الفصل التاسع عشر

شعر الحرب في أدب العرب١

كتاب كبير الحجم والفائدة، يقع في أربعين وثلاثمائة صفحة من القطع الواسع والحرف الدقيق، وموضوعه شعر الحرب في أدب العرب في العصرين الأموي والعباسي إلى عهد سيف الدولة، ولكن المؤلف الفاضل لم يهمل شيئًا يتصل بهذا الموضوع من أيام الجاهلية بالمقدار الذي يقتضيه المقام وتتسع له الصفحات، ولم يهمل خبر الملاحم وقصائد الحماسة في أشعار الأمم غير العربية، مستطردًا مع ذكر الغزوات وما ينظمها فيها من المفاخر، أو يدور عليها من الأحاديث والأساطير.

وقد اعتمد المؤلف على ذوق الأديب وتمحيص العالم فيما اختاره من القصائد والمقطوعات، وفي المقابلة بينها، ووجوه المشابهة والمخالفة منها على حسب المشابهة أو المخالفة في أحوال العصور، وملكات الشعراء، وأساليب الشعر من جانبه الفني، ومن جانبه المتصل بالأخلاق والحوادث، فجاء الكتاب زبدة منتقاة، وذخيرة ممتعة، تجمع للقارئ ما تفرق بين مئات المراجع، وتزيد عليه ما ليس يوجد في تلك المراجع من تعليقات النقاد، ومواضع الاستدراك التي يهتدي إليها الباحث والمؤرخ، ويُودعها خلاصة تفكيره وملاحظته في هذا الموضوع. وقد تتساوى فصول الكتاب في حسن الاختيار، وحسن التعليق، ولكن القارئ الذي يقابل بين فصوله لا يسعه أن يجري على سنة المساواة في هواه لبعضها، أو محاباته لبعض شعرائها وقصائدها، وأخطرها على ملكة العَبْر في القارئ العربي تلك الصفحات التي كتبت عن الدولة الحمدانية، وبرز من بين أسمائها اسم أبي الطيب وأبي فراس، كما برزت من بين عواطفها عواطف الأبطال والأمهات والبنين، فيما تداوله العرب والروم من مواقع القتال ومواقف الأسر والفداء، فإن هذه الصفحات أحرى أن تسمى «ملحمة» شعرية يؤلفها القارئ في ذهنه، ويتممها بخياله، ويملأ بها فراغ الملاحم التي كثرت في الآداب الأعجمية، وقلَّت في الآداب العربية، وما كان لقلتها من سبب غير اختلاف الأوان وتأخير الميعاد.

ولا نطيل التمثيل لمحاسن الكتاب؛ فإن الأمر يلجئنا إلى الاختيار، وليس أصعب منه في كتاب هو نفسه قائم على الاختيار، أو على حسن الاختيار، وقدرة مؤلفه على إحسان اختياره مكفولة بما تيسر له من سعة المادة، وما توافر عليه من سعة الاطلاع، فخير ما يوفى به حقه من الاستحسان هو أن يوفيه القارئ حقه من المطالعة وإنعام النظر، والمشاركة في التعليق والاستدراك.

ومن أجل هذا نكتفي بهذا القدر من التفريط المجمل، ولا نطرق باب التفصيل إلا للإشارة إلى ملاحظة هنا وملاحظة هناك، نحسبها من هوامش البحث وحواشيه، ولا نعدها من مآخذ الموضوع في جوهره، وهو موضوع الشعر العربي في أوصاف الحرب أو أغراض الحماسة، مع توسيع معناها كما وسعه الأقدمون.

•••

نلاحظ أن الأستاذ المؤلف يقرر بعض الآراء في المسائل العامة، وهي — قبل تقريرها — تحتاج إلى مراجعة وتأمل؛ لأنها على الأقل موضع شك كبير، وخلاف كثير، ومنها رأيه في الحرب وغريزة الإنسان، ورأيه في الملحمة، وسبب خلو الشعر العربي منها، ورأيه فيما وصف به بعض الحيوان عرضًا، وهو منساق مع التخيل والتشبيه.

يقول الأستاذ في تمهيده عن الملاحم والقصص الحربي: «ومن عجب أن يخلق الإنسان وحب الحرب غريزة فيه منذ كان على الأرض إلى اليوم!»

