الجزء الثاني: قصائدُ للمترجم

(١) ليلة في المستشفى١

وقَفتُ ببابِ الليلِ أنتظرُ الغَدَا
وأُحْيي رَجاءً في حِماهُ ومَوعِدَا
وكنتُ قضيتُ الليلَ في قيدِ آسرٍ
من الهمِّ غَلَّ المعصمَيْنِ وأَصْفَدا
وأبكي شبابًا زارَه الصمتُ فجأةً
فشدَّ وَثاقًا في اللسانِ وقيَّدَا
وأُمسي حبيسًا لا أكادُ من الأسَى
أرى النَّومَ إلا آرِقًا أو مُسَهَّدَا
وأجتازُ في الليلِ الطويلِ مَفاوِزًا
ومَهْمَهَ تِيهٍ في الجوانحِ سَرْمدَا
وها أنا ذا أرجو من الصبحِ مَطْلعًا
وأرقبُ طيفَ النورِ في مَشْرقٍ سُدَى
لعلَّ به إحياءَ قَبْسةِ آمِلٍ
يُرجِّي حياةً بعدَما انهدَّ خامدَا

•••

رنَوتُ من الشُّبَّاكِ والقلبُ خافقٌ
بقافيةٍ لا تُبلِغُ اليومَ مَقصِدَا
وأمْشَاجِ شِعرٍ كنتُ يومًا حَفِظتُها
تُهِيبُ بقلبِ الغِرِّ أن يتَجلَّدَا
تُؤكِّدُ أنَّ الصبحَ لا شكَّ مُقبِلٌ
وآنَ لِغَوْلِ الليلِ أن يتَبدَّدا
ولكنَّني في الشَّرقِ لم ألْقَ بارقًا
سِوى خيطِ نورٍ شاحبٍ قد تَجرَّدا
ولاحَتْ على الأُفْقِ البَعيدِ غَمامةٌ
تَخُبُّ برِيحٍ عاصفٍ قد تَشرَّدا
وتَحجُبُ ضوءَ الصبحِ فوقَ تِلالِهِ
يُحاولُ قَسْرًا أن يُطِلَّ وجاهِدَا
وإذْ بسَحاباتٍ قد انثلْنَ حولَها
يَدُرْنَ بدوَّاماتِ نَسْمٍ تَمرَّدا
يُعَربِدْنَ يَحمِلْنَ الطيورَ إلى السَّما
كأنَّ بها مَسًّا من الجانِ عَرْبدَا
وطارَ بها الشيطانُ يَخبِطُ صاخبًا
فقرَّبَ ما بينَ الطيورِ وأبعدَا
وساقَ قطيعَ المُزْنِ من كلِّ موقعٍ
وجمَّعَ في الرَّكْبِ الرَّبابَ المفرَّدَا
فما فَتِئ النورُ المطِلُّ أنِ ارتدى
قناعَ أديمِ المُزْنِ أغبرَ أسوَدَا
وما فتئ الصوتُ المُدمِدمُ في السَّمَا
أنِ اجتاحَ أقطارَ الفَضاءِ وأرعَدا
هو الرَّعدُ كالإعصارِ زلزلَ صَفْوَها
كمَن سَئِمَ الدنيا فأرْغَى وأزبَدَا
وأبرقَ في جوفِ الفضاءِ لُموعُهُ
شَرارَ ضِرامٍ في السَّمَواتِ مُوقَدَا
وجاءَ بأمطارٍ هي الصِّرُّ وابِلًا
كمَن وجدَتْ في الكونِ سَهلًا مُمهَّدَا
كأنَّ صُراخَ الرِّيحِ والماءُ هاطلٌ
على مُدْلَهِمِّ الأُفْق مِن نُذُرِ الرَّدى
فكيف استحالَ الفجرُ بعدَ انبلاجِه
ظلامًا وضاعَ النورُ في الأُفْق هامِدَا
وكيف اكْفَهرَّ الصُّبحُ وهْوَ كما أرى
وليدٌ بَلى لم يَشهَدِ اليومَ مَولِدَا
كأني به طفلٌ يَشيبُ ولم يَكَدْ
يمدُّ إليه الدهرُ إنْ صَدَقَا يَدَا
عَجِبت لما يبدو وقد ساءَ ناظِرِي
وعدتُ إلى نفسي فأنكرتُ ما بَدا
فهل كذَبَتْ أشعارُنا إذْ تنبَّأَتْ
بصُبحٍ يُوافينا وإنْ يَطُلِ المَدى؟

