لماذا نعيش؟

في ركن من أركان «كازينو» رأس البر، جلست وحدي ومعي كتابي لعلي أسأم فأقرأ. ورأس البر لم تزدحم بعد بالمصيفين، فينعم فيها مثلي بعيش هادئ واستجمام مريح. جلست أحملق في البحر بعد غيبة عنه طويلة، فإني لم أره منذ شهور، مع حبي له وشوقي إليه. وكرهت أن أفتح الكتاب فالبحر نفسه كتاب مفتوح، وهو كتاب حي وما في يدي كتاب ميت؛ وهو يوحي بأفكار مبتكرة وكتابي يوحي بأفكار تقليدية.

هذا هو البحر الذي لا تفنى عجائبه ولا العجب منه؛ لم تنل الأيام من جماله ولا جلاله، كأنما خرج من حكم الزمان وعزَّ على أفاعيله؛ وقفَتْ على شواطئه الأجيال، ثم طواهم الدهر جيلًا بعد جيل ولم يستطع أن يمسه هو بسوء؛ في شباب دائم ونشاط دائب، لم يلحقه يومًا عجز المشيب ولا وهن الكبر؛ راحة المكدود، ومتعة النفس، وسلوة العاشق، وحيرة العالم، وأنس الفيلسوف، وبسمة الغواني، ودمعة المتصوف.

شيئان أشعر معهما — دائمًا — بضَعَة الإنسان وحقارته، ويملؤني العجب من قلة عقله في نزاعه وحيله ومراوغته، وذله واستعلائه، وشغله الدائم بما لا طائل تحته: مطالعة السماء ونجومها بالليل، ومطالعة البحر وأمواجه وعظمته بالنهار.

ما الإنسان الوضيع أمام هذا البحر الجليل، وما دنياه كلها بما يعتورها من هَمٍ وقلق، وغمٍ ونكد، ونزاع وخصام، وما شئت من أشكال وألوان، إلا كموجة واحدة من أمواج هذا البحر تجري لمستقر لها، فإذا وصلت إلى الشاطئ تلاشت كأن لم تكن، وظل البحر في جماله وجلاله كأن لم ينقصه شيء.

•••

قطع عليَّ غزلي في البحر صوت جدل يقرب مني شيئًا فشيئًا حتى يكون بجانبي.

رجلان كهلان مثقفان كما يظهر من حديثهما، سلّما وإن لم أعرفهما، لأن المصيفين إذا قلّوا عدوا أنفسهم جميعًا أسرة واحدة. وجلسا على مائدة بجواري على البحر يتممان حوارهما.

لم أفهم بادئ الأمر كلامهما، لأني لم أعرف «عالم الحديث» كما يعبر الإفرنج، ثم بدأت أفهم، فقد انتقلا إلى موضوع جديد، إذ سأل أحدهما الآخر:

(أ) : أتستطيع أن تخبرني بحقٍ لماذا أنت عائش؟

سؤال بهرني، ولو سئلته ما عرفت له جوابًا.

