السيد أحمد خان (٢)

عاد السيد أحمد من إنجلترا وهو عاقد العزم على إصلاح حال المسلمين في الهند عقلًا ودينًا ولغة وخلقًا واجتماعيًا، سواء في ذلك خاصتهم وعامتهم، مصمم على أن يغزو الجهل والجمود بكل ما يستطيع من قوة، وأن يحمل المسلمين بكل الوسائل على أن يتقبلوا المدنية الحديثة في علومها وفنونها قبولًا حسنًا، ويستخدموها في ترقية حياتهم، وأن يبذل الجهد في التوفيق بين الإسلام والمدنية؛ فالإسلام في جوهره وأصله معقول واسع الصدر لأحكام العقل غير مناهض لما يثبته العلم، فإذا نقَّى مما لحقه وليس منه أمكن أن يُقبل المسلمون على العلم الحديث من غير حرج.

وضع من أول خططه بعد عودته أن ينشئ في الهند جامعة تكون للمسلمين كأكسفورد وكمبردج في إنجلترا، تربي الخاصة، ثم هم يربون العامة، وما زال يكد ويسعى ويجمع المال ويكافح العقبات توضع في سبيله، وأخيرًا فاز بإنشاء كلية عليكره المشهورة وحدد لها أغراضًا ثلاثة:
  • (١)

    أن تعلم المسلمين الثقافة الغربية والشرقية في غير تعصب ولا جمود.

  • (٢)

    أن يعني فيها بحياة الطلبة الاجتماعية فيجدوا فيها سكنًا يقيهم شرور للدن ومفاسدها، فيطمئن الآباء — حين يرسلون أبناءهم إليها — على أنهم في بيئة صالحة لخلقهم مرقِّية لآدابهم.

  • (٣)

    أن يعني في نظام الكلية بترقية العقل وتربية البدن وتهذيب الخلق معًا، وبعبارة أخرى أن يكون الغرض منها «التربية» لا التعليم فقط.

وتم بناؤها واستقبلت طلبتها تعلِّمهم على المنهج الذي اختطه، ونجحت في خلق جيل من المسلمين جديد مثقف ثقافة واسعة مع سعة في العقل وسماحة في الدين؛ وانتشر خريجوها في أقطار الهند يحملون رسالة جامعتهم ويضيئون ما حولهم، وأصبحت كلمة «عليكره» لا تدل فقط على كلية أو جامعة، وإنما تدل أيضًا على نوع من العقلية الراقية، والصبغة الخلقية والاجتماعية الخاصة.

لقد أخذ الوطنيون المسلمون على خريجي هذه الجامعة وطلبتها أنهم لا يشتركون في الحياة السياسية مع فضلهم وسعة عقلهم وغزارة علمهم، حتى أنهم لا يُضربون يوم تضرب الجامعات الإسلامية لغرض سياسي، ولكن هذه الصبغة هي التي صبغ بها السيد أحمد طلبته، إقبال على العلم وبُعد عن السياسة.

فلما فرغ من هذه الجامعة أخذ يعمل في اتجاه آخر، فأنشأ مجلة دورية سماها «تهذيب الأخلاق» عالج فيها المشاكل الاجتماعية والدينية في جرأة وصراحة، وأخذ يفسر القرآن، ويدعو إلى أن القرآن — إذا فهم فهمًا صحيحًا — اتفق مع العقل، وأن النظر الصحيح فيه يوجب الاعتماد على روحه أكثر من الاعتماد على حرفيته، وأنه يجب أن يفسر على ضوء العقل والضمير.

وتظرف أكثر من ذلك، فكان يقول بأن الوحي كان بالمعنى دون اللفظ، ذاهبًا في ذلك مذهب علماء المسلمين المتقدمين الذين حكى قولهم السيوطي في الإتقان إذ قال: «وذكر بعضهم» أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه صلى الله عليه وسلم عَلِم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب، وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى: «نزل به الروح الأمين على قلبك»١.

إذ ذاك هاج عليه كثير من رجال الدين، وهيجوا عليه العامة وتعرضت حياته للخطر، وأراد أحدهم أن يطعنه مرة بخنجر فنجا منه بأعجوبة، ومع هذا ظل ثابتًا جريئًا في دعوته كما هو لم يتزحزح، ولم يداج ولم يمار، بل ربما كان بعد ذلك أقوى وأصرح فيما يقول وما ينشر، لا يعبأ بنقد ولا تهديد بقتل، ولا بأي ضرب من ضروب التخويف.

وكما كانت ناحيته الدينية جريئة خطيرة كذلك كانت ناحيته السياسية، فكان يرى أن الغرض الذي يجب أن يرمي إليه السياسي الهندي هو أن تكون الهند كلها أمة واحدة، وأن الإسلام والهندوكية والنصرانية يجب أن تكون عقائد دينية في نفوس معتنقيها فقط، ولكن هذه العقائد كلها يجب ألا تؤثر في الوطنية، فيجب أن يكون عند كل طائفة عقيدتها الخاصة بها ووطنيتها العامة عند كل الطوائف، أما النزاع الطائفي الديني، والنزعة إلى تقسيم الهند حسب الأديان ونحو ذلك، فكلها أفكار باطلة، وليس يؤدي إلى الاسقتلال الحق إلا حصر الدين في العقيدة، وتعميم الشعور بالوطنية بين كل الأفراد وفي كل الملل. وقال: «في قطر كالهند تتقسمه الطبقات، وتتوزعه النزعات الدينية الحادة، ولم تنتشر فيه التربية الصحيحة التي تعد الناس كلهم سواء في الحقوق والواجبات، أرى بل أعتقد أن الانتخاب والتمثيل في شتى المجالس ضرره أكبر من نفعه»، ولهذا رفض أن يشترك في المؤتمرات السياسية والأحزاب على اختلاف ألوانها، فأغضب رجال السياسة كما أغضب رجال الدين، ولم يعبأ بهؤلاء ولا هؤلاء. ووجه كل همه في أحب الأعمال إليه من اشتراك في المجلس الأعلى للتعليم، والمجلس الأعلى للخدمة الاجتماعية، والإشراف على سير كلية عليكره.

