الفصل الثالث

عوامل الإعراب في اللغة العربية

عاد بعض المشتغلين إلى البحث في مسألة «العامل» في لغتنا العربية، وهي مسألة من أهم مسائل النحو في هذه اللغة، بل هي مسألته الكبرى أو مسألته الأولى والأخيرة؛ لأنها ترتبط بأسباب الحركة على أواخر الكلمات. وتلك هي أسباب الإعراب والبناء.

وقد كان من أسباب العودة إلى مسألة العامل تعليق المؤبنين على آراء العالم النحوي الكبير الأستاذ إبراهيم مصطفى — رحمه الله وطيَّب ذكراه.

ورأيه المشهور — كما يعرف قُرَّاء كتابه في إحياء النحو — أنه ينكر على النحاة الأقدمين إفراطهم في تقدير العامل الذي ينسبون إليه تغيير الحركة في آخر الكلمة، ويجعلون لكل حركة من حركات الإعراب عاملًا ظاهرًا أو مستترًا يوجب الفتح أو الكسر في آخر الكلمة، ولا يذكرون للضم عاملًا غير امتناع الحركتين الأُخريين، فيقولون: إن الكلمة مرفوعة لامتناع الناصب والخافض، وهو فيما رأى بعض الأقدمين تعليل غير معقول؛ لأن امتناع سبب من الأسباب لا يكون سببًا موجبًا لشيء كما قالوا، وشايعهم على قولهم العالم الفقيد. وقد بنى على هذا الاعتراض مذهبه كله في إحياء النحو؛ لأنه أقام لحركة الضم في آخر الكلمة سببًا موجبًا سماه «الإسناد»، ورأى أن الفتحة هي الحركة التي تأتي بغير عامل، ولا تعتبر علمًا من أعلام الإعراب.

والأستاذ إبراهيم — رحمه الله — لا ينكر أن أواخر الكلمات المعربة تختلف في اللغة العربية باختلاف المعنى، أو باختلاف العلاقة بين معاني الجملة ودلالة كلماتها، ولكنه ينكر أن يتحول العامل من «معنًى مفهوم» إلى لفظ محدود يقيد ذلك المعنى بلوازمه اللفظية؛ لأن اللفظ قد يرمز إلى المعنى المقصود من إحدى نواحيه على سبيل المجاز، ولا يتابعه في جميع لوازمه ومصاحباته وتفريعاته على جميع الأحوال. ولا مناص من الخلط في التقدير والتأويل إذا جعلنا الرفع — مثلًا — مساويًا للمفهوم من الارتفاع في اللغة على جميع الوجوه، أو جعلنا الجزم مساويًا للمفهوم من القطع، أو جعلنا الجر مساويًا للمفهوم من السحب، أو جعلنا الكسر مساويًا للمفهوم من البتر، إلى أشباه ذلك من المفاهيم التي تتفق من ناحية واحدة، ولا تتفق من نواحيها الحقيقية كل الاتفاق.

فلا شك في وجاهة الاعتراض على إفراط النحاة في التقديرات التي يوجبها نقل السبب من معنًى ملحوظ إلى لفظ محدود، ثم تقييد المعنى بهذا الحد اللفظي في جميع تفريعاته وتصريفاته على غير موجب لذلك التقييد.

لكن هذا الخطأ يُلازم المعترضين على النحاة في تقديراتهم وتأويلاتهم، بل نرى من الإنصاف أن نقرر هنا أن أخطاء المعترضين أكبر وأكثر من أخطاء المُقدِّرين، وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا في الشواهد التي استند إليها الأستاذ إبراهيم مصطفى، أو ابتداء من عنده من كتاب «إحياء النحو» وفي غيره من دراساته اللغوية، وفيما يلي قليل من ذلك الكثير: روى الأستاذ قصة الإمام أبي علي الفارسي مع عضد الدولة فقال: إن عضد الدولة سأله: «لماذا ينصب المستثنى في نحو قام القوم إلا زيدًا؟ فقال الإمام: بتقدير أستثني زيدًا، قال عضد الدولة: لم قدرت أستثني؟ هلَّا قدرت: امتنع زيد؛ فرفعت؟ فلم يحرِ الفارسي جوابًا وقال: هذا الذي ذكرته لك جواب ميداني، فإذا رجعت ذكرت الجواب الصحيح.»

