الفصل السابع والعشرون

المراوغة

أما حمدون فإنه خرج من قصر المعز بعد العشاء وقد أدهشه ما رآه هناك من الأبهة والعظمة وأكبر الإقدام على تنفيذ تلك المكيدة ولا سيما بعد الذي لقيه من الإكرام والمؤانسة من الخليفة وقائده وسائر أمرائه، وأحس بخطارة الأمر الذي هو مقدم عليه. فقضى مسافة الطريق إلى معسكره وهو يفكر في ذلك — وتحريض أبي حامد لا يزال غالبًا على عقله — فوصل خيمته وهو يحب الخلو بنفسه ليعمل فكرته ويرجح أحد الوجهين ولم يكد يستقر به الجلوس حتى جاء أبو حامد، وحالما وقع نظره على حمدون استطلع ضميره وكشف عما يجول في خاطره، فأراد أن يتحقق ظنه فقال: «كيف لقيت أمير المؤمنين؟»

فأجابه وهو يُحاول إخفاء ما يجول في خاطره: «لقيته كما أعهده وكما تعهده أنت.»

فلما رآه لم يستغرب منه تلقيب المعز بأمير المؤمنين توسم صدق فراسته فيه فقال: «أعني هل لقيت منه أنسًا.»

قال: «لقد جاملنا وآنسنا وأكرم وفادتنا ووددت لو أنك كنت معنا.»

قال: «أنا أعلم اقتدارَ هذا الرجُل وسعة صدره، ولولا ذلك ما تمكن من التغلُّب على سائر الأُمراء حتى سَمَّى نفسه أمير المؤمنين.»

قال: «صدقت. إنه واسع الصدر كبيرُ العقل ورأيت منه انعطافًا خصوصيًّا؛ لأنه أصبح يعدني من أهله. ورأيت قائدَه أيضًا مثله.»

فتنحنح أبو حامد وقد تَرَجَّحَ ظنه في تغيير عزمه وقال: «أظنك أدركت الليلة خطارة الأمر الذي نحن عازمون عليه …»

قال: «قد أدركت ذلك من قبل … ألم تكن أنت مدركه أيضًا؟»

قال: «كيف لا وقد دان لهذا الرجل الأمراء والقُواد، وأصبح صاحب الكلمة النافذة؟ إن تنفيذ ما عزمنا عليه لا يخلو من الخطر طبعًا.»

فاستمسك حمدون بهذا التصريح وتَوَهَّمَ ضعف العزيمة في أبي حامد، فقال: «هل ترى الخطر يربو على الأمل بالنجاح؟»

قال: «أراه أضعافَ أضعافه، ولكن ما العمل وقد رأيتك عازمًا على استرجاع مجدك حتى فضلت الموت على التسليم.» فجعل السبب في تدبير المكيدة رغبة حمدون في استرجاع ملكه فهان على حمدون الانسحاب بنظام، فقال: «لكن الرجل العاقل ينبغي أن يقدر العواقب ويعمل بالرأي السديد وما لا يستطيعُهُ اليوم قد يستطيعُهُ غدًا.»

فتحقق أبو حامد ما توسمه في صديقِه مِنْ ضعف العزيمة فعمد إلى استطلاع ما دار في تلك الجلسة وهل أقبل الخليفةُ أن يحضر الاحتفال بالزفاف في معسكرهم، فقال: «هل وافقك على أن تزف لمياء من معسكرنا ويكون هو حاضرًا؟»

قال: «لم أطلب منه طلبًا إلا وافقني عليه، وقد وافق على هذا وأكثر منه؛ ولذلك قلت لك إنه جاملنا وأحسن وفادتنا. وهذا ما غير رأيي فيه.»

فعمد أبو حامد إلى المداهنة فقال: «بارك الله فيك … إن المصلحة مشتركة بيننا، فإذا كنت قد رأيت ما أراه أنا أيضًا من الخطر في هذا العمل الآن وأحببت أن تؤجله فإني أوافقك على تأجيله — ولكل أجل كتاب.»

فانطلت حيلةُ أبي حامد على حمدون وصدقه فقال: «يعجبني حزمك وتعقلك فأنا أرى التأجيل أقرب إلى الحكمة ريثما نتمكن من فرصة أبرك من هذه.»

وكان أبو حامد لا يزال واقفًا يتشاغل في تدبير مكان يجلس عليه، فلما سمع قول حمدون ابتسم وأظهر الارتياح وجلس إلى جانبه ووضع يده على ركبته وقال: «ولكن ألا ترى صعوبةً في تغيير فكر لمياء؟»

قال: «إن لمياء أكثرُ رغبةً منا في العدول عن قتل الخليفة ولا سيما بعد أن تبرع بأنْ ينوبَ هو وامرأته عن العريس في تقديم المهر ولا بد أن تكون أم الأمراء قد أخبرت لمياء بذلك وهو يزيدها تعلقًا بها … بالحقيقة إن المعز وامرأته قد بالغا في مجاملتنا وإكرامنا … أظنني لم أخبرك بما عزما على تقديمه من المهر …»

فقطع أبو حامد كلامه وهو يروغ كالثعلب، وقال: «أظنهما وعدا بمال كثير وببعض الحلي الثمينة.»