ثم كانت له فكرة عظيمة نافعة، وهي أن يجمع مؤتمرًا كل عام يجتمع فيه قادة المسلمين في الأقاليم الهندية المختلفة، كل عام في مدينة، يلقون فيه الخطب والمحاضرات عن الشؤون الإسلامية وأمراض المسلمين وعلاجها، ويصدرون القرارات التي يرونها نافعة في ذلك. وكان الغرض الذي يرمي إليه «السيد» منه بث روح الائتلاف بين المسلمين في البلاد الهندية، وتبادل الآراء في خير الوسائل لترقيتهم، والتعاون على الأعمال المفيدة من إنشاء المدارس أو النهوض بها أو نحو ذلك، وقد نفذ الفكرة ونجح المشروع ورأس السيد المؤتمر خمس سنوات قبل أن يتوفاه الله، ثم استمر يجتمع بعد حياته برياسة بعض أصحابه وأتباعه.

لقد سيطرت روحه على المؤتمر في حياته وبعد مماته، وهي روح تدعو إلى الهجوم على المدنية الغربية، وأخذ كل شيء حسن فيها، وخصوصًا العلوم والآداب «إن النور اليوم يأتي من الغرب بعد أن كان يشرق من الشرق، فيجب أن نأخذ من أوروبا علومها ومدنيتها، ونسير مع الزمان في مضمار الحياة العصرية، وذلك لا يفقد المسلمين شخصيتهم ودينهم، إنما يفقدهم ذلك الجهل لا العلم» «إن التعليم كان في الزمن الماضي دينيًا محضًا لا يعبأ بالدنيا وما فيها، وقد تطرف في الأولى وأخل بالثانية، فحبذا الجمع بين الدين والدنيا».

«إن العلم اتخذ شكلًا جديدًا، فلم تعد طبيعيات أرسطو، ولا نظريات ابن سينا ولا جبر الخيام ولا كيمياء جابر بكافية، وهي لا تصلح للدراسة إلا من الناحية التاريخية». واهتم المؤتمر بالتربية وشؤونها، ينتقد التعليم ومناهجه ويقترح الإصلاح ويضع نصب عينه كلية عليكره «حتى تصل إلى درجة تساعد على ترقية النشء وتهذيبه، وحتى تصل إلى درجة تكون فيها منبع العلوم ومحط الرحال للطلبة من جميع الأقطار الإسلامية؛ وليس من البعيد عند ذلك أن ينبغ فيها أمثال ابن سينا وابن رشد وغيرهما من العلماء السابقين ينشأون في مهد العلوم الحديثة ويبحثون فيها وينهضون بها، فأن هؤلاء الناشئين بمساعدة المباحث والتجارب الكيمياوية والطبيعية والفنون المصرية والقواعد الطبية يعيدون لنا سالف مجدنا القديم، فيكون فيهم ابن موسى جديد يخترع آلات جديدة، وطوسى آخر يكتشف كواكب ويحدد دوائرها ويضع كتبًا في علم الهيئة الحديثة وهكذا».

«والذي نريده أن ينشأ أولادنا في عالم من الحرية بعيدين عن المضار والأوهام الفاسدة والعادات السخيفة التي تحيط بهم من كل جانب».

عليكم بالعلم، فإذا شئتم أن تتعلموا وتستفيدوا فانسلخوا من كثير من عاداتكم القديمة وأخلاقكم الوخيمة، واهتدوا بنور العلم في طريق حياتكم التي تسيرون فيها:

«يجب علينا أن نشارك الأمم الغربية في معارفهم وأن نزاحمهم في مساعيهم بالمناكب والأقدام في كل خطوة يخطونها لكسب علم أو اختراع عمل، ولا منقذ لنا من براثن الفقر ومخالب الجهل إلا اقتطاف علومهم وإدخال مدنيتهم ليكون هناك شيء من التكافؤ بيننا وبينهم، حيث لا حافظ لنا من الهلاك في هذا المزدحم الشديد إلا التكافؤ».

هذه أقوال من أقوال أصحابه وأتباعه الذين حملوا الراية بعده في المؤتمر الهندي الإسلامي وكلها من روحه ومستمدة من تعاليمه٢.

لقد ظل حياته يكافح في سبيل المسلمين في الهند كفاحًا شديدًا وهو صابر على رميه بأشنع التهم من كفر وإلحاد وفقدان وطنية، وأنه آلة إنجليزية، شجاع في مقابلة كل ما يقف في سبيله يجتاحه اجتياحًا، يرى أن المسلمين مرضي لا يشعرون بمرضهم إلا إذا ذاقوا طعم العافية؛ فقراء لا يشعرون بفقرهم وسوء مسكنهم وغذائهم إلا إذا أكلوا الطعام الهني وناموا على الفراش الوثير في المسكن الفسيح، فعمل على أن يذوقوا العافية والغنى ليدركوا ما كانوا عليه من مرض وفقر، وكذلك كان.

فقد رأى مسلمو الهند ناشئة جديدة عاقلة مفكرة مهذبة تصلح للحياة، ورأوا كلية عليكره تنتج في البلاد حركة فكرية بديعة، وتؤلف الكتب القيمة في أسلوب جديد قويم؛ وأخذت الحياة تدب بين المسلمين بعد خمودها، فآمنوا إذ ذاك بأن «السيد أحمد» مصدر نعمة وبركة، لا كارثة ونقمة. وإن اختلفوا معه في بعض آرائه.

ثم كانت له جولة إصلاح عظيمة في اللغة الأردية؛ لقد كانت هذه اللغة قبله كاللغة العربية في عهد الظلام: عشق وغرام ومديح، وأسلوب مزركش الظاهر فارغ الباطن، فنقلها إلى آفاق واسعة، وأصبح من موضوعاتها السياسية والاجتماع والأخلاق والدين والتاريخ والأدب في أسلوب متين فيه القوة والسلاسة والصفا، والسعة، غزير بالمعنى، خال من التصنع.

