الفصل الحادي عشر

السيد بونتيلا وتابعه ماتي يتسلقان جبل هاتيلما

(حجرة المكتبة في ضيعة بونتيلا. بونتيلا يلُفُّ رأسه بفوطةٍ مبتلة ويفحص حساباته وهو يَتنهَّد. الطاهية لاينا تقف إلى جواره وفي يدها حوضٌ به ماء وفوطةٌ ثانية.)

بونتيلا : إذا سمح المُلحَق لنفسه مرة أخرى بالكلام في التليفون نصفَ ساعةٍ مع هلسنكي فسوف أفسخ الخطوبة. لقد كلَّفَتني غابة بأكملها، ولم أقل شيئًا، ولكن السرقات الصغيرة تجعل الدم يغلى في دماغي، وانظري إلى دفتر البيض: خربشة على كل الأصفار! هل المفروض أن أُرابِط في حظيرة الدجاج؟
فينا (تدخل) : السيد القِسِّيس والسيد عضو الجمعية التعاونية للألبان يُريدان مقابلتك.
بونتيلا : لا أريد أن أراهما، دماغي سيتمزق. أعتقد أنني سأُصاب بالالتهاب الرئوي. أَدخِليهما!

(يدخل القِسِّيس والمحامي. فينا تخرج بسرعة.)

