرثون العرش، ثم أصبحوا يُعيَّنون بالانتخاب بعد ذلك. وهكذا أصبحت السلطة بأيدي الشعب على وجه الإجمال، فالشعب هو الذي يُعيِّن الأفراد الأكْفاء لشغل المناصب الشاغرة، كما أنه يعطي الحكم لمن هو أفضل دون أن يُستبعَد أحدٌ بسبب مولده أو لضعف في بدنه، أو لفقره، أو ما شابه ذلك من أمور ثانوية. فليس ثمة سوى معيار واحد لتولي الحكم والسلطة، ألا وهو: الفضيلة والحكمة.٢٣

«لقد كان شعبنا — على الدوام — يُقدِّر الأعمال الجميلة، العامة منها والخاصة على حدٍّ سواء، ويجد أنه من الضروري أن يقاتل من أجل الحرية: فمن أجلها قاتل الاسبرطيون، كما قاتل البرابرة على حدٍّ سواء.»

«ولهذا فإنني أؤكد أن أولئك الرجال ليسوا آباءنا فحسب، بل هم آباء الحرية، وآباء حريتنا، وحريات الذين يقطنون في هذه القارة كلها. لقد نظر الأثينيون جميعًا إلى ما فعله الأثينيون، وأصبحوا تلاميذَ لأبطال الماراثون Marathon،٢٤ وهكذا أصبح الجنود الأثينيون في سهل الماراثون كالبحارة في سلاميس Salamis،٢٥ أساتذة في الفنون العسكرية لهيلاس كلها.»٢٦
وما يمكن أن يعيبه شخص ما — في رأي أسبازيا — على مدينتنا، أو يوجه إليها الاتهام، شيء واحد فقط، أو اتهام واحد فحسب هو: أنها كانت رحيمة وشفوقة أكثر مما ينبغي، وأنها تقف بجوار الضعيف، وتساعده أكثر مما ينبغي، وأنها لا تستطيع أن تنفض يدها عن مساعدة من أضرها حينما تراه مستعبدًا، بل وأن تخفف عنه آلامه. ولقد ساعدت أثينا اليونانيين وحررتهم من العبودية، ولقد ظلوا أحرارًا بعد ذلك إلى أن قاموا باستعباد أنفسهم.٢٧

تلك هي الخطوط الرئيسية في الخطاب الجنائزي الذي ذكره سقراط في «محاورة مينكسينوس» على لسان «أسبازيا»، ومن الواضح أن النظرة العجلى تلاحظ التشابه القوي بين هذا الخطاب وبين خطاب بركليس الذي سبق لنا أن أوردنا أهم عناصره. مما يؤكد قول سقراط بأن أسبازيا كانت مُعلمة فن الخطابة لبركليس ولغيره من خطباء أثينا.

خامسًا: حجتان ضد «مينكسينوس»

لكنَّ هناك مشكلتين يثيرهما بعض الباحثين على النحو التالي:
  • المشكلة الأولى: أن هذا الخطاب الذي أورده سقراط على لسان أسبازيا ليست له أهمية فلسفية، فهو مجرد ضرب من البلاغة، أو البيان، أو الفصاحة اللغوية دون أن ينطوي على أية أفكار فلسفية بالمعنى الدقيق لهذا اللفظ.
  • المشكلة الثانية: أنه على الرغم من أن أفلاطون هو الذي كتب محاورة مينكسينوس، وعلى الرغم من أن وجهة النظر التي نسبها إلى أسبازيا صحيحة، وهي خاصة بها فعلًا، فإن أفلاطون كان يسخر من الخطابة والخطباء، حتى إن المحاورة بأسرها يمكن أن تُعَد — في نظر البعض — قطعةً من أدب «السخرية والتهكم»، ومن ثَم فإن أفلاطون لم يكن جادًّا عندما كتب هذه المحاورة!
أما بالنسبة للمشكلة الأولى فإن أصحاب الرأي الذي يقول إن الخطاب ليست له أهمية فلسفية مطالبون بالرد على الأسئلة الآتية:
  • (١)

