السيد جمال الدين الأفغاني (٤)

حادثان هامان حدثا في السنين الثلاث التي كان فيها «السيد» في باريس، أحدهما اتصاله بالفيلسوف الشهير «رينان» وإعجاب كل منهما بالآخر ودخولهما معًا في معركة — وإن لم تكن حامية — حول الإسلام والعرب؛ وقد فتحت صدرها لهذه المعركة جريدة «الديبا» الفرنسية الشهيرة.

فقد ألقى الأستاذ «رينان» في السربون محاضرة دارت حول نقط ثلاث:
  • (١)

    خطأ المؤرخين في قولهم علوم العرب، وفنون العرب، وتمدن العرب، وفلسفة العرب، مع أن هذه الأشياء نتاج الأمم غير العربية أكثر منه نتاجًا للأمة العربية، فالتمدن أكثر من نتاج الفرس، والفلسفة أكثرها من نتاج النصارى النسطوريين والوثنيين الحرانيين، والفلاسفة الذين ظهروا في دولة الإسلام كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد لم يكن منهم من العرب إلا الكندي، فنسبة الحضارة والمدنية والعلم والفلسفة إلى العرب خطأ، وعدم دقة في التعبير.

  • (٢)

    أن الإسلام لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد في الغيبيات وخوارق العادات والإيمان التام بالقضاء والقدر. ومن اشتغل بالفلسفة من المسلمين اضطهد أو أحرقت كتبه أو كان في حماية خليفة أو أمير مؤمن في الظاهر غير متدين في الباطن، ومع ذلك فما وصل إليه هؤلاء في الفلسفة ليس له قيمة كبيرة، فهو ليس إلا فلسفة اليونان مشوهة، والفلسفة التي أخذناها عن المسلمين في أسبانيا كانت فلسفة رديئة الترجمة، مشوهة الأصل، لم نستفد منها الفائدة الحقة إلا بعد ترجمتها ترجمة جديدة من منابعها الأصلية. ومع هذا يقول «رينان»: «إن في دين الإسلام تعاليم ومبادئ عالية القيمة رفيعة المقام، وما دخلت في حياتي مسجدًا من مساجد المسلمين إلا شعرت بجاذبية نحو الإسلام، بل وتأسفت ألا أكون مسلمًا …» ولكنه حجب العقل عن التأمل في حقائق الأشياء … وعقول أهل البلاد الإسلامية قاصرة، وما يتميز به المسلم هو بغضه للعلوم واعتقاده أن البحث كفر، وقلة عقل لا فائدة فيه.

  • (٣)

    أن العنصر العربي بطبيعته أبعد العقول عن الفلسفة والنظر فيها؛ فالزمن الذي كان يسود فيه العنصر العربي — وهو عهد الخلفاء الراشدين — لم تكن فيه فلسفة، ولم يظهر البحث العلمي ولا الفلسفة إلا حين انتصرت الفرس ونصروا العباسيين على الأمويين وسلموهم زمام الملك، ونقلوا الخلافة إلى العراق، مهد التمدن الفارسي القديم.

وختم محاضرته بالإشادة بقيمة العلم ودعوة الأمم كلها شرقية وغربية إلى الهجوم عليه، «فالعلم روح كل هيئة اجتماعية، وبه تتقدم الأمم، وبه يتحقق العدل، وبه يستخدم العقل القوة … وهو لا يساعد إلا على التقدم المؤسس على حرمة الإنسان وحريته».

نشرت هذه المحاضرة في جريدة «الديبا» فأثارت خواطر المسلمين والمستشرقين والباحثين في شؤون المسلمين.

