الفصل الرابع

الحروف العربية أصلح الحروف لكتابة اللغات

إن الأمم التي تعتمد على الحروف العربية في كتابتها أكثر عددًا من كل مجموعة عالمية تعتمد في الكتابة على الحروف الأبجدية، ما عدا مجموعة واحدة، وهي مجموعة الأمم التي تعتمد في كتابتها على الحروف اللاتينية.

لأن الحروف العربية تستخدم لكتابة اللغة العربية، واللغة الفارسية، واللغة الأوردية، واللغة التركية، واللغة الملاوية، وبعض اللغات التي تتصل بها في الجزر المتفرقة بين القارات الثلاث: أفريقيا وآسيا وأستراليا.

ونسبة الكاتبين بين هذه الأمم أقل في هذا العصر من نسبة الكاتبين بين أبناء الأمم التي تعتمد على الحروف اللاتينية.

ولكن الأمر في صلاح الحروف للكتابة لا يعود إلى كثرة الأفراد الذين يكتبونها، بل إلى أنواع اللغات التي تؤدي ألفاظها وأصواتها.

وعلى هذا الاعتبار تكون الحروف العربية أصلح من الحروف اللاتينية أضعافًا مضاعفة لكتابة الألفاظ والأصوات؛ لأنها تؤدي من أنواع الكتابة ما لم يعهد من قبل في لغة من لغات الحضارة.

فالحروف اللاتينية تستخدم للكتابة في عائلة واحدة من العائلات اللغوية الكبرى؛ وهي العائلة «الهندية الجرمانية».

وهذه العائلة الجرمانية هي العائلة التي يقوم فيها تصريف الكلمات على «النحت» أو على إضافة المقاطع إلى أول الكلمة أو آخرها، وتسمى من أجل ذلك باللغات «الغروية»؛ من الغراء اللاصق في أدوات البناء والنجارة.

أما الحروف العربية فهي تقوم بأداء الكتابة بهذه اللغات وبكثير غيرها؛ فهي تستخدم لكتابة الفارسية والأوردية، وهما من لغات النحت، أو من عائلة اللغات الغروية.

وتستخدم لكتابة التركية، وهي من العائلة الطورانية، ويرجعون في تصريف ألفاظها إلى النحت تارة، وإلى الاشتقاق تارة أخرى، فهي وسط بين اللغة الفارسية واللغة العربية.

وتستخدم الحروف العربية بطبيعة الحال لكتابة لغة الضاد المميزة بمخارجها الواضحة، الدقيقة، بين جميع اللغات، وهي أعظم لغات الاشتقاق التي اشتهرت باسم العائلة السامية.

وتكتب بالحروف العربية لهجات ملاوية تتفرع على لغات المقاطع القصيرة والنبرات الصوتية المنغومة، ويختلفون في نسبتها إلى إحدى العائلات الثلاث حتى اليوم؛ لأنها مستقلة بكثير من الخصائص وقواعد التصريف، ولعلها عائلة مستقلة من العائلات اللغوية الكبرى تشعبت فروعها لتفرق الناطقين بها بين الجزر المنعزلة.

وقد استطاعت هذه الأمم جميعًا أن تؤدي كتابتها بالحروف العربية دون أن تدخل عليها تعديلًا في تركيبها ولا أشكالها المنفردة، ولم تتصرف فيها بغير زيادة العلامات والنقط على بعض الحروف. وهي زيادة موافقة لبنية الحروف العربية وليست بالغريبة عنها؛ لأن العرب أنفسهم أضافوا النقط والشكل عند الحاجة إليها، وليست زيادة شرطة على الكاف بأغرب من زيادة النقط على الحروف، مفردة أو مثناة، وفوق الحرف أو تحته؛ للتمييز بين الأشكال المتشابهة أو المتقاربة.

وعلى كثرة اللغات والعائلات اللغوية التي تؤديها حروف العربية لم يزل ضبطها للألفاظ أدق وأسهل من ضبط الحروف اللاتينية التي تستخدم لكتابة عائلة لغوية واحدة، وهي العائلة الهندية والجرمانية.

فالإسباني يقرأ الإنجليزية على حسب قواعد لغته فيحرفها كثيرًا، ويبلغ من تحريفها مبلغًا لا نعهده في نطق الفارسي الذي يقرأ الأوردية أو التركية أو العربية، ولا نعهده في نطق العربي الذي يقرأ الفارسية بحروفها ولو لم يكن على علم بمعانيها، ولكنه إذا عرف معناها لم يقع في خطأ من أخطاء اللفظ، ولم يكن هناك خلاف بينه وبين أبناء الفارسية في كتابتها وقراءتها.

