الفصل الخامس

ديوتيما مُعلِّمة سقراط!

«من أجل هذا، يا ديوتيما، سعيتُ إليكِ، فأنا في حاجة إلى مُعلِّم، فخبريني بالله عليكِ …»

سقراط: المأدبة، ٣٠٧

أولًا: تمهيد

أسبازيا — التي تحدثنا عنها في الفصل السابق — وديوتيما Diotima التي سنتحدث عنها في الفصل الحالي، هما المرأتان الوحيدتان اللتان ذُكرتا على أنهما فيلسوفتان في المحاورات السقراطية. لكن — لسوء الطالع — أُثيرَ حولهما غبار كثيف لإبعاد خاصية التفلسف عنهما (وربما لتأكيد النقص في القدرة العقلية عند المرأة بصفة عامة). الأولى بسبب دورها في تأليف «الخطاب الجنائزي» الذي دارت حوله محاورة «مينكسينوس» لأفلاطون، فقد نُظر إليها على أنها مَثل على التهكم السقراطي، والمزاج الساخر عند أفلاطون.

أما الثانية فقد قيل إنها مجرد شخصية خرافية ابتكرها أفلاطون بخياله الأدبي، وعرضها في محاورة «المأدبة» على أنها هي التي لقنت سقراط «فن الحب».

ومن ناحية أخرى هناك رواية تاريخية تقول إنها كانت تعمل كاهنة «مانتينيا Mantinea»، وإنها عاشت حوالَي عام ٤٠٠ق.م.، وإنها زارت أثينا زمن الطاعون، وإن لقاءها مع سقراط تم في الأعم الأغلب أثناء هذه الزيارة، وهناك شواهد من التاريخ ومن الآثار على أن «ديوتيما» شخصية حقيقية وليست خرافية كما يقول الفريق الأول.

وسوف نبدأ الحديث عن محاورة «المأدبة» لأفلاطون.

ثانيًا: مأدبة «أجاثون»

أما المأدبة فهي حفل أقامه الشاعر التراجيدي أجاثون Agathon حوالَي عام ٤١٦ق.م.، بمناسبة فوزه بالجائزة عن أول «مأساة» له، وقد أقامها في اليوم التالي للاحتفال التقليدي مع الشعراء والممثلين.١ وهي لهذا السبب كثيرًا ما تسمى «مأدبة أجاثون».
وبعد أن تناول الحاضرون الطعام اقترح «أريكسماخوس Eryximachus» أن يتحدثوا في موضوع «الحب»، فوافق الجميع على اقتراحه، ودعَوا «فايدروس Phaedrus» أن يبدأ الحديث، فاستهل حديثه بأن وصف الحب بأنه إله عظيم موقر بين الآلهة والناس جميعًا، ولأسباب كثيرة.
ثم عقَّب «بوزنياس Pausanias» — وهو شاعر شديد التعلق بأجاثون — فذهب إلى أن الحب ذو طبائع مختلفة، منها النبيل، ومنها الخسيس. وهو يُرجع ذلك إلى «أن هناك شخصيتين لأفروديت؛ الأولى: أفروديت السماوية التي يرتبط بها الحب الرفيع النبيل. والثانية: أفروديت العامية الأرضية التي يرتبط بها الحب الوضيع والخسيس. فلو كان ثمة أفروديت واحدة لجاز أن يكون ثمة جنس واحد للحب.»٢
ثم تحدث «أريكسماخوس Eryximachus»، الطبيب، فوافق على وجود نوعين من الحب: النبيل السماوي، والخسيس الدنيء، مع بعض التعديلات، فهو يرتب فصول السنة بحيث يظهر تأثير الحب بنوعيه، فإذا تغلب الأول نما الإنسان والحيوان وازدهر الزرع والضَّرْع. وإذا ما سيطر الثاني عمَّ البلاء، وجاء دور القحط والجدب، وشاعت الأوبئة، وتفشت الأمراض.٣
ثم جاء دور الشاعر الكبير «أرستوفان Aristophanes» الذي ذهب إلى أن الآلهة في البداية خلقت الرجل والمرأة موجودًا واحدًا له من الأيدي أربع، ومن الأرجل كذلك، وله وجهان متشابهان، ورأس يدور في جميع الاتجاهات، وله أربع آذان. وكان هذا المخلوق الغريب بالغَ القوة، يجري بسرعة رهيبة، ويمشي إلى الوراء وإلى الأمام كما يشاء … إلخ. باختصار: كان مخيفًا حتى ركبه الغرور، فحاول أن يرقى إلى السماء، فشطرته الآلهة شَطرين حتى تضعف من قوته وتخفف من غروره. وعقب شطر الإنسان الأول شَطرين إلى رجل وامرأة، أخذ كل شطر يبحث عن شطره الآخر، فإذا ما التقى به تعانَقَا بقوة، وكأنما يريدان أن يعودا كائنًا واحدًا كما كانا من قبل!
ثم تحدث الشاعر «أجاثون Agathon»، فرأى أن الحب أصغر الآلهة،٤ وهو مُرهف الحس، رقيق الشعور، لا يحتمل الشدة ولا يطيق المكروه. ولهذا نراه يحيا في أرواح الناس وقلوبهم. فإن وجد فيها غلظة نفر منها، وابتعد عنها؛ لأنه لا يطيب له العيش والمُقام إلا حيث يجد اللِّين، والرقة، والدَّعة، والخضوع، كما أنه يتحلى بالعفة، وضبط النفس.٥

ثالثًا: ديوتيما Diotima

عندما نصل إلى حديث سقراط عن «ديوتيما» فإننا نصل في الواقع إلى أصعب أجزاء «محاورة المأدبة» — فيما يقول ستانلي روزن S. Rosen في دراسته الضخمة عن هذه المحاورة.٦ فقد كانت الأحاديث السابقة كلُّها — ابتداءً من حديث «أريكسماخوس» و«فايدروس»، وانتهاءً بحديث «أجاثون» — تمهيدًا لحديث سقراط عن «الحب»، وهو المحور الذي تدور حوله المحاورة. وجاء حديثه على صورة حوار بينه وبين «ديوتيما»، وهي كاهنة من مدينة مانتينيا Mantinea، في منطقة البيلوبونيز. ويقول سقراط إن الأثينيين يعرفون هذه الكاهنة جيدًا، فهي التي استطاعت أن تدفع عنهم مرض الطاعون عشر سنوات كاملة.٧ ويذهب عالم اللغة المرموق «ولتر كرانتس Walther Kranz» إلى أن «ديوتيما» تلقت دعوة لمساعدة أثينا في حمايتها من وباء الطاعون الذي سبق حرب البيلوبونيز بعشر سنوات. كما يذهب المؤرخ اليوناني «ثيوكيديدز Thuycudides» إلى أن النبوءات قد أجمعت على قرب وقوع ويلات الحرب والمرض. وفي مثل هذه الظروف العصيبة لا نستبعد أن تستعين دولة المدينة في أثينا بكاهنة من مكان آخر لمواجهة هذه المِحن. ومن ثَم فمن المرجح جدًّا أن «كاهنة مانتينيا» كانت موجودة في هذه الفترة (أي حوالَي عام ٤٤٠ق.م.)، وأنها التقت حينئذٍ بسقراط الشاب.٨
وليس ذلك اللقاء غريبًا، ولا شاذًّا، إذ يروي لنا المؤرخون أن سقراط الذي كان يحبس زوجته في المنزل، ويحتقر عقلها وتفكيرها، كان في الوقت نفسه يسعى للقاء النساء المثقفات يعلِّمهن أحيانًا، ويتعلَّم منهن في كثيرٍ من الحالات. فأفلاطون، وزينوفون، وغيرهما، يرويان أنه كان يسعى إلى أسبازيا رفيقة بركليس التي تحدثنا عنها في الفصل السابق، وهي أيضًا كانت امرأة أجنبية جاءت من مدينة مَلَطْية، واستقرت في أثينا حتى أصبحت رفيقةً لأعظم السياسيين في تاريخها، ألا وهو: بركليس.٩
كما أن زينوفون Xenophon يروي في مذكراته أنه «عندما سمع سقراط عن امرأة جميلة في المدينة تستقبل الأصدقاء، وأن جمال هذه المرأة يفوق الوصف، حتى إن المصورين يذهبون لرسمها، قال لأصحابه: «ينبغي علينا أن نذهب لرؤيتها، إذ لا يمكن أن نفهمها جيدًا لمجرد الاستماع لما يرويه الآخرون.» وذهب إلى منزل ثيودوتا Theodota ورآها وهي ترسم، وأُعجب بجمالها الفتان … وسألها فيلسوف أثينا الأكبر: من أين لكِ المال الذي تنفقين؟ ألديكِ ممتلكات: منزل يدر عليك دخلًا، أو عبيدٌ … إلخ. فأجابت بأنها تعتمد في دخلها على الأصدقاء الكرماء … إلخ، فراح يناقشها في أساليب الحياة وقيمتها … إلخ.»١٠ والمهم عندنا الآن أنه إذا كان من الثابت — تاريخيًّا — أن سقراط بمجرد أن سمع عن «ثيودوتا» الجميلة ذهب للقائها، مع أنها من الغواني أو السراري، أليس الأقرب إلى المنطق أن يهتم أكثر بلقاء «ديوتيما» كاهنة مانتينيا إذا سمع عن وجودها في أثينا؟ لا سيما وأن لسقراط تاريخًا طويلًا في الإصغاء لصوت الوحي الشخصي، حتى اشتهر بأن له «شيطانًا خاصًّا»، أو «رُوحًا داخلية Daemon» خاصة، يستشيره، وكان يعتبره إشارة من السماء. وفضلًا عن ذلك فقد استشار سقراط بالفعل الكثير من الكاهنات، وهذا واضح فيما يرويه أفلاطون على لسانه في «محاورة الدفاع»: «كان شريفون Chaerephon، صديقي منذ عهد الصبا، قد سأل كاهنة دلفي لتنَبِّئه من هو أحكم مني، فأجابت: ليس بين الرجال من يفضلنا حكمة.»١١
وفي محاورة «المأدبة» يأتي الخادم الذي ذهب في طلب سقراط ليقول للحاضرين: «إن سقراط واقف في رواقٍ مجاورٍ غير مُلقٍ بالًا لأحد، ولم يستمع لندائي …»١٢ كما أنه يصف حديث ديوتيما — في المحاورة نفسها — بأنه «حديث يقطر حكمة»، ويقول لها: «لعلكِ بلغتِ من الحكمة غايتها …»١٣ وعندما تطرح عليه سؤالًا تكون إجابته: «لو كنت أستطيع، يا ديوتيما، الجواب، ما أُعجبت بحكمتك كل هذا الإعجاب، وما كنت أقف منك موقف التلميذ من الأستاذ لأقتبس منك، وأتلقى عنك معرفة الحب …»١٤