•••

عجبتُ لنفسي كيف صدَّقْتُ ناظري
وكذَّبْتُ شِعرًا كالحقيقةِ صامِدَا
وعدتُ إلى كهفٍ بقلبِي لكي أرَى
بريقًا عَنيدًا كالحياةِ تَجدَّدا
ودفئًا كدِفْءِ الشمسِ يَزْهو بوَقْدةٍ
ويحيا به ما كان في النفْسِ باردَا
ففي الكهفِ نارٌ أشعلَ الشِّعرُ جَمْرَها
وألهبَ فيها كلَّ عزمٍ وأكَّدا
وفي القلبِ زهرٌ فتَّح الشِّعرُ نَوْرَهُ
وأورقَ فيه الحُسنُ فاختالَ عَسْجَدَا
وتلكَ القوافي الغُرُّ أصداؤها انثنَتْ
تهُزُّ فؤادًا قد يعيشُ على الصَّدى
وتَعمُرُ بالآمالِ نفسًا تسلَّحَتْ
بعزمٍ على مرِّ الزمانِ مُعانِدَا
ومن نفَحاتِ الشعرِ أستلهِمُ القُوَى
وأُعلِنُ قهري للزمانِ مُكابِدَا
لقد عاشتِ الأشعارُ مِن بعدِ أهلِها
وها هو صوتي أصبحَ اليومَ مُنشِدَا
يُردِّدُ ما قالَ القُدامى كأنَّه
يُردِّدُ صِدقًا في حَشاه تَردَّدا
هو الصحوُ والإشراقُ مِن بعدِ ما اكتسى
ضياءُ صباحِ اليومِ غَيمًا مُربَّدَا
هو البعثُ أو في البعْثِ منه مَشَابِهٌ
هو الشِّعرُ أحيا كلَّ رُوحٍ وأخلَدَا

(٢) نداء السحر

غابَتْ عن عيني أيامًا كِدتُ أصالحُ فيها نفسي
وأُمنِّيها بالنِّسيانْ
أشغَلُ عقلي فيها بأمورِ الدنيا مِن حولي
في دوَّامةِ ما يُلهي قلبَ الإنسانْ
أو ما يَسخرُ منهُ كلُّ بَنَانْ!
لكنَّ نداءَ السَّحَرِ الخافت مثل تَرانيم أذانْ
يهتفُ بي في كلِّ صباحٍ كيفَ تنامْ؟
قُمْ واسمعْ ما يُحيي الكونَ من الألحانْ
قد تختلطُ بتسبيحِ الكرَوانْ
أو تسمو حتى كلِّ عَنَانْ!
انهضْ! لم يَخْبُ بقلبِكَ نبضُ الوِجدانْ
ما دامَ لديكَ دماءٌ تجري لا تُنكِرْ ما
يدعوكَ إليه الفجرُ مِن النَّغَم الرَّنَّانْ
قد ينطقُ بالشعرِ فليسَ الشعرُ بشيطانْ
أو قد يتجلَّى فيما يَلْهو من نَسَمٍ بالأفنانْ
فنسيمُ الفجرِ نسيمُ الروحِ إذا انتعَشَتْ
بتأمُّلِ حُسنٍ فتَّانْ!
انشُدْ ذاكَ الحُسنَ بكلِّ مكانْ
عِشْ ما بقيَ من الأيامِ على أملِ قِطَافٍ
من أشجارِ البُستانْ
وانشُدْ صَفْوَ الروحِ إذا امتزجَتْ
في لحظةِ صدقٍ بصَفاءٍ أنقى لا يَنطِقُ بلِسانْ
وستعرفُ ساعتَها أنَّ الصمتَ قرينُ الحقِّ
وأبلغُ من كلِّ بيانْ
وإذا كانت قد غابتْ عن عينِكَ فغَدَا
للصَّمتِ كهوفٌ مُوحِشَةٌ
في أعماقِ النفسِ ويَمرَحُ فيها الجانْ
فبأعماقِ الصمتِ نذيرٌ أن الكونَ الزاهي المُزْدانْ
لا يلبثُ أن يَجرِفَه الصمتْ،
فإذا هو فانْ!
وإذا ما فاتَ وما يأتي قد ذابا في الحاضرِ مِن
صفوِ الروحِ وإن أنكرَ عودةَ ما كانْ!
الصمتُ نداءُ السِّحرِ الحقِّ فأنصِتْ
تسمَعْ صِدقَ الألحانْ!