والظاهر من سياق القصة أن الإمام أبا علي الفارسي تجنب اللجاجة عمدًا مع الأمير في ذلك المجلس لسببٍ رآه، وهو يرجئ الجواب الصحيح إلى موضعه من البيان، وإلا فإن الجواب يسير لو أراده أبو علي؛ لترجيح تقديره في هذا المقام، فإن الأفعال التي تستخدم للاستثناء تدل على معنى الحرف الذي ينوب عنها، فيأتي معنى «إلا» موافقًا لمعنى حاشا وما خلا وما عدا وكل فعل يستثني ما بعده على هذا القياس، ولا موجب لإعطاء الحرف هنا معنى الفعل الذي يدل مثل دلالته، إلا أن يكون حرفًا من حروف الجر في حكمه المعروف.

ومن الخطأ في تطبيق القياس أن يحسب الأستاذ إبراهيم كثرة الفتحة على أواخر الكلمات بحساب العدد، وهو في مقام النظر إلى «حكم» الكلمة بين أحكام سائر الكلمات.

فإذا كان حكم الفعل الماضي، مثلًا، أن يبنى على الفتح؛ فإن سريان هذا الحكم على فعل واحد كافٍ لاستغراق جميع المواد في اللغة العربية على وجه التقريب؛ لأن كل مادة لفظية قابلة للاشتقاق لا تخلو من فعلها الماضي المجرد والمزيد، ثم يأتي الفعل المضارع المعرب بالنصب فيضاف إلى هذا العدد الوافر من أواخر الماضي المفتوحة، ويأتي بعد ذلك عدد المنصوبات من الأسماء بعوامل النصب، فيكون في هذه الزيادة دليل على أصالة حركة الفتح بين سائر الحركات، وإنما هي حكم واحد على آخر فعل ماضٍ واحدٍ ينتهي بنا إلى هذا العدد الكثير.

يقول الأستاذ إبراهيم: «إن الفتحة أخف من السكون أيضًا وأيسر نطقًا، خصوصًا إذا كان ذلك في وسط اللفظ ودرج الكلام.»

ثم يذكر من شواهده على ذلك: «أن العرب قد فروا في بعض المواضع من الإسكان إلى الفتح، ومن ذلك صنيعهم في جمع المؤنث السالم لمثل: فترة، وحسرة، ودعد، فإن العين في المفرد ساكنة، ومن حقها في جمع المؤنث السالم أن تبقى ساكنة أيضًا؛ لأن الجمع السالم لا يبدل فيه بناء مفرده، ولكن العرب أوجبت في مثل هذا فتح العين فيقولون: فترات، وحسرات، ودعدات، ولا يجوزون الإسكان إلا في ضرورة من الشعر.»

وهذا أيضًا من خطأ القياس عند المعترضين على طرائق النحاة في التقدير؛ لأن السكون هنا لا يستثقل، وإنما يستثقل الانتقال من التحريك إلى التسكين، ثم من التسكين إلى التحريك، ولا فرق في ذلك بين الفتحة والضمة؛ لأنهم يقولون: الحجرات والغرفات والقبلات والظلمات بدلًا من تسكين الجيم أو الراء أو الباء أو اللام، وكذلك يقولون: القطن والغصن والعمر والكتب والأسد إلى كثير من أمثالها؛ لأن الاستمرار في حركة واحدة أيسر من الانتقال منها إلى تسكين، ثم العودة بعد التسكين إلى التحريك.

•••

قال الأستاذ: «إذا رجعت إلى علم مخارج الحروف واستشهدت طبيعة الفتحة في نطقها، وقستها إلى غيرها من الحركات؛ وجدت البرهان الجلي على خفة الفتحة، والشهادة لذوق العرب في استحبابها، وذلك أن الفتحة القصيرة أو الفتحة الطويلة — وهي الألف — لا تكلف الناطق إلا إرسال النفس حرًّا، وترك مسرى الهواء أثناء النطق بلا عناء في تكييفه.»

ونرجع إلى النحاة في اعتبارهم أن الضمة غنية عن التعليل، فنرى أنهم أقرب إلى الصواب؛ لأن الضمة لا تكلف الناطق شيئًا على الإطلاق إذا كانت الفتحة — كما قال الأستاذ — تكلفه إرسال النفس حرًّا، وترك مسرى الهواء أثناء النطق بلا عناء، فإن الضمة هي حالة انطباق الشفتين عند انتهاء كل كلام، وهي كذلك حالة الشفتين قبل كل كلام.

