مدحت باشا (١)

١٢٣٨–١٣٠١هـ/١٨٢٢–١٨٣٣م

وهذا مصطلح آخر من جنس آخر؛ محمد بن عبد الوهاب مصلح ديني، وهذا مصلح اجتماعي؛ ذاك في نجد، وهذا في استنبول؛ ذاك لا شأن له بالسياسة ولا بالمدنية الحديثة، إنما همه إصلاح العقيدة؛ وهذا منغمس في السياسة لا مشكلة أمامه غيرها؛ ذلك برنامج إصلاحه الرجوع إلى عهد الرسول وصاحبته لنعتقد ما يعتقدون، ونعمل ما يعملون، ونترك ما يتركون؛ وهذا يرى الإصلاح في الرجوع إلى المدنية الحاضرة ومناهجها في الأمم الحية لنختار منها ما يصلح لنا ويتفق ومواقفنا، دارسين في إمعان كيف شق الأوربيون طريقهم إلى الحياة الاجتماعية والسياسية، وكيف تعثروا وكيف نهضوا، فنتعلم من خطئهم وصوابهم، ونقتبس خير ما أنتجته عقولهم.

•••

لقد ولد في عهد السلطان محمود، ونضج شبابه في عهد السلطان عبد المجيد، وبدأت كهولته في عصر عبد العزيز، وانتهت في عهد عبد الحميد.

جاء والدنيا مدبرة عن الدولة العثمانية، وحركة الجَزْر تلي حركة المد، والمملكة تنقص من أطرافها، ويدب الفساد في داخلها.

يقع الظلم على سكانها المسلمين والنصارى على السواء، ولكن المسلمين ينادون بالإصلاح في هدوء وإشفاق، والنصارى من ورائهم أمم تحميهم، وتتخذ ظلمهم وسيلة للتدخل في شئؤون الدولة بدعوى حمايتهم، والعمل على تحريرهم، فأصبحت الدولة وكل يوم تقتطع منها ممالك، وكل يوم تعقد معاهدات تَنقض حقوقها تفرض عليها بالتهديد والوعيد.

حكام في كل ولاية يحكمون البلاد بعقول ضيقة وشهوات واسعة، فخفخة في المظهر، وسخف في المخبر؛ لا يقيدهم قانون، ولا يردعهم عدل، ولا يرون للشعوب حقًا إلا أن تؤمر فتطيع، وتُنتهب فتصبر؛ بل لا يكفيهم الصبر على المصيبة، وإنما يتطلبون المدح والثناء عليهم في ظلمهم وطريقة حكمهم، فمن امتعض من ذلك فهو ثائر، ومن شكا فهو كافر، فأورث ذلك الهجرة عند من احتفظ بإبائه، والذل والهوان عند من لصق بأرضه.

لا عناية بصحة ولا تعليم، فالأمراض فاشية، والجهل عميم، والمسلمون في ذلك أسوأ حالًا من المسيحيين، لأن الجمعيات المسيحية في الأمم الغربية تعين مسيحيي الشرق بفتح المدارس لهم، ونشر التعليم بينهم، والمسلمون حائرون بين إقدام على التعلم في هذه المدارس مع التعرض لما يمس دينهم، وبين الاحتفاظ بدينهم ومعه الاحتفاظ بجهلهم.

والفقر ضارب أطنابه بين الشعوب لضعف وجوه الاستغلال، فلا زراعة صالحة، ولا صناعة ناجحة، فهذه كلها تدار بيدٍ أضعفها الفقر، وعقل أضره الجهل، وعقيدة أفسدها التخريف؛ ثم عدم اكتراث الناس لما تنتجه أيديهم وأرضهم إذ ليس يحميه عدل حكامهم.

الجنود في الدولة لا تزال قوية شجاعة على رغم كل ذلك، تحتقر الموت وتستعذ به؛ وحالتها المعنوية عالية رفيعة، ولكن لا نظام لها على النمط الحديث، ولا نظام في التموين بالآلات والعدد والغذاء؛ فإن انتصروا في بعض المواقع فبفضل قوة إيمانهم وسمو روحهم، وعلى الرغم من سوء تغذيتهم، وضعف عُدَّتهم؛ وتلك حال لا تبشر بخير دائم. والأمم الحية حولهم كل يوم تعد جديدًا من الآلات، وتستكمل نقصًا في النظام، وتتخذ الأساليب الخفية والظاهرة في الظفر بالأعداء؛ فكيف ينفع بقاء القديم وسير الأمور في مجراها العتيق؟

وهذه الدول من حولها أحست ضعفها، وشعرت بدنو أجلها، فهو كل يوم تنصب الشباك حولها، وتتقن صنعها في دقة ومهارة، ولكل دولة أساليبها في الحبائل، وطرقها في الصيد، وكل دولة تصطنع من الدولة رجالًا هم عيونها وعدتها ووسائلها.