(٣) كيانك خانك

عَروسٌ تراءتْ لنا في الغَمامِ
وكان الغمامُ لها حاجِبَا
وفي قلبِها نارُ عِشقٍ قديمٍ
يُحاولُ أن يَنتحِي جانِبَا
ولَمْعةُ برقٍ بعينِ الفتاةِ
تُبشِّر أنْ وجدَتْ صاحِبَا
ويَسْري اللهيبُ بأطرافِها
وكان أزيزُ اللَّظى صاخِبَا
تُحاولُ إخفاءه بالثِّيابِ
عسى أن تَصُدَّ لها طالِبَا
وعينُ الصغيرِ تَعافُ الثِّيابَ
وكيف تَرى جسَدًا غائبَا
وعينُ اللبيبِ ترى الجَمْر فيهِ
ومِن تحتِه بشَرًا سَاغِبَا
ودفءُ الماءِ يُجدِّدُ عهدَ الشبابِ
ويَجعلُ صاحِبَنا راغبَا
ويُنسيهِ فجوةَ عُمرٍ مَديدٍ
وضَعفًا تَبدَّى له غالِبَا
ووَهْنَ عِظامٍ وشَيبًا حَثيثًا
يُجدِّدُ ما ظنَّه صائبَا:
«تَباعَدْ وأَنشِدْ لها الشعرَ» قال
فمُوجِبُه قد غدَا سالِبَا
كِيانُك خانَك فالكلماتُ
تقومُ بما لم يَعُدْ واجبَا

(٤) الزمن

أعيشُ في لحظةٍ بلا زمَنِ
وَقُودُها جَذْوةٌ من المِحَنِ
حروفُها مِن سوالفٍ سَنَحَتْ
تُعيدُ إحياءَ خَفْقةِ البَدَنِ
وتَشتهي في الخيالِ فاتنةً
عيونُها الخُضْرُ جنَّةُ الوطنِ
تَخالُ أن الصِّبا مُلاعَبةٌ
كاللهوِ في نُهْزَةٍ من الفتنِ
أو غُنْوةٌ للقلوبِ ساحرةٌ
كبُلبلٍ صادحٍ على فَنَنِ
وليس تَدْري بأنَّ عاشقَها
يقتلُه الحُبُّ خَشيةَ العلَنِ
لكنَّها في الفؤادِ ماثلةٌ
في صَحْوِه أو في غَفلةِ الوسَنِ
لا تَنْثني تُوحي بالشبابِ لَهُ
كي تَخلُقَ العُنْفُوانَ مِن وهَنِ
وقد يُحبَّ انْ يَرى بفتنتِها
مَسارَه نحوَ سامقِ القُنَنِ
أو يُقْنِعُ القلبَ بالرِّضى كذبًا
بأنه يَحيا خارجَ الزمَنِ

(٥) علِّلاني

أنظِراني فإنَّني اليومَ آتِ
بأمانٍ طَليقةٍ مُسكِراتِ
إنما العمرُ في الحنايا لهيبٌ
يوقظُ الحُبُّ دِفئَه من سُباتِ
بصفاءٍ في النفسِ سامٍ رَهيفٍ
يتجلَّى في رقَّةِ الخاطراتِ
مُستقًى من جَمالِ ظبيٍ صغيرٍ
شاقَهُ الشِّعرُ في حِمى الغاباتِ
ويُناجي القريضَ بالليلِ همسًا
ثم يُشقَى النهارَ بالهمَساتِ
عندما جِئتُه تدفَّقَ شِعرًا
ساحرَ الجَرْسِ رائعَ النَّبَراتِ
بعُيونٍ نَجْلاءَ تَرْنو خِفاضًا
وحياءٍ رَحيقُه مِن فُراتِ
فإذا النارُ في فؤاديَ نورٌ
كاشفٌ للخَبِيءِ من سانِحاتي
وإذا بي أريدُ ما يتراءى
لي مُحالًا مُشتَّتَ الآهاتِ
وأودُّ احتضانَ مَن قد سَباني
وعِناقًا يضمُّ ذاتًا لِذاتي
ليس ما قد رأيتُ طيفَ خيالٍ
بل جمالٌ محدَّدُ القسَماتِ
أهْيَفُ القَدِّ ناحِلُ الخَصْرِ يَبدو
ساهمَ الطَّرْفِ قاتلَ البسَماتِ
ناعمًا مُنْعِمًا يَفيضُ به البِشْـ
ـرُ ويَنسابُ في عُروقِ الحياةِ
يكتُمُ الحبَّ ليس يَعرِفُ معنًى
لحديثٍ أو قيمةَ الكلماتِ
كلَّما تُقْتُ للكلامِ لِأَزهُو
بِصَدى العُنفُوانِ في نبَضاتي
لم أجدْ غيرَ صمتِه والتَّأبِّي
واجتنابِ الألفاظِ من فَلَتاتي
كيفَ يا شاعرٌ هجَرتَ القوافي
كيف إنْ رُمْتَها سَعَتْ للشَّتاتِ
عَلِّلاني فإنَّ صَمْتَ حبيبي
مُهلِكٌ لي جدًّا وصِنْوُ مَماتي
إنْ أطَلْتَ السُّكونَ لن تَجْنِيَ اليوْ
مَ سِوى أحرُفٍ وبعضِ رُفاتي