    كيف يتفق ذلك مع القول بأن أفلاطون هو صاحب المحاورة؟ وبعبارة أخرى: كيف نفسر كتابة أفلاطون لهذه المحاورة رغم طابعها اللافلسفي الظاهر؟ كيف يمكن أن نقول إن هذه المحاورة هي العمل الوحيد «اللافلسفي» لأفلاطون؟ وكيف تستقيم مع بقية محاوراته؟

  • (٢)
    ومن ناحية أخرى ألم يكن «فن الخطابة» فرعًا من الفلسفة؟ ألم يفرق أفلاطون نفسه في محاورة جورجياس بين نوعين من الخطابة أحدهما يعتمد على النفاق والتملق وهو نوع رديء ومرفوض، والآخر وحده جميل ومطلوب وهو الذي يعمل على جعل نفوس المواطنين أفضل.٢٨
  • (٣)
    ألم يكتب أرسطو كتابًا مستقلًّا عن الخطابة، ويشير فيه بالفعل إلى «الخطاب الجنائزي» الذي ذكره سقراط على لسان أسبازيا ليقول بعد ذلك — في لمحة ذكية بارعة: «ليس من الصعب أن نمتدح الأثينيين ونحن بين ظَهرانَيهم، لكن المشكلة حقًّا أن نمتدح الأثيني في اسبرطة.»٢٩ عدوة أثينا اللدود! ومن المحتمل أن أرسطو كان يقرر صدق محاورة مينكسينوس، كما أنه كان يتابع تراث الأكاديمية المبكر، وهو يزودنا بمِفتاح لتفسير المحاورة.٣٠
  • (٤)
    ألم تكن الخطابة من بين المجموعة الثلاثية Trivium — طَوال العصور الوسطى — التي كانت تضم فقه اللغة، والخطابة، والمنطق، وكانت تسمى ﺑ «العلوم العقلية»؛ لأنها تتناول أفعال العقل، ما يدل على الوضع «العقلي»، ومن ثَم الفلسفي، للخطابة عند اليونان وفي العصور الوسطى؟

والمشكلة الثانية: هي أن أفلاطون لم يكن جادًّا، بل إن محاورة مينكسينوس ليست سوى قطعة من أدب السخرية والتهكم. فالخطابة في عصر أفلاطون بصفة خاصة كانت جزءًا من الفلسفة السوفِسطائية. ولم تكن شخصية أسبازيا شخصية أدبية أو خرافية خلقها أفلاطون، بل إن العكس هو الصحيح، فقد تمتعت هذه المرأة بشهرة عريضة؛ ولهذا فإن الأدنى إلى الصواب أن نقول إن أفلاطون كان يضع في ذهنه أسبازيا مُعلمة الخطابة السوفِسطائية، وأنها ساهمت مع غيرها في نمو الحركة السوفِسطائية، كما أسهمت إسهاماتٍ ملحوظةً في تطور فن الخطابة، وأنها كانت رسولًا لهذا الفكر الجديد الذي كان يعتقد أفلاطون أن له نتائجَ سلبيةً على أثينا.

ومعنى ذلك أن «محاورة مينكسينوس» كُتبت لنقد أسبازيا السوفِسطائية، وللسخرية مما تقول، والتهكم من فن الخطابة حتى مع اعتراف أفلاطون أن هذا الفن فرع من الفلسفة، ومع تسليمه بأن أسبازيا فيلسوفة، لكنها فيلسوفة سوفِسطائية تستحق التهكم والنقد كغيرها من السوفِسطائيين في عصره. وعلى الرغم من أننا في هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى النتيجة التي نريد إثباتها، وهي قدرة «أسبازيا» — والمرأة بصفة عامة — على التفلسف، حتى بغض النظر عن نوع هذه الفلسفة، فإننا نود أن نقف قليلًا عند «النتائج السلبية» التي كانت في ذهن أفلاطون.

