الفصل التاسع والخمسون

الحديث

فلما دخل الرجلان ألقيا التحية، فأشار إليهما كافور بالجلوس إلى كرسيين بين يديه، فجلسا متأدبين، وتصدر أبو حامد للكلام، فقال: «كنا في قلق عظيم على صحة مولانا الأمير — أعزه الله — ونرجو أن يكون قد تعافى.»

فناب الطبيب شالوم بالجواب عن كافور تخفيفًا للتعب عنه وقال: «إن سيدي الأمير في خير وهو أحسن اليوم من ذي قبل ولا يلبث أن ينهض من الفراش.»

فقال كلاهما معا: «الحمد لله، الحمد لله على ذلك. إن اعتلال الأمير تعتل به الأمة كلها، ولا سيما الآن وقد دنا الوقت الذي يظهر به نجمُهُ ويتسعُ سلطانه.»

فقال الطبيب: «إن مولانا الأمير في حاجة إلى التسلية بما يفرحه وهو العلاج الذي يفيده، حقيقة فهل عندك شيء من هذا القبيل؟»

وتقدم يعقوب فقال: «لا أنسى حديثًا سمعتُهُ منكما في حضرة الأمير، رأيت مولاي انبسطت نفسه منه.»

فقال أبو حامد «أظنك تعنى حديث …» والتفت نحو الطبيب ولسان حاله يقول: «إن هذا الحديث لا يتلى جهارًا.»

وكان كافور يسمع ويرى، فلما رأى إشارة أبي حامد قال: «لا تحتشمْ من وجود طبيبنا إنه موضع ثقتنا.»

فوقف الطبيب وأظهر أنه مستعد للخروج. فأشار إليه كافور أن يجلس فجلس والتفت إلى يعقوب كأنه يستشيرُهُ هل يقول. فقال: «تفضل يا سيدي قل.»

فاعتدل أبو حامد في مجلسه وقال: «إن حديثنا في المرة الماضية لا يحلو تكرارُهُ إن لم يكن مشفوعًا ببشائر النجاح. وقد جئنا الليلة نحمل بشارة يفرح لها كل مسلم يُريد أن يستقر الحق في نصابه.»

فقال يعقوب: «وما ذلك؟»

قال: «قصصت عليكم بالمرة الماضية ما دبرناه في سبيل نصرة الحق بإنقاذ الدولة الإسلامية من أدعياء الخلافة في المغرب؛ أعني القوم الذين انتحلوا لأنفسهم نسبًا كاذبًا في القيروان وزعموا أنهم من نسل فاطمة الزهراء وهم أدعياء في هذا النسب. إن زعيمهم الذي سمى نفسه المعز لدين الله قد أصبح الآن في عالم الأموات، ولا بد من اضطراب دولته وقيام أمراء كتامة وصنهاجة عليه وإنما نحتاج إلى جُند يبعث به الأمير — أعزه الله — إلى أولئك الأمراء هناك حتى يلتفُّوا حوله ويسلموا الأمر إليه، فيدعى له على منبر القيروان كما يدعى له الآن على منابر مصر والشام والحجاز وحلب وأنطاكية وطرسوس. فيستقيم له الأمر وحده ولا يبقى لمنافسيه هنا مطمع في شيء؛ لأن الباقين من آل الإخشيد غلمانٌ ونساءٌ لا يستطيعون عملًا.»

وكان كافور جالسًا ينظر إلى أبي حامد وقد بدا الانبساط في وجهه فلما سمع قوله زاد انبساطًا لكنه تنهد وقال: «إني لا ألبث أن أعمل بذلك حالَمَا أنهض من الفراش — بإذن الله»، والتفت إلى الطبيب كأنه يستشيره في ذلك.

فقال الطبيب: «قريبًا إن شاء الله»، والتفت الطبيب إلى أبي حامد وقال: «يظهر أنك واثق بنجاح هذه المهمة …»

فقال: «إني لا أقول غير الحق وأنا منذ أعوام أُعد المعدات وأهيئ الأحزاب وأجمع الأموال. إني على ثقة من انضمام قبائل البربر كلها في نصرة الأمير أبي المسك — أعزه الله — وإنما كان ينقصنا أن نتخلص من رجلين هناك خدمهما الحظ حينًا فغلب عليهما الغرور وقد ماتا الآن.»

قال يعقوب: «من تعني؟»

قال: «أعني المعز وجوهرًا قائده. إنهما ماتا الآن ولا يمضي إلا بضعة أيام حتى تأتينا كتب الأمراء بذلك.»

فأحب يعقوب أن يُسمع لمياء كلام سالم عن نفسه فوجه الخطاب قائلًا: «إن الفضل في هذا النجاح ليس للأمير أبي حامد فقط وإنما هو لك أيضًا … وإن حيلتك التي قصصتها في المرة الماضية غريبة في بابها.» وضحك تحريضًا له على التصريح.

فقال سالم: «إن الفضل الأكبر لهذا الأمير، وهو صاحب الرأي الأعلى وعنده الرجال والأموال. وأما أنا فعملي مقصورٌ على إغراء فتاة جاهلة توهمتْ أني أحبها فاتخذناها وسيلةً لخدمة مصلحة صاحب مصر — أيده الله.»