(ب) : أصدُقك أني عائش لأسرتي، فلهم أسعى وأكد، ومن أجلهم أتحمل عناء الوظيفة وملق الرؤساء ومخالفة الضمير، وأمل «الدرجة»، أصيِّف تبعًا لهم، وأشتِّي تبعًا لهم، وأحب ما يحبون وأكره ما يكرهون؛ وأجتهد أن أرقيهم إلى أقصى ما أستطيع جسمًا وعقلًا وخُلقًا، وبذلك كانت أسرتي محور أغراضي وأساس اتجاهاتي، وشاغلة ذهني، ومالئة فكري.
(أ) : إنك بهذا لم تخرج عن أن تكون «أنانيًا» من شكل آخر، كالذي يعيش لنفسه ويجعل غرضه شخصه، فأنت تجعل غرضك أسرتك لنفسك، تُعْنَى بها لأنها ملك لك، كما تعني ببيتك الذي تملكه ومزرعتك التي تستغلها؛ فأنت تربي أطفالك لأنك في أعماق نفسك ترى أن تربيتك لهم دَين عليهم في مستقبل حياتهم، يوم يأخذ الكِبَر منك مأخذه، فتحتاج إلى معونتهم ماديًا أو معنويًا، ويحملون عبئك بعد ما حملت عبئهم.
(ب) : ما أظن هذا صحيحًا، فليست هذه أنانية مطلقًا، فأنا أرقى الأمة عن طريق ترقيتي أسرتي؛ أليست الأمة مجموعة من الأسر، فإذا عُني كل رب أسرة عنايتي كان لنا من ذلك أمة واقية في أبنائها وبناتها وحياتها الاجتماعية والاقتصادية؟! وأملي في تربيتي أن أجمل أبنائي خيرًا مني، وبناتي خيرًا من أمَِهن، بل آمل أكثر من هذا أن أجعل من أبنائي قادة في بعض نواحي الحياة الاجتماعية؛ وماذا تفعل الأمة الراقية أكثر مما أفعل، فهي ترقِّي أسرتها لترقَى أمتها، فإن عددت هذا أنانية فهي أنانية راقية جدًا تتحد بالغيرية.
(أ) : إن كان كذلك فِلمَ تعني بأولادك ولا تعني بأولاد غيرك، وقد يكون فيهم من هم أنجب من أولادك، وأحسن استعدادًا وأقوى خلقًا وأكثر قابلية لأن يكونوا قادة؟ أليس هذا برهان الأنانية؟!
(ب) : غريب هذا أتريد أن تجردني من أنانيتي، ولو جُرْدتُ منها ما كنت «أنا» «أنا»، وليس هناك مذهب من مذاهب الأخلاق يريد أن يمحو الأنانية بتاتًا، وكل ما يدعو إليه أرقاها أن يؤلف بينها وبين الغيرة؛ فلو عنيت بأبناء غيري وأهملت أبنائي لما كانت هناك حرارة البواعث الغريزية التي تدعونا بطبعها للعناية بأبنائنا، فلو ربَّى غيري أبنائي وربيت أبناء غيري لفسد الجميع.
(أ) : ولكن هب كل هذا صحيحًا، أيصح أن تكون عنايتك بأسرتك كل غرضك في الحياة؟ إن تركيز مخك كله في أسرتك يحرمك من الاستمتاع بأفق أوسع ومثل أعلى، إن هذا التركيز ضار بأسرتك نفسها، فكثرة العناية بها والإفراط في الشعور بالمسئولية عنها يعوِّد الأسرة كلها رمي حملها عليك: فلا الأم تشاركك في حمل العبء، ولا الأبناء يتعوّدون الشعور بالمسئولية؛ لأنهم يجدون كل شيء محمولًا عليك، فينشئون مدللين غير صالحين لأنفسهم ولا للحياة — ألا تعرف فلانًا وأسرته؟ كان يوقظ أولاده في الصباح ويشرف على إفطارهم، ويرعاهم إذا لبسوا، ويرسلهم مع الخدم إلى المدارس، وإذا تأخر في عمله تحدث في «التليفون» عن عودتهم وصحتهم، وإذا ارتفعت حرارة أحدهم ربع درجة دعا له أمهر الأطباء، ودعته الشفقة أن يجيب لهم كل مطلب، وإذا وجد أحد أبنائه ضعيفًا في مادة أتى له بالمدرسين الخصوصيين، وحمل كل عبء عن كل ولد. وحرم نفسه من كل لذة ليمتعهم بكل لذة، فماذا كانت النتيجة؟ خرجوا مائعين لا يصلحون للحياة، ناعمين لا يتحملون خشونة الحياة، ففقد بذلك نفسه، وفقد أولاده، وفقدتهم الأمة جميعًا — إن تركيز كل هم الإنسان في الأسرة ضاربها كضرر التخلي عنها وعدم الشعور بمسئوليتها. إن الأسرة تصلح أن تكون غرضًا من أغراض الحياة لا كل غرض، وليست — فيما أرى — تصلح لأن تكون إجابة عن سؤالي: لماذا أنت عائش؟
(ب) : جاءنا مرة في امتحان الشهادة الابتدائية في اللغة العربية بيت ظريف وهو:
إنّ على سائلنا أن نسأله
والعبء لا تعرفه أو تحمله
فقل لي أنت — بدورك — لماذا أنت عائش؟