(٦) لون الغد

أنا لا أعرفُ يا فاتِنَتي لونَ اليأسِ لأنِّي أحيا في الغَدْ
بل لا أعرفُ إلا لونَ الغَدْ
لونَ الشفَقِ الورديِّ على الخَدْ
لونَ الصُّحبةِ في صمتِ الصحراء وهمسِ الوَعْد
فالوعدُ غدٌ يتجدَّدْ
والوعدُ خلودٌ لا يَرهبُ حتى الموت
وضجيجُ الدُّنيا أصداءُ هواتفَ من دنيا الصَّمت
قد تَعْلو أو تَخفِتْ
لكنَّ الأصداءَ محالٌ أن تَبرُدْ
حتى إن وهَنَتْ خَفقاتُ القلب
وذَوَى ما نَلْقاه من الحُب
فلدينا مِن نبعِ الذاتِ مَعينٌ لا ينضَبْ
ابتعِدي أو فاقترِبي وابتعِدي
فأنا أثْبَتُ كالطَّوْد
ولأنِّي أحيا في الغَدْ
أشهدُ شفَقَ الفجرِ بكلِّ مكانٍ وزمانٍ
وبرُوحي نورٌ يتردَّدْ
فأرى الظُّلمةَ تتبدَّد
حتى لو غمَرَتْ كلَّ الناسِ وأحلامَ الإنسانْ!

(٧) ترانيم

لا يَنشُدُ الفجرَ الوَضيءَ سِوى المُعنَّى بالسهَرْ
كلا ولا غَبَشَ الصَّباحِ سِوى الذي مَلَّ القمَرْ.

•••

في الهَدْأةِ الأُولى لِألحانِ السماءِ إذا شَدَا
خَفْقُ الحَنايا في تَباشيرِ السَّحَرْ
تتفتَّحُ الأكمامُ واعدةً بصُبحٍ كالرَّبيعِ
وفي ثَناياهُ الجُمانُ المُنتثِرْ
فكأنَّ أهْدابَ الضياءِ بكلِّ أُفْقٍ وَمْضُ وعْدٍ
مِن بَقايا العُمرِ في بعضِ الصُّوَرْ
وكأنَّ أغصانَ الصباحِ بَوارِقٌ عُليا تَجلَّتْ
داعياتٍ للتَّسامي في خَفَرْ
هل بالجوانحِ مِن بقايا النارِ ما يَحْيا
إذا اضطرَبَ الرَّمادُ المُستكِنُّ المندثِرْ؟
أو يُنبِتُ الأزهارَ في رَوْضٍ تَخطَّاه الزمانُ
فلم يَعُد يَدْري أفانينَ الزَّهَرْ؟

•••

فلْتُصْغِ للكرَوانِ قبلَ الفجرِ يَصدَحُ مثلَ معمودٍ
تُعذِّبه مَتاهاتُ الفِكَرْ
واسمعْ لما يُلْقيه في أُذُنِ السماءِ من الدعاءِ
إلى الربيعِ المستريبِ بما بدَرْ
ولسوف تَدْري أنَّ ما جاء المُعَنَّى مِن تباشيرٍ
بصَحْوٍ من رُقادٍ مُستمِر
جاءتْ به ذَهبيَّةُ الشعرِ المموَّجِ مثل تاجٍ
زانَ وجهًا في سَناهُ كالقدَرْ
ما كان فيها مِن سَوادِ الليلِ إلا بَهْمةٌ
كالكُحْلِ في عينِ اللَّيالي تَستعِر
وسكونُه ونجومُه في التاجِ زانَتْ طَيلَسان المُلْكِ
يَسترُ في حِمَاهُ ما سَترْ!
وعبيرُ أنفاسِ الصباحِ تزفُّها للنور يرقص
مثل جمرٍ ضجَّ مِن فَرْط الشرَرْ!
هزَّتْ بأعطافِ السِّنين نوائمَ العُمْرِ الذي
رقَدَتْ به أحلامُ يومٍ قد غَبَرْ!
بعَثَتْ بأطرافِ الزمانِ بَشيرَ صُبحٍ أو نَذيرًا
بالحياة فإذْ به يَخشى النُّذُرْ!
ماذا تُراه يعودُ لِلَّيل المُهَدَّمِ من ضياءٍ
مثلِ لَمْح الفجرِ في أقصى العمُرْ؟
ماذا تَخفَّى تحتَ أهدابِ الجميلة مِن لَوامِعَ
مِثلَ ميعادٍ لقلبٍ مُنكسِرْ؟
هل كانَتِ الفَجْرَ الذي أوْفَى أخِيرًا صادقًا
أم لم يَكُن ترنيمُها إلا الضِّياءَ المنتشِرْ؟