فإذا احتجنا إلى تعليل الحركة، فإنما نحتاج إليه في حالة غير حالة إطباق الشفتين، وهي إما حالة الفتح أو حالة الكسر، ولا نذكر السكون لأنه هو حالة قطع الحركة، ولا يحسب من أجل ذلك في عداد الحركات، ولهذا كان موقعه الغالب موقع البناء؛ حيث لا تتغير أواخر الكلمة بالإعراب.

وليس من الميسور الآن تعليل معنى الفتح أو معنى الجر في مواقع الإضافة، ولكن المحقق أن الفتح والجر لا يطردان في مواضعهما جزافًا لغير سبب دعا إليه عند وضع اللغة بين أوائل المتكلمين بها. ونعني بهم أولئك الذين كانوا يتكلمون ويقرنون الكلمات بحركات يدوية أو شفوية مصطلح عليها لدفع اللبس بينها وبين ما عداها.

ونقول على سبيل الظن الذي تعززه إشاراتنا في هذا الزمن: إن الفتح كان علامة على الابتعاد بحركة من الفم تؤكدها حركة من اليد إلى الفضاء، وراقِب المتكلم وهو يقول عن أحد أو عن شيء: إنه ذهب وانقضى … فإنه سواء تكلم بالفصحى أو العامية يقول: راح، وفات، وانتهى، ويدفع يده مرتفعة إلى الفضاء كأنما يشير إلى شيء غريب غاب عن العيان.

وقد نجد من قرائن المقابلة بين اللغات السامية ما يؤيد هذا الظن أو هذا التخمين، فقد نقل الأستاذ إبراهيم أقوال بعض العارفين بالحبشية من أمثال بروكلمان ورايت، فقال: «إنه يمكن أن يرى أن الفتحة أصلها «ها»، وهي ضمير إشارة مستعمل في اللغات السامية، ولم يزل في الحبشة يلحق بالأعلام في حالة النصب إذا وقع عليها فعل ذو اتجاه، مثل: أقبل وقصد، وأصل معناها في هذا الاستعمال الاتجاه إلى شيء أو شخص معين …»

فإن لم يكن هذا سبب الفتح في كلمات اللغة العربية، ففيه إشارة إلى بعض أصولها في لغة من اللغات السامية، وهي قرينة من قرائن التطور في أقدم هذه اللغات وأجمعها لقواعد الإعراب، وهي اللغة العربية.

على أن الأستاذ إبراهيم قد بنى مذهبه كله في إحياء النحو على الحاجة إلى تعليل الضم، وعدم الحاجة إلى تعليل الفتح، فأصبح المذهب كله مرتهنًا بثبوت هذا الرأي وذهاب الشك فيه. وأول ما يتطرق إليه من دواعي الشك القوي أن «الإسناد» لا يصلح لتعليل الضمة؛ لسبب يسير، وهو أن الضمة أو انضمام الفم في نهاية الكلام لا حاجة بها إلى سبب، سواء كان هو الإسناد كما سماه صاحب إحياء النحو — رحمه الله — أو كان له سبب سواه.

وحسبُنا مثلٌ واحد نختم به هذا المقال لبيان الفارق في دقة التقدير بين طريقة النحاة الأقدمين، وطريقة المعترضين عليهم في مسألة من ألصق المسائل بالإسناد إليه، وهما دعامة النحو الجديد كما يسميه المعترضون على النحاة المتقدمين.

يسأل الأستاذ إبراهيم: «ما الفرق بين كسَر الإناء وانكسَر الإناء إلا ما ترى بين صيغتي كسَر وانكسَر، وما لكل صيغة من خاصة في تصوير المعنى؟ … أما لفظ الإناء فإنه من المثالين مسند إليه وإن اختلف المسند.»

فهذا تقدير يلاحظ عليه ما لاحظه الأستاذ الفاضل — رحمه الله — على النحاة، وهو يأخذ عليهم نقل العامل من معناه المفهوم إلى لفظ محدود يقاس عليه في جميع الأحوال.

فإذا كان معنى الإسناد هو موضوع الكلام، ولم يكن معناه هو اللفظ في موضع الفاعل أو نائب الفاعل؛ فالفرق كبير بين «انكسر الإناء وكسر الإناء»؛ لأن الموضوع في قولنا: انكسر الإناء هو موضوع الكسر بغير نظر إلى فاعل معلوم أو مجهول، ولكن صيغة الفعل «كسر» مبنيًّا على المجهول تشغل الذهن بمعنًى غير معنى الكسر، وهو النظر إلى الفاعل، والعلم بعد ذلك بأنه غير معلوم، وهو معنًى من معاني الإسناد أو التكلم على الموضوع لا يتساوى عند التعبير بالكلمتين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