فكان ممن رد عليه الأستاذ «مسمر» رئيس البعثة المصرية بفرنسا إذ ذاك، وفي رده كاد يسلم بالمسألة الأولى، وهي أن المدنية العربية ليست مدنية العرب وحدهم بل مدنية الأمم المختلفة التي دخلت في الإسلام، وفي المسألة الثانية قال إنه ليس في دين الإسلام وتعاليمه ما يمنع المسلمين من التقدم العلمي، وقد تقدم المسلمون في عصور مختلفة ولم يمنعهم دينهم من أن يتفوقوا على المسيحيين في بعض تاريخهم، وكل سائح الآن يسيح في البلاد الإسلامية يشعر بنهضة الشرق وأخذه بأساليب التقدم والإصلاح، من غير أن يصدهم دينهم عن ذلك. ثم قال: «ومن الغريب أنه قبل أن يلقى المسيو رينان خطبته بيومين ألقى بعض العلماء العظام أمام المحفل نفسه محاضرة اشتملت على مكتشفات العرب في علم الحياة — وقد نشرت هذه المحاضرة في المجلة العلمية … وهي محاضرة ترشدنا إلى حقيقة التمدن الإسلامي في القرون المتوسطة، فلو اطلع المسيو رينان عليها وعلى ما كتبه «سديو» و«دوزي» في مؤلفاتهما عن العلوم والآداب والفنون والصنائع المنسوبة إلى العرب، وعرف ما عملته هذه الأمة في العلم، مما لا يحصى عدده، بينما كانت أوروبا منغمسة في التوحش والجهالة ما نسب إلى العرب ما نسب، وهذا العلم تقدم بمعونة الدين لا رغمًا عن الدين. فإذا كان الإسلام سمح للنساطرة والمجوس واليهود في دولته بهذا التقدم العلمي الذي ذكره مسيو رينان فلماذا لا يكون سببًا في حمل ملايين المسلمين الآن على الأخذ بأسباب العلم — وأما المسألة الثالثة فلم يعرها مسيو مسمر كبير اهتمام في الرد.

وقد تحمس الشباب المسلم في باريز لمقال رينان ورد مسمر فاجتمعوا وكلَّفوا أحدهم حسن عاصم «حسن باشا عاصم فيما بعد» تعريب المحاضرة والرد عليها فعربهما، وقال في أول ذلك: «لما كان الذب عن الدين فرضًا على الإنسان، وحب الوطن من الإيمان، اجتمع جم غفير من طلبة العلم المصريين المقيمين بفرنسا وكلفوا أخاهم العبد الفقير «حسن عاصم» بتعريب الخطبة التي ألقاها رينان … طعنًا في دين الإسلام والأمة العربية، وبتعريب ما كتبه الفيلسوف الكبير صاحب الفكر الصائب المسيو مسمر … والغرض أن نقف على الطعن والرد كلَّ من كان على دين الإسلام أو من الأمة العربية، ويمكنهم تفنيد كلام المسيو رينان فيفعلون إظهارًا للحق»؛ كما عرب محمد مختار أحد طلبة العلوم الطبية بباريس المحاضرة التي أشار إليها مسيو مسمر.

بعد بضعة أسابيع من نشر محاضرة رينان رد الأستاذ جمال الدين عليه في «الديبا» أيضًا، ولكن كان رده هادئًا في بعض نقطه، فلعله لذلك لم يعجب حسن عاصم ولا إخوانه، ولذلك لم يهتموا بترجمته إلى العربية أو نشره، فقد مدح رينان على بحثه وإنصافه وقال إنه استفاد من محاضرته استفادة كبيرة، ثم قال: «إن المحاضرة تشتمل على نقطتين أساسيتين:
  • (١)

    أن الديانة الإسلامية كانت — بما لها من نشأة خاصة — تناهض العلم.

  • (٢)

    أن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لا لعلوم ما وراء الطبيعة ولا للفلسفة.

«فأما عن النقطة الأولى، فإن المرء ليتساءل، بعد أن يقرأ المحاضرة عن آخرها، أصَدَر هذا الشر عن الديانة الإسلامية نفسها أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها الديانة الإسلامية في العالم، أم أن أخلاق الشعوب التي اعتنقت الإسلام أو حُملت على اعتناقه بالقوة، وعاداتها وملكاتها الطبيعية هي جميعًا مصدر ذلك؟ لا ريب أن قِصَر الوقت المخصص للمسيو رينان قد حال دون إجلائه هذه النقطة.