ذلك كله يجعلنا نرجح أن لقاء سقراط و«ديوتيما» كان حقيقيًّا، وليس مجرد قصة اختلقها أفلاطون. لكن ذلك يطرح سؤالًا أسبق: أيدل ذلك على أن «ديوتيما» كانت شخصية حقيقية واقعية وليست مجرد شخصية وهمية، أو خرافية خلقها أفلاطون بخياله الأدبي، ولا سيما أنه كان أديبًا موهوبًا؟

رابعًا: ديوتيما شخصية خرافية!

عندما جاء دور سقراط للحديث عن الحب في محاورة «المأدبة» قال:

«سأروي لكم حديثًا عن الحب سمعته من امرأة من مانتينيا Mantinea اسمها «ديوتيما» وهي صاحبة أعمال جليلة … إلخ».١٥

فهل كانت هذه المرأة شخصية حقيقية تعلَّم عنها سقراط «فن الحب» كما يقول، أم أنها شخصية أسطورية خيالية ابتكرها ذهن أفلاطون؟ من الأهمية بمكان أن نجيب عن هذا السؤال، وأن ندرس هذه المشكلة قبل أن نعرض لفلسفة «ديوتيما».

سوف نبدأ أولًا بعرض الحُجج التي يرى أصحابها أنها تؤيد بقوةٍ القولَ بأن «ديوتيما» ليست شخصية تاريخية حقيقية، وإنما هي شخصية خرافية. وهذه الحجج تتلخص في النقاط الآتية:
  • (١)

    ليس من طبيعة أفلاطون الزجُّ بامرأة لتقوم بدور رئيسي في الحوار، كما فعل مع ديوتيما في محاورة المأدبة.

  • (٢)

    لا يمكن أن نأخذ ما يقوله سقراط مأخذ الجِد، فهو لم يتعلم شيئًا قط من أية امرأة، والأرجح أن تكون آراء «ديوتيما» هي نفسها آراء سقراط.

  • (٣)

    لا بد أن ننظر إلى محاورة المأدبة على أنها نَموذج رائع لمواهب أفلاطون الأدبية بوصفه «روائيًّا»، وذلك يعني أن شخصية «ديوتيما» خلقها أفلاطون الأديب، واختفى وراءها ليقول ما يريد.

  • (٤)

    ليس هناك ذكر لشخصية «ديوتيما» في المصادر القديمة يمكن أن نرجع إليه سوى محاورة «المأدبة».

  • (٥)
    ربما كانت شخصية «ديوتيما» من خلق سقراط نفسه، أو أن تكون نموذجًا آخر «لتهكم سقراط الشهير»! فسقراط عندما يصف «ديوتيما» بأنها «كاهنة» وصاحبة أعمال جليلة، استطاعت أن تدفع الطاعون عن الأثينيين عشْر سنوات،١٦ لم يكن سوى تهكم، أعني أننا لا بد أن نفهم ذلك كله على أنه ضرب من السخرية، ولون من التهكم السقراطي الشهير. فسقراط المتهكم العظيم كان يؤمن بآراء «ديوتيما» عندما كان شابًّا، ثم تخلى عنها في مرحلة النضج، ومن هنا فقد أراد — بضرب من التهكم — أن ينسب آراءه المبكرة إلى شخصية أخرى!

خامسًا: ديوتيما شخصية حقيقية!

الحجج السابقة هي التي يدعم بها أصحاب الفكرة القائلة بأن «ديوتيما» شخصية خرافية موقفهم، وينتهون منها إلى نتيجة هامة هي أنه ليس ثمة امرأة بهذا الاسم، وبالتالي فإن ما قيل من آراء في فلسفة الحب إما أنها كانت لسقراط في شبابه، أو هي آراء أفلاطون.

ويذهب الفيلسوف الأفلاطوني أ. تيلور A. E. Taylor (١٨٦٩–١٩٤٥م) إلى القول بأن سقراط أراد في الواقع أن يحول الحديث نفسه إلى جدل أو حوار أو فكر أصيل، بأن يضعه على لسان امرأة اسمها «ديوتيما»، وهي كاهنة من مانتينيا Mantinea، وهو يروي مسار السؤال والجواب الذي دار بينه وبين هذه الكاهنة، وهو الحوار الذي فتحَتْ فيه عينيه ليفهم الأسرار الحقيقية للحب.١٧
ويستطرد «تيلور» ليرد على فكرة «ديوتيما» «الشخصية الخرافية» التي خلقها خيال أفلاطون الأديب فيقول: «ومن ناحية أخرى، ليس في استطاعتي أن أتفق مع كثير من الباحثين المحدثين الذين ينظرون إلى «ديوتيما» على أنها شخصية خرافية؛ ذلك لأن إدخال شخصيات خرافية أو أسماء وهمية في المحاورة هو — في رأيي — حيلة أدبية كانت مجهولة تمامًا لأفلاطون، كما سبق أن ذكرنا في فصل سابق.»١٨

أكانت كاهنة أم فيلسوفة، فهو قول يمكن الرد عليه ودحضه من أفلاطون نفسه الذي هو مصدر ثقة للمعلومات عن تاريخ سقراط، فهو يبين لنا في كثير من المحاورات أن سقراط كان شخصية متدينة بعمق، وأنه كان صاحب تاريخ طويل في الإصغاء إلى صوت العرافة أو الكاهنة. ونحن مرة أخرى نستشهد بتيلور، الذي يقول في هذا السياق: «منذ قدَّم لنا سقراط قصة صديقه «شريفون» مع كاهنة دلفي كدليل في دفاعه أثناء المحاكمة، ونحن نستطيع أن نزعم أن سقراط لم يكن يمانع قط في استشارة الكاهنات، بل إنه كان يؤمن إيمانًا كاملًا بتعاليمهن. وفضلًا عن ذلك فإن استشارة «شريفون» لكاهنة دلفي، وقعت خلال السنوات العشر التي نزعم أن لقاء سقراط وديوتيما قد تم فيها.

وفضلًا عن ذلك فإن عادة استشارة سقراط «للمرأة» وأخذ النصيحة من الكاهنة وردت أيضًا في محاورة «مينون Meno» حيث يقول: «ولقد سمعت عن رجال ونساءٍ حكماءَ متبحرين في الأمور الإلهية، وهم طائفة من الكهنة والكاهنات الذين بذلوا جهودًا مضنية لفهم مبرر Rationale ما يقومون به من سلوك.»١٩ ومن هنا فإن تيلور ينتهي إلى أن «المعلومات التي يزودنا بها أفلاطون عن سقراط لا مبرر أن نأخذها على أنها وقائع تاريخية.»٢٠
ولقد قام عالم اللغة الألماني «و. كرانتس W. Kranz» في مقالة له عن «ديوتيما» برسم خط موازٍ تمامًا لشخصية «ديوتيما» الحديثة عند الشاعر الرومانسي المرهف هلدرلين Helderlin (١٧٧٠–١٨٤٣م)، فسقراط وهلدرلين كلاهما تلميذ يتعلم من أستاذته الحب والحكمة، والفرق بينهما هو الفرق بين الفيلسوف الماكر الساخر المتسامح العجوز الأفطس الأنف، والشاعر القلِق الوحيد الرائع في جماله وشبابه. والفرق بين المعلِّمتين هو كذلك الفرق بين عرافة وكاهنة تفتي بالقول الفاصل بعد اختلاف الآراء في شأن الحب — ولا بد أنها كانت عجوزًا حتى تُؤتَى هذه الحكمة — وبين شابة هادئة رقيقة تفيض عيناها وقلبها بالطيبة، والحنان، والفهم، للشاعر الذي ألقت به المقادير في طريقها، وشاءت أن يعيش في بيتها، ويرويَ عطشه الأبدي من نبعها، ويغرَقَ كذلك آخرَ الأمر فيه.٢١

سادسًا: دليل من الآثار

في المتحف القومي بنابولي صندوق صغير من البرونز وُضعت فيه نسخة أثرية من محاورة المأدبة، وقد نُقشت صورة جميلة على غطاء الصندوق، ويصف «أوتو جان Otto Jahn» — أحد المتخصصين في النقوش الكلاسيكية القديمة — الزخارف التي نُقشت على هذه الصورة على النحو التالي:

«تعبر الصورة عن منظر بسيط ليس فيه سوى مَقعد بلا ظهر، جلست عليه امرأة اتشحت بثوب طويل فَضفاض، كما طرحت على جسدها رداءً يغطي الجزء الأسفل منه، ووضعت على رأسها تاجًا يشبه الخُوذة لا يكشف إلا عن جبهتها. ومن الواضح أن المنظر يصور امرأة منهمكة في الحديث، وقد استغرق انتباهَها كلَّه الموضوعُ الذي تتحدث فيه. وفي استطاعتنا أن نقول — دون أن نخشى الوقوع في الخطأ — إن ذهن المرأة كان مستغرقًا تمامًا وهي توجه حديثها إلى رجل يقف أمامها.