فضحك حمدون وقال بلحن الفائز المعجب: «المال والحلي؟ إن أم الأمراء ستقدم للعروس أحسن ما يرجَى تقديمه لمثلها من الأثاث والحلي والثياب وستملأ بيتها من الجواري والخدم و… و…»

فقال أبو حامد — وهو يظهر الاستغراب: «والخدم أيضًا والجواري؟»

فابتدره حمدون وهو يقول: «وفوق ذلك أن الخليفة نفسه سيهديها قصرًا في المنصورية تقيم فيه مع عريسها … وسيعدها من أقرب الناس إليه.»

فقال أبو حامد وهو يهز رأسه ويرفع حاجبَيه استغرابًا: «إن مثل هذا الرجل لا تقدم النفس على أذيته … صدقت … ولكن …»

فسبقه حمدون إلى الكلام قائلًا: «ولكن لمياء عالقة القلب بسالم وإذا تم اقترانها ربما تنغص عيشها …»

فأظهر أبو حامد التألم من فكر خطر له كأنه ابن ساعته، وقال: «سالم … سالم دعني من سالم، إنه لا يليق بلمياء، وهي لو علمت بما فعله لكرهته … حتى أنا مع أنه بمنزلة ولدي فقد كرهته.»

فاستغرب حمدون كلامه وقال: «وكيف ذلك؟»

قال: «أتعلم أين سالم الآن؟»

قال: «كلا … أليس هو هنا؟»

قال: «لا أعلم مقره … ولكن يظهر أنه فر من هذا المعسكر … أظنه خاف مغبة الأمر الذي أقدمنا عليه ففضل الفرار.»

قال حمدون: «لا أظنه يفر وهو رجل باسل.»

فقال أبو حامد: «لا يليق بي أن أكشف عيبه لكنني لا ينبغي لي أن أكتمك أمرًا بعد ما علمته من صداقتي وإخلاصي وأنا أغار على لمياء وأُجل مناقبها فلا أغشها …» وتنحنح كأنه يستنكفُ من التصريح بذلك الأمر الفظيع.

فقال حمدون: «ماذا جرى؟»

قال: «أَتَذْكر خُرُوجَ سالم مساء أمس في أثر لمياء؛ ليرافقها إلى المنصورية؟»

قال: «نعم، أذكر أنه أراد أن يرافقها فتقدمت إليه أن لا يفعل.»

قال: «ليته لم يفعل … لكنه أصر على الذهاب فعاد بالفشل والعار.»

قال: «وكيف علمت ذلك؟»

قال: «لأنه عاد إلي في آخر الليل وقص علي ما لقيه وحاول إخفاء الحقيقة لكنني قرأتها من خلال حديثه.»

قال: «ماذا عمل؟»

قال: «ذهب في أثر لمياء فوجدها مع رجل عرف بعد ذلك أنه الحسين بن جوهر، وكان في انتظارها حتى يسير في خدمتها إلى مأمنها، فأنكر سالم عليه ذلك وأمرها أن تتركه وتسير معه، ففعلت، فلما أشرفوا على المنصورية خرج عليهما الحراس وكادوا يقبضون عليه ويسوقونه إلى السجن لو لم يبادر الحسين إلى إنقاذه، فعاد والفشل يقطر من أردانه. وشفع ذلك الفشل بالكذب فاقتضب الحديث ولم يذكر فشله. ولكن أبا حامد لا تنطلي عليه هذه الألاعيب. فوبخته على جبنه فغضب وخرج من عندي ولعله فر خوفًا من غضبي … ولو فتشت عنه في المعسكرين لم تقف على خبره.» قال ذلك بلحن الصدق وهو يُظهر الأسف على ما جرى فصدق حمدون كلامه، وقال: «لله درك إنك تطلع على خفايا القلوب فلا أعجب من اطلاعك على سر سالم، ولكنني لم أعهد فيه شيئًا من ذلك قبلًا.»

قال: «هذا هو الواقع، ولعلك لو سألت لمياء عن هذا الأمر لصادقت عليه، وربما صرحت هي بالعدول عنه؛ لأنها شهدت فشله بنفسها.»

قال: «غدًا نبعث إليها ونستطلع رأيها.»

قال: «حسنًا تفعل، وأنا واثقٌ أنها تُوافقك على ما ذكرت. وعند ذلك تتحول مهمتنا إلى ما هو أقربُ لخير لمياء ونترك أمر الانتقام حتى تسنح لنا فرصة أخرى. وقد نرى من الحكمة السكوت عن هذا الأمر بالكلية، إذا رأينا القوم يعرفون قدرك ولا يبخسونك حقك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