ثم أخذ يبين أن ما وقع للمسلمين وقع مثله في الأديان الأخرى، «فرؤساء الكنيسة الكاثوليكية المبجلون لم يلقوا أسلحتهم بعد كما أعلم، وهم عاكفون على محاربة ما يسمونه بالتدليس والضلال (يعني العلم والفلسفة)»١.

قال: «وأما النقطة الثانية فالكل يعلم أن الشعب العربي خرج من حال الهمجية التي كان عليها وأخذ يسير في طريق التقدم الذهني والعلمي، ويفل السير بسرعة لا تعادلها إلا سرعة فتوحاته السياسية، وقد تمكن في خلال قرن من التكيف بالعلوم اليونانية والفارسية … فتقدمت العلوم تقدمًا مدهشًا بين العرب، وفي كل البلدان التي خضعت لسيادتهم، وقد كانت روما وبيزنطة المدينتين الرئيسيتين لعلوم اللاهوت والفلسفة، بل مبعث أنوار المعارف الإنسانية كلها … ثم جاء الوقت الذي وقف فيه علماء هاتين المدينتين عن البحث، وتهدمت فيه نُصُبُهم التي أقاموها للعلم، ودرجت كتبهم القيمة في طي النسيان، وقد كان العرب في ذلك الجهل حين شرعوا يتناولون ما تركته الأمم المتمدنة، فأحيوا تلك العلوم الندثرة ورقوها وخلعوا عليها بهجة لم تكن لها من قبل، أوليس هذا دلالة بل برهانًا على حبهم الطبيعي للعلوم؟

صحيح أن العرب أخذوا عن اليونان فلسفتهم كما أخذوا عن الفرس ما اشتهروا به. بيد أن هذه العلوم التي أخذوها بحق الفتح قد رقوها ووسعوا نطاقها ووضحوها، ونسقوها تنسيقًا منطقيًا، وبلغوا بها مرتبة من الكمال تدل على سلامة الذوق وتنطوي على التثبت والدقة النادرين. وقد كان الفرنسيون والإنجليز والألمان لا يبعدون عن رومة وبيزنطة بُعْد العرب عنهما، وكان من السهل عليهم أن يستغلوا كنوز علوم تلك المدينتين، ولكنهم لم يفعلوا، حتى جاء اليوم الذي ظهر فيه منار المدنية العربية على قمة جبال البرانس يرسل ضوءه وبهاءه على الغرب، فأحسن الأوروبيون إذ ذاك استقبال أرسطو بعد أن تقمص الصورة العربية، ولم يكونوا يفكرون فيه وهو في ثوبه اليوناني على مقربة منهم أوليس هذا برهانًا آخر ناصعًا على مزايا العرب الذهنية وحبهم الطبيعي للعلوم؟

«وبينما يسلم مسيو رينان بأن البلدان الإسلامية في غضون خمسة قرون من سنة ٧٧٥م إلى أواسط القرن الثالث عشر كانت تحتوي علماء ومفكرين عظامًا، وأن العالم الإسلامي إذ ذاك كان يفوق العالم المسيحي في الثقافة الذهنية، إذ يقول إن أكثر الفلاسفة الذين شهدتهم القرون الأولى للإسلام كانوا كنابهي السياسيين من أصل حَرّاني، أو أندلسي، أو فارسي، أو من نصارى الشام. ولست أريد أن أغمط علماء الفرس صفاتهم الباهرة، ولا أن أغض الطرف عن الدور الجليل الذي لعبوه في العالم الإسلامي، ولكن أرجو أن يسمح لي أن ألاحظ أن الحرانيين كانوا عربًا، وأن العرب لما احتلوا أسبانيا لم يفقدوا جنسيتهم بل ظلوا عربًا، وأن اللغة العربية كانت إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون لغة الحرانيين وكونهم قد حافظوا على ديانتهم القديمة وهي «الصابئة» ليس معناه أنهم لم ينتموا إلى الجنسية العربية، وقد كانت أكثرية نصارى الشام عربًا غسانيين اهتدوا بهدي النصرانية. أما ابن باجة، وابن رشيد، وابن طفيل فلا يمكن القول بأنهم أقل عربية من الكندي بدعوى أنهم لم يولدوا في جزيرة العرب، وخصوصًا إذا اعتبرنا أن لا سبيل إلى تمييز أمة عن أخرى إلا بلغتها.