أما الرجل فهو يقف مرتديًا رداءً بسيطًا يلتف أحد أطرافه حول ذراعه الأيسر، أما الصدر، والكتفان، والذراع الأيمن فهي عارية تمامًا، وهو يميل برأسه قليلًا إلى اليمين، وهو حاسر الرأس، عاري القدمين، أفطس الأنف، وعيناه غائرتان تحت حاجب كث وشفاه غليظة … إلخ.»

وبعد أن يقارن «أوتو جان» بين هذا النقش البرونزي، ونقوش أخرى من عصر أفلاطون، وبعد أن يصف شخصية «الإيروس Eros» (الحب) الذي يبدو ظاهرًا بين الرجل والمرأة، يختتم حديثه قائلًا:
«لست أشك في أننا هنا أمام سقراط الذي تركزت عيناه وشد انتباهه إلى كلمات «ديوتيما» التي راحت في حديثٍ حيٍّ تُعلِّمه طبيعة الحب، أو كما قالت هي نفسها «أسرار الحب». وبينما يستحوذ عليهما هذا «التأمل المقدس» يقترب منهما إله الحب نفسه (الإله إيروس Eros)٢٢ في رداء كهنوتي يرتديه رجال الدين أثناء تأديتهم للطقوس والشعائر الدينية.»
ويقول باحث آخر هو «بولينو منجاتسيني Paolino Mingazzini» إن صورة الرجل الموجود على هذا النقش هي نفسها صورة سقراط على نحو ما يجسدها تمثالان من القرن الرابع قبل الميلاد. وبمعنًى آخر إن الصورة رُسمت على غرار تمثال سقراط الذي أبدعه الأثينيون، في حين يبدو إله الحب إيروس Eros على هيئة كائن أسطوري بأجنحة ملاك في مواجهة صورتَي سقراط وديوتيما.

وعلى الرغم من أن «منجاتسيني» يقول صراحةً إننا لا نعرف — بمعزل عن هذا الدليل — ما إذا كانت هناك شخصية حقيقية اسمها «ديوتيما»، ولا ماذا كانت عليه عَلاقتها بسقراط، فإنه يستطرد قائلًا:

«بالنسبة لأولئك الذين قرءوا محاورة «المأدبة» لأفلاطون، فلا شك أن ديوتيما كانت شخصية حقيقية تشبه تلك الصورة المنقوشة.»

وفضلًا عن ذلك فإننا نراه يزعم أن الصورة الحقيقية لسقراط و«ديوتيما» الموجودة على غطاء الصندوق البرونزي، والتي تصور المأدبة، لا بد من مقارنتها بالصورة البرونزية الأخرى التي تغطي جانبَي الصندوق، والتي يرجع تاريخها إلى حوالَي ٣٤٠–٣٣٠ق.م. وأن النقوش المرسومة «للمأدبة» ربما كانت نوعًا من تخليد ذكرى الحفل الذي أقامه «أجاثون»، أو ربما كانت بمناسبة العيد المئوي للقاء سقراط مع «ديوتيما» الذي تم عام ٤٤٠ق.م. لا سيما وأن ذلك لم يظهر إلا بعد وفاة أفلاطون نفسه بحوالَي سبعة عشر عامًا، وعندما تولى ابن أخته «سبيسبوس Speusippus» رئاسة الأكاديمية. وليس من المستبعد أن تكون شخصية ديوتيما شخصية حقيقية، فهي ليست وهمية من صنع الخيال، ولا هي شخصية أسطورية. ومن المؤكد أن أفلاطون كان يعرف ما إذا كانت شخصية حقيقية أم لا. وإذا كان أفلاطون يعرف ذلك، فكيف يمكن أن يخطئ تلاميذه في موضوع شخصية ديوتيما، وهي التي لا شك أنهم ناقشوا حديثها، وساعدوا في إعداد هذه النسخة الأثرية من المحاورة؟
الواقع أن اكتشاف هذا الصندوق البرونزي يقدم لنا دليلًا أثريًّا هامًّا يدعم بقوةٍ القولَ بوجود «ديوتيما»، وإنها شخصية حقيقية، وفضلًا عن ذلك كله فلدينا شهادة مكتوبة نعرض لها فيما يلي.٢٣

سابعًا: شهادة مكتوبة

لم يرد ذكر لاسم «ديوتيما» لمدة خمسة قرون، لا في مسرحية، ولا في أي عمل أدبي، ولا في كتاب من كتب التاريخ، أو موسوعة أو كتابات فلسفية. فتعاليمها وفلسفتها في «الحب الشهواني» لا تُذكر إلا في محاورة أفلاطون الشهيرة «المأدبة».

ثم بدأت تظهر من جديد في القرن الثاني الميلادي مع شخصيات نسائية أخرى مثل «ثارجليا Thargelia»، و«أسبازيا Aespasia» في مسرحية كوميدية للكاتب اليوناني «لوسيان Lucian» عنوانها «الخصي The Eunuch» تبدأ بتقرير حقيقة واقعية عن «ديوتيما Diotima» و«ثارجليا Thargelia» وأسبازيا Aespasia» عندما يَستشهد بهن الكاتب على أن المرأة يمكن أن تكون فيلسوفة، فهؤلاء «نساء فلاسفة في العالم القديم». والواقع أن الكاتب يذكرهن في سياق التماس يتقدم به «الخصي» إلى «ديوقليس Diocles»، ليسمح له أن ينال وظيفة رسمية كمُعلِّم للفلسفة، وكان يُنظَر في ذلك الوقت إلى «الخصي» على أنه «مخنث»، أعني أنه ليس رجلًا على الأصالة، بل هو أقرب إلى النساء، ومن هذا المنطلق كان التماس «الخصي» العمل في حقل الفلسفة. فإذا كان من الثابت، تاريخيًّا، أن هناك نساءً فلاسفة، عُرف عنهن الاشتغال بالفلسفة وتدريسها، لا فقط أنهن كن تلميذات يدرسن الفلسفة عند هذا الفيلسوف أو ذاك؛ إن صح ذلك كله، كان من حق «الخصي» وهو «الرجل-المرأة» أن يحظى بالموافقة على أن يكون مُعلِّمًا للفلسفة، وأن يُسمح له بتشكيل مجموعة من التلاميذ يدرسون على يديه. وها هنا نراه يحتج مشيرًا إلى ثلاثة من النساء الفلاسفة هن: «أسبازيا»، و«ديوتيما»، و«ثارجليا»!
وربما كان الكاتب يريد أن يسخر من «الخصي» و«من النساء الفلاسفة» على حد سواء! ربما أراد أن يقول إن النساء الفلاسفة أشبه «بالخصي» الذي يحمل صفات الأنثى، ويريد أن يتشبه بالرجال فيقوم بتدريس الفلسفة. لكن ذلك ليس هو ما حدث، بل على العكس، إن المحور الأساسي للحجة يدور حول ما إذا كان «الخصي» يمكن أن يُعَد مُعلِّمًا مناسبًا للغلمان في سن الحُلُم، فليس ثمة سوى الإشارة إلى أن «ديوتيما» و«ثارجليا Thargelia» و«أسبازيا» كن فلاسفة يمارسن التفلسف بالفعل، وليس هناك بالنسبة لديوتيما — بصفة خاصة — سوى الإشارة إلى أنها كاهنة فيلسوفة ماتت منذ مدة طويلة!٢٤
وهناك كُتَّاب آخرون في القرن الثاني الميلادي، أشاروا إلى «ديوتيما» إشارات مباشرة دون إثارة أدنى شك في وجودها التاريخي وفي شخصيتها الحقيقية. فأريستديز Aristides يشير إلى «ديوتيما» في خطبه Orations، وكذلك فعل أحد الشراح في رسائله إلى أريستديز.٢٥
  • كما أشار إليها في القرن الثاني الميلادي أيضًا «ماكسيموس Maximus» الصوري (من مدينة صور Tyre على الساحل الجنوبي اللبناني)، حوالَي عام ١٢٥–١٨٥ الميلادي، الذي ذكر ديوتيما ثلاث مرات.

