الفصل الأول

رعمسيس تلك المدينة اللغز!

نختصر الموقف من علاقة الهكسوس بالإسرائيليين، بكوننا نحتسب افتراضنا أن بني إسرائيل قد دخلوا مصر في زمن الهكسوس كفصيلٍ قبليٍّ نسيب، وهو الفرض الذي سنقيم الدليل عليه بطول هذا الكتاب.

كان آخر ملوك الهكسوس على مصر، هو الملك أسيس الملقب بلقب أبوفيس الثالث، وذلك حسبما ورد عند يوسفيوس نقلًا عن المصري مانيتو، وهو ما طابق قائمة الملوك المعروفة باسم بردية تورين، وهو الملك الأخير من الحكام الأجانب، وقلنا إنه قد بدأت الثورة ضده من طيبة، بقيادة الملك سقننرع وولدَيه كامس ثم أحمس، وحسب القصة التوراتية تمكن يوسف ببراعةٍ إسرائيلية من الوصول إلى الحظوة الملكية، فصار وزيرًا لخزانة الهكسوس في مصر، ثم تمكنت الثورة المصرية من الإطاحة بالاحتلال، ليقلب الزمان لبني إسرائيل وجهًا مخالفًا، تمثله بصدق — وتطابق على صدقنا أسفار — التوراة إذ تقول:

«ثم قام ملكٌ جديد على مصر، لم يكن يعرف يوسف» … فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلُّوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن: «فيثوم، ورعمسيس». (خروج، ١: ٨–١١)

النص يقول إن ملكًا جديدًا قد قام على حكم مصر، وهو أمرٌ طبيعي، وربما يعني موت الملك السابق أسيس الهكسوسي، ومجيء ملكٍ جديد، لكن النص هنا يحمل دلالاتٍ أخرى؛ لأنه لو كان الأمر قد سار على الوتيرة المنطقية للأحداث، لكان ضروريًّا أن يعرف الملك الجديد، الذي نشأ بالبلاط وعاينه وارتقى فيه المناصب، من هو يوسف ومن هم أهله؟ خاصةً أن يوسف كان يشغل أحد أهم المناصب الكبرى في الدولة، لكن النص يقول إن هذا الملك الجديد، لم يكن صاحب علاقةٍ مباشرة بيوسف، أي إنه جاء من خارج البلاط الحاكم المعروف ليوسف حينذاك، ليس هذا فقط، بل جاء وهو يحمل ليوسف وأهله ضغينةً شديدة وكراهيةً عظيمة حتى إنه استعبدهم قصدًا نكاية وسخرهم في بناء مدينتين للمخازن: الأولى باسم فيثوم والثانية باسم رعمسيس.

لقد قالت التوراة ذلك قبل اكتشاف حجر رشيد، وفك رموز اللغة الهيروغليفية بقرونٍ بعيدة، لكنا قد أصبحنا نعرف الآن من علوم المصريات مصداقية تلك التسميات؛ لأن فيثوم هي «بر-آتوم» أو بالنطق الملتبس بالسامي «بي-توم» بإسقاط حرف الراء المعترض والثقيل، و«بر» أو «بي» أو «في» تعني المقر أو البيت أو المعبد أو المسكن أو الفم، أو المصب أو أول الطريق أو نهايته، فهي دلالة مكانية على الإطلاق، فهي بهذا المعنى تصبح «مقر آتوم»، وآتوم هو الإله المصري المعلوم الشأن، هكذا أخبرنا أصحاب علم المصريات عن مدينة «فيثوم» أو «بي توم»، أما «رعمسيس» فهي لا شك تلك التي كشف عنها علم المصريات الحديث، في المدونات المصرية التي تذكرها باسم «بر رعمسيس» أو «بي رعمسيس» أو «بي رعمسة»، حذف «ي س» وهو التصريف اليوناني المعلوم للأسماء، و«رع مس يس» هو اسم لسلسلةٍ من الفراعين حكموا مصر، بدءًا من الأسرة التاسعة عشرة باسم سلالة الرعامسة، وبإسقاط حرف «ع» بالتخفيف، يصبح الاسم هو «رمسيس» المتداول حتى الآن، كمسمى بين المصريين المسيحيين بالذات، وإن أكد لنا المصرولوجيون أن مدينة رعمسيس يجب أن تنتسب تحديدًا للفرعون العظيم المحارب وعاشق المعمار، الذي لم يترك مقاطعة في مصر، إلا وترك فيهما آثارًا باسمه والمعروف باسم «رمسيس الثاني»، وهو والد الفرعون مرنبتاح صاحب لوح إسرائيل المشهور، وبسبب ذلك اللوح تم استنتاج أن رمسيس الثاني، كان هو فرعون الاضطهاد الذي سخر الإسرائيليين الأسرى بمصر، في أعماله الإنشائية الكبرى، أما ولده مرنبتاح فكان هو فرعون الخروج الإسرائيلي من مصر زمن النبي موسى.

