الفصل التاسع

مقارنة لغوية في ضمائر الجنس والعدد

ومن أقدم ألفاظ اللغة الضمائر وما إليها من الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة، وجدت مع أقدم الأسماء في وقت واحد لتنوب عن اسم الشخص المخاطب والغائب ومن هو في حكمه، فيقول المتكلم لمن يخاطبه: (أنت)، ويقول عن الغائب أو الحاضر الذي لا يتجه إليه الخطاب: (هو)، ويستغني بذلك عن إعادة الأسماء في كل خطاب أو إشارة.

ولا يخفى أن الأسماء لا توجد في القدم دفعة واحدة، ولا تزال في ازدياد وتغيير مع تطور اللغة واتساعها، فهي — لهذا — لا تصلح كلها للمقارنة بين اللغات المختلفة، وبخاصة مقارنات اللغات التي يراد بها الدلالة على القدم، أو على أحوال اللغات في مادتها الأولى.

أما الضمائر فهي محدودة معدودة لا يصعب إحصاؤها أو تتبع أدوارها في تطوراتها وتبديلاتها، فهي — لهذا — موضوع من موضوعات المقارنة بين أقدم اللغات وأحدثها، وهي أدل من الأسماء على عراقة اللغة وتطور استعمالها على حسب الحاجة إليها.

وبهذا المقياس من مقاييس المقارنة يمكن أن يقال: إن اللغة العربية أقدم اللغات الحية بلا استثناء، وإنها من أقدم اللغات جميعًا إذا شملنا بها اللغات المندثرة التي تعرف بالتعليم ولا يجري بها الخطاب اليوم بين الأمم الحية.

وبهذا القياس أيضًا يمكن أن يقال: إن اللغة العربية أعرقها تطورًا وتدرجًا في الاستعمال على حسب الحاجة، فليست مزيتها الكبرى أنها قديمة معرقة وحسب، ولكنها تضيف إلى ذلك مزية أخرى، وهي تمام التطور في استعمال الضمائر؛ حيث تظل اللغات الحية ناقصة أو جامدة لا تقبل النمو على جذورها الحية من جديد.

أما إنها أقدم اللغات الحية بدلالة الضمائر والأسماء الموصولة؛ فهو ظاهر من احتوائها عليها جميعًا، وبقاء أصولها جميعًا فيها إلى اليوم مستعملة لأغراضها التي تناسبها.

فالضمائر في اللغات الجرمانية واللاتينية هائية أو ذالية أو لامية، ونعني بالهائية ما يظهر فيها حرف الهاء، وبالذالية ما يظهر فيها حرف الذال ومقابلاته في اللغات الأخرى، وباللامية ما يظهر فيها حرف اللام كما يظهر في الألف واللام الموصولة عندنا.

ففي اللغة الإنجليزية تستعمل he (هي) لضمر المذكر الغائب (هو) باللغة العربية، وكانت (هيو) تستعمل الضمير المؤنث الغائب heo إلى القرن الثاني عشر، مقابلة (هي) باللغة العربية.
ومن أسمائهم الموصولة What (هوات) بضم الهاء، وWhose (هوز)، وهي تستعمل عندهم كثيرًا في مواضع الذي والتي والإضافة للملكية.
وفي اللهجات الجرمانية والتيوتونية تستعمل (زي) Zij في الدانماركية، و(زيو) في السكسونية القديمة، و(زو) في الأيسلاندية بمعنى (هي) العربية.
وفي اللغات اللاتينية تستعمل (اﻟ) II بمعنى (هو)، وتدخل (اﻟ) التعريف بلفظها ومعناها على بعض الأسماء الإسبانية.
ولا يجوز أن ننسى حرف «التاء» في هذا المقام، فإنها — وإن لم تثبت مع كلمات الضمائر كحروف الهاء والذال واللام — إلا أنها تعمل في اللغة العربية للدلالة على التأنيث، وتأتي عرضًا في بعض اللغات للدلالة على التأنيث والتذكير معًا، كما جاءت في توا Toi الفرنسية، وthon الإنجليزية وغيرها.

ويدل هذا على أنها أصيلة في اللغة العربية مستعارة — أو عرضية — فيما وردت فيه من اللغات الأخرى.

وعلامة التطور أظهر من علامة القدم في استعمال الضمائر وتحديد مواضعها كما هو ظاهر في الدلالة على الجنس والدلالة على العدد، ولا مثيل للغة العربية في كلتا الدلالتين.

فالجنس في الأغلب الأعم من اللغات الهندية الأوروبية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مذكر ومؤنث ومحايد، أي ليس بالمذكر ولا بالمؤنث.

هذا وضع عقلي مخطئ؛ لأن التقسيم الصحيح في الجنس المتميز أنه مذكر ومؤنث، وليس هناك جنس ثالث متميز يسمى بالمحايد، بل هناك أشياء لا جنس لها أصلًا يستعار لها الجنس على سبيل المجاز، فتلحق بالمذكر أو بالمؤنث على حسب المناسبة عند وضعها، وليس هناك جنس ثالث ولو على الشذوذ كما يعرض للذكر المشكل أو للأنثى المشكل، فإنهما في حقيقة التقسيم ذكر غير متميز أو أنثى غير متميزة، ولا ثالث للجنسين يسمى بالجنس المحايد بينهما.