    وفي استطاعتنا أيضًا أن نشير إلى كلمنت السكندري (١٥٠–٢٢٣م) الذي عاش في أواخر القرن الثاني، وأوائل الثالث الميلادي، والذي يذكر «ديوتيما» أيضًا في مؤلفاته.

  • وفي النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي نجد ثمستيوس Themistius (٣١٧–٣٨٨م) — السياسي اليوناني، أو شارح مؤلفات أرسطو — يذكر «ديوتيما» على أنها مُعلِّمة سقراط.
  • بل إننا نجد برقلس Proclus آخر فلاسفة الأفلاطونية المحدثة (٤١٠–٤٨٥م) في نهاية القرن الخامس الميلادي، يشير ثلاث مرات إلى «ديوتيما»، ويقول إنه يعتقد أنها شخصية حقيقية كانت موجودة في عصر أفلاطون، وأنها ليست مجرد شخصية خيالية.
وهكذا نجد أنه انقضى تسعة عشر قرنًا، منذ عصر أفلاطون، أي منذ التاريخ الذي كُتبت فيه محاورة «المأدبة» حوالَي عام ٣٨٨ق.م. حتى عام ١٤٨٥م، عندما نشر الفيلسوف الإيطالي «مارسليو فسينو Marsilio Ficino»٢٦ «خطبه»، لا نجد فكرة واحدة تقول إن «ديوتيما Diotima» لم تكن شخصية حقيقية، وأنها التقت بسقراط، ودار بينهما حوار شهير هو الذي سجله أفلاطون في محاورة «المأدبة». وهكذا ظلت «ديوتيما» لمدة تسعة عشر قرنًا — كما يؤكد الباحثون، والفلاسفة، وأدلة الآثار — شخصيةً حقيقية لها وجود تاريخي. وربما جاءت ملاحظة الفيلسوف الإيطالي «فسينو» من حكم سابق كان في ذهنه، وربما مصدره العادات والتقاليد السائدة، فحواه: أن من العبث الحديث، أو حتى مجرد التفكير في وجود «نساء فلاسفة»، أو أنه يصعب جدًّا أن نتصور أن تكون هناك «امرأة فيلسوفة»، وكأن الكلمتَين متناقضتان لا يلتقيان في عبارة واحدة لنَصفَ به موجودًا إنسانيًّا!
ولقد كان هذا الحكم المسبق هو القاعدة التي اعتمدت عليها القرون الخمسة التالية، إذ بدأت تَروجُ الفكرة التي تقول إن «ديوتيما» شخصيةٌ خلقها خيال أفلاطون الأديب، وإنها ليست سوى دليل على براعة هذا الفيلسوف وقدرته الأدبية! دون أن يكلفوا أنفسهم عبء الرد على الأدلة التي تحدثنا عنها فيما سبق، ولا سيما الدليل المستمد من الآثار!٢٧

ثامنًا: نظريات ديوتيما

(١) طبيعة الحب

تذهب «ديوتيما»، فيما يروي سقراط، إلى أن للحب طبيعةً خاصة تتصف بما يمكن أن نسميه «بالوسطية»، فلا هو جميل ولا هو قبيح، ولا هو خير ولا هو شر، بل هو وسط بين هذا وذاك، فكما أنه ثمة حالة للعقل بين الحكمة والجهل، وهي أن يكون للمرء معتقدات صحيحة لكنه لا يستطيع البرهنة على صحتها، فكذلك ليس الحب جميلًا ولا خيرًا، وليس بقبيح ولا شرير، لكنه «بين بين». كما أنه بين الكائن الفاني والموجود الأزلي، وهو نصف إله ونصف إنسان، إنه رسول الآلهة إلى الناس، ومبعوث الناس إلى الآلهة، يرفع إلى الآلهة صلواتِ الناس، ودعاءهم، وضحاياهم، وقرابينهم، وينقل إلى الناس من الآلهة الأوامر والنواهي، والثواب، والجزاء. ولما كان ذا طبيعة مشتركة فهو يستطيع أن يعبر البرزخ الذي يفصل دنيا الناس عن عالم الآلهة. وبذلك لا ينقسم الكون إلى قسمين منفصلَين تمام الانفصال.٢٨

(٢) مولد الحب

وتذهب «ديوتيما» إلى أن الخصائص المتناقضة في طبيعة الحب: كالجمع بين الوجود الفاني والوجود الأزلي، والجمال والقبح، والخير والشر، والحكمة والجهل، ترجع في النهاية إلى مولده. وهي تروي في تفسير ذلك القصة الآتية:

أرادت الآلهة أن تحتفل بميلاد إلهة الجمال والجنس «أفروديت Aphrodite»، فأقام كبير الآلهة «زيوس Zeus» وليمة كبرى حضرها: «بوروس Poros» إله الغنى. وبعد العَشاء تسللت بنيا Penia «الحاجة أو الفقر» إلى تلك الوليمة تستجدي شيئًا، ووقفت بجوار الباب، وكان «بوروس» — إله الغنى والثراء — قد سكر لفرط ما شرب من الخمر الإلهية، فخرج إلى صديقه «زيوس»، وغلبه النعاس فنام تحت شجرة، وفكرت «بنيا» في أن تخفي بعض ما تعانيه من بؤس وشقاء بأن تحمل طفلًا من «الغنى»، فضاجعته وحملت «بالحب»! فالحب، إذن، حُمِلَ به في الاحتفال بمولد أفروديت إلهة الجمال، ولذلك تجد فيه شوقًا عارمًا إلى الجمال. ولما كان أبوه «الغنى»، وأمه «الفقر»، كان الحب يحمل هذه الخصائص المتناقضة،٢٩ فهو فقير معدم، يرقد على الأرض، وفي الأزقة والحارات، والطرقات … إلخ، ذلك ما ورثه عن أمه. لكنه من ناحية أخرى، يسعى دائبًا إلى الخير والجمال، جَسور، مقدام، يطلب الحكمة ويسعى إلى العلا! وهذا ما ورثه عن أبيه. فليس بدعًا أن ترى رجلًا فقيرًا يحب امرأة غنية أو العكس، فتلك هي خصال الحب: إنه مركب من الغنى والفقر، من الجهل والحكمة، من القوة والضعف، من «بنيا» و«بوروس»!٣٠

والحب أيضًا هو حب الحكمة؛ لأن الحكمة شيء جميل، فالحب هو حب الجميل؛ لأنه حُمِل به في الاحتفال بمولد «أفروديت» فتولد فيه شوق عارم إلى الجمال، ولكن لما كان حبًّا للحكمة، فإن ذلك يعني أنه لا هو حكيم، ولا هو جاهل، بل هو وسط بين الحكمة والجهل، وتلك نتيجة أخرى ترتبت على مولده، فأبوه حكيم حاذق (الغنى والثراء) وأمه جاهلة عاجزة (العوز والفقر والحاجة)!

(٣) ما يؤديه الحب للناس

ترى «ديوتيما» أن الحب هو حب الجمال، تبعًا لمولده — كما سبق أن ذكرنا — ووَفقًا لطبيعته، فإذا تساءلنا: ومم يتألف الجمال؟ أو ما هي غاية الحب التي يسعى إليها محب الجمال؟ كما أجابت ديوتيما: غايته امتلاك الأشياء الجميلة. فإذا عدنا نتساءل: وبمَ ينتفع من يمتلك الجمال؟ كانت الإجابة هي طرح سؤال آخر: وما الذي يحققه من يحصل على الخير؟ فالحال مع الجمال هي نفسها حال الخير. والإجابة في الحالتين واحدة: إنه يحقق لنفسه السعادة، فالسعادة هي في امتلاك الخير. وقُل نفس الشيء في امتلاك الجمال، فالسعادة هي الغاية في الحالتين، ولا يمكن لنا أن نتساءل: لمَ يريد المرء أن يكون سعيدًا؟ ذلك لأن السعادة هي الغاية النهائية لكل فعل بشري، وهي الهدف الأقصى لكل سلوك إنساني.

(٤) الحب أنواع!

لكن: هل يرغب الناس جميعًا في امتلاك الخير؟ وهل الحب عام بين جميع الناس.؟ وإن صح ذلك: فلِمَ نجد بعض الناس يحب، وبعضهم الآخر لا يحب؟

ترى «ديوتيما» أننا — في العادة — نقتطع «نوعًا» من الحب ونطلق عليه اسم «الحب»، في حين أن كلمة «الحب» تطلق على جنس، أو نوع أعم وأشمل من هذا الاستخدام الضيق. وربما أطلقنا أسماء مختلفة على أنواع الحب الأولى. وبمعنى آخر «الحب» اسم جنس يطلق على كل رغبة في الخير والسعادة، وتلك هي حقيقة الحب القوي الغلاب. ولكن تلك الرغبة تعبر عن نفسها بوسائل مختلفة، فعند بعض الناس تتجه «الرغبة» نحو حب المال، وعند البعض الآخر تتجه نحو حب القوة البدنية، وعند فريق ثالث نحو حب «الحكمة»، لكنا، عادةً، لا نقول عن هؤلاء إنهم «محبون»؛ لأننا نقصر صنع الحب على من تتجه عواطفهم اتجاهًا معينًا فنسميهم محبين.