القِسِّيس : صباح الخير يا سيد بونتيلا. أتعشَّم أن تكون قد استَرحتَ، قابلتُ السيد عضو الجمعية مصادفةً في الشارع فقرَّرنا أن نزورك زيارةً خاطفةً ونسأل عن صحتك.
المحامي : يمكن أن تُسمِّيها ليلة سُوء التفاهم.
بونتيلا : لقد اتصلت بإينو تليفونيًّا، إن كان هذا هو قصدكم. اعتذر لي وبذلك أصبحت المسألة منتهية.
القِسِّيس : يا عزيزي بونتيلا. هناك نقطة أخرى يجب مراعاتها. طالما كان سوء التفاهم الذي حدث في بونتيلا يتصل بحياتك العائلية وبعلاقتك بأعضاء الحكومة فالمسألة كلها تخصك أنت وحدك، ولكن هناك للأسف مسائلُ أخرى.
بونتيلا : بيكا. لا تَلُفَّ معي. إذا كانت هناك أية خسائر فأنا على استعداد للدفع.
القِسِّيس : يا عزيزي بونتيلا. هناك للأسف خسائرُ لا يعوض عنها المال. باختصار، لقد أتينا إليك لنتحدث في موضوع سوركالا، بروح الصداقة التي تربط بيننا.
بونتيلا : وماذا حدث لسوركالا؟
القِسِّيس : لقد فهمنا من كلامك من قبلُ أنك ترغب في طرده من الضيعة؛ فهو كما قُلتَ بنفسك اشتراكيٌّ معروف، وتأثيره خطيرٌ على المجموع.
بونتيلا : لقد قُلتُ إنني سأطرده.
القِسِّيس : كان أمس يا سيد بونتيلا هو آخر موعد لطرده، ولكن سوركالا لم يُطْرَد، وإلا لما رأيتُ ابنتَه الكبرى أمسِ في الصلاة.
بونتيلا : ماذا؟ سوركالا لم يُطْرَد؟ لاينا! ألم يتسلم سوركالا شهادة طرده؟!
لاينا : لا.
بونتيلا : وكيف حدث هذا؟
لاينا : لقد قابلتَه عندما كُنتَ في السوق وأحضرتَه معك في سيارتك «الاستوديو بيكر» وأَعطيتَه ورقةً بعشرة ماركات بدلًا من أن تَطرُده.
بونتيلا : هذه وقاحة منه. يأخذ مني عشرة ماركات بعد أن قُلتُ له مرارًا وتكرارًا إن عليه أن يترك الضيعة قبل أن يحل موعد الطرد؟ فينا! (تدخل) نادي حالًا على سوركالا! (فينا تخرج) أُحِسُّ بصداعٍ فظيع.
المحامي : اشرب قهوة.
بونتيلا : معك حقٌّ يا بيكا، لابد أنني كُنتُ سكران، كلما شربت كأسًا أكثر من اللازم حَدثَت مني مثل هذه التصرفات. أكاد أُمزِّق رأسي. هذا الوغد يستحق أن يكون الآن في السجن. لقد استغل الفرصة.
القِسِّيس : لقد اقتنعتُ بكلامك يا سيد بونتيلا. نحن نعلم جميعًا أنك رجلٌ شريف، وأن قلبك موجودٌ في مكانه الصحيح! لا بد أنك كُنتَ واقعًا تحت تأثير الشراب.
بونتيلا : شيء فظيع! (يائسًا) ماذا أقول الآن للحرس القومي؟ إنها مسألة كرامة. لو عرفوا الحكاية لضاع مستقبلي. لن يأخذوا اللبن مني. إن ماتي هو المسئول عن هذا. لقد كان يجلس إلى جواره، ما زلت أرى هذا أمامي. إنه يعلم أنني لا أُطيق سوركالا، ومع ذلك يتركني أعطيه عشرة ماركات.
القِسِّيس : يا سيد بونتيلا. لا تنظر إلى المسألة كأنها مأساة. إن ما وقع يمكن أن يحدث كثيرًا.
بونتيلا : لا تقل إنه يمكن أن يحدث. إذا استمر الحال على هذا فلا بد أن يُحجَر عليَّ. لن يكون في مقدوري أن أشرب اللبن وحدي، سأتحطم تمامًا. بيكا. لا تجلس هكذا بعيدًا عنا. يجب أن تَتدخَّل. أنت عضو الجمعية التعاونية. سأعطي الحرس القومي هبةً مالية. إن الخمرة هي السبب. لاينا، لا أريد أن أراها بعد اليوم.
المحامي : إذن فستدفع حسابه وتطرده. إنه يُسمِّم الجو.
القِسِّيس : أظن أننا سنستأذن الآن يا سيد بونتيلا. ما من خسارةٍ يَعِز إصلاحها، ما دامت الإرادة الطيبة موجودة. الإرادة الطيبة هي كل شيء، يا سيد بونتيلا.
بونتيلا (يسلم عليه ويَهزُّ يده) : أشكرك.
القِسِّيس : لا شكر على واجب. المهم أن نُؤدِّيه على وجه السرعة!
المحامي : لعلك أيضًا تسأل عن ماضي سائقك؛ فأنا غيرُ مطمئنٍّ إليه (يخرج القِسِّيس والمحامي).
بونتيلا : لاينا. لن أمس قطرة كحول في حياتي. أبدًا أبدًا! لقد فكَّرتُ اليوم، عندما استيقظتُ من النوم. إنها لعنة. لقد صمَّمتُ أن أذهب إلى حظيرة البقر وأتخذ القرار. إنني أحب البقر، وما أُصمِّم عليه وأنا في الحظيرة لا يخيب. (بعظمة) أحضري الزجاجات من دولاب طوابع البريد، كُلَّ الزجاجات، وكُلَّ ما بقي في البيت من كحول، سوف أعدمها جميعًا، هنا وفي هذه اللحظة. سأكسرها واحدةً بعد الأخرى، لا تُكلِّميني عن ثمنها يا لاينا. فَكِّري في الضيعة.
لاينا : نعم يا سيد بونتيلا، ولكن هل أنت مُتأكدٌ من نَفسِك؟
بونتيلا : إن فضيحة سوركالا الذي لم أَطرُده في الشارع درسٌ لي. يجب أن يحضر ماتي كذلك في الحال. إنه روحي الشريرة.
لاينا : آه! لقد أعد سوركالا حقائبه، وهو الآن يَفُكُّها!

(تخرج لاينا مسرعة. يدخل سوركالا وأطفاله.)

بونتيلا : لم أطلب أن تُحضِر عيالك معك. لقد طلبتُ أن أتكلَّم معك أنت.
سوركالا : أعرف يا سيد بونتيلا؛ ولذلك أحضرتهم معي، يمكنهم أن يسمعوا؛ فلا ضرر عليهم من ذلك.

(صمت، يدخل ماتي.)