(٨) إلى طفلة

يا طِفْلةً والهوَى بها شَرَدَا
يَطوفُ كالخاطراتِ مُنْفردَا
كأنَّه الجِنُّ يرفضُ الزَّمنَا
يَرْجو خُلودَ الوُجودِ إنْ صَمَدا
يَحيا نهارَ الصِّبا على ثِقةٍ
في خُلْدِ نبضِ غَرامِه أبَدَا
تَهْوِي إليه القلوبُ ناشطةً
ويَذهبُ الجُهدُ في الصِّراع سُدَى

•••

عيونُها الخُضرُ كالجِنانِ صَفَتْ
وبينهنَّ النُّهَيرُ مُبتعِدَا
وزَمهريرُ الشِّتا يُضاحِكُها
فإذْ ببَرْدِ الشِّتا قد اتَّقدَا
هلِ الهوَى في الفؤادِ مُشتعلٌ
يَزْهو بجَمرِ زَهَا فما بَرَدَا
أم زهرةٌ أغْطَشَتْ مَحاسِنَها
فضيَّعَتْ شوقَنَا لها بَدَدَا
تَفِرُّ مِن قاطفٍ ومُشتَمِمٍ
فإذْ به فاتَ لم يَمُدَّ يدَا
بقلبِها خَفْقةٌ تُعذِّبُها
كأنَّها واجدٌ وما وَجَدا
قلْ كيفَ أرجو النَّجاةَ مِن قَدَري
أو أرتجِي مَطْمَعًا يَغيبُ غَدَا
فهلْ مَرَامُ المحبِّ إنْ طَمِعَا
إلا سَرابًا في قِيعةٍ وُلِدَا
فاكتُمْ غَرامًا بها بلا أمَلٍ
فكيفَ تَبْدو إذا عليكَ بَدَا

(٩) من أنتِ؟

حارَ خَيالي وخيالُ الغَاوينَ الشُّعراءْ
في فهمِ كِيانٍ بشَريٍّ من رُوحٍ وضَّاءْ
حارَ فما أجْدَى معَه أيُّ عناءْ
وغدا كالضَّائعِ يفترشُ الغبراءْ
يتساءلُ دهَشًا عما يتدفَّقُ في
تلك الإنْسيَّةِ من أطيافِ بهاءْ
فهيَ الأرضيةُ والعُلْويةُ في آنْ
تزهو لِسُموِّ الرُّوحِ بِفَيضِ رُوَاءْ
يسألُها كيفَ أتيتِ إلى الدُّنيا
في ثوبٍ فانٍ يَسخرُ من كلِّ فناءْ

•••

هل أنتِ إذنْ نبعٌ من ماءْ
يتدفَّقُ وسْطَ رمالِ الصَّحراءْ
قولي كيفَ تَسامَى النبعُ فَطَارْ
كيفَ تَجاوزَ يومًا كلَّ سَماءْ
كيفَ تسامَى النَّبْعُ فحوَّلَ طينًا من لحمٍ ودماءْ
لمشارِفَ فوقَ المُزنِ عليها من ألوانِ الطَّيفِ كِسَاءْ
قولي كيفَ غدَا الماءُ هَواءْ
هل صارَ سَحابًا يَعلُو ويُحلِّقُ وسْطَ الأجواءْ
أم نَسْمةَ صيفٍ دافئةً ترفعُها شتَّى الأهواءْ
أم قُبَّرَةً تَخْفقُ بجَناحَيْها وتُغرِّدُ صاعدةً للجَوْزاءْ
أم سربَ حمامٍ أطلقَهُ الحُبُّ فرفرفَ في أرجاءِ الخضراءْ
أم صرخةَ قلبٍ يَنشُدُ مُثُلًا عُلْيا
لا ترضَى بحياةِ سَوادِ الأحياءْ
أم وهمًا من أوهامِ الشِّعرِ انْفَلَتَ وحيدًا ذاتَ مساءْ؟
في جهلي أعجَبُ مِن هذي الأصْداءْ
لا تأتي الغربةُ إلا بالشَّوقِ عنيدًا لا يَشْفِيهِ أيُّ دواءْ
غربةُ قلبٍ لا يَحدُوه أيُّ رَجاءْ
فَدَوائي دَائي وَلَرُبَّ دواءٍ مِن داءْ!

