توطئة

لعل هذا التنويه جدير بذكاء قارئنا، الذي لا ريب يعلم ما تعرضنا له مؤخرًا، من إرهابٍ فكري ومصادرة لكتابنا رب الزمان، والذي صحبته رحلةٌ قاسية بين أروقة المباحث المصرية ونيابة أمن الدولة، والقضاء ورهاب قفص الاتهام، واحتمالات الاعتقال أو القتل. ورغم أن العقبى كانت لنا بعد معركةٍ فكرية، أصررنا فيها على عدم التراجع عن كلمةٍ قلناها، لا بالتصريح ولا بالتلميح ولا بالتأويل، فإن المناخ السائد في مصر الآن، الذي يشبه من جوانبَ كثيرة «طالبان الأفغانية»، يفرض علينا ذلك التنويه وهذا التنبيه الواضح الفصيح، أكرر لا علاقة البتة بين دراستنا هنا حول موسى التوراتي، وبين النبي موسى كما جاء في الإسلام، بل قصدنا بالعمد قصدًا قصر الدراسة على موسى التوراتي، بفرض أنه كان شخصًا حقيقيًّا تاريخيًّا وليس مجرد أسطورة، «لنرى إلى أين يمكن أن يصل بنا البحث، حسب معطيات التوراة وعلوم التاريخ».

ومن الجدير بالذكر أنه أثناء بحثنا في النبي موسى، قد اكتشفنا الإجابة على بعض التساؤلات، التي سبق وطرحناها في كتابنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول»، وكنا قد طرحنا بعض الحلول العجلى في كتاب النبي إبراهيم، ثبت لنا الآن أنا كنا فيها مخطئين، وهو كتابٌ مضى عليه أكثر من ثلاثين عامًا، وصل بعدها الكاتب إلى النضوج الراشد، خاصةً ما تعلق منها بكتاب «إبراهيم» بتفسير التواجد الثقافي المصري القديم في جزيرة العرب، وهو ما ألجأنا في كتاب النبي إبراهيم، إلى افتراض هجرةٍ مصرية إلى جزيرة العرب، تركت هذه المؤثرات، لكنَّا الآن نذهب مذهبًا آخر في تفسير ذلك، ستفصح عنه صفحات هذا الكتاب.

وقد عمدنا إلى تقسيم هذا العمل في طبعته الأولى إلى أربع وحدات، ثم إدماج الجزء الرابع في الجزء الأول في هذه الطبعة، التي بين يديك ليصبح ثلاث وحدات (أجزاء) هي كالتالي:
  • (١)

    تمهيدٌ تاريخي مع إعادة ترتيب جغرافية الخروج.

  • (٢)

    إعادة ترتيب أحداث التاريخ.

  • (٣)

    آخر أيام تل العمارنة.

وفي الوحدة الأولى المقسَّمة إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، حاولنا الإجابة على استفساراتٍ مفترضة، حول عدة موضوعات بحاجةٍ إلى إيضاح أوَّلي، مثل طبيعة الإله التوراتي، ومدى اتفاقه أو اختلافه عن مفهوم الألوهية عند الشعوب الأخرى في زمانه، وكان طبيعيًّا أن نعرج على الوعاء القدسي للمفاهيم التوراتية: الكتاب المقدس، وبالتحديد العهد القديم منه، فعرضنا أقسام العهد القديم كما هي بكتابها، ومصادر ذلك الكتاب حسبما انتهت إليه المدارس البحثية، ولم يفتنا أن نحاول تتبع الطرق التي استخدمت في تدوين تلك الوثيقة الشديدة الأهمية، وبأي لغة كتبت، مع البحث عن مساحات الصدق التاريخي في العهد القديم، وما رواه من أحداث، بالمطابقة مع الكشوف التاريخية والأركيولوجية.

ثم كان لا بد من تعريفٍ واضح للقبيلة صاحبة التوراة، والمعرفة بالقبيلة الإسرائيلية، مع إطلالةٍ سريعة على الفترة التي تواجد الإسرائيليون فيها بمصر وخروجهم منها، بحسبانها النقطة المفصلية في تاريخ القبيلة الإسرائيلية.