ماتي : صباح الخير، يا سيد بونتيلا. كيف حال الصداع؟
بونتيلا : ها هو الخنزير، ما هذا الذي أسمعه عنك من جديد؟ ماذا دبَّرتَ وراء ظهري؟ ألم أُحذِّرْك بالأمس فقط من أنني سأطردك وأَحرِمك من الشهادة؟
ماتي : نعم يا سيد بونتيلا.
بونتيلا : اخرس! لقد شَبعتُ من وقاحتك وردودك عليَّ! أصدقائي كشفوا لي عنك. كم دفع لك سوركالا؟
ماتي : لا أدري ماذا تقصد، يا سيد بونتيلا؟
بونتيلا : ماذا؟ أتريد أن تُنكِر الآن أنك تتآمر مع سوركالا؟ وأنت نفسك أحمر. وقد عَرفتَ كيف تمنعني من تسوية حسابه في الوقت المناسب.
ماتي : بعد إذنك يا سيد بونتيلا. لقد نفَّذتُ أوامرك فقط.
بونتيلا : كان يجب أن تعرف أن أوامري كانت بغير معنًى ولا عقل.
ماتي : معذرة! إن أوامرك لا يمكن التفرقة بينها بوضوح. ولو أنني لم أُنفِّذ غير الأوامر التي لها معنًى لَطردتَني بحجة أنني كسول ولا أعمل شيئًا على الإطلاق.
بونتيلا : لا تضايقني، أيها المجرم. أنت تعلم تمامًا أنني لا أطيق هذه العناصر المُشاغِبة في ضيعتي. إنهم يثيرون الناس حتى يمتنعوا عن الذهاب إلى الحقل ما لم يأكلوا بيضةً على الإفطار، أيها البلشفي! إن الكحول هو الذي مَنعَني من طرده في الوقت المناسب وعليَّ الآن أن أدفع له حساب ثلاثة شهور. أمَّا أنت فقد كانت الحكاية عندك محسوبة!

(لاينا وفينا تحضران زجاجات الخمرة بلا توقُّف.)

بونتيلا : المسألة جِدٌّ في هذه المرة يا لاينا! وهكذا ستَرون أنني لا أكتفي بالوعود، بل أُعدِم الكحول كله بالفعل. في المرات السابقة كُنتُ للأسف لا أصل إلى هذا الحد؛ ولذلك كُنتُ أحتفظ دائمًا بزجاجة تكون تحت يدي لكي أواجه بها لحظات ضعفي. كانت الخمرة هي سبب المتاعب كلها. لقد قرأتُ مرةً أن الخطوة الأولى نحو العفة والاستقامة هي عدم شراء الكحول. هذا شيء لا يعرفه إلا القليلون، ولكن إذا وُجِدَ الكحول، فيجب على الأقل أن نقضي عليه. (لماتي): لقد تَعمَّدتُ أن تكون حاضرًا معي لترى ما سأفعله. إنه سيفزعك أكثر من أي شيءٍ آخر.
ماتي : أجل يا سيد بونتيلا. هل آخذ الزجاجات لِأَكسِرها في الفِناء بدلًا منك؟
بونتيلا : لا. أنا سأكسرها بنفسي. أيها الوغد! يجوز أن يعجبك هذا الكونياك العظيم (يرفع الزجاجة في يده ويفحصها) فتحاول أن تُعدِمه بإفراغه في جوفك!
لاينا : لا تنظر طويلًا إلى الزجاجة يا سيد بونتيلا. ارمِها على الفَورِ من النافذة!
بونتيلا : معك حق، (في برودٍ لماتي): لن تُغريَني على الشرب بعد الآن، أيها الخنزير. أنت لا تُحس بالسعادة إلا إذا رأيتَ الناس يتمرَّغون أمامك كالخنازير. أمَّا الحماس الحقيقي للعمل فأنت لا تعرفه. ولولا خوفك من أن تموت جوعًا ما حرَّكتَ إصبعًا، أيها الطُّفَيلي! تفرض نفسك عليَّ، وتُضيع لياليَّ في حكاياتك القذرة، وتُحرِّضني على إهانة ضيوفي، ولا يُرضيك إلا أن تجر كل شيء في الوحل الذي جئتَ منه! أنت وجه سُجون! وقد اعترفتَ لي لماذا طردوك من كل مكان اشتغلت فيه. وقد ضَبطتُكَ وأنت تُثير نساء كورجيلا عليَّ، أنت عنصرٌ مُخرِّب!

(يبدأ بلا وعيٍ في ملء كأسٍ أحضرها له ماتي.)