(١٠) عِشق الشيوخ

هل جرَى في الرِّياضِ جَدْولُ عِشقٍ
صاخبٌ زاخرٌ يَموجُ غَرامي
أو بَدا في السماءِ وَمْضُ بَريقٍ
ناطقًا بالذي أرى بِمَنامي
حالِمًا بانبعاثِ شوقٍ بقلبي
ناعيًا ما مَضى مِن الأيامِ

•••

قد ذَرَعتُ الحياة طولًا وعَرضًا
ناشدًا عالَمًا من الأحلامِ
فيه شوقُ الصِّبا يهزُّ الحنايا
ويُزيل المأفونَ من أوهامي
ثم جاءَ المشيبُ يَمشي الهُوَينا
منذرًا بالذي أخافُ أمامي
وإذا في الرَّبيعِ نبْعٌ غريبٌ
زَهرُه ناطقٌ يُغنِّي كلامي
وإذا بالذي أتى حُوريَّة
أمسَكَتْ دونَ أن أعِي بِزِمامي
عشقُها ليس كالغرامِ ولكنْ
نفَحاتٌ من العُلا والتَّسامي
صدرُها دافئٌ بصِدقٍ صَدُوقٍ
تتَفانى في وحْيِه أنغامي
شادياتٍ لغيرِ مَرْمًى قريبٍ
ليس تَخشى مَلامةَ اللُّوَّامِ
ذاكَ عشقُ الشيوخِ يكفيه صِدقٌ
في الحنايا هُنا جِمَاعُ المرامي!

(١١) لا تَبْسِمي

فتَّاكةَ البسَماتِ يا حُوريَّة!
هل جِئتِني في قُمقُمِ السُّلطانِ يا جِنِّيَّة؟
أيُّ المياهِ رمَتْكِ للشَّطِّ البعيدِ فجئتِ بالموجِ الذي
يَعْلو خيوطًا عَسْجديَّة؟
خُصْلاتُ (مِيدُوزا) تُحذِّرُ من جَمالِ البَشْرةِ الفِضيَّة!
بل من دبيبِ الحيَّةِ الرَّقْطاءِ في جسَدِ الحياةِ السرمديَّة!
هل من خلودٍ في رُضابٍ كالمنيَّة؟
هل من رجاءٍ بالبقاءِ إذا امتزَجْنَا فالْتَقَى
فينا الفَناءُ بوهمِ أفكارٍ عصيَّة؟
أنتِ التي تَدْرينَ أنَّ الحُسْنَ قتَّالٌ
فما لكِ تهزئينَ بمن يكونُ لكِ الضحيَّة؟
ذا شاعرٌ ألْهتْه عن دنياه تلك الفتنةُ العُلْويَّة
إذ خالَ فيها نبضَ فنٍّ خالدٍ أنساه ما يَلْقاه
في دنياه واستبقَى بها نَفْسًا رضيَّة!

•••

اللَّيلُ يَخْشى بَسْمةَ الشفَتَينِ
إنْ لَمعَتْ ثنايا اللؤلؤِ السحريَّة
فأتتْ بصُبحٍ في دَياجيرِ الظلامِ وأربكَتْ
مجرى الزمانِ بكلِّ أفلاكِ البَرِيَّة!
بل قد تُخادِعُ مَن يَشُوقُهم احْوِرارُ الطَّرْفِ
في اللَّفَتاتِ إنْ جادتْ بها نفْسٌ سخيَّة!
لا تَبْسِمي يا فِتْنتِي أرجوكِ حتَّى
لا أُخادِعَ ما أَرُوضُ عليه نَفْسي
مِن جِلَادٍ في حِمَى الذاتِ الأبيَّة!
لا تَبْسِمي
كي لا يعودَ إلى الفؤادِ من الحنينِ إلى الصِّبا
دِفْقُ الحرارةِ في دِمَا الحُبِّ الزكيَّة!

(١٢) ما بين النَّزْوة والنَّبْوة

عَبَرَتْ ذاتَ مَساءٍ كالخاطرِ يَعبُرُ حُلْمًا في قوَّة
رَيحانةُ قلبٍ ضاعَ شَذاها تَدْعو للصَّحوَة
فانتبهَتْ بعضُ أقاحي الرَّبوَة
واهتزَّتْ بعضُ الأفنانِ كأنَّ عبيرَ الزَّهْرَة
أذهبَ عنها الغَفْوَة
وتراقَصَتِ الأنسامُ بحُلمِ الحالمِ تُحيِي
في أعماقِ القلبِ الصَّبْوَة
فإذا هو في نَشْوَة
أسكَرَه ما لِأَريجِ الرَّيحانةِ مِن سَطوَة
صَحَتِ الدُّنيا في كلِّ عُروقِ الجسدِ تُلبِّي الدَّعوَة
وانتفضَتْ بالدمِ بعضُ نَوازعَ تأخُذُه عَنْوَة
وانطلقَتْ فكأنَّ الزمَنَ يعودُ بكلِّ فُتوَّة
وتَداعَتْ فيهِ أوهامُ الحُبِّ فزادَتْه زَهْوَة
فإذا بالحالمِ وهْو يُمنِّي النفسَ بِنَزْوَة!
فالعينُ تَرى فوقَ الأُفقِ الذِّرْوَة!
والقلبُ توهَّمَ أنَّ القدمَ ستَصعدُ واثِقةً
وبلا أدنى كَبْوَة
كيفَ تَناسى أنَّ السَّيْرَ الآنَ على الجنبِ الآخَرِ
مِن تلِّ العُمرِ السَّاربِ لا يُفْضي إلا للهُوَّة
كان الوهمُ شديدَ القسْوَة!
كان يُطِلُّ الحالمُ مِنه على الدُّنيا من كُوَّة
حجَبَتْ عنه الرُّؤيةَ حتى كادَ بأنْ يستسلمَ للهَفوَة
وعلى جُرْفٍ صخريٍّ أمسكَ فتوقَّفَ يَنشُدُ نَجْوَة
أدركَ أنَّ السيفَ سيَنْبو فبِذا قضَتِ الأيامْ
وبرغم الحُلْمِ المُلْتَاثِ إذا هو يرجو تلكَ النَّبْوَة!