«ثم ماذا يكون لو قصرنا نظرنا على الأصل الذي ينتمي إليه العظيم ولم نأبه للنفوذ الذي سيطر عليه، والتشجيع الذي لقيه من الأمة التي عاش فيها؟ لو فعلنا ذلك لقلنا إن نابليون لا ينتمي إلى فرنسا، ولما صح لألمانيا أو إنجلترا أن تدعي كلتاهما الحق في العلماء الذين استوطنوها بعد أن رحل أصولهم إليها من بلدان أخرى».

ثم تعرض لأسباب انطفاء هذه الشعلة، وختم رده بقوله: «إن العقل لا يوافق الجماهير، وتعاليمه لا يفقهها إلا نخبة من المتنورين، والعلم على ما به من جمال لا يرضي الإنسانية كل الإرضاء، وهي التي تتعطش إلى مثل أعلى، وتحب التحليق في الآفاق المظلمة السحيقة التي لا قبل للفلاسفة والعلماء برؤيتها أو ارتيادها».

رد عليه الأستاذ رينان وبادله مدحًا بمدح، وإعجابًا بإعجاب، وقال: «تعرفت بالشيخ جمال الدين من نحو شهرين فوقع في نفسي منه ما لم يقع لي إلا من القليلين، وأثّر في تأثيرًا قويًا؛ وقد جرى بيننا حديث عقدت من أجله النية على أن تكون علاقة العلم بالإسلام هي موضوع محاضرتي في السربون … والشيخ جمال الدين نفسه خير دليل يمكن أن نسوقه على تلك النظرية العظيمة التي طالما أعلناها، وهي أن قيمة الأديان بقيمة من يعتنقها من الأجناس، وقد خيّل إليّ من حرية فكره، ونبالة شيمه، وصراحته — وأنا أتحدث إليه — إني أرى أحد معارفي من القدماء وجهًا لوجه، وأني أشهد ابن سينا، أو ابن رشد، أو واحدًا من أولئك الملحدين العظام الذين ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من الإسار.

ثم قال: «ولست أرى في البحث النفيس الذي عالجه الشيخ إلا نقطة يصح أن نختلف فيها حقيقة … فلسنا بالتأكيد ننكر ما لرومة على تاريخ الإنسانية من نفوذ، ولا ما كان للعرب من نفوذ، ولكن هذه التيارات الإنسانية العظيمة في حاجة إلى تحليل؛ إذ ليس كل ما كتب باللاتينية يزين تاج شهرة روما، ولا كل ما كتب باليونانية من عمل اليونانيين، ولا كل ما كتب بالعربية نتاج عربي، ولا كل ما نشأ في بلد مسيحي من تأثير المسيحية، ولا كل ما ظهر في البلدان الإسلامية من ثمار الإسلام …

«لقد خالني الشيخ غير منصف في أني لم أوف الكلام حقه، ولم أقل في المسيحية ما قلته في الإسلام، وأن الاضطهاد بين المسيحيين لا يقل عما كان بين المسلمين، وهذا قول الحق؛ فجالليو لم يلق من الكاثوليك خيرًا مما لقيه ابن رشد من المسلمين … وإذا كنت لم أطل القول في هذه الحقيقة فلأن آرائي في هذا الشأن معروفة لا حاجة بي إلى تكريرها على مسمع محفل علم بكل أعمالي وآرائي … ولست أريد من المسيحي ترك عقيدته المسيحية ولا من المسلم ترك الإسلام؛ ولكن أريد من المسيحيين والمسلمين المتنورين أن يهتموا بالعلم اهتمامًا لا تعوقه العقيدة، وقد تم هذا في نصف البلدان المسيحية ونرجو أن يتم مثله في الإسلام. وإن يومًا يتم ذلك فيه لما أرحب به أنا والشيخ ونطرب له جميعًا».