أنت تمقتني، وتظن أنك تضحك عليَّ بحاضر يا سيد بونتيلا!
لاينا : يا سيد بونتيلا!
بونتيلا : دعيني! لا تخافي عليَّ! أنا أجربه فقط لِأتأكَّد من أن التاجر لم يَغُشَّني وأحتفل بقراري الذي لا يتزعزع! (لماتي): ولكنني كشفتُك من أول لحظة، وكنت أُراقبك إلى أن تَفضحَ نفسك؛ ولذلك شربتُ معك بدون أن تَشُكَّ في شيء. (يستمر في الشراب) ظننتَ أن في إمكانك أن تُضللني وأن تستغل الموقف لمصلحتك وتُغريَني على السكر معك طول النهار، ولكنك مخطئ. لقد فتح أصدقائي عينيَّ عليك؛ ولذلك فأنا أشكرهم وأعترف بجميلهم، وأشرب هذه الكأس في صحتهم! إنني أنتفض من الفزع حين تعود بي الذاكرة إلى تلك الحياة، الأيام الثلاث في فندق البستان، والسفر بحثًا عن الخمرة القانونية، ونساء كورجيلا. يا لها من حياة خالية من المعنى والعقل. عندما أتذكر راعية البقر في ساعة الفجر! كانت تريد أن تستغل الظروف لمصلحتها. كان صدرها ناهدًا واسمها ليزو على ما أظن. وأنت أيها الوغد كنت بالطبع دائمًا معي. كانت أوقاتًا حلوة، يجب أن تعترف بهذا، ولكنني لن أُزوِّجك ابنتي، أيها الخنزير. لاحظ أنني لم أقل أيها الوغد. أعترف بأن هذا ظلمٌ لك.
لاينا : يا سيد بونتيلا. أنت تشرب من جديد.
بونتيلا : أشرب! هل تُسمِّين هذا شربًا؟ زجاجةً أو زجاجتَين؟ (يمد يده إلى الزجاجة الثانية) اكسري هذه (يعطيها الزجاجة الفارغة) حَطِّميها. لا أُريد أن أراها، قلت لكِ هذا. ولا تنظري إليَّ هكذا كما نظر المسيح إلى بطرس. لا أُطيق أن يبحث أحدٌ عن زلةٍ في كلامي. (مشيرا إلى ماتي) إن الوغد يسحبني معه إلى أسفل، ولكنكم تريدون أن أتعفَّن هنا وآكُل أظافري من الملَل! أية حياةٍ هذه التي أعيشها هنا؟ لا شيء سوى تعذيب الناس طُولَ النهار وحساب العلف للأبقار! اخرجوا أيها الأقزام!

(لاينا وفينا تخرجان، وهما تهزَّان رأسَيهما.)

بونتيلا (وهو يُتابعهما ببصره) : مساكين! بلا خيال! (لأبناء سوركالا): اسرقوا. انهبوا. كونوا حمرًا، ولكن لا تكونوا أقزامًا. هذه نصيحة بونتيلا لكم. (لسوركالا) معذرة إذا كُنتُ أتدخَّل في تربية أولادك. (لماتي) افتح هذه الزجاجة.
ماتي : أتعشَّم أن يكون البونش على ما يُرام وألَّا يكون «مُفلفلًا» كما حدث أخيرًا. يجب أن يحتاط الإنسان دائمًا من «أوسكالا» يا سيد بونتيلا.
بونتيلا : أعرف؛ ولذلك أحتاط دائمًا؛ فأنا أبدًا دائمًا بجرعةٍ صغيرة جدًّا؛ بحيث يمكنني أن أَبصُقها إذا لاحظتُ فيها شيئًا، ولولا هذا الاحتياط الذي تعوَّدتُ عليه لَنزلَت أَقذرُ القاذورات في جوفي. خذ لك زجاجة يا ماتي، بحق السماء. لقد عَزمتُ على أن أحتفل بقراراتي التي صمَّمتُ عليها؛ لأنها قراراتٌ لا تتغير، وهذه دائمًا مسألةٌ صعبة في صحتك يا سوركالا.
ماتي : هل يمكنهم إذن أن يَبقَوا في الضيعة يا سيد بونتيلا؟
بونتيلا : هل يجب أن نتكلم في هذا الموضوع، ونحن الآن بيننا وبين بعض؟ أنت تُخيِّبُ أملي فيك يا ماتي. إن بقاء سوركالا ليس في مصلحته؛ فبونتيلا ضيقةٌ بالنسبة له. إن الحياة فيها لا تعجبه، وأنا أفهم وجهة نظره، ولو أنني دخلتُ في جِلده لفكَّرتُ نفس التفكير، ولكان بونتيلا في رأيي رأسماليًّا حقيرًا، وهل تعلمون ماذا كنت أفعل معه؟ كنت أرسلته إلى منجم مِلح؛ لكي يتعلم معنى العمل، هذا الطفيلي. هل معي حق يا سوركالا؟ بلا مجاملات!
ابنة سوركالا الكبرى : ولكننا نريد أن نبقى يا سيد بونتيلا.
بونتيلا : لا! لا! سوركالا سيذهب، ولن تستطيع عشرة خيول أن تُوقفه. يذهب إلى مكتبه فيفتحه ويُخرج منه مبلغًا من النقود يُعطيه لسوركالا. ناقص عشرة. (للأطفال): افرحوا لأن لكم أبًا يتحمل كل شيء في سبيل عقيدته. أنت الكبيرة يا هيللا، فكوني عونه. والآن جاء وقت الوداع.