لقد بدأ «السيد» حياته في اللغة الأردية شاعرًا، فكان شاعرًا عاديًا لم يلفت النظر إليه، فلما اتجه إلى النثر ملك ناصيته وفتح فيه فتحًا مبينًا، وبدأ ذلك في جريدته التي أنشأها واسمها «سيد الأخبار»؛ فلما أنشأ بعدُ جريدة «تهذيب الأخلاق» بلغ في ذلك الغاية. وأئتم به كثير من الكتاب وأصحاب الجرائد فعالجوا بهذه اللغة موضوعات لم تكن تعالج فيها من قبل، وبذلك أخذ الأدب الأردي يشق طريقه إلى التقدم؛ يقول هو في ذلك:

لم آل جهدًا في ترقية العلم والأدب باللغة الأردية على صفحات جرائدي المتواضعة، واتخذت في ذلك أسلوبًا يجمع بين السهولة والجزالة لا تعقيد فيه ولا تكلف، تجنبت فيه الألفاظ الرنانة، والاستعارات والكنايات الوهمية التي تنحصر في الشكل ولا تتصل بالقلب، وجهدت في تشويق القارئ إلى ما أكتب فيه، ونقل مشاعري وعواطفي إلى مشاعره وعواطفه.

وتعددت موضوعات كتاباته فطرق كل موضوع، وعالجه معالجة من يلقى عليه ضوءًا كاملًا لا يتركه حتى يكون واضحًا جليًا في جميع جوانبه.

ثم وجَّه الناس إلى العناية بهذه اللغة وأدبها، ونقل كثيرًا من خير الآداب الأجنبية إليها. وكان له رأي في الترجمة إلى اللغة الأردية بديع، وهو عدم التقيد بالحرفية في الترجمة، ويرى أن هذا أسلوب واه ضعيف؛ وإنما الواجب أخذ الأفكار وعرضها عرضًا جديدًا بطريقة تتفق وذوق الهنود وتلائم أفكارهم. ولم تكن اللغة الأردية تشتمل على مصطلحات علمية، فجد في صياغة اللغة صياغة تتناسب مع العلم، ووضع ما استطاع من المصطلحات؛ وسار على هذا المنهج طلبته.

قال الأستاذ شبلي النعماني عالم الهند العظيم: «طالما كان النزاع بيني وبين السيد أحمد شديدًا في آرائه الدينية، وطالما فندت آراءه، ومع هذا لا أنكر فضل أسلوبه العالي الذي استخدمه في شرح أفكاره، فكان أسلوبًا رائعًا منقطع النظير، مملوءًا بالفكاهة الحلوة، والتنادر الظريف.

حدث مرة أن مولوي على بخش نقده نقدًا مرًا، ثم ذهب إلى مكة بقصد الحج وأخذ فتوى من علماء مكة بتكفيره، فكتب السيد أحمد في «تهذيب الأخلاق»:

ما أعجب إلحادي، قد جعل مني كافرًا وجعل منه حاجًا مؤمنًا — إني لفي شوق شديد لأن أرى فتواه، إنه كما قال الأول: إذا خرب بيتي بيتُ الأوثان، قام على أنقاضه بيت الإيمان. إن إلحادي كالأمطار، تُخرِج أحسن الورود في البستان، وأحسن الكلأ في الوديان.

ولما صدر الأمر بإغلاق جريدة «تهذيب الأخلاق» كتب في آخر عدد منها:

طالما طرقت باب النيام ليستيقظوا، فإن فعلوا فذلك ما أبغي، وإن تخبطوا عند انتباههم وترنحوا يمنة ويسرة فمرحلة لا تستوجب الرضا، ولكنها مع ذلك تستوجب الأمل في يقظة المستقبل، وليتها تكون.

وعندما ترى الأم طفلها مريضًا تلح عليه أن يشرب الدواء المر، وهو يلح دعيني يا أماه قليلًا فسأشربه بنفسي.

وأنا كذلك سوف أطرق باب النيام دائمًا ليستيقظوا، وسأصيح بالأطفال المراض اشربوا اشربوا حتى يتجرعوا.

لا أكل ولا أمل.

وظل كذلك يدق الباب، ويلح في شرب الدواء حتى أدرك الناس أخيرًا جدًا أنه قام بعمل جليل في لغة قومه وعقليتهم وتعليمهم وتربيتهم، مهما عابوه في بعض تعاليمه الدينية، وبُعده عن التدخل في السياسة القومية.

فلما زار البنجاب في آخر حياته استقبل استقبال الملوك الظافرين، والغزاة الفاتحين، بل المصلحين الناجحين، وأنساه نعيم الآخرة شقاء الأولى.

ولما بلغ الحادية والثمانين من العمر أسلم روحه لخالقه، فبكاه الأوروبيون والهندوس والمسلمون على اختلاف عقائدهم وطبقاتهم ومذاهبهم السياسية والاجتماعية، وأشد ما بكوه من أجله، شجاعته التي لا تحد في تنفيذ خطته، وصراحته البالغة في الجهر برأيه، وعدم اعتداده بنقد الناقدين على اختلاف ألوانهم، وإصراره على ألا يسمع إلا لصوت ضميره؛ ينقد الإنجليز في ترفعهم، والمواطنين في تخلفهم، ورجال الدين في جمودهم، ورجال السياسة في تخيلهم، على حد سواء، ويبكونه أكثر من ذلك لأنه مصلح عملي، لا يكفي بالنظريات والمبادئ يثيرها، ثم يهدأ ضميره لأنه قد أدى واجبه، بل لا يزال يسعى ويكدح وراء مبادئه حتى يخرجها في بناء وفي طلبة وفي معمل وفي مؤتمر وفي مجلة وفي درس، وهي ميزة ندر أن تكون في المصلحين، ولذلك كانت نتيجته في إصلاحه عملية كسيرته؛ فلو رأيت مسلمي الهند أيام سلمهم، ورأيتهم أيام تسلمهم لوجدتهم قد ارتفعوا درجات في العلم، وفي الفكر، وفي الخلُق، وفي اللغة، وفي الصلاحية للحياة؛ حتى لو قلنا إن تاريخ المسلمين في الهند قد تحور واتخذ اتجاهًا جديدًا في حياته وبحياته لم نَعْدُ الصواب.