سادسًا: أسبازيا وحركة الخطابة السوفِسطائية

ما هي النتائج السلبية التي كانت في ذهن أفلاطون عندما أراد نقد حركة الخطابة السوفِسطائية؟

لا شك أن أفلاطون كان في ذهنه، عندما كتب محاورة «مينكسينوس»، الانتقادات التي سوف يوجهها بعد ذلك إلى النظام الديمقراطي في محاورة «الجمهورية». ولقد سبق أن رأيناه يجعل النظام الأرستقراطي هو الأفضل، حتى على لسان أسبازيا زوجة بركليس رائد الديمقراطية الأثينية. ولا شك أيضًا أن كراهية أفلاطون للديمقراطية جاءت من أنه تصوَّرها ضربًا من الفوضى يكون فيه الإنسان حرًّا لا يقيده قيد، ولا يخضع لسيد … إلخ.٣١ ففي الكتاب الثامن من «الجمهورية» يعتقد أن سِمة الديمقراطية الإفراطُ في كل شيء؛ في الحرية الفاسدة، والمساواة الفاسدة: «إذ يغدو العبيد الذين يُشترَون بالمال متساوِين في حريتهم مع مُلَّاكهم الذين اشترَوهم.»٣٢ وفي محاورة القوانين يقول: «إن الحرية التامَّة والمطلقة من قيود جميع أنواع السلطة هي شيء أسوأ بكثير من الخضوع لحاكم محدود القوى …».٣٣ فليس ثمة تحرر كامل من كل نوع من أنواع السلطة.

لكن ما عَلاقة ذلك بأسبازيا؟ وماذا نقول في أمر أسبازيا مُعلِّمة فن الخطابة؟

نقول إن أفلاطون تعلم منها الكثير من «فن الخطابة» على نحو ما تعلم سقراط، ولكن ربما كان ما تعلمه أفلاطون هو الأضرار أو الآثار السيئة التي ينطوي عليها فن الخطابة كفرع من أفرع الفلسفة؛ ذلك لأن الفلسفة عنده نظام من المعرفة يسعى للكشف عن الحقيقة، كما يسعى لتنوير أذهان الناس. لكن الفلسفة، من ناحية أخرى، لديها القدرة على إقناع الناس بأشياء غير صحيحة، أو قُل إن لديها القدرةَ على طمس الحقيقة، ولا سيما إذا لم يكن المستمع على قدر كافٍ من الذكاء — مثل سقراط أو أفلاطون — يمكِّنه من اكتشاف ذلك، ومن هنا تأتي أهمية نقد «الخطاب الجنائزي» الذي حفظه سقراط عن أسبازيا، وما فيه من ادعاءات وتزييف للتاريخ، وألوان من البلاغة تدغدغ مشاعر الناس بغير حق. ولعل هذا هو ما جعل أفلاطون يبدأ المحاورة بافتتاحية تنطوي على سخرية من نفاق الخطباء الذين يمتدحون المواطن بخلال ليست فيه حتى «يُمسي مسحورًا بهذه الكلمات»، وقد يتصور نفسه وقد أصبح إنسانًا عظيمًا!

ومن هنا فإننا نستطيع أن نقول إن ما حفظه سقراط هو «فن الخطابة السوفِسطائية» وذلك يعني قوة التأثير في الجماهير، والحديث في أمور من شأنها أن تجعل الشعب ينخدع فيظن في نفسه شيئًا آخر غير ما يعرف!

إننا إذا ما وضعنا في أذهاننا صورة أثينا عام ٣٨٦ق.م.، فلا ينبغي علينا أن نقول إن هذا «التشويه للتاريخ» نابع من تعظيم الديمقراطية الأثينية؛ فقد أدان الأثينيون أنفسُهم هذه الديمقراطية. غير أن الموضوع الأول الذي ينبغي إدانته — وهو المصدر الرئيسي للخطابة — هو أسبازيا: هذه الأيونية «المستنيرة» التي كانت العضو النسائي الوحيد في حلقة بركليس.٣٤ على ما يقول أحد أنصار هذه الوجهة من النظر: إدموند بلودو Edmund Bloedow.