(٥) كيف يعبر الناس عن الحب؟

فرغنا من تعريف الحب وبيان طبيعته، وعلينا الآن أن نبحث: كيف يفصح الناس عن رغبتهم في الامتلاك الدائم للخير، إذا سلَّمنا بأن الناس جميعًا يحبون الخير، ويهدفون دائمًا إلى امتلاكه.

(أ) ولادة ما هو جميل

تذهب «ديوتيما» إلى أن الولادة على نوعَين، فهي قد تكون بالجسد كما تكون عن طريق الرُّوح. فعندما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج، فإنه يشعر بالرغبة الطبيعية للولادة، ولكنه لا يستطيع ذلك إلا عن طريق الجمال لا القبح، فثمة شيء إلهي في تلك العملية، ففي الحمل والولادة يصيب المخلوق الفاني حظًّا من الخلود. ولا يمكن أن تتم العملية في غير انسجام. ولا يتفق القبح مع ما هو إلهي، في حين ينسجم معه الجمال، ولذلك كانت إلهة الجمال هي الإلهة التي ترعى الولادة. وعندما يشعر المرء بآلام الوضع، فإنه يتعلق بالجمال، ويحس بالسكينة، ويشعر بالاسترخاء اللذيذ، وذلك كله ييسر الولادة ويسهلها. أما القبح والدمامة فإنهما يحدثان نقيض ذلك؛ إذ ينقبض المرء، وينطوي على نفسه متألمًا قانطًا، وتتعسر ولادته، ويتحمل آلام الحمل، ولا يضع مولوده. وهكذا نجد أن المرء حين يكون حاملًا، وإذا جاءه المخاض، فإنه ينجذب بقوة نحو الجمال؛ لأن الجمال يعينه على تحمل آلام المخاض.٣١

وقد يشعر القارئ بصعوبة في متابعة هذه الفكرة التي تعرضها ديوتيما على سقراط، وعَلاقتها بالتعبير عن الحب. لكن الفكرة ليست على هذه الدرجة من الصعوبة. فالحب الجنسي الذي يتجه نحو المرأة يهدف إلى ولادة نسل جديد يكرر الرجل. أما حب الأفكار فهو يستهدف ولادة رُوحية هي إعطاء أفكار جديدة، وهذه قد تكون عند الرجل، «فالحمل» هنا حمل فكري يقدم لنا نسلًا فكريًّا. ولكن «الولادة» هي التعبير عن الحب في الحالتين. ولِمَ تكون الولادة هي غاية الحب؟ الجواب هو أن الولادة هي التي تؤدي إلى الخلود الذي يسعى إليه الموجود الفاني، فسواء أكانت ولادة جسدية لنسل بشري جديد أم ولادة رُوحية لأفكار جديدة فهي في الحالتين سعي إلى الخلود: خلود الإنسان عن طريق أولاده، أو خلوده عن طريق أفكاره، ولما كان الحب هو الامتلاك الدائم للخير كما قدمنا، فلا بد أن يرغب في الخلود رغبته في الخير. ويلزم عن ذلك أن يكون الحب هو حب الخلود كما هو حب الخير. وهذا تعبير آخر عن الحب، أو صورة أخرى من صوره الكثيرة.

(ب) علة الحب والرغبة

تذهب «ديوتيما» إلى أن ما يحدث للحيوان جدير بالتدبر والإمعان، فالحيوانات جميعًا من طير ووحوش ودواب … إلخ، عندما تتملكها الرغبة في التناسل، تقع فريسة لمرض الحب للاتصال بعضها ببعض، وتسعى بعد ذلك لتوفير الغذاء لصغارها، وفي سبيل هذين الهدفَين نجدها تتقاتل، وتتصارع حتى الموت، وتعاني ما تعاني من جوعٍ وألم. كل هذا من أجل حفظ النسل وامتداد الجنس. وربما قُلنا إن «العقل» هو الذي يدفع البشر إلى مثل هذا السلوك، ولكن ذلك تفسير خاطئ، فما يصدق على الحيوان يصدق كذلك على الإنسان، فطبيعة الفاني أنه ينشد البقاء والخلود، وسبيله إلى ذلك الولادة والتناسل، فالولادة هي التي تحل فردًا مولودًا محل فرد ميت. وهكذا يظل الفرد يخلق كائنًا جديدًا، يكون امتدادًا له، تمامًا مثلما يفقد خلايا من جسمه ويجدد خلايا أخرى، وتمتد عمليات التجديد هذه إلى شعره، ولحمه، وعظمه، ودمه، أعني إلى جسده كله، وهي كذلك تمتد إلى رُوحه أيضًا: فشخصية الفرد لا تثبت على حال واحد، كما أن عاداته لا تتجمد على وتيرة واحدة، ولا رغباته، ولا مسراته وآلامه ومخاوفه وآماله، فلا شيء يثبت من ذلك قط على ما هو عليه، بل هناك جديد باستمرار، وهناك مرونة، والجديد منها لا يزال يخلف القديم.

(ﺟ) المعرفة

وتقول «ديوتيما» إن ما يحدث لأجزاء المعرفة جدير بالملاحظة: فلا شيء من المعرفة يختفي تمامًا، كما أننا لا نحتفظ بهويتنا فيما يتصل بالمعرفة أكثر مما نحتفظ بها في الأمور الأخرى، بل إن كل جزء من أجزاء المعرفة يخضع لعملية التغيير والتبديل التي يخضع لها الجسم: وعملية التذكر نفسها تنطوي على معنى انفصال المعرفة عنها، فالنسيان هو إفلات المعرفة، والتذكر هو الاحتفاظ بها عن طريق إحلال فكرة جديدة محل الفكرة التي فقدت، وهكذا ترانا نخلع على المعرفة هوية وهمية متصلة. وهكذا يتحقق للموجودات الفانية البقاء والخلود. فهي ليست كموجودات خالدة على نحو ما هي عليه، فذلك مقصور على الآلهة وحدهم، بل بعملية تعويض ما يخسر الجنس من أفراد بأفراد آخرين.

(د) السعي نحو الخلود

الكائن الفاني يريد، إذن، أن يحقق لنفسه البقاء والخلود عن طريق النسل الجديد، فهو في ذاته لا يستطيع أن يكون خالدًا، فهو ليس إلهًا ذا وجود دائم، بل هو موجود فانٍ؛ يقوم بتعويض ما يخسر، فإن خسر جسده كله كرره في نسله، وعلى هذا النحو يستطيع الفانون المشاركة في الخلود بطريقتهم الخاصة. وكل كائن حي يحفظ نفسه بالطبيعة على هذا النحو. ومن هنا كان السبب الذي يجعل الفرد مشغولًا بالحب لكي يحقق لنفسه البقاء والخلود. إن حب الشهرة والمجد يؤثر في الناس تأثيرًا قويًّا، لكن حب الخلود شيء مختلف؛ لأنه يجرفهم نحوه حتى إنهم لا يأبهون بالأخطار المحدقة بهم، بل إنهم يضحون بحياتهم إذا دعت الضرورة. أكان يمكن ﻟ «ألكستيس»٣٢ أن تموت في سبيل زوجها «أدميتوس Admetus» ملك تساليا، أو يُقدِم أخيل على الموت في سبيل صديقه٣٣ «كودروس Kodros» ملك «أتيكا» لينقذ بلاده من غزو الدوريين،٣٤ وليحفظ مُلكه لأبنائه. أكان يمكن لهؤلاء جميعًا أن يموتوا لولا يقينهم من خلود ذكراهم؟ كلا إن الرغبة في المجد هي التي تدفع الإنسان إلى العمل الفذ، وكلما ارتقى الإنسان ازداد حبه للخلود. أما أولئك الذين تتجه غريزتهم الخلاقة اتجاهًا جنسيًّا، فإنهم يجعلون همهم النساء، ويكون حبهم جنسيًّا محضًا، فتراهم يحسبون أنهم يضمنون لأنفسهم الخلود بإنجاب الأطفال. ولكن هناك غيرهم تكون ميولهم الخلاقة رُوحية، ويحملون بالرُّوح لا بالجسد، فينتجون ذرية رُوحية كالحكمة والفضيلة وما إلى ذلك. ولعل أفضل وأشرف فروع الحكمة هو الذي يتناول تنظيم الدولة والأسرة وهو: الاعتدال والعدل.٣٥

ومن ينجب ذرية رُوحية يكون أشد سعادة؛ لأن أطفاله (الأفكار في هذه الحالة) يمتازون عن أطفال البشر، فهم خالدون، ويفوقون جمال أطفال البشر، ولا شك أن الناس يُفضِّلون هؤلاء الأطفال على الأطفال الذين هم من لحم ودم. من أطفال «كالإلياذة»، و«الأوديسة»، و«أنساب الآلهة» و«الأعمال والأيام» … إلخ. هؤلاء هم الأطفال الذين حققوا لآبائهم شُهرة، ومجدًا، وخلودًا، حتى ظفِر بعضهم بعبادة البشر لهم؛ بسبب ما تركوه من أطفال رُوحيين، وذلك أمر لم يحدث لإنسان قط بسبب أطفاله من لحمه ودمه.