والمملكة خليط من عناصر مختلفة يختلف جنسها وتختلف لغتها، ويختلف دينها، ولكل عنصر هوى، ولكل جنس أسباب متصلة بأمم أخرى تستهويها وتستنجدها.

فلا المالية صالحة، ولا الإدارة صالحة، ولا الجيش صالح، ولا الأمة متحدة النوازع والآمال والآلام.

وزاد الأمر سوءًا أن السلطان عبد العزيز جاء ناقمًا على الحالة التي وصلت إليها الأمة، وانتقد أخاه عبد المجيد في تصرفاته، وفي إسرافه في شهواته، وفي تبذيره للمال، وعدم نظره إلى شؤون الدولة كما ينظر إلى نفسه، فأعلن أنه آت لإصلاح المفاسد، والأخذ بيد الشعب، والاقتصار على زوجة واحدة، والاقتصاد في نفقات الحريم، ولكن سرعان ما تبددت هذه الوعود، وخطا في سبيل البذخ والترف والنعيم والإسراف أضعاف ما كان ينتقده من أخيه! وارتكب في عهده غلطتين كبيرتين: استفزازه عواطف رعاياه المسلمين في أنهم أولى بالتفضيل في مزايا الدولة في المعاملة والمناصب ونحو ذلك، وأن ليس يصح أن يساويهم رعاياه المسيحيون في ذلك، فأوقد بذلك شعور البغضاء والحقد وحب الانتقام بين عناصر الأمة الواحدة، ومهد الطريق للدول الأوربية أن تتدخل في حماية أهل دينها.

والغلطة الثانية: وقوعه في الدين من المصارف الأجنبية لقلة دخل الدولة وكثرة إسرافه. نعم، إن بعض هذا المال أنفق في إصلاح الجند والبحرية، ولكن كثيرًا منه أنفق في بناء قصوره العديدة الفخمة وما تحوي من أسباب الترف والنعيم — مع أنه لما أراد سعيد باشا والي مصر الاستدانة بعث إليه بكتاب طويل مملوء بكل الحجج التي يمكن أن تقال في سوء عاقبة الاستقراض وضرره بالممالك — فكان هذا أيضًا وسيلة من وسائل التدخل الأجنبي؛ هذا إلى اعتداده بنفسه، واستبداده برأيه، وتركيز أعمال الحكومة كلها في شخصه؛ فهو مرجع كل شيء، لا يسمح نصيحة ناصح، ولا رأي مجرب، ويخشى الذكاء والعلم والثقافة الواسعة ومعرفة بواطن الأمور، لأنها كلها تؤدي إلى مراقبة أعماله ومحاسبته على إسرافه.

وجاء السلطان عبد الحميد فزاد في الطنبور نغمة بل نغمات؛ لقد لعب خوفه على شخصه برأسه، وقد سمع من التاريخ أن كثيرًا من أجداده خلعوا أو قتلوا، وهذا بالأمس القريب عبد العزيز خلع وقيل قُتل، فليحذر أن يمثل به هذا الدور؛ ثم ذكاء نادر، ومال كثير وسلطان كبير، كل هذا يوجَّه للمحافظة على شخصه أن يمس بسوء، فلا تُذكر الملة والأمة في الصحف والمجلات، بل تذكر «الذات الشاهانية» متوجة بالألقاب الضخمة الفخمة، فهو السلطان الأعظم والحاقان الأفخم، وسلطان البرين والبحرين، وإمام الحرمين الشريفين، وهو ظل الله في أرضه، المحفوف بألطافه الصمدانية، وعنايته الربانية.

ويصادر الكتاب إذا كان فيه «الأئمة من قريش»، وتمنع «العقائد النسفية» من الطبع لأن فيها فصلًا في الإمامة وشروط الخلافة؛ وكل كتاب يطبع في الشام أو العراق أو الآستانة لا بد له من «رخصة جليلة»؛ ويجمع كتاب كان يدرس في «مكتب الحقوق» ويحرق لأنه وردت فيه جملة مضمونها أنه إذا اختلت دولة من الدول يكون للدولة المجاورة الحق في طلب إصلاحها.