(يمد يده لسور كالا. سوركالا يرفض أن يسلم عليه.)

سوركالا : تعالَيْ يا هيللا، سنحزم حقائبنا، لقد سمِعتُم كل ما يمكن أن يُسْمَع في بونتيلا، تعالَوا (يخرج مع أطفاله).
بونتيلا (في تأثُّر) : يدي لا تستحق أن يُسلِّم عليها. هل لاحظتَ كيف انتظرتُ أن يقول لي شيئًا وهو يُودعني، ولو كلمةً واحدة، ولكنه لم يقل شيئًا؛ فالضيعة في رأيه قذارة. إنه بلا جذور. الوطن عنده كلمة بلا معنى؛ لذلك تركتُه يذهب عندما أصر على الذهاب. لحظةٌ مريرة (يشرب) أنت وأنا، نحن مختلفان يا ماتي. أنت صديقٌ ودليلٌ على الطريق الوعر. إنني أحس بالعطش، بمجرد النظر إليك، كم أعطيك في الشهر؟
ماتي : ثلاثمائة ماركَا، يا سيد بونتيلا.
بونتيلا : سأرفعها إلى ثلاثمائة وخمسين؛ لأنني راضٍ عنك بنوع خاص. (وكأنه يحلُم) ماتي. أريد أن أَتسلَّق معك جبل «هاتيلما»، لكي ترى المنظر المشهور من هناك، ولكي تعرف في أي بلدٍ جميل تعيش. سوف تعَضُّ أصابعك من الندم؛ لأنك لم تعرف ذلك من قبلُ. هل سنصعد جبل هاتيلما يا ماتي؟ أعتقد أن ذلك ممكن، نستطيع أن نتسلَّقه بالخيال. تكفي بضعة كراسي.
ماتي : أنا مُستعدٌّ أن أفعل كل ما يخطر على بالكَ ما دمنا بالنهار.
بونتيلا : لا أدري إن كان عندك الخيال المطلوب.

(ماتي يسكت.)

بونتيلا (يصيح) : ابنِ لي جبلًا يا ماتي! لا تبخل بشيء! لا تخف من شيء! اجمع أضخم الصخور، وإلَّا لمَا كان هو جبل هاتيلما، ولا تمتَّعنا بالمنظر المشهور.
ماتي : رغباتك كلها مجابة يا سيد بونتيلا، واعلم أيضًا أنه لا يمكن التفكير في ساعات العمل الثمانية طالما أنك تُريد أن يكون لك جبلٌ في قلب الوادي.

(ماتي يُحطِّم بركلاتٍ من قدمَيه ساعةَ حائطٍ ثمينةً ودولابًا ضخمًا للأسلحة ويبني من الأنقاض ومن بعض الكراسيِّ التي يضعها على مائدة البلياردو جبل هاتيلما.)