ثم نرى في بعض المصلحين عيبًا كبيرًا؛ وهو أنهم لا يربون من يحمل علَمهم، ويكمل خطتهم، وكثيرًا ما يكون سبب ذلك اعتدادهم بأنفسهم مع شخصيتهم القوية التي لا تسمح لشخصية عظيمة أخرى أن تظهر بجانبهم، فتلتف حولهم الشخصيات الضعيفة التي تتقن الملق والنفاق، وتغذي بأقوالها وأعمالها عظمتهم واعتدادهم بأنفسهم، وتنفر منهم الشخصيات القوية لأنها ترى في نفسها ندًا أو شبه ند، لأن كرامتها تأبى أن تنزل عن رأيها لرأيهم، أو تتصنع النفاق للقرب منهم، فإذا مات مثل هؤلاء مات إصلاحهم إلا من الرؤوس أو ثنايا كتب التاريخ — ولم يكن «السيد أحمد» من هذا الطراز، فهو قوي جبار في اعتناقه آراءه ومبادئه والجهر بها والعمل عليها، ولكنه سمح النفس مع الناقد الشريف، باذر الحب للنفوس حوله حتى تنمو وتقوى، مشجع لأتباعه وتلاميذه أن يروا رأيهم، ويستعملوا حقهم في صراحتهم، كما يستعمل حقه في صراحته.

ولذلك كان حوله وبعده من يكمل خطته، ويسلك منهجه، ويحمل رايته، ويصلح ما أُخذ عليه من مثل سراج علي، والسيد أمير علي.

(١) مدرسته

(١-١) سراج علي

كان من أهم مدرسة «السيد أحمد خان» وأصحابه المشاركين له في العقلية نوع الإصلاح وإن خالفوه في بعض التفاصيل مولوي سراج علي، والسيد أمير علي.

فأما «سراج علي» فمن أهم مواقفه الدفاع عن الإسلام من ناحية خاصة غير الناحية التي عرض لها رينان والسيد جمال الدين، وغير ما عرض له هانوتو والشيخ محمد عبده.

ذلك أن بعض الإنجليز في الهند أثاروا مسألة هامة ومنهم مستر مَلْكُولم مَكُّل Malcolm MacColl نشر في مجلة Contemporary Review في عدد أغسطس سنة ١٨٨١ مقالًا بعنوان «هل الإصلاح ممكن تحت نظام الحكم الإسلامي؟» ذكر فيه أن الإسلام صلب جامد غير قابل للتغير، ومبادئه القانونية والدينية والسياسية والاجتماعية مؤسسة على أراء ثابتة قاطعة محدودة لا تقبل زيادة ولا نقصًا، ولذلك ليس فيها من المرونة ما يجعلها صالحة لمواجهة الأحوال الطارئة، ولا لتغير الظروف والبيئة المتجددة، فالتشريع عندهم راكد، ونظام الحكومة ثيوقراطي يديرها الخليفة أو السلطان نيابة عن الله، إلى آخر ما قال شرحًا لهذه النظرية، التي تنتهي بأن الإصلاح في ظل النظام الإسلامي غير ممكن، وقد وافقه على هذا الرأي بعض من إنجليز الهند وكتبوا مؤيدين رأيه.
فانبرى «سراج علي» لتنفيذ هذا الرأي في جرأة وصراحة قد لا يوافق على بعض ما يقوله بعض المسلمين إذ فيه نزعة «السيد أحمد» الجريئة، فقال:

إن الإسلام كما شرحه محمد رسول الله له من المرونة ما يمكنه أن يعدل نفسه وفق التقدم السياسي والاجتماعي للعالم، والتشريع الإسلامي كما جاء في القرآن لا يمكن أن يقال فيه إنه غير قابل للتقدم.

«وكما كان اتساع الدولة الإسلامية بعد الرسول داعيًا إلى وجود المجتهدين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ليواجهوا مطالب الحياة الاجتماعية، ويشرعوا لها تطبيقًا على الأصول الإسلامية، فكذلك نحن الآن. فتغير الإقليم والأخلاق والمعاملات والتاريخ والحضارة في الأقطار الإسلامية يجب أن يواجه باجتهاد من جنس الاجتهاد السابق، يراعى فيه ما حدث للمسلمين من تغير سياسي واجتماعي، فليس التشريع منطقًا صرفًا، ولا نظريات محضة، وإنما هو علم تجارب واستنتاج من الواقع، فيجب أن تقابل ظروفنا ببحث واجتهاد في حياتنا كما قابل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما الحالة في أزمانهم، وليس ذلك مخالفًا لروح الدين في شيء؛ والمذاهب التي واجهت الماضي وكانت صالحة له لا يمكن أن تطبق بحذافيرها على العصر الحاضر من غير أن يدخلها التعديل الذي يقتضيه الحال.

وليس أحد من المجتهدين السابقين حتَّم طريقته في الاستنتاج والاستنباط، ولا قال إن كلمته هي الأخيرة، بل إنهم — رحمهم الله — لم يوجبوا ذلك على معاصريهم، فكيف يوجبونه على المستقبل مع تغير الظروف والأحوال والأوضاع؟! إنما الذي قال ذلك بعد المقلدون الذين لم يكن لهم من صدق النظر وعمق التفكير والمعرفة بأحوال الزمان ما للمجتهدين، وسلبوا أنفسهم حق الفكر، ونادوا بعدم الاجتهاد. وجاء بعد ذلك بعض المستشرقين أمثال مستر سِلْ Sell فأخذوا أقوالهم بدعوى أن هذا هو الإسلام وهم في ذلك مخطئون، ولو رجعوا إلى المجتهدين أنفسهم ومصادر الدين الأولى ما وقعوا في هذا الخطأ؛ فهؤلاء الحنابلة أنفسهم قرروا وأكدوا أنه يجب أن يكون في كل زمان مجتهد لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله»، ولأن الاجتهاد فرض كفاية في كل عصر، لأن الحوادث غير متناهية، وهذا أحد المتأخرين من علماء الهنود مولوي عبد العلي شارح كتاب «مُسَلّم الثبوت» يقول: «إن من الناس من حكم بوجوب خلو (العالم من مجتهد) بعد العلامة النسفي، وقالوا إن الاجتهاد المقيد ختم به، والاجتهاد المطلق ختم بالأئمة الأربعة، حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء الأئمة، وهذا كله هوس من هوساتهم لم يأتوا فيه بدليل، ولا يعبأ بكلامهم، وإنما هم من الذين حكم الحديث بأنهم حكموا بغير علم فضلوا وأضلوا.