وخطيب الجمعة يتحرى الحديث الذي يذكره في الخطبة، فلا يكون مما ينهي عن ظلم، ولا مما يشير إلى حق رعية على راع، ولا نحو ذلك؛ ولذلك يغلب أن يكون الحديث: «إن الله جميل يحب الجمال».

والجواسيس لا عداد لها، والجاسوسية سبيل الارتقاء، وعشرة آلاف جندي يقفون للمحافظة على حياة السلطان وإظهار أبهته وجلاله إذا خرج للصلاة يوم الجمعة. والقصر مملوء بالمشعوذين والدجالين من المشايخ، يختلقون رؤيا يزعمون أنهم رأوها، أو يفسرون حلمًا، أو يوقعون بمن يقف في سبيل دجلهم، والأمور تدار والمشاكل السياسية تحل، بمثل هذه الرؤى، وآراء هؤلاء الطغام.

•••

في هذه الأجواء عاش مدحت باشا وكافح وجاهد حتى مات.

ما أشق الإصلاح على من يعمل فيها! فأنفاسه معدودة عليه، وحركاته وسكناته تسجلها الجواسيس، وهم لا يكتفون بما يعمل، بل يزيدون عليه ما لم يعمل، ويؤولون ما يصدر عنه تأويلًا يزيد في ربحهم وقربهم. يخلص في عمله، فيقال إنه يرمي إلى أخطر غاية، ويعزل من عمله فيقال إنه يدبر المكايد، ويبعد لعمل خارج العاصمة فيقال إنه يسعى للاستقلال بولايته، ويعمل للدستور فيقال إنه يريدها جمهورية؛ وهكذا وهكذا، في كل خطوة عقبة، وفي كل فكرة وساوس، وفي كل حركة دسائس، وليس يحتمل مثل هذا إلا أولو العزم الذين يدأبون مهما عذِّبوا، ويعملون مهما اضطهدوا، عقيدة تتملكهم أنهم ليسوا ملكًا لأنفسهم ولا لأسرتهم، إنما هم ملك لفكرة استحوذت عليهم، ومبدأ غمر مشاعرهم؛ أما غيرهم فسرعان ما يعودون من منتصف الطريق، سائلين الله السلامة، مكتفين بأول عذاب نالهم ليستريح ضميرهم، ويلقوا التبعة على غيرهم. وكان مدحت من هؤلاء الذين في خُلُقهم حميَّة، وفي طبعهم تحدٍ للشر، وثبات على الجهاد، وجلد على تحمل الألم حتى يلفظ آخر أنفاسه وعار عليه أن يتأوَّه.

•••

ولد مدحت في استانبول؛ وكان أبوه «الحاج حافظ محمد أشرف» عالمًا دينيًا تولى بعض أيامه القضاء الشرعي في بعض الولايات، فأنشأه أبوه تنشئة دينية، فحّفظه القرآن وهو في العاشرة، ولقب بالحافظ، وهو لقب لكل من يحفظ القرآن من الأتراك، فكان اسمه الحافظ أحمد شفيق؛ أما مدحت الذي غلب عليه فهو اسم ديواني. والتحق بالديوان الهمايوني يتعلم الخط الديواني، وتنقل مع والده في الولايات التي تولى فيها القضاء يتعلم في مكاتبها؛ حتى إذا عاد والده إلى الآستانة ألحقه بأحد أقلام الحكومة يساعد الكتبة ويتعلم منهم بعض الوقت، والبعض الآخر يقضيه في جامع الفاتح، وكانت فيه حلقات الدروس تشبه حلقات الأزهر، لكل شيخ حلقته وتلاميذه. فكان يتعلم هناك اللغة العربية والفارسية والدروس الدينية والنحو والمنطق والفقه والبلاغة والفلسفة التي كانت تسمى الحكمة؛ وظل على هذه الحال إلى أن ناهز العشرين، تلميذًا في دواوين الحكومة وتلميذًا في جامع الفاتح.