واستمر في تأييد رأيه الذي قاله في المحاضرة ثم ختم مقاله بقوله: «ويلوح لي أن الشيخ جمال الدين قد زودني بطائفة من الآراء الهامة تعينني على نظريتي الأساسية وهي أن الإسلام في النصف الأول من وجوده لم يحل دون استقرار الحركة العلمية في الأراضي الإسلامية، ولكنه في النصف الثاني خنق الحركة العلمية وهي في خظيرته فكان هذا من سوء حظه»٢.

وهذه النتيجة الأخيرة — من غير شك — فيها كثير من التعديل لآراء رينان السابقة، وهي تؤدي حتمًا إلى أن ذلك ليس من طبيعة الإسلام، ولو كان من طبيعته ما شجع الحركة العلمية في أوله ولا آخره.

وإلى هنا أسدل الستار عن هذه الرواية التي سيعاد تمثيلها — على وجه أشد — بين مسيوها لوتو والشيخ محمد عبده. وما أقوى الردود! ولكن أقوى منها رد المسلمين عليها بتبؤئهم مكانة عليا في العلم والفلسفة.

•••

وأما الحادثة الثانية فسياسية، ذلك أن بعض ساسة الإنجليز — وقد أحسوا حملة جريدة العروة الوثقى وتهييجها الرأي العام على انجلترا — رأوا أن يتفاهموا مع القائمين عليها فبعثوا إلى السيد جمال الدين في ذلك، فأرسل مندوبه الشيخ محمد عبده وقال: «رأينا أن يذهب الشيخ محمد عبده (المحرر الأول لهذه الجريدة) إلى لندرة إجابة لدعوة من يرجى منهم الخير لملتنا، ومن يؤمل فيهم حسن النية (إشارة إلى مستر بلنت) …

قابل محرر الجريدة كثيرًا من رجال السياسة الإنجليزية وحادثهم محادثات طويلة في المسألة المصرية، ومن هذه المحادثات ما نشر إذ ذاك في الجرائد الإنجليزية، واكتفى السيد جمال الدين في العدد الرابع عشر من العروة الوثقى بذكر محادثات كانت بين الشيخ محمد عبده ووزير الحربية الإنجليزية لورد «هرتنكنن» خلاصتها أن وزير الحربية سأل الشيخ محمد عبده: ألا يرضى المصريون أن يكونوا في أمن وراحة تحت سلطة الإنجليز، وهي خير من سلطة الأتراك ومن جاء على أثرهم، خصوصًا وأن الجهالة عامة في أقطار مصر، وأن كافتهم لا يفرق بين حاكم أجنبي وحاكم مصري؟!

وردّ الشيخ محمد عبده بما خلاصته أن في المصريين من يحبون أوطانهم حب الشعب الإنجليزي لبلاده، وأرض مصر من زمن محمد علي انتشرت فيها العلوم والمعارف، وأخذ كل منها نصيبًا على قدره، ولا تخلو قرية مصرية من قارئين وكاتبين يقرءون الجرائد العربية ويوصلون ما فيها إلى من لم يقرأ، والنفرة من ولاية الأجنبي من طبيعة البشر، فضلًا عما لتعاليم الإسلام في هذا الشأن٣.

وقد أخذت الجريدة هذا الحديث وسيلة للتهييج وإثارة الشعور. وعلى كل حال فلم تأت هذه الأحاديث بنتيجة من التفاهم، واستمرت الجريدة في خطتها حتى حجبت كما أسلفنا.

١  وقد وقع في رده على هذه النقطة بعض جمل جريئة سنعرض لها بعد.
٢  لخصنا هذه المقتبسات — من ترجمة حسن أفندي عاصم وترجمة السيد جمال الدين ورد رينان — من مجموعة أعارنا إياها صديقنا الأستاذ مصطفى عبد الرازق باشا مشكورًا.
٣  تجد بسط ذلك في الجزء الأول من تاريخ الإمام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١