وعند هذه النقطة المركزية وقفنا هنيهةً، نستمع لأهم النظريات المطروحة في مسألة دخول بني إسرائيل مصر، ثم خروجهم منها، وموعده الزمني وخطوات رحلة الخروج عبر مواضع جغرافية ذكرتها التوراة، لم تعد اليوم مواضعَ دقيقة لتغيُّر أسماء المواضع الجغرافية عبر الزمن، بل وتغيُّر الجغرافيا نفسها بتحولات فروع نهر النيل، خلال هذا الزمن الطويل؛ مما أدى إلى خلفٍ كبير بين الباحثين، حول خط سير الخروج، وهو الأمر الذي استدعانا لطرح رؤيةٍ جديدةٍ تدقيقية، حول مواضع خط سير الخروج الإسرائيلي من مصر، وبتحديد مواضع إقامة الإسرائيليين في مصر، ومواضع خط الخروج نختتم الوحدة الأولى من هذا العمل …

أما الوحدة الثانية، والتي نزعم أنها العمود الفقري للعمل جميعه، فهي ما اعتدنا عمله في أعمالنا السابقة تحت عنوان «تأسيس» بديلًا عن المقدمة، «لكن التأسيس هنا يعادل في حجمه وفي كيفه بقية الكتاب جميعًا». حيث نظننا قد تمكنَّا في هذا التأسيس من اكتشاف طرف الخيط في شرنقةٍ معقدة، من الألغاز التاريخية غير المحلولة، أو التي سبق حل بعضها بحلولٍ متعجلة ومتسرعة، أدت إلى تراكماتٍ من الأخطاء، تحوَّلت بمرور الوقت إلى لونٍ من الحقائق الثابتة، خاصةً عند المؤرخين التقليديين، وعندما نشرنا الفصول الأربعة الأولى من الباب الأول في هذا التأسيس، ثارت زوبعةٌ حادة، تزعَّم الطرفَ المقابل أو المعارض فيها أحدُ أساتذة التاريخ بجامعة الإسكندرية، دون أن ينتظر قراءة بقية العمل كاملًا.

على أية حال نحن لا نزعم إلا المحاولة، ولا يذهب بنا الظن حد تصور، أننا قد وضعنا النظرية النهائية التامة الصدق، فلا شك بقدر ما سيجد قارئنا من جهدٍ بين تلالٍ وطرق كالمتاهات، من المادة العلمية الهائلة في كمِّها وفي كيفها وفي تناقضاتها، بقدر ما سيجد من أخطاء ارتكبناها، لكن كل ما نرجوه أن تكون أقل وزنًا من المحاولات الناجحة.

وقد عمدنا في هذا التأسيس إلى أسلوبٍ جديد إلى حدٍّ ما، قياسًا على أعمالنا السابقة، بحيث تركنا مساحةً أوسع للقارئ ليشاركنا التقاط مكامن الأخطاء بين شراكٍ معقدة، وليشاركنا أيضًا متعة البحث والاستقصاء، ومتعة الفرح بالكشف العلمي، إذا جاز لنا وصف ما وصلنا إليه بالكشف.

وعلى هذا الذي أسميته كشفًا، أعدت قراءة علاقة القبيلة الإسرائيلية بمصر، على كافة الأصعدة والمستويات الممكنة، ثم علاقتها ببقية شعوب المنطقة، مع إعادة قراءة قصتَي دخول بني إسرائيل مصر وخروجهم منها، لتفضي بنا تلك القراءة إلى نتائج هي بقدر جدتها بقدر خطورتها، وقد ضفرنا تلك القراءة مع ما وصلنا إليه في التأسيس، وذلك في الوحدة الثالثة «النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة»، التي ركزت همها البحثي في اكتشاف الحقائق الغائبة وراء النصوص المُعلنة في علاقة الفرعون إخناتون بشخصيتَين أُخريَين هما: موسى نبي اليهودية، وأوديب الملك اليوناني صاحب الملحمة المشهورة في المسرح اليوناني.

ولأننا تعرضنا بطول الوحدات الثلاث إلى تفاصيلَ صغيرة، حاولنا معها ضبط بعض التفاصيل الدقيقة، كالكشف عن اسم فرعون يوسف وزمنه، واسم فرعون موسى وزمنه، فكان لا بد من استكمال سلسلة الحلول الصغيرة، لنستكمل تضفير المشهد الأكبر للوحة الأساسية لكتابنا، ونقصد النظرية التي وضعناها في التأسيس لقراءة الموسوية والإخناتونية، على أرضٍ تاريخية أقرب إلى الصحة والسلامة.

ولأن الكتاب بين يديك، وفيه تفاصيل بها كفاية وغنًى عن أي مقدماتٍ تفصيلية، فسنكتفي هنا بمحاولة التوطئة تلك، لنترك القارئ أمام العمل مباشرة، لكنا نستميح قارئنا عفوًا ونحن نكرر: «نرجو أن نكون قد ارتكبنا أقل قدر ممكن من الأخطاء، وأكبر قدر ممكن من الكشوف الصادقة، وهي الكشوف التي أزعم أني — أبدًا — لم أكن مسبوقًا إليها.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