(١٣) منه جاء الصِّبا

ضاعَ لَيْلي فما بَكيتُ عليهِ
إذ شَرِبتُ الأنغامَ من شَفَتَيهِ
وتلذَّذتُ باللُّحونِ نهارًا
ثم رُمتُ الأحلامَ في ناظِرَيهِ
لم أكنْ أرتجي غَرامًا جديدًا
غيرَ أني وجَدتُ عُمْري لدَيْهِ
أشعَلَ الشوقَ عارمًا في الحَنايا
حين ألْفَيْتُه يَمُدُّ يدَيهِ
لا تقلْ إنَّني عَشِقتُ جَمالًا
حين لاح الجَمالُ في مُقْلتَيهِ
لا تقلْ إنني أرومُ شَبابًا
فشبابي المفتونُ في راحَتَيهِ
إنْ يَجُدْ أنطَقَ الخَبيءَ بقلبي
ورأيتُ النعيمَ في وجْنتَيهِ
ورَوَيتُ الأشعارَ في حُبِّ ظَبْيٍ
أنطَقَ الخاطراتِ في أصْغَرَيهِ
وبذَلتُ الأشواقَ تَسعى حثيثًا
بعد أن تَرتمي على قدَمَيهِ
إنه قاهرٌ وصاحبُ مُلكٍ
ليس يَشْقى بمَن يَجودُ عليهِ
إنْ يَجُدْ عُدتُ للحياةِ مَليكًا
منه جاءَ الصِّبا وعادَ إليهِ

(١٤) كيف يُغْني الشِّعر؟

كيفَ يُغْني الشِّعرُ عن عينَينِ من نَسْجِ الظِّلالِ
كيفَ تُغْني رنَّةُ الأنغامِ عن دُنيا الجَمالِ
كيفَ تُغْني صورةٌ في الذِّهنِ عن نبعٍ من العَذْبِ الزُّلالِ
كيفَ يُغني شَططُ الشاعرِ في دنيا خَبالٍ في خبالِ
عن شذا الوردِ ولونِ الوردِ حتَّى إنْ بَدا صعبَ المنالِ
كيفَ يُغْني اللفظُ مهما كان كالسِّحرِ الحلالِ
عن تَملِّي الحُسْنِ في الرَّوضِ الأَريضِ الزاهرِ المُختالِ؟

•••

قد يكونُ الشعرُ تعويضًا عن العجزِ الذي نَلْقاهُ إنْ
ساختْ بنا الأقدامُ في بحرِ الرمالِ
فترى فيه الجَناحَيْنِ اللذَينِ يَسْعَيانِ دائِبَينِ للكمالِ
أو يُثيبانِ الذي ملَّ البَرَايا وتهاويلَ الهُزالِ
في حياةِ الزَّيْفِ في أفعالِ أشباهِ الرِّجالِ
وخداعِ الناسِ أو شتَّى أحابيلِ الضَّلالِ
فيَجوبانِ الفَيافي صاعِدَيْنِ في الجبالِ
هابِطَينِ كلَّ وادٍ سادِرَينِ في المُحالِ!

•••

وهنا قد يُفلحُ الشعرُ فيأتي بتَصاويرِ المِثَالِ
ويُعزِّي العاشقَ الوَلْهانَ عن حِرمانِ قلبٍ ذَلَّ من طولِ السؤالِ
بأماسيِّ غَرامٍ وأهازيجِ لَيالِ
وقُطوفٍ دانياتٍ وكُئوسٍ مِن دَوَالِ
وبَذَاءاتِ تَدَنٍّ ونِدَاءاتِ تَعالِ
فيرى المِسكينَ دُنيا الحقِّ في أصداءِ ألحانِ المقالِ
ويظنُّ اللَّفظَ رَجْعًا لأحاديثِ الوصالِ
ويَخالُ العالَمَ المرئيَّ أشباحًا تدَلَّتْ من حِبالِ
سابحاتٍ في فضاءٍ، لاهياتٍ لا تُبالِي
بِحَرورٍ أو بِبَرْدٍ، أو بَقَاءٍ أو زَوَالِ.