واستمر سراج علي فقال: إن أصول الأحاكم في الإسلام القرآن والسنة والإجماع والقياس، أما القرآن فلم يقل إنه أتى ليعلم القوانين الاجتماعية والسياسية ولا القوانين المدنية في شرح وتفصيل، وما تعرض له منها كان لبيان فساد بعض العادات العربية، ككثرة تعدد الزوجات، وسهولة الطلاق والرق، ومهاجمة الأخلاق الفاسدة التي تضر المجتمع؛ وأكثر الأحكام التفصيلية التي استنتجها الفقهاء في القانون المدني والجنائي والسياسي إنما استنتجوها من ألفاظ مفردة، وآيات وردت في السياق، ومع الأسف كان اعتمادهم على التمعن في الألفاظ والجمل أكثر من اعتمادهم على روح الآيات — لقد ذكروا أن آيات الأحكام في القرآن نحو من مائتي آية من ستة آلاف آية في القرآن، وأنا أعتقد أن نحو ثلاثة أرباع هاتين المائتين، ترجع إلى تعسف في الاستنتاج، من اعتماد على لفظ أو إمعان زائد في شرح. وعلى الجملة فالقرآن لم يتدخل — في نظري — في الأمور السياسية، ولا في تفاصيل القوانين المدنية والجنائية، إذ إنما يهمه التعاليم الدينية والقواعد العامة الأخلاقية، ومن أجل هذا بدأ المتنورون من علماء المسلمين في العالم الإسلامي — وخاصة في تركيا والهند في القرن التاسع عشر — يعتقدون بحريتهم في وضع النظم السياسية والاجتماعية والقانونية من غير أن يكونوا مخالفين للدين.

وأما الحديث فبحر واسع تعرض لموضوعات مختلفة اجتماعية وسياسية وقانونية جمعت كلها في كتب الحديث.

ولكن في الحق أن كثيرًا من الصحابة لم يكونوا يرون جمع الحديث وتدوينه، وإن كان بعضهم الآخر — وخصوصًا في الجيل التالي — قد حرص على جمعه. ونما الحديث نموًا كبيرًا وكثر الوضع فيه حتى أصبح بحرًا لا ساحل له، واشتمل على حق وباطل، وحقائق وأساطير، وأصبح كل مذهب في العقائد وكل نظام سياسي واجتماعي يؤيد بالأحاديث الموضوعة، كما توضع لخدمة غرض خليفة أو أمير، واستخدام اسم الرسول في تغطية السخافات واختراع الأباطيل وخدمة الاستبداد.

وجمع الحديث في الكتب الستة جاء متأخرًا في القرن الثالث الهجري، ونقده وتمحيصه لم يكن مؤسسًا على معقولية الحديث، ولا على أحداث التاريخ ولا على امتحان صوابه، إنما اقتصر على الرواة والسند وتلقِّى بعضهم من بعض ونحو ذلك من الأوضاع الشكلية.

فليس — إذن — من الحق أن نقرر أن الأحكام المستمدة من الحديث غير قابلة للتغيير والتعديل، خصوصًا إذا علمنا أن رسول الله نفسه لم يطلب من أصحابه تدوين حديثه الشفوي، وأنه لم يتدخل في النظم السياسية والقانونية ما لم تصطدم بروح الإسلام وتتعارض مع مبادئ الأخلاق.

وأما الإجماع — وهو اتفاق علماء الأمة في العالم الإسلامي على أمر لم يرد فيه كتاب ولا سنة — فقد أنكره داود الظاهري ومحيي الدين بن العربي وابن حبان وابن حزم، وقيل أن أحمد بن حنبل أنكره إلا أن يكون إجماعًا للصحابة، وأنكر مالك الإجماع إلا إجماع أهل المدينة، كما أنكره النظام من المعتزلة الخ الخ وقد اهتز هذا الأصل وتزعزع بكثرة من هاجمه من العلماء وبقولهم بعدم وقوعه وعدم إمكانه.

بقى القياس وهو في الحقيقة ليس منبعًا مستقلًا لاعتماده على الكتاب والسنة والإجماع، وقد أبنا رأينا فيما يعتمد عليه القياس، فكيف يقال إن أحكامه غير قابلة للتغير؟!

ومع هذا فما وصل إليه علماء الفقه الإسلامي وواجهوا به تقدم الزمان يستدعي الإعجاب، وبعضه صالح إلى الآن، وبعضه يحتاج إلى إعادة النظر فيه وتعديله كبعض مسائل الزواج والطلاق، كما تحتاج المسائل الاجتماعية والسياسية والقانونية إلى نظرة جديدة تتفق وتطور الزمن وتغير الظروف، ويقوم بها المتأهلون للاجتهاد بجودة ثقافتهم وصحة نظرهم ومعرفتهم بزمانهم.

وليس في تعاليم القرآن ومبادئ الرسول ما يمنع من الرقي الروحي، وحرية التفكير في وجوه الإصلاح والإبداع في كل مرافق الحياة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو عقلية أو خلقية، بل كل هذه النواحي من الإصلاح قد شجع عليها القرآن، مثل قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ.

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.

يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَـٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ.

فهذه الآيات تحث العقل على التفكير في الرقي في مناحي الحياة المختلفة والإسراع إليه، وقد شجع رسول الله على الاجتهاد وإعمال العقل عندما قال معاذ إن لم أجد كتابًا ولا سنة أجتهد رأيي؛ ولم يقف في سبيل أي تغيير صالح، ولم يشأ أن تكون الأحكام جامدة راكدة.

ثم عرض لما قاله المستر ملكولم من قوله إن الحكومة الإسلامية حكومة ثيوقراطية تخضع لقانون إلهي لا يتغير، غاضة النظر عما حدث في العالم من تغير في القرون المتوالية، واقفة في وجه كل إصلاح يقتضيه الزمان.