وهي ثقافة — كما ترى — ضعيفة، فلا تاريخ ولا جغرافيا ولا رياضة ولا لغة أجنبية، ولكن قد يعلم الزمن العقل المستعد أكثر مما تعلمه المدارس النظامية والبرامج الثقافية، ولذلك نراه يشعر بنقصه الثقافي إذا كبر فيطالع بنفسه الكتب. ولما جاوز الخامسة والثلاثين رأى الحاجة الثقافية والسياسية ماسة إلى تعلم لغة أجنبية، فتعلم اللغة الفرنسية، فكان يدرها وهو يشتغل في (وظيفته).

وشيء آخر أفاده إفادة كبرى في ثقافته العملية، وهو سياحته في أوربا لدرس النظم السياسية والاجتماعية التي أصلحت من شأنها، وعالجت بها أمثال المفاسد التي تعانيها تركيا؛ فحصل على رخصة للسفر سنة ١٢٧٤ وسنه إذ ذاك نحو ست وثلاثين، فأنفق في سياحته هذه نحو ستة أشهر، زار فيها باريس، ولندن، وفينا، وبلجيكا؛ وكانت زيارته زيارة درس واستطلاع، كيف تنظم الدول ماليتها، وكيف تسوس أمورها، وما نظام الحكم وما علاقة شعوبها بملوكها، وما أهم وسائل العمران عندهم، إلى غير ذلك من الأسئلة التي ملأت ذهنه، وأراد أن يتطلب الإجابة عنها عن كل مملكة زارها — وفي الوقت عينه أراد من سياحته أن يتقن اللغة الفرنسية التي تعلمها على كبر، فتم له ما أراد لعقله المتفتح وهمته العالية، واستقامته التي أخذها عن دينه.

ولذلك كان مزيجًا غريبًا، محافظة على الصلاة وسبحة، ومعرفة بشؤون الدنيا، واطلاع واسع على تيارات العالم وأسس المدنية الحديثة، ودروشة ويقظة.

أول ما لفت الأنظار إليه في تركيا أنه شب صريحًا لا يتقن فن المجاملة، حادًا لا يكظم غيظه، حارًا في تنفيذ ما رأى في وسط بارد بطيء، مخلص لفكرته، على حين أن كثيرًا ممن حوله إنما يخلص لشخصه؛ تربى في مدرسة كبرلي باشا ورشيد باشا وعالي باشا، وتعلم منهم القوة والتصميم، والقدرة على التنفيذ؛ فلما خلفهم من لا يملأ كراسيهم اصطدم بهم. تولى محمد باشا القبرصلي «صدرًا أعظم»، وكان بينه وبين مدحت إحن وأحقاد، واندلع لهيب الثورة إذ ذاك في البلقان، واحتاجت إلى رجل شديد، فرماها القبرصلي باشا بمدحت، لعله يفشل أو يقتل فيستريح منه، وإن نجح فلا بأس، فأقل ما فيها أنه أبعده عن وجهه. فسافر مدحت ومعه قوة عسكرية، وقضى ستة أشهر في قمم الجبال ومغاورها يقبض على أشقيائها، وأثبت إدانة أربعة منهم وأعدمهم، وحبس ثمانين أرسلهم إلى الآستانة، وهدأت للفتنة ووضع مشروع الإصلاح، فكان ذلك مما لفت الأنظار إلى قوته وحزمه.

كما لفت الأنظار إلى حسن إدارته عندما عين واليًا في الصرب وبلغاريا، وقضى فيها أربع سنوات كان فيها مجددًا حقًا، يختلف عن سائر الولاة العثمانيين: بث المدارس في أنحاء الولاية، وأنشأ المستشفيات، وأصلح من الطرق نحو ألفي ميل، وبنى نحو ١٤٠٠ جسر، فإذا أعوزه المال الرسمي حض الأهالي على التبرع فأجابوه، بعدما لمسوا قيمة الإصلاح في تحسين حالهم؛ وأهم ما تمتاز به إدارته — مما كان جديدًا في نظر العثمانيين — عدم تفرقته في سياسته وإدارته وعدله بين مسلم ومسيحي، ثم شدته المتناهية على العصاة ومثيري الدسائس، ومعاقبته لهم بما يؤمن البريء، ويردع المسيء؛ فأصبحت بفضله هذه المقاطعة على فقرها وكثرة فتنها مضرب المثل في الغنى والأمن أيام حكمه من غير أن يكلِّف الدولة مالًا.

كل هذا كان إرهاصًا بما سيكون إذا أسندت إليه شؤون الدولة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١