(٦) مدارج الرُّوح في طريق الخلود

ترى «ديوتيما» أن الرجل الذي يريد أن يتبع الطريق المستقيم إلى هدفه السامي، ألا وهو الخلود، عليه أن يأخذ نفسه من الصغر بتأمل الجمال الإنساني، فإذا ما أحسن المرشد إرشاده وجهه أولًا إلى حب فتى جميل، ثم إلى إدراك أن الجمال المادي في شخص هو نفسه الجمال المادي في شخص آخر، وأنه إذا كان ينشد الجمال الظاهري، فمن العبث ألَّا يعترف أن الجمال الذي يتجلى في جميع الأجسام إنما هو جمال واحد، ومن هنا فإن عليه أن يوجه حبه إلى الجمال بصفة عامة، بحيث يضعف حبه لشخص بعينه، لأنه يدرك أن هذه عاطفة أقل أهمية، وأن عليه أن يتجاوزها إلى مرحلة أخرى، وهكذا يرقى إلى مستوًى أعلى، إلى أن يصل إلى المرحلة التي يُقدِّر فيها جمال الرُّوح أكثر من تقديره لجمال الجسد. فلو أنه وجد نفسًا نبيلة فاضلة في جسم ليس له نصيب من الجمال لرضي بحبها، والإخلاص لها، فيأتي بالأفكار التي تعمل على التهذيب. وتلك هي المرحلة التي يجد نفسه فيها يتأمل الجمال الذي يتبدى في الأعمال والنظم المختلفة، ويتضح له آخر الأمر أن الجمال فيها مرتبط بعضه ببعض، فيظهر عندئذٍ حقارة الجمال المادي، وضآلة شأنه، إذا ما قورن بجمال الرُّوح. ومن الأخلاق ينتهي إلى العلوم فيتأمل جمالها، وبذلك يحصر نظره في الجمال بمعناه الواسع، فلا تستعبده عاطفة حقيرة أو نموذج فردي للجمال، سواء أكان موضوع حبه فتًى، أو رجلًا، أو عملًا من الأعمال، أو نظامًا ما من الأنظمة، وهو أن يحدث في محيط الجمال الذي اتجه إليه بصره الآن، ثم يأتي بسبب حبه الفياض للحكمة بعواطف وأفكار نبيلة جليلة، وإذا ما قوي بفضل هذه التجربة يرنو ببصره إلى العلم الوحيد، وموضوعه الجمال.

(٧) غاية الحب

وترى «ديوتيما» أن من يتعلم «أسرار الحب» على هذا النحو، ويرقى في هذا الطريق حتى نهايته، سوف ينكشف له في نهايته جمال رائع هو الغاية من جميع المراحل السابقة. هذا الجمال هو أولًا وقبل كل شيء جمال خالد، وهو ثانيًا ليس جميلًا في جانب وقبيحًا في جانب آخر، ولا في آنٍ، ثم يتغير في آنٍ تالٍ، ولا باختلاف الظروف والأحوال … إلخ، بل هو جمال مطلق لا يوجد إلا بذاته.

وعندما يبدأ المرء من العالم الحسي مستعينًا بجمال الغلمان، ثم يلمح هذا الجمال المطلق، إنما يكون قريبًا من غايته. وهذا هو الطريق القديم في الاقتراب من أسرار الحب الذي يسير فيه المرء عندما يبدأ بنماذج الجمال في هذا العالم، ويجعلها درجات يرقى بها جاعلًا غايتَه ذلك الجمالَ الأسمى المطلقَ من نَموذج الجمال الحسي، ثم من أكثر من نموذج، ثم إدراك الخيط المشترك بين كل ألوان الجمال الحسي، ثم يرقى من الجمال الحسي إلى الجمال الخلقي، ومن الجمال الخلقي إلى جمال المعرفة، ومن المعرفة بفروعها المختلفة، إلى المعرفة المطلقة التي يكون موضوعها الوحيد الجمال المطلق. وهكذا يعرف آخر الأمر ماهية الجمال المطلق.

ها هنا — في هذا المكان وبجوار الجمال المطلق — ينبغي أن ينفق المرء عمره في تأمل هذا الجمال المطلق، وعندئذٍ لن يهتم بذهب ولا فضة، ولا ثياب أو غلمان … إلخ، فهو يطالع ماهية طاهرة بلا دنس، نقيةً لا تشوبها شائبة، ومن يصل إلى هنا يستطيع أن يدرك الجمال.٣٦

تاسعًا: فلسفة ديوتيما وفلسفة أفلاطون

قد يعترض معترض على حديثنا السابق متسائلًا: ولِمَ لا تكون جميع النظريات التي عرضْتَ لها، وأطلقتَ عليها اسم «نظريات ديوتيما» هي نفسها نظريات أفلاطون؟ أليس من الممكن أن يكون أفلاطون قد عرض فلسفته على لسان «ديوتيما»، كما يعرضها أحيانًا على لسان سقراط؟

والجواب — باختصار شديد — هو: أن هذه النظريات تختلف بوضوح، بل تتعارض أحيانًا مع نظريات أفلاطون. غير أن هذه الإجابة تحتاج إلى شرح وتفسير.

(١) الخير والجمال

ربما كان هناك تشابه ظاهري منذ البداية بين فكرة أفلاطون وفكرة ديوتيما عن الخير، فإذا كانت السعادة عند «ديوتيما» هي في امتلاك الخير، فإن تصورها للخير يختلف عن تصور أفلاطون اختلافًا تامًّا؛ ذلك لأن الخير عندها هو خير شخصي أو ذاتي، أو قُل إنه خير أناني أو خير المرء لنفسه، ونحن نتعرف عليه على أنه محاولة لاكتساب الخلود عن طريق إنجاب المرء لنفسه من خلال فكرة الجميل. كما أن فكرة الجميل ليست هي المثال الأفلاطوني للجمال، بل هي فكرة على مستوى الظواهر فحسب لا على مستوى المُثل الأفلاطونية.

وهكذا نستطيع أن نقول إن «الجمال المطلق» عند ديوتيما لا يتحد مع مثال الخير على نحو ما وصفه أفلاطون في الجمهورية.٣٧ وفضلًا عن ذلك فإن لغة ديوتيما في وصفها للجمال «إيليَّة» بشكل واضح. ويقول ستانلي روزن:
«ليس الخير عند ديوتيما مثالًا من المثل الأفلاطونية. وكذلك تصورها للجمال ليس هو نفسه تصور أفلاطون لمثال الجمال … إن وصف ديوتيما للجمال لا يفترض سلفًا نظرية المثل. لكن يمكن أن يفهم كجزء من الأعداد أو التطوير اللاحق على يد سقراط …»٣٨ ويقول «لا شيء في وصف ديوتيما للجمال في ذاته يرجعه إلى عالم منفصل أتم الانفصال عن مظاهر عند الإنسان، فانفصال الجمال هو صورة فريدة لا يمكن رؤيتها في شيء آخر إلا بفضل تلك الأمثلة الكامنة فيه: فحتى لو صح أن أفلاطون كان قد انتهى من نظريته عن المثل، عندما كتب المأدبة، فإن هذه النظرية مستبعدة تمامًا عن حديث المأدبة.»٣٩

(٢) تصور «ديوتيما» للخلود

تستطيع النفس في محاورة المأدبة أن تصل إلى الخلود — بالمعنى الميتافيزيقي — بواسطة عملية التوالد أو الإنجاب. بأن تترك اسمًا أو سمعة تجعلها باقية.٤٠

لكن كيف يمكن للمرء أن يحقق ذلك؟ لو أن المرء أراد أن يترك أكثر من اسم أو سمعة، لو أنه أراد أن يلد «أفكارًا»، وأن يؤثر في الآخرين، فلا بد له أن يعرف نفسه أولًا كخطوة أولى، أن يعرف من هو؟ فما نوع الهُوية الذاتية التي تأخذ بها «ديوتيما»؟

(أ) الخلود والهُوية الشخصية

إن هدف «ديوتيما» في روايتها للحب هو تحليل ما الذي يبقى من الوجود البشري على مر الزمان، وعندها أنه لا يبقى من الشخص سوى صفاته؛ ذلك لأنها تذهب إلى أن الوجود المتصل المستمر للكائن الحي يعني أن تحل صفات أخرى تشبهه محل ما قد فني من صفات … وعلى هذا النحو نستطيع أن نقول إننا خالدون في أبنائنا، وفيما نَنسُله من أفكار. وتلك فكرة أساسية من الهُوية الشخصية عندها. وهي تختلف أتم الاختلاف عن التصور الذي قدمه أفلاطون في محاورة ألكبيادس الأولى (١٢٩ب–١٣٠ﺟ) التي يذهب فيها إلى أن هناك شيئًا أساسيًّا هو «أنا»، أعني كِيانًا يقف خلف جميع الصفات والكيفيات القابلة للتغير. فالنفس هنا جوهر قائم بذاته قابع خلف جميع التغيرات الجزئية، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نفسر لَم كنت «أنا» الآن نفس الشخصية التي كنتها في الصغر، أو عندما كنت طفلًا. في الوقت الذي أكون فيه مع كل صفة أو كيف. إذ أستطيع أن أتعرف فيها على نفسي، ومن ثَم فإنني عندما أُصبح شابًّا، فإنني لا أصبح شخصًا مختلفًا عن ذاتي عندما كنت صغيرًا بنفس الدرجة التي أكون بها شخصًا مختلفًا عن شقيقي مثلًا، صحيح أن لي الآن شخصية تختلف عن شخصيتي عندما كنت طفلًا، غير أن هذا الاختلاف ليس هو نفسه كالاختلاف بين شخصيتَين من البشر.