فرد عليه بأن الحكومة الإسلامية ليست ثيوقراطية، وقد كانت في عهد الخلفاء الراشدين حكومة ديمقراطية مؤسسة على اختيار الخليفة، ولم يكن في أيامهم قانون دستوري مكتوب يحتم طريق السير على نظام خاص إلا ما توحيه أصول القرآن. ثم استعرض الأدوار التي مرت عليها الحكومات الإسلامية ونظم الحكم فيها، وأبان خطأ الباحثين من مثل ملكولم من عدم تفرقتهم بين تعاليم القرآن وأقوال الفقهاء، قائلًا إن المسلمين يقدسون القرآن، ولكن لا يقدسون أقوال الفقهاء؛ وإذا رجعنا إلى القرآن لم نجد نصًا واحدًا يفرض نوعًا من الحكومة خاصًا، بل إن رسول الله نفسه لم يشأ أن ينص على من يخلفه، وترك ذلك للمسلمين يرون ما فيه المصلحة لهم، وليس في تعاليم القرآن ما يمنع أن ينظر المسلمون في نوع حكومتهم ونظامها حسب مقتضيات الزمان وتغير الظروف، وكل ما يطالبهم به هو اتباع مبادئه الروحية والأخلاقية.

وختم هذا البحث بقوله إن الإسلام — متى فهمناه على أنه تعاليم القرآن ومبادئه الأساسية — دين قابل لكل تقدم، فيه من المرونة ما يواجه بها التغيرات الاجتماعية والسياسية، وفيه كل الحيوية التي تخدم التقدم السريع والمعقولية، أما تعاليم الفقهاء فليست بالمعصومة، وإذا كان فيها ما يدعو إلى الركود فلا علينا إذا نبذناها، واسترشدنا بالقرآن نفسه.

وهكذا خصص «سراج علي» جزءًا كبيرًا من حياته في الرد على ما ينشر في المجلات والكتب بالإنجليزية في المطاعن على الإسلام من هذا القبيل.

فكتب في نظر الإسلام في العلاقة بين المسلمين وأهل الأديان الأخرى، وفي دار الإسلام ودار الحرب، ومن رأيه أن هذا التقسيم ليس جامعًا، وأن الهند ليست دار إسلام ولا دار حرب. وكتب في الرق في الإسلام وفي نظام الحرب، ودافع عن تركيا المسلمة وضرر الامتيازات الأجنبية ومعاملة المسلمين للمسيحيين والمسيحيين للمسلمين الخ، مما يطول لو لخصنا رأيه في كل ذلك.٣

ولعل القارئ يدرك من هذا التلخيص تطرف «سراج علي» في بعض آرائه، وخاصة ما يتعلق منها بطريقة استنباط التشريع من القرآن ومهاجمته للحديث، ثم إن هذا الرأي في جملته ينتهي إلى نتيجة خطيرة، وهي حصر الدين في القيادة الروحية، والهداية الأخلاقية، وإقامة الشعائر الدينية، ثم بعد ذلك يكون عقل المشرعين حرًا في درس حياة الأمم وما وصل إليه التقدم القانوني والسياسي والاجتماعي، والاستفادة والاقتباس منه حسب حاجات الزمان ومقتضيات الظروف؛ وهذه صبغة تتجلى في هذه المدرسة، مدرسة السيد أحمد خان وسراج علي والسيد أمير علي، ولهذا لم يوافقهم عليها كثير من المسلمين، وإن وافقوهم وحمدوهم في نواحي الإصلاح الأخرى، كما حمدوا لهم غيرتهم الدينية، ودفاعهم المجيد عن الإسلام، وردهم هجمات كثير من كتاب الأوروبيين مما كان له أثر حميد عند المنصفين منهم ورجوعهم عن موقفهم.

(١-٢) السيد أمير علي

أما «السيد أمير علي» فمصلح عملي من جنس «السيد أحمد»، بل ربما كان أكثر منه تقديرًا للحياة الواقعية ومواجهتها.

لقد قابل «السيد أحمد» في إنجلترا، ثم قابله في الهند، وطالما تجادلا لاختلاف وجهة نظرهما في إصلاح مسلمي الهند، فالسيد أحمد يرى أن الإصلاح وسيلته التربية والتعليم فقط من غير انغماس في أية ناحية من النواحي السياسية؛ والسيد أمير علي يرى أن التربية وسيلة صحيحة، ولكن لا بد بجانبها من علاج الشؤون السياسية للمسلمين في الهند، ووضع خطة لها إزاء خطة الهندوكيين، وإلا ضاع المسلمون بجانب الهندوكيين؛ لا بد من وضع غرض سياسي وتنظيم خطة وتحديد مطالب ورسم طرق السير، والسيد أحمد يأبى ذلك ويقول لا شيء إلا التربية. ولهذا سار كل منهما على مبدئه، فالسيد أمير علي يؤسس سنة ١٨٧٨ «الجمعية الوطنية الإسلامية» للدفاع عن حقوق المسلمين وتحديد الوضع السياسي لهم، ويدعو «السيد أحمد» للعمل معه فيأبى.

وأخيرًا جدًا، وفي آخر حياة «السيد أحمد» يؤمن بصحة نظرية السيد أمير علي، بفضل حوادث الهندوكيين، فيؤسس «جمعية الدفاع الإسلامية».

يمتاز «السيد أمير علي» بثقافته الغربية والشرقية الواسعة، فقد تعلم العربية والفارسية، ثم اتصل في شبابه بأدباء الإنجليز في الهند، فدرس الآداب الإنجليزية دراسة عميقة. لقد قرأ بإمعان أكثر روايات شكسبير، والفردوس المفقودة لملتن، وحفظ «شيلي»، وقرأ لكيتس، وبيرون، ومور، وكل روايات ولتر سكوت، وكتاب جيبون في أسباب سقوط الدولة الرومانية إلى غير ذلك.

هذا إلى دراسته القانونية، وحصوله على درجة جامعية فيها من الهند قبل سفره إلى إنجلترا، ثم ذهابه إلى إنجلترا عضو بعثة، وثقافته الواسعة فيها، ودراسته الأدبية والتاريخية لتغذية نفسه؛ ثم كان له من بروز شخصيته، ونبالة نفسه، واعتداده بأنه شريف النسب تنتمي أسرته إلى النبي العربي، ما جعله يظهر في الأوساط الإنجليزية، ويؤكد صلات الصداقة بينه وبينهم ويتعرف الحياة الاجتماعية الإنجليزية أدق معرفة.