فهل ثبت حقًّا أن الحرب «غريزة في الإنسان»؟ وماذا يلزم من ثبوت ذلك في مسألة كمسألة السلام العالمي والوحدة الإنسانية؟

لا يقال: إن الإنسان مطبوع على حب البقاء، وإن حب البقاء يقود تنازع البقاء وبقاء الأصلح.

نعم، لا يقال هذا؛ لأنه قول يصدق على السباع كما يصدق على الحيوان الأليف، وما من كائن على الأرض ينازع في بقائه إلا قابل المنازعة بالمقاومة، ودافع في سبيل الحياة — أو مجرد البقاء — جهد ما يستطيع من مدافعة، ولكننا لا نقول: إن الحرب غريزة فيه إلا إذا كانت عملًا لا ينقطع عنه لضرورة أو لغير ضرورة، وكانت حافزًا على الهجوم أبدًا، ولم تكن وسيلة من وسائل الدفاع عند فقدان الأمن، أو فقدان القوت الذي يحفظ قوام الحياة.

ولقد اختلف علماء السلالات البشرية في طبيعة الإنسان البدائي من هذه الناحية؛ فقال الكثيرون منهم: إنه مخلوق مسالم وديع وإن يكن حذرًا من الطارئ الغريب؛ لطول عهده باتقاء السباع والخوف من مفاجآتها بين الكهوف والغابات، وقلما تطوع الإنسان البدائي للمشاكسة والعدوان إلا أن يفقد الأمن، ويستحضر التهديد من الطارئين عليه.

وعندنا أن المسألة في هذا العصر على التخصيص أحوج إلى التأمل الطويل قبل البت في أمر هذه الغريزة بالتقرير أو بالإنكار؛ لأننا إذا فرغنا من إثبات غريزة الحرب للإنسان، فقد حكمنا بالعبث على مساعي السلام جميعًا، وبطل القول كله في قضية السلام العالمي والوحدة الإنسانية.

•••

ويرى الدكتور المحاسني أن القافية الواحدة كانت سببًا لخلو الشعر العربي في الملحمة، ويقول: «لعل حبهم للقافية الواحدة يجري عليها روي القصيدة زهدهم في الملحمة؛ إذ كانت تقتضي آلاف الأبيات، ومن لهم بروي واحد يجري به الكلام ألفًا في لغة العرب أو أية لغة؟»

وقال قبل ذلك: «إن كل شعر طال أو قصر — وقد وصفت فيه المعارك، وسردت فيه أخبار البطولة، ورويت فيه ملاحمات الجلاد — هو من شعر الملاحم.»

ونقول: إن مصدر اللبس كله من كلمة «الملحمة»؛ لأنها توحي إلى الخاطر أن العنصر الأول في هذا الشعر “Epic” هو حوادث الحرب والمناجزة، وليس هو كذلك كما يعلم المؤلف الفاضل، وكما ذكر في كلامه عن هذه الأشعار عند الأمم الأعجمية.

والحقيقة أن العنصر الأول في هذه الأشعار إنما هو عنصر «البطولة الخارقة» التي تفوق طاقة الإنسان، ويكثر في هذا القصص أن يكون الناس الموصوفون بها أقرب إلى خلائق ما فوق الطبيعة، مختلطين في القدم بين أخبار التاريخ ونوادر الأساطير، وكلهم يحاربون قومًا آخرين غير قومهم، ولا تنحصر حروبهم بين قبيلة وقبيلة من أمة واحدة. ويغلب على هذه الأشعار أن تكون من المأثورات أو المرددات التي تداولتها أجيال الأمم أعقابًا على أسلاف، وحفظتها الألسنة بالرواية قبل عصور الكتابة بزمن بعيد.

وقد تتوافر هذه الخصائص جميعًا في الملحمة الواحدة، ولكنها لا تتجرد منها جميعًا، وإلا انتقلت من شعر اﻟ «إبيك» “Epic” إلى ضروب الشعر الأخرى بين غنائية وقصصية؛ فليس وصف الحرب وحده بصالح لتكوين «الملحمة» بأهم عناصرها.

ومتى عرفت «الملحمة» على هذه الصفة فقد زالت مشكلتها في الآداب العربية.