إن الخلود عند «ديوتيما» لا يعني — كما هي الحال عند أفلاطون — خلود النفس بعد موت البدن، بل يعني خلودي في نسلي، إما عن طريق إنجاب الأبناء الذين يواصلون حمل الصفات الموجودة عندي، أو إنجاب الأفكار (وهو التوالد الرُّوحي) الذي يجعلني أبقى حيًّا في هذه الأفكار. فالخلود هنا هو خلود الفكرة، تمامًا مثلما نقول إن أفلاطون خالد، أو أرسطو خالد دون أن نعني أن نفس أفلاطون أو أرسطو «خالدة»، وإنما المقصود أنهما ماتا جسديًّا منذ أربعة وعشرين قرنًا، لكنا ما زلنا ندرس فكرهما ونحلله، ونأخذ منه، وننقده … إلخ، ما زلنا نتحدث عن «فكرهما» ونستفيد منه وهذا يعني أنه «فكر خالد»، فالتناسل الجسدي، أي إنجاب الأبناء يجعل الصفات خالدة بأن يجعلها تتكرر في النسل البشري، وكذلك الأفكار القيمة تكون خالدة: فما زالت الإلياذة والأوديسة يقرؤهما الناس في جميع الثقافات حتى هذه اللحظة، وهذا ضرب من الخلود الفكري. وقُل مثل ذلك في «الفارابي» أو «ابن سينا» أو «ابن رشد» أو «ابن خلدون» … إلخ، فهم خالدون بفكرهم لا بأنفسهم.

وذلك يعني أننا حين نتحدث عن شخص ما، فإننا لا نستطيع أن نتعرف فيه — رأي ديوتيما — عن جوهر Substance يكمن تحت الأعراض، بل نتعرف فحسب على مجموعة من الصفات المتشابهة المتداخلة المستمرة، والمتصلة عبر الزمان: «ومن ثَم فإن علينا أن نأخذ فكرة ديوتيما وتفسيرها للهوية الشخصية مأخذ الجد. فمن وجهة نظرها ليس ثمة «جوهر» ولا «ذات» ميتافيزيقية كامنة، بل إن الشخص هو مجموعة من الصفات. وها هنا يكون من المشروع أن نَمُد هذه الفكرة إلى مفهوم «الخلود»، وإلى فكرة «ديوتيما» عن «الحب»، بوصفه صفة من الصفات الخاصة.»٤١

وإذا لم يكن ثمة سوى هذه الصفات التي تعبر عن الهُوية الشخصية، فإن ذلك يعني أننا عندما نحب شخصًا ما فإننا بذلك نحب صفاته (أو بعضها على الأقل)، لكن لو صح ذلك لأصبح من الواجب أن نسأل عن قيمة هذه الصفات. وهكذا يصبح من المشروع الزعم بأن حبنا ينبغي أن يتناسب مع قيمة الصفات التي نحبها، وأن علينا أن نحب تلك الخصائص الجديرة بأن تُحَب أينما وُجدت. ويمكن للمرء الذي يسير في طريق ديوتيما وتفسيرها للحب — على هذا النحو — أن يندفع إلى طريق «اللاشخصية»!

في حين أن أفلاطون يرى أن النفس جوهر مستقل عن البدن، ولأنها ارتكبت خطأ فقد سُجنت في هذا البدن وسوف تتحرر منه بالموت، لكنها لا تموت معه؛ حيث إنها خالدة. ويقدم أفلاطون في محاورة «فيدون» وحدها أربعة أدلة على خلود النفس بعد فناء الجسد هي: تعاقب الأضداد، والتذكر، والبساطة والتركيب، ومثال الحياة، لكن الدليل الذي يؤثِره ويراه مقنعًا أكثر من غيره، لم يبسطه إلا في «فايدروس» و«القوانين» وهو أن النفس متحركة بذاتها.٤٢

(ب) الخلود ونظرية التذكر

يربط أفلاطون بين نظريته في «خلود النفس» ونظريته في تذكُّر المُثُل، ولعل أفضل مثال لعملية الربط هذه — وهو المثال النموذجي — هو التجربة التي قام بها سقراط وأجراها على خادم «مينون Meno» وهو عبد صغير، أخذ يسأله عن طول ضلع المربع الذي مساحته ثمانية أقدام مربعة، ولم يكن الخادم على علم سابق بالهندسة، ومع ذلك جعله سقراط يتذكر قوانين الهندسة التي تعلمَتْها نفسه في وجود سابق.٤٣
كما عرض أفلاطون أيضًا لعملية الربط بين خلود النفس، ونظريته في تذكُّر المُثُل، في محاورة «فيدون»،٤٤ وفي محاورة «فايدروس».٤٥ أما النفس عند «ديوتيما» فهي تختلف عن ذلك أتم الاختلاف؛ فلا هي عاجزة عن تذكر المُثُل بطريقة أفلاطون، ولا هي نفس خالدة أصلًا؛ ذلك لأن المرء إنما يحقق الخلود عند «ديوتيما» بطريقة غير أفلاطونية تمامًا. وفي استطاعتنا أن نقول إن النفس عند «ديوتيما» لا تحقق الخلود على الإطلاق؛ ذلك لأن الخلود عندها مجازي فحسبُ وليس ميتافيزيقيًّا.

(ﺟ) الخلود وتناسخ الأرواح

على الرغم من أن «ديوتيما» تذهب إلى أن الرغبة في الخلود تدفع المرء إلى أن يكافح لكي يلد نسلًا يشبهه، نسلًا بشريًّا، فإن الشخص الذي يعجز عن التوالد لا يسلك الطريق الذي يسلكه الرجل الشرير عند أفلاطون على الإطلاق.

ذلك لأن أفلاطون يعتقد أن النفس البشرية تنال جزاء ما صنعت، وأن كل شخص يثاب أو يعاقب أو يلقى جزاءه حسب عمله. فالفيلسوف أو محب الحكمة تصعد نفسه إلى السماء حيث مقر الأنفس، فتستمتع بالنظر إلى الحقائق المجردة: فلا أجسام، ولا مادة، ولا ألوان، ولا صور محسوسة، بل إن مقر الأنفس يصبح غذاءها الرُّوحي. أما غير الفلاسفة فيتناسخون في أبدان بشر، وأبدان حيوانات حسب أعمالهم. فالرجل الشرير قد تتناسخ نفسه مرة أخرى في جسد امرأة، وربما في جسد حيوان. ولهذا نراه يقول في طيماوس: «فمن زل عن المبادئ الأخلاقية، تحول في ولادته الثانية إلى طبيعة امرأة، فإن لم يرعوِ عن شرِّه في هذه الحالة أيضًا فإنه يظل يتحول من طبيعة وحش إلى طبيعة وحش آخر تماثله في شرِّه … وهكذا دَوالَيكَ.»٤٦
وهكذا يتضح لنا أن تناسخ الأرواح — المأخوذ عن الهند عن طريق الفيثاغورية — يذهب إلى أن الجبناء والفُجار من الرجال سيصبحون بعد ذلك «نساء»، وخفاف العقول والسذج، الذين يظنون، مثلًا، أن عِلم الفلك يمكن تحصيله بالنظر إلى النجوم من غير معرفة الرياضة، سيصبحون طيورًا، وأولئك الذين لا فلسفة لهم سيصبحون كواسر برية، وأغبى الناس فهمًا سيصبحون أسماكًا.٤٧

أما «ديوتيما» فهي لا تؤمن بالتناسخ، ولا بانتقال النفس من بدن إلى بدن؛ لأن النفس أولًا ليست جوهرًا، وهي في نظرها ثانيًا ليست خالدة، ولأن الاختلاف هائل بين فلسفتها وفلسفة أفلاطون.

الخاتمة

لقد ناقشنا في هذا الفصل شخصية «ديوتيما»، وأثبتنا أنها شخصية حقيقية، وأنها كاهنة وفيلسوفة من مانتينيا، وأنها زارت أثينا عندما استدعاها الأثينيون لمساعدتهم في الحماية من مرض الطاعون، وأنها التقت بسقراط أثناء هذه الزيارة. ثم عرضنا بعد ذلك لنظريات «ديوتيما» في «الحب» و«الخلود» و«الجمال» … إلخ، وبيَّنا في النهاية كيف أن هذه النظريات تختلف في كثير من الجوانب عن فلسفة أفلاطون، كما أنها تتعارض مع هذه الفلسفة في جوانب هامة (مثل خلود النفس، وتناسخ الأرواح … إلخ)، والواقع أن ديوتيما تختلف عن أفلاطون في كثير من المفاتيح الأساسية لفلسفته ونظرياته مثل: تصوره للخير، وتصوره للخلود، وتصوره لتناسخ الأرواح، ونظريته في الهُوية الشخصية، ونظريته عن المُثُل … إلخ، ولا يمكن أن يقال إن الباحث المتخصص في أفلاطون يمكن أن يجد بعض التناقضات في فكره حول موضوع من الموضوعات من محاورة إلى أخرى؛ ذلك لأن الأمر هنا يتعلق بتناقضات أساسية حول أفكار مركزية توجد في جميع أو معظم المحاورات الأخرى.