كل هذا مكَّن له في شق طريقه إلى الإصلاح.

وكان حسن استعداده الأدبي، ودراسته الآداب الإنجليزية في سعة وعمق، مما مكن له في السيطرة على أسلوب إنجليزي أدبي ممتاز، استخدمه في نشر كتبه الإسلامية المملوءة حماسة وغيرة على الإسلام.

ففي أواخر سنى دراسته في إنجلترا أصدر كتابًا عن «محمد وتعاليمه» كان له صدى بعيد في الأوساط الأوروبية والهندية. وقد قال عنه المستشرق أُسبورن Osborn: «إن هذا الكتاب يستحق الإعجاب حقًا؛ وقد كتب بأسلوب يدل على ملك كاتبه لناصية اللغة الإنجليزية، أسلوب قل من يستطع أن يجاريه من الإنجليز المثقفين، أسلوب خلا من العيوب التي وقع فيها مثقفو الهنود … ويجب أن يهنأ مسلمو الهند على أن يكون منهم من بلغ هذه الدرجة، ومن المستحيل على من فاتحة أعماله هذا الكتاب ألا يكون له في مستقبله أثر فعال عميق في قومه، أما موضوع الكتاب فإننا نخالفه في كثير من مسائله. وسنعرض وجهة نظرنا ووجه خلافنا فيما بعد».

واستعمل قلمه البليغ هذا في كتابيه الكبيرين «مختصر تاريخ العرب» و«روح الإسلام»، ففي الأول لخص تاريخ المسلمين، وعنى بوصف حالتهم الاجتماعية في أسلوب سهل جذاب؛ وفي الثاني عُني بوصف الدين الإسلامي، عن الإسلام، وقد أفرغ فيها — كما قال المؤلف — قلبه.

ثم كتبه المختصرة في الدعوة إلى الإسلام.

ونشر هذه الكتب بالإنجليزية البليغة كان له أثر كبير لم يسبق إليه، وهو تعريف الأوروبيين بالإسلام ومحاسنه من مسلم متحمس، إذ لم يكونوا يسمعون عن الإسلام إلا من مستشرقين.

ولما عاد إلى الهند خدم القضاء بمنصبه وتأليفه في القانون الإسلامي، وخاصة في الأحوال الشخصية، مستعملًا فيها مرونته العقلية، متأثرًا بمدرسته من أن له ولأمثاله الحق في الاجتهاد في الأحكام.

ثم قاد الحركة السياسية الإسلامية في الهند، ودافع عنها ولقي في ذلك عناء شديدًا، وكان في كثير من الأحيان يضطهد من المحافظين الإنجليز، وإن كان يشجَّع من أحرارهم، ويكره من الهندوكيين لاصطدامه معهم في إصلاح المسلمين، ويخاصم من كثير من المسلمين أنفسهم لأنه متزوج إنجليزية، ويتبع النمط الإنجليزي في معيشته الخاصة.

ومع هذا سار في طريقه في الإصلاح والعمل، يؤلف الجمعيات المختلفة لذلك، ويقول في بعضها: «إن غرضه ترقية الشعور الطيب بين الهنود على اختلاف طبقاتهم وعقائدهم، وفي الوقت عينه حماية مصالح المسلمين، وتبصيرهم السياسي بشؤونهم».

هذه هي الدعوة التي كان يدعو إليها دائمًا، يسالم الهندوكيين والإنجليز ما سالموه وما حفظوا حقوق المسلمين، فإذا تعدَّى أحد عليهم دافع في شدة وإخلاص، فهو يقول في إحدى خطبه: «إن المسلمين في الهند لهم حقوق سياسية واضحة أمام الحكومة وأمام الهندوكيين، فما لم تُجَبْ هذه المطالب أخشى أن تنقلب مطالبهم إلى عصبية حادة، إن مطالبهم حقة، وهم لا يطلبون غير ما فيه العدالة، إنهم يطالبون بتمثيلهم السياسي تمثيلًا يتفق وعددهم وأهميتهم وتاريخهم، تمثيلًا عادلًا مؤديًا لتمثيل الأكفاء. إن المسلمين يأبون أن يمتاز عليهم الهندوكيون في أي حق من الحقوق السياسية، فإذا سوى بين الجميع فالمسلمون يرحبون بالإصلاح».

واستعمل نفوذه وقلمه ولسانه في إنهاض المسلمين لإدراكهم حقوقهم والمطالبة بها، سواء منهم من كان في الهند، ومن كان في إنجلترا — هذا من جهة — ومن جهة أخرى منازلته من أراد انتقاص حق المسلمين؛ وكتاباته الكثيرة القوية لساسة الإنجليز في الهند، وكبار ساستهم في إنجلترا، ورده على الجرائد الإنجليزية كالتيمس وجازيت وغيرهما. واستمر في ذلك في صراحة وجرأة حتى أبلغ يومًا على لسان صديق له «أن حكومة الهند فقدت ثقتها به».

ونشطت سياسته أيضًا في مناصرة الدولة العثمانية بعد خروجها من الحرب الماضية مهزومة، فطالب بالإبقاء على كيانها، وحرَّك الرأي العام المسلم في الهند لعطفهم عليها وتأييدهم لهم، وكتب في ذلك وخطب؛ وله موقف لاذع في جمعية من الجمعيات، إذ اقترح خطيب أن تكون الآستانة مدينة حرة، وتكون مركزًا لعصبة الأمم، فرد عليه في بديهة حاضرة بقوله: إن فلسطين أولى بذلك، لأنها «مدينة السلام في الأرض» والدعوة إلى الخير العام للناس منذ نحو ألفي عام.