لِمَ لَمْ توجد «الملاحم» عند العرب الأقدمين؟ لِمَ لَمْ ينظم شعراؤهم في هذا الموضوع؟

إن السبب بسيط قريب …

إن الموضوع نفسه لم يوجد عند العرب فلم ينظموا فيه.

ولو كانت القافية هي الحائل دون نظمه لوجدت القصة المطولة منثورة بغير حاجة إلى الوزن أو القافية، ولكن الموضوع كله لم يوجد لأسباب شتى ليس المقام هنا محل تفصيلها، فلم تنظم فيه قصيدة ولم تحفظ له رواية، ولم تكن للأمر علاقة بنقص في طبيعة الفن، ولا بقصور في ملكات الشعر.

لهذا وجدت الملحمة ببعض خصائصها وأجزائها حين وجد الموضوع ببعض خصائصه وأجزائه: وجدت ملحمة «النبي أيوب»، ووجدت ملحمة الزير سالم، وعنترة بن شداد، وغزوات بني هلال، والظاهر بيبرس، وذات الهمة، وسيف بن ذي يزن، وغيرها وغيرها من أشباهها ونظرائها، ويتوافر لبعضها شرط البطولة الخارقة، أو شرط الأساطير وما بعد الطبيعة، أو شرط المحاربة مع الأقوام الغريبة، أو شرط الرواية الشفوية، ولكنها لم تجمع هذه الشروط في وحدة منها، ولو أنها جمعتها لوجدت معها «الملحمة» كاملة كأحسن ما نظم هوميروس أو روي، ولم يقل أحد: إنه نقصٌ في الشعر أو قصور من الشعراء.

•••

أما الملاحظة الأخيرة التي نوردها في هذا المقال فهي أقرب إلى التاريخ الطبيعي منها إلى تاريخ الأدب، أو تاريخ الحرب والحماسة، ولكننا نحاسب المؤلف الفاضل عليها؛ لأننا ندين الأديب بالواجب العلمي كما ندينه بالواجب الأدبي؛ ولأن مؤلف الكتاب خاصة كان خليقًا أن يعلم الصواب في أمر هذه الملاحظة لو رجع إلى قصيدة من قصائد صديقه المتنبي التي كثرت شواهده منها على صفحات كتابه.

وتلك هي ملاحظتنا على صفة النسر؛ حيث يقول: «ما أشبه النسر بالبطل، فلقد كان النسر رمزًا للبأس والقوة، ويموت النسر فيتحامل على نفسه جبار الجناحين، معكوف المنسر، منثور المخلب، وكذلك يموت البطل …»

إن الاشتباه هنا بين النسر والعقاب قد لحق بالباحث الأديب كما لحق بالمتحدثين عن النسر على الشهرة والسماع، ممن يتبرعون له بأكثر الصفات التي تنفرد بها العقاب أو تكاد.

وأول أخطائهم أن النسر قوي المخالب، وهو مخلوق بغير مخالب كما قال أبو الطيب:

تُفدِّي أتم الطير عمرًا سلاحه
وقد خلقت أسيافه والقوائم
وما ضرها خلقٌ بغير مخالب
نسور الفلا أحداثها والقشاعم

وفي معجم الحيوان أن النسر «طائر من سباع الطير، لكنه ليس من عتاقها — أي جوارحها — بل يقع على الجيف وقلما يصيد … ولا مخالب له، بل أظفار، ولا يقوى على جمع أظفاره وحمل فريسته، كما تفعل العقاب بمخالبها، وهو الطائر المعروف بالنسر عند العرب من عهد جاهليتهم إلى يومنا، ويعرف بهذا الاسم عند المتكلمين بالعربية من المغرب الأقصى إلى العراق، ومن الشام شمالًا إلى اليمين والسودان جنوبًا، وليس النسر الرخمة الصفراء ولا الشوحة في الشام».

ونختم المقال بإعادة الثناء على مجهود الباحث المؤرخ الأديب: ثناء لا تغض منه هذه السهوة في سبيل تعظيم البطولة، ولا تلك الملاحظات التي عرضت للموضوع على هامشه، ولم تمسسه في جوهره الأصيل.

١  كتاب للدكتور زكي المحاسني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