الخاتمة

إننا إذا ما أخذنا بوجهة النظر التي تقول إن أفلاطون كتب محاورة «مينكسينوس» للسخرية والتهكم من أسبازيا، وما تمثله من فن الخطابة السوفِسطائي — وهذا أمر جائز — فسوف يترتب على ذلك عدة أمور هامة على النحو التالي:
  • (١)

    سوف يعني ذلك بوضوح أن أسبازيا كانت واحدة من المثقفين اللامعين، والمفكرين المؤثرين في حياة أثينا، وأنها صاحبة عقل لماح في الموضوعات السياسية التي تهم الشعب، فضلًا عن اهتمامها بفن الخطابة.

  • (٢)

    إن معنى ذلك أن نأخذ بجِديةٍ واقعةَ أنها تعاونت مع بركليس في كتابة خطابه الجنائزي الشهير.

  • (٣)

    أن أسبازيا كانت في ذلك الوقت في مركز الحلقة الفلسفية السوفِسطائية، وهي حلقة كرَّست نفسها لتحليل البيان وشرح وكتابة فن الخطابة.

  • (٤)

    معناه أيضًا أن أفلاطون نظر إليها على أنها مصدر تهديد، وليس تهديدًا شخصيًّا، بل تهديد سياسي وعقلي في الحياة الثقافية الأثينية.

  • (٥)

    يبدو أن أفلاطون اعتبرها ممثلةً لسوء استخدام الفلسفة، بل وسوء استخدام الحكمة والحقيقة من خلال سيطرتها على البيان، وموهبتها في فن الخطابة.

  • (٦)

    يبدو أن تهمة الإلحاد التي وُجهت إليها، والتي حوكمت بسببها أمام ألف وخمسمائة من القضاة، كانت دليلًا آخر على أن الآخرين كانوا يعتبرونها أيضًا مصدر تهديد، يضاف إلى ذلك تخليد ذكراها في لوحة الجص المرسومة على بوابة مكتبة الجامعة، والتي تدل على تقدير الأثينيين لها كمفكرة أثينية في دولة المدينة.