وإلى جانب حياته العلمية والسياسية النشيطة كان نشاطه في إصلاح الحياة الاجتماعية لمسلمي الهند، وأهم ما التفت إليه من الإصلاح ودعوته لإصلاح الأوقاف في الهند من مطالبته بالاستيلاء عليها من الحكومة، وإصلاح وجوه الصرف فيها وتنظيمها، وقد لاقى في ذلك عناء شديدًا؛ ثم دعوته إلى إصلاح المرأة وتعليمها؛ وقد رأس المؤتمر الإسلامي الذي أسسه السيد أحمد خان في بعض السنين بعد وفاة السيد أحمد، وكان مما دعا إليه فيه هاتين الدعوتين، قال في مؤتمر سنة ١٩٠٠: «إن بالأوقاف وخيراتها انتشرت العلوم، وتقدمت المعارف، وأدت وظيفة نافعة في جميع الأقطار الإسلامية، وكان لها نفع عظيم في البلاد الهندية، ولكن تغيرت الأحوال وخرجت أوقاف كثيرة من يد المسلمين إلى أيدي الغير، وتلاعبت بها الأيدي … ولهذا أدعو المسلمين إلى السعي في هذا الموضوع، طالبًا من الحكومة أن تعني بمسألة الأوقاف وإحاطتها بما يحفظها، فهي فخر المسلمين وحصنهم الحصين تجاه الفقر والأيام العسيرة الخ.

وقال عن المرأة: «لقد أتى على المسلمين زمن كان النساء فيه يلقَّبن بأمهات الرجال»، فهل يمكننا الآن أن ننعتهن بهذه الصفة؟ كلا إنهن آلة في أيدي الرجال يوجهونهن كيف شاءوا — وإذا كنا نريد أن نرتفع في سلم المدنية والارتقاء، وأردنا أن يحترمنا الناس، فلا بد لنا من تربية بناتنا حتى يصلن إلى أن يكن «أمهات رجال» — إني أعتقد أن تربية البنات يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع تربية البنين، لأننا إذا أهملنا النصف المكون لحياتنا الاجتماعية ساءت النتيجة؛ إذ ينفر الجزء المتعلم من الجزء الجاهل، ويبعد عن مصاحبته ومعاشرته ما استطاع، ويحاول أن يسير في تيار لا يرضي الشرف، أو ينحط بفكره ليعاشر ذلك الشريك المنحط في حياته.

ولذلك أرى من اللازم الضروري أن يسعى مسلمو الهند في تعليم بناتهم من هذا الوقت، وأن يضعوا أمام أعينهم النموذج الذي يسيرون عليه إلى الأمام». الخ الخ.

ومن أنبل أعماله الأخيرة ما كان منه في الحرب بين إيطاليا وتركيا والعرب في طرابلس، فقد علم أن جمعية الصليب الأحمر تعني أكثر ما تعني بالمجروحين من النصارى، وليس من يقوم بجرحى المسلمين، فسعى لتأليف جمعية تجمع المال من الخيرين، وتنظيم وحدات علاجية لجرحى العرب والترك، واستمر يكافح في هذا العمل سنين، وعندما سأله المشرف على فرق العلاج هل وظيفته فقط أن يعني بجرحى المسلمين؟ قال له: «إن وظيفتك الأولى أن تعني بجرحى العرب والترك، ولكن هذا لا يمنعك أن تمد يد المعونة لجرحى النصارى واليهود في ساعات الضيق والحرج».

وهكذا كان عمله وعمل جمعيته في مساعدة الجرحى والبائسين في حرب البلقان وفي الحرب العظمى الماضية.

•••

لقد كان أهم ما يمتاز به السيد أمير علي «الإخلاص للعقيدة»، عقيدته في دينه، وعقيدته في قومه، وعقيدته في وطنه، ورأى أن مواهبه في لسانه وفي قلمه فصقلهما صقلًا بلغ بهما الغاية، فهو في لسانه خطيب بارع، وفي قلمه بليغ ساحر، فلما أن بلغ بهما هذا المبلغ وضعهما في خدمة عقيدته، يكتب عن الإسلام وعن محمد فتصل كتابته إلى كثير من الأوروبيين الذين لم يسمعوا عن الإسلام ومحمد إلا التافه من القول، وتصل إلى مواطنيه فيرون معلومات مألوفة قد عرضت عرضًا جديدًا حتى كأنها جديدة، ويوم يصل إليهم كتابه عن «محمد» يسامحون من المدارس يومًا احتفالًا بهذا الكتاب واعترافًا بحسن أثره.

ثم يستعمل لسانه وقلمه في خدمة قومه من المسلمين فيحركهم ويجمع شملهم ويدفعهم لمطالبتهم بحقوقهم، فيفقد بذلك كثيرًا من المال كان يصح أن ينهال عليه، ومن ألقاب الشرف كان يمكن أن ينالها بمركزه ومواهبه وجاهه، ولكنه كان راضيًا بما في يده مع راحة الضمير، وكارهًا طعم الغنى والألقاب مع عصيان الضمير، وهو من تأليفه ودفاعه وإصلاحه وثمرة عمله في غنى وشرف لا يساويهما أي غنى أو شرف.

لقد تقدم إلى قبره يوم مات كثير من أصدقائه من الأوروبيين والمواطنين يحملون أكاليل الزهر، من بينها إكليل من جمعية كان يرعاها شبكت به بطاقة كان مكتوبًا فيها:

بجهد هذا الراقد كم طعم جائع، وكسى عار، وصح مريض، وبفعاله كم اطمأن شارد، وضمت أم طفلها إلى صدرها لولاه لهلك، ووجد الفلاح اليائس الذي خربت الحرب أرضه ما أعاد إليه أمله، وأسعفه بالمال يمهد أرضه ويبذر بذره ويستعيد بذلك رزقه.

ولو استطعنا إكمال البطاقة لقلنا: «وبقلمه ولسانه كم حييت نفوس، وتنبهت عقول، واهتدى ضال، وأصلح فاسد، واستقام معوج، واستردت للمسلمين حقوق، وتعلمت بنات سعد بهن أزواج، وسعدت بأبنائهن الأمة».

١  وردت هذه العبارة في الإتقان ص ٥٤ جزء أول بالمطبعة السكستلية.
٢  أنظر طائفة كبيرة من خطب المؤتمر نشرت في جريدة المؤيد سنة ١٩٠١ وسنة ١٩٠٢.
٣  نشر ذلك كله بالإنجليزية وليس لنا إلا أننا لخصناه وعربناه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١