•••

لكنِ الشِّعرُ خيالٌ دَأْبُه نَسْجُ الخيالِ
كيفَ يُغْني الشِّعرُ عن عينَينِ من نَسْجِ الظلالِ
كيف يُغْني الشِّعر عن دُنيا الجمالِ؟

(١٥) لكنها امرأة

صغيرةٌ مُنَمْنَمَة، كأنَّها جِنِّيَّةٌ أو قُبَّرَة
خَمْرُ البريقِ كالعَقيقِ إنْ قارَبْتَ تلكَ الجوهرَة
وقادةُ اللهيبِ في أعماقِها ألْسِنةٌ مُستنفِرَة
كأنها نداءُ رُوحٍ خَافِتٍ يَغْذو أزيزَ مِجْمَرَة

لكنها امْرأةٌ

لاحَتْ كمِثلِ طفلةٍ رمَتْ بها ريحُ الحَنايا الحائرَة
فعينُها الخضراءُ واحةٌ فَسيحةُ الرُّبا مستترَة
وفوقَها الأهدابُ أغصانُ الخبَايا الزَّاهياتُ النَّضِرة
وفي شِفاهها رُضابٌ من ثِمارِ جَنَّةٍ مُزدهرة

لكنها امْرأةٌ

جاءتْ بهَدْأةِ الصباحِ مثلَ نَسْمةِ الربيعِ الفاتِرَة
في قلبِها الإيمانُ صافيَ المَسيلِ كالكِرامِ البرَرَة
والطُّهرُ في أرجاءِ رُوحِها سَرى، قَطْر الدِّنَانِ الآسرة
والصدقُ في ألفاظِها رجْعٌ لأصداءِ اللُّحونِ الطاهرة

لكنها امْرأةٌ

«كأنَّنا في الغابِ» قالتْ «لستُ صيدَ كلِّ صائدٍ وقَسْوَرَة»
«أخْشَى بأن تَمَسَّني أنيابُ هذه الوُحوشِ الكاسِرَة»
كانتْ تقولُ الحقَّ حينَ أنطَقَتْ رُوحَ الحياةِ الثائرَة
إلى العِنانِ قد سَمَتْ تطيرُ فوقَ أُفْقِ كلِّ طائرَة
تسمو كأنَّما سَما بها جَناحُ نافثاتٍ ساحرَة
وعندها تدفَّقَ الشعرُ الرقيقُ في أرجاءِ نفْسٍ شاعرَة

لكنها امْرأةٌ

(١٦) رثاء فاروق عبد الوهاب٢

طائرُ الموتِ يُحلِّقْ
في سَمائي
قد مضَى أمْسِ بفاروقَ ولم يَسمعْ نِدائي
ليسَ يَعنيهِ سِوى أن يُسعِدَ الملأَ الأعلَى
بألحانٍ شجيَّة
هي ألحانُ عَزائي
كيفَ أبْكيهِ وقد كان وما زالَ
رفيقًا لِعَنَائي
شُغْلُه أن يُنْطِقَ الكونَ بأنغامٍ
كرامٍ عرَبيَّة
بحُروفٍ أجنبيَّة
ما الذي يُرضِيكَ يا طيرَ المنيَّة؟
ما الذي تَبْغيهِ مِن نَقْلِ البَرَايا
لمَرَاقِيكَ العَليَّة؟
لستُ أخشَى أن أرى مِنْقارَكَ المَعْقوفَ
أو أخشَى سَوادَ الرِّيشِ يُنذِر بالبَليَّة
فأنا أعدَدتُ أوراقي وصِرْتُ أتوقُ
للتَّرحالِ من دُنْيا دَنيَّة!
١  كتبت في باريس عام ١٩٩٣ في أعقاب الجراحة التي أنقَذَتني من المرض اللعين.
٢  تُوفِّي فاروق عبد الوهاب مصطفى الطريجي، المشهورُ في مصر بالاسمَين الأوَّلين وفي أمريكا باسم فاروق مصطفى، يوم ٤ أبريل ٢٠١٣، عن عمرٍ يُناهز السبعين عامًا، وكان يعمل أستاذًا للُّغة والثقافة العربية في جامعة شيكاغو، في أمريكا، وقد صنَع لنفسه اسمًا ومجدًا بسبب انكبابه على الترجمة من العربية إلى الإنجليزية (إحدى عشرة رواية عربية، بعضها أصبح من أكثر المبيعات في الغرب). وكنت شاركتُه في الستينيَّات، أنا وسمير سرحان، سكرتارية مجلة المسرح الأولى (١٩٦٤–١٩٦٩) حتى سافر عام ١٩٦٩ للحصول على الدكتوراه، واستقرَّ به الأمر في أمريكا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