(أ) : لقد شغل هذا السؤال تفكيري طويلًا، وقلبت الأمر على وجوهه، وأجبت كل إجابة وناقشتها؛ فقلت أولًا — أعيش لنفسي، فوجدتني إذ ذاك كأخس حيوان، ووجدتني أعيش في أضيق أفق؛ ثم قلت: أعيش لأسرتي، فكان من الاعتراض عليه ما رأيت، ثم بحثت أن أعيش لوطني ولديني؛ وأخيرًا وطنت نفسي أن أجعل أملي أن أكون مصدرًا للخير العام حيث كان، فأكون كالشمس تلقي أشعتها على كل كائن، فقيرًا وغني، مؤمن أو كافر، مواطن أو غير مواطن. رأيت الباعث على العمل إن كان شخصيًا — في أي شكل من أشكاله — يبعث على التفرق والخصومة، ورأيت الباعث إن كان عالميًا علمًا التهم الخصومة وبعث على السلام — لقد حاولت أن أبعث هذا الباعث في نفسي، فنجحت أحيانًا وفشلت أحيانًا، ولكني دائمًا أحلل أسباب الفشل وأحاول أن أتقيها، وقد رأيتني بذلك أتحرر شيئًا فشيئًا من الحقد والبغض، والحسد والطمع، ونحو ذلك، مما يتعب الناس بلا فائدة؛ بل رأيتني عندما كنت أحيا للباعث الشخصي كنت أخاف الموت خوفًا شديدًا، وأتألم أشد الألم للكوارث المالية أو النفسية، فلما سموت بباعثي خف خوفي من الموت ومن الكوارث، وأحسست التحرر من هذه الآلام إلى حد بعيد، وشعرت بجمود العاطفة نحو المسائل الشخصية، وحرارة العاطفة نحو المسائل العامة — لقد أصبح يهمني أولاد جاري، ويهمني فلاحي في مزرعتي، لا لأنهم في مزرعتي، ولكن لأنهم هم الذين أستطيع نفعهم؛ بل إني لآلم من بؤس الفلاحين عامة، وأود أن أستطيع نفعهم، ولو كان بيدي ميزانية الدولة لجعلت ثلاثة أرباعها للفلاحين وربعها للمدن؛ ويسرني نجاة مصر من كوارث الحرب بقدر ما يؤلمني كوارث الحرب لأي صنف؛ وأحب أن يكون لي مال لأنفع به الناس، وجاه لأستغله في خيرهم، وشهرة لأستخدامها في منافعهم؛ فإذا لم يكن من ذلك شيء فعلت ما أستطيع على قدر ما في يدي.
(ب) : ولكن ألا ترى معي أن سعة الباعث يضعف من قوته؟ فمثلك — إذًا — مثل من رمى زنبيل سكر في النيل، فلا هو احتفظ بسكره ولا هو أحلى النيل! إنك إذا ركزت همتك في أسرتك، وجارك فعل مثل فعلك، كان لنا من ذلك أسر راقية؛ ولكن لو كلِّف عشرة آباء العناية بعشر أسر من غير تخصيص ما وصلت هذه الأسر العشر من الرقي إلى الحالة التي يعني فيها كل عاقل بأسرته وحده.
(أ) : مثلك صحيح، ولكن علته غير صحيحة، فحال الأسر هو كما ذكرت، ولكن لا لسبب كمية الحب، وضيق الباعث؛ إن السبب في صحة مَثلك هو أن حياة الأسر أساسها الخصوصية، ولهذا كان لا بد أن تختص ببيت. وتعيش عيشة فيها معنى الستر، ومعنى الملكية، ومعنى الاستقلال، فإذا انساحت عشر أسر تحت إشراف عشرة أرباب زالت كل هذه المعاني، ولم تعد الأسرة أسرة. أما الحب وقدرة الإنسان عليه فليس كمية محدودة بحدود الأشياء المادية — هو ليس ككمية من السكر، ولا كمية من المال، لا تتسع إلا لشيء محدود — قارن بين أم لها ولدان وأم لها عشرة أولاد، أتظن أن الأم ذات العشرة تحب ابنها خُمس حب ذات الاثنين فقط؟ هذا ليس بصحيح. إن قلب الإنسان مصدر العجائب، فهو إذا رُبِّي على الحب الواسع وسع كل شيء؛ إنه إذا روّح عليه اشتعل وأضاء ضوءًا قويًا تزول معه كل ظلمة، وينكسف له كل ضوء خافت. إنها التربية الضيقة هي التي تحد حبنا في شخصنا أو أسرتنا أو بيئتنا، فإذا هدمت هذه وحل محلها تربية واسعة الأفق أحببنا حبًا لا حدود له. وإنك لتعجب إذ ترى الإنسان مع هذا الحب الواسع لم يفقد شيئًا من حبه الجزئي، فهو يحب شخصه، ويحب أسرته، ويحب أمته، ويحب دينه؛ ولكن حبه الواسع يلوِّن كل حب جزئي بلون خاص لطيف يتفق وسَعة أفقه، وامتداد نظره، وفيضان حبه.

•••

ونظر «ب» في ساعته، وشكا الجو، ولم أدر أكان هذا فرارًا من أن يُغلب الحوار، أم صدقًا في الشعور بالبرودة.

وسلّما وودَّعا، وقد استمتعت منهما — على الجوار — بحديث طريف.

وودعت البحر حامدًا له وحيه وضيفه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