ولا تسل عن لمياء وما أصابها عند سماع هذا الكلام. ورغم تجلدها وتمالكها أحست أنها مدفوعةٌ لتكذيب ما سمعتْه وحدثتْها نفسها أن تتقدم في تلك اللحظة وتكشف الحقيقة. وكان يعقوب يلاحظ حركاتها ويشير إليها خلسة أن تتجلد.

وهم في ذلك رأوا كافورًا يتحرك في سريره حركة غير اعتيادية وقد تغيرت سحنتُهُ فانتبه له الطبيبُ ونهض إليه فرآه قد أُصيب بنوبة سعال شديدة.

فأومأ إلى القوم بالانصراف حالًا، فنهض أبو حامد وسالم وخرجا واشتغل الطبيب بمعالجة كافور فنادى غلامه (لمياء) أن يأتي بالجراب فأسرعت وفتحت الجراب ويداها ترتعدان من التأثر وقد احمرتْ عيناها من الكظم فتناول الطبيب قارورةَ الاستنشاق وقربها من أنف كافور وأعانه يعقوب بإسناده وهو لا يزداد إلا سعالًا حتى كاد يغمى عليه.

وشغلت لمياء بذلك المنظر عما جال في خاطرها، وقضوا ساعةً وهم يُسعفون الأمير بالعلاج حتى سكن السعالُ ومال إلى الرقاد، ثم جَسَّ الطبيب نبضه وقال: «إنه مرتاح الآن فينبغي أن نتركه نائمًا.»

فقال يعقوب: «فنذهب نحن إذن.»

قال: «نعم. أما أنا فلا ينبغي أن أتركه؛ إذ أخشى أن تعاوده النوبة.»

فقال يعقوب: «أنا ذاهبٌ مع غلامك هذا وسأترك عندك أحد غلمان الأمير يقدم لك الجراب إذا مست الحاجة.»

ففهم الطبيب مراده فوافقه فدفعت لمياء الجراب إليه وخرجتْ مع يعقوب وركبتاها ترتعدان من هول ما سمعته ورأته، وعيناها شائعتان خارج المعسكر تبحث عن أبي حامد وسالم فلم تر لهما أثرًا.

ولحظ يعقوبُ فيها قلقًا، وأدرك ما يجولُ في خاطرها فأشار إليها أن تتبعه. فوقفت وهي تكاد تسقط من شدة الاضطراب والغضب، وقالت: «لا أستطيعُ المشي يا سيدي … بالله ماذا رأيت … ويل لك يا خائن …»

فالتفت يعقوبُ إليها فوجد وجهها قد امتقع وتغيرت سحنتها ومشت وهي تتساند وتخاف السقوط. فأشار إلى السائس أن يقدم الدابة فأسرع إلى تقديمها وأعانها حتى ركبتْ وركب هو على دابة أُخرى في أثرها ولحظ في أثناء الطريق أن لمياء منزعجةٌ فأحس أنه مسئولٌ عن سبب انزعاجها؛ لأنه هو الذي جمعها بذلك الخائن وإذا أصابها سوءٌ فمِن شدة تأثُّرها مما سمعتْه ورأتْه.

وبعد قليل وصلا إلى منزل المعلم يعقوب، فترجل والتفت إلى لمياء، فإذا هي لا تزال على بغلتها لا تتحرك ولم يعهد بها ذلك التواني، فتقدم نحوها ومد يده ليعينها على النزول. ولما لمست يده أحس بسخونتها وجفافها فاقشعرَّ بدنُهُ فناداها أن تنزل فنزلت وهي لا تستطيع حراكًا فنادى بعض الخدم فأعانوه على حملها إلى دار النساء وهي غائبةٌ عن رُشدها كالمائتة، فتأسف يعقوب لما أصابها ونادى قهرمانة منزله وأشار إليها أن تُسعف الفتاة بالتدابير المستعجلة ريثما يأتي الطبيب. وبعث رجلًا يدعو الطبيب شالوم؛ إذ لا يريد أن يطلع أحد على وجودها عنده.

ظلت لمياءُ غائبة رغم ما استخدموه في إيقاظها من المنعشات والمنبهات وأبطأ الطبيبُ عن الحضور؛ لاشتغاله بالأمير كافور فاشتد القلقُ بيعقوب وأصبح لا يدري ماذا يعمل فخطر له أن يطلع الشريف مسلم على حالها؛ لأنه ذو شأن في الأمر فبعث إليه — وقد أظلم الظلام — فجاء ولمياء لا تزال في تلك الحال فسأله عن أمرها فقص عليه حقيقة خبرها. فجس نبضها فإذا هو يسرع كثيرًا فعلم أنها مصابةٌ بحمى شديدة ورأى الأَولى أن ينقلها إلى منزله ليخدمها أهله ريثما يأتي الطبيب ويرى ما يكون. وكان قد استلطف الفتاة قبل أن يطلع على حقيقة أمرها مع الحسين بن جوهر وغيرتها على المعز وخبرها مع سالم، فلما اطلع على الحقيقة أحس بانعطاف شديد نحوها.

وأمر بمحفة حملوها عليها إلى منزله وأخذ على عاتقه أن يعالجها طبيب منزله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