هذه حقيقة لا جدال فيها ينبغي أن نحضرها أمامنا لنعرف مدى التهويل المفرط في شكوى الشاكين من صعوبات الكتابة العربية المزعومة؛ فإن حروفنا إذا قيست بغيرها لم نجد لها نظيرًا بين حروف الأبجديات على تعددها وكثرة التحسينات التي أدخلت عليها.

وينبغي أن نحضر هذه الحقيقة في أيامنا هذه بصفة خاصة؛ لأنها غابت عن أذهان بعض الباحثين في مشكلة الكتابة عند طوائف من الأمم الشرقية الإسلامية يميل بعضها إلى اختيار الحروف اللاتينية لكتابة ألفاظه ومترجماته المنقولة إليها.

فقد أخذت طائفة من قبائل الصحراء الإفريقية في كتابة سجلاتها التجارية ومراسلاتها المتداولة بينها وبين سكان الشواطئ بالحروف الفرنسية، وأخذت فئة من الملاويين في كتابة أمثال هذه السجلات والمراسلات بالحروف الهولندية أو الحروف الإنجليزية، وظهر بين كتابها من يستخدم هذه الحروف في الموضوعات الأدبية والفكرية.

فمن الواجب أن نذكر هنا أن عوامل السياسة والاقتصاد هي التي جنحت بتلك الطوائف إلى اختيار الحروف اللاتينية، ولم يكن سبب هذا الاختيار نقصًا عسير العلاج في أصول الكتابة العربية، ولولا عوامل السياسة أو الاقتصاد لما اختار فريق من الملاويين حروف الإنجليزية، واختار فريق آخر حروف الهولندية، على حسب العلاقات بين البلد الملاوي وبين إحدى هاتين الدولتين.

ومن المعلوم أن صعوبات النطق بين الألفاظ الإنجليزية والألفاظ الهولندية تتجسم في بعض الحروف كالجيم والياء، كما تتجسم في حروف العلة عند مواضع الإمالة والإشمام على نحو يسهل تداركه فيما يكتب بالحروف العربية.

فلا ذنب لحروفنا العربية ولا للأبجدية العربية بجملتها في هذا التحول من هذه الحروف إلى ما عداها، ولا يحسب على الكتابة العربية عيب واحد يصعب استدراكه على الكاتب العربي، ويتيسر استدراكه على الكاتبين بالحروف اللاتينية، حتى حركات الإمالة التي يبالغون فيها، وهي عندنا أهون خطبًا من نظائرها عند الأوروبيين … فإن حرف الألف “A” وحرف الياء “I” يُمالان على غير قاعدة مطردة بين الإنجليزية والفرنسية والهولندية. وقد استطاع حُفَّاظ القرآن الكريم أن يضبطوا مواضع الإمالة والإشمام في القراءات المختلفة ضبطًا لا يعسر تعميمه بعلاماته عند الحاجة إليه في سائر الموضوعات.

وعلينا أن نسقط من حسابنا تهويل المهولين باختلاف نطق الحروف على حساب اللهجات الفصحى أو العامية؛ فإن الملايين من أبناء العربية يكتبون الجيم بشكلها الأبجدي المعروف، وينطقها ابن القاهرة وابن الصعيد وابن دمشق كلٌّ منهم حسب منطقته التي نشأ عليها … وليس في شيء من ذلك ما يدعو إلى تغيير شكل الحرف، ولا إلى تغيير قواعد الكتابة، وإنما هي عادات تعرف ويحسب حسابها بغير مشقة ولا كلفة كما نرى ونسمع كل يوم منذ أجيال، وكما هو معهود ومتواتر في كل لغة من لغات الحضارة بين المكتوب والملفوظ، وبين الملفوظ في إقليم والملفوظ في إقليم آخر، ولو كان كل من الإقليمين منسوبًا إلى وطن واحد ودولة واحدة. ومن راقب ذلك في اختلاف النطق الأمريكي والنطق الإنجليزي، أو في اختلاف نطق العاصمة ونطق الريف، أو استخدام الصحافة واستخدام الإذاعة لم يكترث لذلك التهويل الذي لجَّ فيه الشاكون من صعوبات اللغة العربية، وهي عند القياس أهون الصعوبات، وعند البحث الرصين المنصف تشهد للأبجدية العربية بأنها أصلح من سواها لكتابة جميع اللغات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