الفصل الثالث والأربعون

بنت الإخشيد

فصفق المعز فدخل الحاجب فقال: «أدخل الرجل الواقف خارجًا.»

وأشار إلى أم الأمراء ولمياء بالتنحي إلى مجلس تقعدان فيه بحيث تريان وتسمعان ولا يراهما أحد.

ثم عاد الحاجبُ ومعه صاحبُ القافلة وهو كهل عليه لباس المصريين من العمامة والجبة وقد أخذ الاضطرابُ منه مأخذًا عظيمًا؛ لهول ذلك الموقف.

فقال له الخليفة: «لا تخفْ يا رجل وإنما نُريد منك أن تصدقنا الخبر. قل من أنت؟»

قال: «أنا يا مولاي من أهل مصر.»

قال: «ما هي صناعتك؟»

قال: «تاجر رقيق.»

قال: «ما الذي جاء بك إلى هذا البلد؟»

قال: «جئتُ لأبتاع رقيقًا أحمله إلى مصر، وهي عادتي، في كل عام أو بضعة أعوام آتي القيروان لهذه الغاية، فأبتاع المولدات الحسان وأنصرف.»

قال: «ولكن رسولنا يقول إن حالكم تدل على غنًى وترف لا يعهده بتجار الرقيق الذين يفدون على القيروان!»

فبانت البغتة في وجه الرجل عند هذا الاعتراض ولكنه قال: «نحن يا مولاي تجار رقيق كما قلت لكم فإني لا أكذب.»

قال: «هذا لا يكفي قل لنا السبب الذي أوجب مجيئكم في الفساطيط الفاخرة ومعكم الخيول المطهمة كأنما أنتم من رجال الدولة أو الأمراء.»

قال: «السبب في ذلك يا مولاي أننا نبتاع الجواري بأمر خاص ونحن ننفق على حساب مرسلنا.»

فقال الخليفة: «لمن تبتاعون الجواري، ومَن هو مرسلكم اصدقني وإلا فلا تنجو من القتل.»

فخاف الرجل واصطكت ركبتاه وارتعدت فرائصه وقال: «إننا نبتاع الجواري لمولاتنا ابنة الإخشيد صاحب مصر.»

فضحك الخليفة والتفت إلى جوهر وهو يقول: «ألا ترى التلون في كلامه؟ يقول إنه يبتاع الجواري الحسان لابنة الإخشيد ولو قال إنه يبتاعها للإخشيد نفسه لصدقناه.» والتفت إلى الرجل وقال: «قل الصدق … لماذا لم تقل إنك تبتاع الجواري للإخشيد أو غيره من الأمراء؟ هل خفت أن يكون عليك من ذلك بأس.»

قال: «كَلَّا يا مولاي بل أنا أقول الصدق. قد مر علي عدةُ أعوام وأنا آتي القيروان بأمرها لأبتاع لها الجواري الحسان بالأثمان الباهظة.»

قال: «ماذا تفعل بهن؟»

فتوقف الرجل عن الجواب وبان الارتباكُ في وجهه، لكنه خاف السكوت فقال: «لتستمتع بهن.»

فبغت الخليفة والقائد والحسين وأخذوا ينظرون بعضهم إلى بعض فقال القائد: «تشتري الجواري لابنة الإخشيد لتستمتع بهن هي؟»

قال: «نعم يا سيدي … وهذا مشهور يعرفه أهل مصر؛ لأنها كثيرًا ما تنزل سوق الرقيق في الفسطاط بنفسها على حمار فتساوم صاحب الرقيق على الجارية إذا أعجبتها وتشتريها لنفسها. وإذا كانت لا تجد هناك ما يعجبها من الجواري الحسان تبعث بي في قافلة خاصة لهذه الغاية وتنفق في سبيل ذلك الأموال الطائلة.»

فلما سمع المعز كلامه وصدق لهجته صدقه وهو مستغرب وأشار إليه أن ينصرف، فلما خرج التفت المعزُّ إلى قائده وقال: «قد كنت منذ قليل أتردد في فتح مصر وأخاف جُنْدها، وأما الآن فهان عَلَيَّ أمرها؛ لأن بلدًا بلغ من أهله الترف إلى أَنْ صارت المرأةُ من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتع بها لا يُخشى بأسهم؛ لأن ذلك من ضعف نفوس رجالهم وذهاب غيرتهم إنما يلزمنا المال»١ والتفت إلى لمياء.

فتقدمت أم الأمراء وأجابت عنها قائلة: «إن ابنتنا لمياء قد قصت علي خبر المال الذي أشارتْ إليه وهو مضمونٌ وإنما يحتاج إلى نظر خاص.»

فقال المعز: «هل ترين بأسا من التصريح به بين أيدينا وليس فينا غريب؟ قولي يا لمياء قولي …»

١  المقريزي ٣٥٢ ج١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١