وهكذا نستطيع أن نقول في النهاية إن «ديوتيما» كانت واحدة من «النساء الفلاسفة في العالم القديم» وأنها تُبرهن — كما سوف تبرهن المرأة في العالم الحديث — على أنها ليست أقل من الرجل في قدرتها العقلية، ولا في استعدادها للتفلسف.

١  أفلاطون: المأدبة، ١٧٣أ.
٢  المرجع نفسه، ١٨٠د.
٣  أفلاطون: المأدبة، ١٨٨أ.
٤  يصورونه في الأساطير اليونانية في صورة غلام مجنح يحمل قوسًا ونُشَّابًا، أو طفل عابث يسدد سهام الحب إلى الشباب والعذارى. وهو عند اليونان Eros، وعند الرومان كيوبيد Cupid (د. إمام عبد الفتاح إمام: «معجم ديانات وأساطير العالم»، المجلد الأول، ص٢٧٦، مكتبة مدبولي بالقاهرة).
٥  أفلاطون: المأدبة، ١٩٥-١٩٦.
٦  Stanley Rosen: Plato’s symposium, p. 197, Yale University 1987.
٧  أفلاطون: المأدبة، ٢٠١ﺣ.
٨  Mary Ellen Waithe: A History of Women Philosophers, vol. 1, p. 108.
٩  د. إمام عبد الفتاح إمام: «أفلاطون والمرأة»، ص٤٠، مكتبة مدبولي بالقاهرة (العدد الأول من سلسلة «الفيلسوف والمرأة»).
١٠  Xenophon: Memorabilia of Socrates Book III, ch. XI.
١١  أفلاطون: محاورة الدفاع، ٢١ﺣ؛ وانظر أيضًا: محاورات أفلاطون، ترجمة د. زكي نجيب محمود، ص٥١، لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، عام ١٩٦٦م.
١٢  أفلاطون: المأدبة، ١٧٥أ.
١٣  المرجع نفسه، ٢٠٨.
١٤  المأدبة، ٢٠٦ب؛ وانظر أيضًا: الترجمة العربية بقلم وليم الميري، ص٦٤، دار المعارف بالقاهرة.
١٥  أفلاطون: المأدبة، ٢٠١أ.
١٦  أفلاطون: المأدبة، ٢٠١أ.
١٧  A. E. Taylor: Plato: The Man and His Work. Methuen, 1926, p. 224.
١٨  Ibid..
١٩  Plato: Meno: 18B.
٢٠  A. E. Taylor: Socrates, Greenwood Press, 1975.
٢١  د. عبد الغفار مكاوي: «هلدرلين»، نوابغ الفكر الغربي، العدد رقم ٢١، دار المعارف بمصر، ص٨٨-٨٩.
٢٢  «الحب الشهواني» هو إله الحب في الأساطير اليونانية ابن أفروديت إلهة الجمال وأريس إله الحرب. راجِع في ذلك بالتفصيل: د. إمام عبد الفتاح إمام: «معجم ديانات وأساطير العالم»، المجلد الأول، مكتبة مدبولي بالقاهرة، ص٣٥٣.
٢٣  قارِن أيضًا كتاب ماري إلين ويث السالف الذكر، ص١٠٥.
٢٤  Mary Ellen Waithe: op. cit. vol. 1, p. 105.
٢٥  Mary Ellen Waithe, p. 106.
٢٦  فيلسوف إيطالي (١٤٣٣–١٤٩٩م) عُرف على أنه أفلاطوني. كلَّفه «كوزيمو دي مديتشي» بترجمة أعمال أفلاطون إلى اللاتينية، وكذلك أعمال بعض فلاسفة الأفلاطونية المحدثة.
٢٧  Mary Ellen Waithe: A History of Women Philosophers, vol. 1, pp. 106–108, Kluwer Academic Publishers, 1992.
٢٨  أفلاطون: المأدبة، ٢٠٢ﺟ (انظر أيضًا الترجمة العربية للدكتور وليم الميري، دار المعارف بمصر، ص٦٠).
٢٩  المرجع نفسه، ٢٠٣ب؛ وانظر أيضًا: د. إمام عبد الفتاح إمام: «الحب أنواع» في كتابه «أفكار ومواقف»، ص٣١٣، مكتبة مدبولي بالقاهرة.
٣٠  د. إمام عبد الفتاح إمام: «أفكار ومواقف»، ص٣١٤، مكتبة مدبولي بالقاهرة.
٣١  أفلاطون: المأدبة، ٢٠٦ﺟ (وانظر ترجمة وليم الميري ص٦٤-٦٥).
٣٢  ألكستيس Alcestis: زوجة أدميتوس Admetus ملك تساليا الذي أُصيب بمرض عضال، وتمنى على الآلهة أن تمنحه الخلود، وتبعد عنه شبح الموت. فأجابته الآلهة إلى طلبه بشرط أن يأتي ﺑ «بديل» من أهل بيته يموت نيابة عنه إذا حضرته الوفاة. وهنا تقدمت زوجته المخلصة «ألكستيس» فضحت بنفسها لكي ينجو زوجها من الموت. وهكذا ماتت الزوجة الوفية فداءً لزوجها الملك! وعندما مر هرقل بتساليا وجد الملك يبكي زوجته المخلصة، ووجد شعبه من حوله يبكي هذه الزوجة، فهبط البطل إلى ظلمات الدار الآخرة، وصارع حارسها الجبار، وعاد بالمرأة المخلصة إلى زوجها، فسعدت المملكة بأسرها! قارِن أيضًا استشهاد فايدروس بهذه الأسطورة في بداية محاورة «المأدبة»، ١٧٩ﺟ؛ وانظر: د. إمام عبد الفتاح إمام: «معجم ديانات وأساطير العالم»، المجلد الأول، ص٦٥-٦٦، مكتبة مدبولي القاهرة.
٣٣  أخيل Achilles: بطل ونصف إله في أساطير اليونان، كان قويًّا لدرجة جعلته يقتل الأُسود والنمور، ويصطاد الآيل بلا شباك! وأخيل في الإلياذة هو البطل العظيم في حرب طروادة الذي تفوق في سلسلة من المعارك، غضب من «أجاممنون» قائد الحملة عندما استولى على محظيته واعتزل في خيمته بعيدًا عن الحرب، لكن عندما بلغه نبأ مقتل صديقه باتروكليس Patrocles في القتال انتابته نوبة جنونية، فأسرع إلى إصلاح ذات البين بينه وبين أجاممنون. وخرج في اليوم التالي لقتال الطرواديين، ويصرع بطلهم الأكبر هكتور Hector. لكن باريس Paris تمكَّن من قتل أخيل بمساعدة الإله أبوللو. راجِع القصة بالتفصيل: د. إمام عبد الفتاح إمام: «معجم ديانات وأساطير العالم»، المجلد الأول، مكتبة مدبولي بالقاهرة، ص٣٧ وما بعدها.
٣٤  كودروس Kodros: آخر ملوك أثينا في الأساطير اليونانية، ضحى بحياته بسبب النبوءة التي وعدت الأثينيين بالنصر والخلاص من غزو الدوريين إذا قتل الملك على أيدي أعدائه. فكانت تضحية الملك لإنقاذ البلاد، وللاحتفاظ بالعرش لأبنائه من بعده.
٣٥  المأدبة، ٢١١أ-ب.
٣٦  تذكرنا فكرة «ديوتيما» هنا بالفكرة الصوفية الإسلامية، حيث يذهب المتصوفة إلى أن غاية الحب في النهاية هي مشاهدة الجمال الإلهي الأزلي. قارِن ما تقوله رابعة العدوية: «لا تحرمني يا إلهي من جمالك الأزلي. اجعل الجنة لأحبائك، والنار لأعدائك، أما أنا فحسبي أنت»! فالغاية في النهاية أن نصل إلى مشاهدة الجمال الإلهي الأزلي وننظر إليه، ونراه بملء العين اعتمادًا على الآية الكريمة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (القيامة: ٢٢-٢٣)؛ وانظر: «الحب أنواع»، د. إمام عبد الفتاح.
٣٧  أفلاطون: محاورة الجمهورية، ٤٧٢–٤٧٨.
٣٨  Stanley Rosen: Plato’s Symposium, p. 270, Yale University Press, 1987.
٣٩  Ibid., p. 277.
٤٠  Quoted by: Mary Ellen Waithe: op. cit. p. 86.
٤١  Quoted by: Mary Ellen Waithe: op. cit. p. 88.
٤٢  د. أحمد فؤاد الأهواني: أفلاطون، ص٩٤، دار المعارف بمصر، عام ١٩٦٥م، (سلسلة نوابغ الفكر الغربي عدد رقم ٥).
٤٣  محاورة «مينون»، ٢٨٢–٢٨٥.
٤٤  محاورة «فيدون»، ٧٢ وما بعدها.
٤٥  محاورة «فايدروس»، ٢٤٨ وما بعدها.
٤٦  Plato: Timaeus, 24C.
٤٧  برتراند رَسِل: «تاريخ الفلسفة الغربية»، المجلد الأول، ص٢٣٠، ترجمة د. زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، الطبعة الثالثة، ١٩٧٨م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