بونتيلا : خذ أيضًا هذا الكرسي الموضوع هناك! اتبع إرشاداتي لكي تبني جبل هاتيلما بسهولة؛ فأنا أعرف ما هو ضروري وما لا ضرورةَ له، وأنا الذي أتحمل المسئولية. أنت تحب أن تبني جبلًا لا يساوي شيئًا؛ أي لا يضمن لي منظرًا ولا يُدخل السرور على نفسي؛ ذلك لأن العمل وحده هو الذي يهمك، أمَّا أنا فيهمُّني أن أُوجِّه هذا العمل إلى هدفٍ نافع. والآن أريد أن تشُق لي طريقًا إلى أعلى الجبل؛ طريقًا أستطيع أن أجُرَّ عليه وزني الذي يبلغ مائة كيلو وأصعد عليه وأنا مستريح. وإذا لم تُمهَد هذا الطريق فسوف أَتبرَّز عليكَ أنت وجبلِك، لكي تعرف أنك عاجزٌ عن التفكير! أنا أفهم في قيادة الناس. أُريد أن أعرف كيف يُمكنك أن تقودَ نفسَك بنفسِك؟
ماتي : ها هو الجبل قد تم، يمكنك الآن أن تتسلقه. إنه جبل وبه طريق، ليس جبلًا ناقصًا كتلك الجبال التي خلقها الله على وجه السرعة، في ستة أيامٍ فحسب، مما اضطره إلى خلق عددٍ هائلٍ من العبيد لكي يُمكنك أن تَستفيدَ بهم يا سيد بونتيلا.
بونتيلا (يبدأ في الصعود) : ستنكسر رقبتي.
ماتي (يُمسك بيده) : قد يحدُث لك هذا أيضًا على الأرض إذا لم أَسنِدْكَ.
بونتيلا : ولذلك أخذتُك معي يا ماتي، وإلا لما أَمكنَك أن ترى البلد الجميل الذي أنجبك والذي لولاه لكُنتُ قذرًا، فاعترف له بالجميل!
ماتي : أنا معترفٌ بجميله عليَّ حتى القبر، ولكنَّني لا أدري إن كان هذا كافيًا؛ فقد قرأتُ في «هلسنكي سانومات» أن من الواجب أن يعترف له الإنسان بالجميل حتى بعد الموت.
بونتيلا : يجب أن تَشكُره على الحقول والمراعي، ثم على الغابات، بأشجارها الصنَوبَرية التي تمتد بجذورها في الصخور وتحيا على العدم، حتى لَيَعجَب المرء كيف يمكنها أن تعيش في مثل هذا الضنك!
ماتي : كان من الممكن أن يكونوا عُمالًا مثاليِّين.
بونتيلا : ها نحن نصعد، يا ماتي، نرتفع إلى الأعالي. أبنية البشر ومنشآت أيديهم تتراجع، ونحن نَتوغَّل في الطبيعة الخالصة فنكشف عن عُرْيها وحقيقتها. تخلَّص الآن من كل همومك الصغيرة وهَبْ نفسك للانطباع الهائل يا ماتي.
ماتي : أنا أفعل ما أَقدِر عليه يا سيد بونتيلا.
بونتيلا : آه يا تافاستلاند المباركة! فلنَشربْ جرعةً أخرى، لكي نرى جمالك كله!
ماتي : لحظةً واحدة، حتى أهبط من الجبل لأحضر النبيذ الأحمر! (يهبط ثم يتسلق الجبل مرةً أخرى.)
بونتيلا : أنا أسأل نفسي: هل يمكنك أن ترى كل هذا الجمال؟ هل أنت من تافاستلاند؟
ماتي : نعم.
بونتيلا : إذًا فأسألك: أين تُوجد مثل هذه السماء التي ترتفع فوق تافاستلاند؟ لقد سمعتُ أن لونها في البلاد الأخرى أَشَد زُرقة، ولكن السحب هنا أرق، والرياح الفنلندية أهدأ، ولن أقبل زُرقةً أخرى، ولو كان لي الخيار. وعندما يطير البجع البري قادمًا من البحيرات، أهذا قليل؟ لا تدع أحدًا يحكي لك شيئًا عن البلاد الأخرى يا ماتي فسوف تخسر. ابقَ على إخلاصك لتافاستلاند، هذه نصيحتي لك.
ماتي : نعم، يا سيد بونتيلا.