١  وِل ديورانت: «قصة الحضارة»، المجلد السابع، ترجمة الأستاذ محمد بدران، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ص١٨.
٢  المرجع السابق، ص١٩.
٣  James Donaldson: Women: “Her Position and Her Influence in Ancient Greece and Rome”, N.Y. 1973. p. 61.
٤  المرجع السابق نفسه؛ وانظر أيضًا: د. إمام عبد الفتاح إمام، «أفلاطون والمرأة»، ص٤٠-٤١، مكتبة مدبولي بالقاهرة.
٥  وِل ديورانت: «قصة الحضارة»، المجلد السابع، ص١٩.
٦  وِل ديورانت: المرجع السابق، ص٥؛ وانظر كتاب ماري إلين ويث: «تاريخ الفلاسفة من النساء»، المجلد الأول، ص٧٥.
٧  Plato: Menexenus: 235C–236B.
٨  أقنع بركليس الجمعية الوطنية في أثينا بصرف الأموال اللازمة لبناء أسوار لا يقل طولها عن ثمانية أمتار سُميت «بالأسوار الطويلة» تصل أثينا وبيريه. ونظرت اسبرطة إلى هذا العمل على أنه عدائي، فسيرت جيشًا هزم الأثينيين عند تنجارا Tangara رغم ما أصاب الفريقين من خسائر فادحة. انظر:
Thucydides: History of the Peloponnesian War, p. 98 Eng. Trans. by Rex Warner, 1954. Penguin Classics.
٩  قبل الاحتفال بثلاثة أيام يقيم الأثينيون — على نفقة الدولة — خيمة يضعون تحتها عظام الشهداء، وفي أثناء الجنازة توضع العظام في توابيت مصنوعة من خشب السَّرْو وتُحمل على نعش، كما أنهم يحملون نعشًا فارغًا تغطيه سُجُف ويرمز إلى القتلى من الجنود الذين لم يُعثرْ على جثثهم بعد المعركة. ويسير في موكب الجنازة من يشاء من الناس، سواء أكان مواطنًا أم أجنبيًّا يعيش بينهم. ويوجد القبر الرسمي في أجمل بقعة خارج الأسوار، وفيه تُدفن عظام شهداء الحرب. وعندما يتم دفن بقايا الموتى في الأرض يقوم رجل مرموق معظم في أعين الناس تنتخبه المدينة ليلقي خطبة يؤبِّن فيها الشهداء، وبعد ذلك يتفرق الجمهور. وقد اختارت أثينا «بركليس» ليكون خطيب الاحتفال بذكرى الشهداء الأول الذين وقفوا في ساحة المعركة. راجِع في ذلك: تشارلز ألكسندر روبنصن (الابن): «أثينا في عهد بركليس»، ترجمة الدكتور أنيس فريحة، مكتبة لبنان، عام ١٩٦٦م، ص٧٢-٧٣.
١٠  Thucydides: History of the Peloponnesian War, p. 144.
١١  Ibid., p. 145.
١٢  Thucydides: Ibid., pp. 147-148.
١٣  Thucydides: Ibid., p. 149.
١٤  The Dialogues of Plato, vol. I. Trans. by R. E. Allen, Yale University Press, 1984, p. 319.
١٥  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٣٥أ-ب؛ وانظر أيضًا الشرح الذي قدمت به «إلين» لترجمتها لهذه المحاورة في كتاب «محاورات أفلاطون» السالف الذكر، ص٣١٩.
١٦  Plato: Menexenus, 236B.
١٧  Ibid., 230C.
١٨  Plato: Menexenus, 236D.
١٩  Ibid..
٢٠  هنا نجد إشارة إلى أسطورة النزاع بين الآلهة — ولا سيما الإله بوسيدون إله البحر والإلهة أثينا إلهة الحكمة — على هذه المدينة. وتضيف أسبازيا: «كيف يمكن للمدينة (أو الدولة) التي يتنازع حولها الآلهة ألا يمتدحها الجنس البشري بأكمله؟» محاورة مينكسينوس، ٢٣٧ﺟ.
٢١  Plato: Menexenus: 237D, 238B.
٢٢  هذا هو رأي أفلاطون الذي كان يعتقد أن الديمقراطية مرادفة للفوضى ولحكم الغوغاء. أما النظام الأمثل للحكم، في نظره، فهو النظام الأرستقراطي. قارِن د. إمام عبد الفتاح إمام: «الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي»، ص١٠١ وما بعدها.
٢٣  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٣٨ﺟ.
٢٤  الماراثون Marathon: سهل في الجزء الشرقي من وسط بلاد اليونان على بُعد ٣٩كم إلى الشمال الشرقي من أثينا. فيه هَزم الأثينيون (سبتمبر ٤٩٠ق.م.) القوات الغازية، وأرسلوا أحد الجنود يعدو إلى أثينا ليبلغهم نبأ النصر، وظل يجري إلى أن وصل وأبلغهم، ثم سقط ميتًا! وكانوا يحتفلون كل عام «بسباق الجري» باسم سباق الماراثون تخليدًا لذكرى ذلك الجندي البطل!
٢٥  سلاميس Salamis: جزيرة تقع على خليج سارونيك إلى الغرب من العاصمة أثينا. دارت على مقربة منها عام ٤٨٠ق.م. المعركة الحاسمة التي أعلنت انتصار اليونان نهائيًّا على الفرس.
٢٦  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٤١أ-ب.
٢٧  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٤٥أ.
٢٨  Plato: Gorgias 503A.
٢٩  أرسطو: «الخطابة»، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، عام ١٩٨٦م، ص٦٧.
٣٠  The Dialogues of Plato. Trans. by R. E. Allen: p. 319.
٣١  د. إمام عبد الفتاح إمام: «الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي»، ص١٠٦.
٣٢  أفلاطون: محاورة «الجمهورية»، ٥٦٣، (قارِن ترجمة د. فؤاد زكريا، ص٤٨٤-٤٨٥).
٣٣  أفلاطون: محاورة القوانين، ٦٩٨أ.
٣٤  Quoted by: Mary Ellen Waithe: op. cit. p. 79.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