وفي اللغة العربية تمييز بين الضمائر في حالات الإفراد والجمع لا يعرف لغيرها، بعمومه ودقته وتنوع تصريفاته، ﻓ (هم) لجمع المذكر، و(هن) لجمع المؤنث، و(أنت) بفتح التاء للمخاطب المفرد، و(أنت) بكسرها للمخاطبة المفردة، و(أنتم) و(أنتن) للمخاطبين والمخاطبات، وهذا عدا التمييز بين علامات جمع الأسماء كالمؤمنين والمؤمنات والمتكلمين والمتكلمات، وعدا التمييز بين الضمائر في حالات الفعل النحوية والصرفية بالنسبة للجنسين.

ولا توجد لغة حية تلتزم التفرقة على قواعدها المطردة كما تلتزمها اللغة العربية.

ومن أدق الفوارق العقلية الملحوظة في مسألة الجنس، أن اللغة العربية لا تفرق بين الدلالات الجنسية بتقسيمها إلى مذكر ومؤنث أو محايد بين الجنسين، ولكنها تفرق بينها بتقسيمها إلى ما يدل على العاقل وما يدل على غير العاقل، وهذا هو التقسيم العقلي المنطقي الصحيح مستقر في تكوين اللغة؛ لأنها لغة متطورة بالاستعمال إلى ما يناسب الكلام والتفكير، فالفرق بين (من وما) في اللغة العربية هو فرق بين عاقل وغير عاقل، وليس فرقًا بين جنس مذكر أو مؤنث وجنس محايد بينهما لا هو بالمذكر ولا بالمؤنث، ولا بالمشكل الذي يُحسب مذكرًا تارة، ومؤنثًا تارة أخرى.

ولولا أننا نتكلم هنا عن الضمائر لاستطردنا إلى الكلمات التي تطلق على الجنسين، ويجعلون لها عندهم جنسًا نحويًّا يسمى بالجنس المشترك Common، ولكنه بحث آخر نرجئه إلى غير هذا المقال؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل يستوفيه مقال خاص.

•••

ومن علامات التطور في ضمائر اللغة العربية دلالتها الصحيحة على العدد كدلالتها الصحيحة على الجنسين أصلًا واستعارة.

فالضمائر في اللغات الهندية الجرمانية لا تعرف غير حالتين لضمير العدد؛ هما: حالة الإفراد وحالة الجمع.

ولكن اللغة العربية تعرف لها حالة ثالثة هي حالة المثنى، وهو من وجهة التفكير المنطقي ليس بالمفرد ولا بالجمع، فإن اثنين لا يكونان جماعة من الناس أو غيرهم، والواحد لا يقابل حالة الجمع وحدها، بل يقابل أيضًا حالة الواحد مع أحد آخر لا أكثر، وليس واحد وواحد بالكثرة الجماعية، ولكنهما واحدان غير منفردين.

والدقة البالغة في اللغة العربية أنها لا ترى لزومًا عقليًّا لتنويع ضمائر الثلاثة وما فوقها؛ لأن الفرق بين الثلاثة والأربعة كالفرق بين الثلاثة والعشرة والعشرين، ليس فرقًا في كنه (الجمعية) أو في الخاصة الجمعية، ولكنه فرق في صغر الجماعة وكبرها، فالثلاثة جماعة صغيرة والألف جماعة كبيرة، وقد تكون الألف جماعة صغيرة بالقياس إلى عشرات الملايين، وكلها (جماعة) من وجهة الحد العقلي أو الحد المنطقي، وإن كانت من وجهة الحساب جماعة صغيرة وجماعة كبيرة، وجماعة أصغر أو جماعة أكبر، على حسب المقدار الحسابي الذي لا يحصر في تحديد معنى الجمع والتثنية والإفراد.

وتتم الدقة حين نلاحظ أن اللغة العربية تستدرك التفرقة بين الضمائر بالتفرقة بين جموع القلة وجموع الكثرة؛ فإن التفرقة بين الثلاثة والألف بضمير خاص غير معقولة في باب التفرقة بين الجماعة وغير الجماعة، ولكن التفرقة بين جمع للقلة وجمع للكثرة هو المعقول في حساب الفكر وفي حساب الأرقام على السواء. وإن السامع ليدرك من مجرد السماع أي الجمعين يدل على القلة، وأيها يدل على الكثرة مع اختلاف الأوزان بين بعض الكلمات، فلا التباس بين دلالة أبسطة وبسط، ولا بين دلالة أرغفة ورغفان، ولا بين دلالة أقفل وقفول؛ لأن السامع العربي يفهم على الأثر أن «أبسط وأرغفة وأقفلة» للقلة، وأن «بسط ورغفان وقفول» للكثرة مع اختلاف أوزان فعول وفعلان وفعل بضم الفاء والعين.

ولا بد لهذا الاطراد في الاستعداد لفهم هذه الفروق من أصل صوتي أو اصطلاحي متشابه يرجع إليه ارتباط كل وزن من هذه الأوزان بمعنى القلة أو بمعنى الكثرة، وقد يكون للأصل الصوتي ارتباط بالإشارة المصاحبة لإظهار الحيز أو الصورة المقللة والمكثرة على حسب المشاهدة بالنظر، وكل ذلك مما يصعب تحقيقه الآن، ونحاول أن نحقق بعضه على التقريب جهد المستطاع، ولكنه يشير على جميع الحالات إلى القوانين العريقة التي عملت في هذه اللغة الجميلة الوافية عملها العميق، فبلغت مبلغها الذي لا مثيل له بين اللغات من التطور الوافي والتمييز المفيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