بونتيلا : وهذه البُحيرات وحدها! دعك من الغابات إذا شِئتَ. هناك الغابات التي أمتلكها. الغابة الواقعة على اللسان سآمُر بقطعها. انظر إلى البُحيرات وحدها، لتكتفِ بثلاثٍ أو أربعٍ منها. دعكَ أيضًا من الأسماك التي تملؤها. املأ عينَيك من البُحيرات في الصباح. يكفي أنك لن تفكر في البعد عنها، بل ستموت شوقًا إليها وأنت في الغربة، وعندنا ثمانون ألف بُحيرة منها في فنلندا!
ماتي : حسنًا، سألتفت إلى المنظر وحده!
بونتيلا : هل ترى هذا الجرَّار البخاري الصغير بِصَدره الذي يشبه «البول دوج» وجذوع الأشجار في نور الفجر؟ هل ترى كيف تَسبَح في المياه الدافئة، محزومة ومقشرة؟ ثروة صغيرة. أنا أشم رائحة الأخشاب الطازجة على بُعْدِ عشرة كيلومترات، هل تشمها أنت أيضًا؟ روائح تافاستلاند، كيف نجد الكلام الذي يُعبِّر عنها؟ خذ مثلًا التوت! بعد أن تَسقُط الأمطار وأوراق الغاب، بعد أن تخرج من الحمَّام البُخاري ويجلدوك بالأغصان السميكة، وكيف تصل رائحتها إليك وأنت ما تزال في الفراش، أين تجد هذا كله؟ أين تجد مثل هذا المنظر؟
ماتي : لا نظير له، يا سيد بونتيلا.
بونتيلا : إنه أحب ما يكون إليَّ عندما يتلاشى في الأفق البعيد، تمامًا كما يُغمِض الإنسان عينَيه في بعض لحظات الحب ويتلاشى كل شيءٍ أمامه. أعتقد أن مثل هذا الحب لا وجود له إلَّا في تافاستلاند.
ماتي : كانت لدينا كهوف في مسقط رأسي، انتثرت أمامها الأحجار المستديرة اللامعة كالكُريات المخروطية.
بونتيلا : هل كنتم تَندسُّون فيها؟ هه؟ بدلًا من أن ترعَوا البقر! انظر! أنا أرى بعضها يستحم على شاطئ البُحيرة!
ماتي : وأنا أيضًا أراها، خمسون بقرةً على الأقل.
بونتيلا : بل ستون. ها هو القطار، إذًا أنصتُّ جيدًا، استطعتُ أن أسمع رنين أقساط اللبن.
ماتي : نعم، إذًا أنصتَّ جيدًا.
بونتيلا : نعم، يجب أن أريك تافا ستهوز، المدينة القديمة، عندنا أيضًا مدن. هناك أرى فندق البستان، عندهم نبيذٌ جيد، أوصيك به. دعنا من القلعة؛ فقد أقاموا فيها سجنًا للنساء. كان ينبغي ألا يتدخَّلن في السياسة، ولكن انظر إلى الطواحين البخارية، أليست رائعةً على البعد؟ ألا تبعث الحياة في الريف؟ والآن، ماذا ترى إلى اليسار؟
ماتي : نعم، ماذا أرى؟
بونتيلا : الحقول بالطبع! تراها على مدى البصر، والحقول التي يملكها بونتيلا تراها هناك، وبالأخص البرية. إن أرضها من الخصوبة بحيث أستطيع أن أحلب الأبقار ثلاثَ مراتٍ في اليوم إذا تركتُها ترعى الكلأ، وسنابل القمح تصل إلى ذقنك وتؤتي محصولها مرتَين في السنة، غنِّ معي:
وأمواج الروان المحبوب
تُقبِّل الرمال البيضاء كالحليب.

(تدخل فينا ولاينا.)

فينا : يا إلهي!
لاينا : خرَّبوا المكتبة كلها!
ماتي : نحن نقف الآن على قمة هاتيلما ونتمتع بالمنظر!
بونتيلا : غنُّوا معنا! ألا تُحبون الوطن؟
الجميع (ما عدا ماتي) :
وأمواج الروان المحبوب
تقبل الرمال البيضاء كالحليب.
بونتيلا : تافاستلاند! أيتها الأرض المباركة! بسمائها وبحيراتها وشعبها وغاباتها! (لماتي): قل إن قلبك يطير من الفرح عندما ترى هذا!
ماتي : قلبي يطير من الفرح، عندما أرى غاباتك يا سيد بونتيلا!

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.