لكن إذا كان باني المدينة ومنشئها لأول مرة هو رعمسيس الثاني، فإن ذلك سيتضارب مع رواية التوراة حول استقرار يوسف وإخوته في مدينة رعمسيس، قبل زمن رعمسيس الثاني بزمان، منذ استقر فيها يوسف وإخوته قبل أربعة أجيال من زمن الخروج الموسوي، حسبما تقول التوراة أي قبل زمن رمسيس الثاني ﺑ ٤٣٠ سنة حسب التوراة المازورية، أو ٢١٥ سنة حسب التوراة السبعونية، وهي المشكلة التي واجهت أحمد عثمان فحاول حلها بالقول: إن تسمية المدينة باسم رعمسيس، لا تعود إلى رعمسيس الثاني، إنما إلى رعمسيس آخر، خاصة أن عثمان يرفض النظرية، التي تربط بين الاستعباد الإسرائيلي وبين رمسيس الثاني؛ لذلك يلجأ إلى الضابط رعمسيس الذي أصبح فيما بعدُ رعمسيس الأول، وكان قد تولى مناصبه زمن العمارنة، ثم حكم بعد سقوط أسرة العمارنة، وبعد انتهاء حكم حور محب مؤسس الأسرة ١٩، لكنه في رأينا كان حلًّا شديد التعسف والتكلف؛ لأنه من الصعب تصور مدينةٍ مصريةٍ كبرى، تنسب في نشأتها واسمها إلى ضابطٍ صغير، لم يكن متوقعًا ماذا سيكون مستقبله حين نشأتها، ومن ثم نتصور من جانبنا، أن ما حدث هو أن المحرر التوراتي، قد ذكر المدينة بالاسم الذي كان قد استقر، وأصبح مشاعًا معلومًا زمن تدوينه ذلك النص، وهو ما ذهب إليه باحثٌ رصين مثل فراس السواح، إذ يقول: «في الحقيقة إن أرض رعمسيس ومدينة رعمسيس، مما ورد ذكره في سفر الخروج، مسألة لا يمكن الاعتماد عليها في تحديد زمن الخروج؛ لأن المحرر التوراتي قد استخدم اسم أرض رعمسيس، في الإشارة إلى منطقة الدلتا منذ أيام يوسف، أي قبل بناء مدينة رعمسيس بحوالي خمسمائة عام (أي قبل زمن رمسيس الثاني، بفرض أنه هو باني المدينة [المؤلف])، وهذا يعني أن المحرر التوراتي الذي كان يكتب سفر الخروج في فترةٍ متأخرة من الألف الأول قبل الميلاد، قد استخدم الاسم الذي يعرفه لمنطقة الدلتا، بصرف النظر عن ارتباط هذا الاسم بفترةٍ تاريخية معينة.»١
وبهذا المعنى أجرى «روبنسون» أبحاثه، وانتهى إلى القول: «لعل ذكر بيثوم Pithom ورعمسيس، «تفسير متأخر من كتاب القصة»، وأن القصة في صورتها الأصلية لم تسمِّ هذه المدن.»٢
وبالفعل فإنك تجد تسمية رعمسيس لموضع سُكنى الإسرائيليين بمصر، يبدأ مبكرًا جدًّا وليس متأخرًا مع الاضطهاد وظهور موسى، فقد كانت المدينة موجودة زمن يوسف، وزمن الدخول إلى مصر، وإذا كنا من جانبنا نؤكد أنه دخل زمن الهكسوس، فهو ما يعني أنه دخل عاصمة الهكسوس المصرية حواريس، قبل أن يحكم مصر أي فرعون باسم رمسيس، لكن المحرر المتأخر عندما كتب القصة، كتب اسم المدينة المتداول «رعمسيس»، وهو الاسم الذي كان متداولًا حتى عهده، وهو ما يعني أن رعمسيس هي ذات عين حواريس الهكسوسية، والنص المقصود هو الذي يقول:

فأسكن يوسف أباه وإخوته، وأعطاهم ملكًا في أرض مصر، في أفضل أرض مصر، في أرض رعمسيس، كما أمر فرعون. (تكوين، ٤٧: ١١)

هذا عن الترجمة العربية عن النص العبري المازوري، أما النص السبعوني اليوناني، فيورد ذات الكلام مطابقًا مع اختلافٍ وحيد لكنه تأسيسي، في كلمةٍ واحدة هي اسم المدينة، التي سكنها الإسرائيليون في مصر، فبدلًا من «رعمسيس» تأتي التسمية اليونانية «هيروبوليس»، والتي تترجم عادةً ترجمة اعتباطية بمعنى «مدينة الأبطال»، فهل كانت مدينة حواريس الهكسوسية، هي بالتحديد التي حملت بعد ذلك اسم مدينة رعمسيس، أطلق عليها اليونانيون اسم هيروبوليس؟ أم أن هذه غير تلك غير الثالثة؟ هذا لغزٌ أول حول التسمية، ناهيك بعد ذلك عن تحديد الموضع الجغرافي التدقيقي، وفيه من الفروض والأقوال ما لم يلتقِ أبدًا مع بعضه البعض.

والتوراة تضع مدينة رعمسيس، وجارتها مدينة فيثوم أو بي توم، كمدنٍ رئيسية ضمن مقاطعة كبيرة، تسميها جاسان (أو باللسان العربي: غسان) فتقول:

وسكن إسرائيل في أرض مصر في أرض «جاسان»، وتملكوا فيها وأثمروا وكثروا جدًّا. (تكوين، ٤٧: ٢٧)

ثم لتزيدنا التوراة التباسًا تعطينا اسمًا آخر للمدينة، التي سكنها الإسرائيليون بمصر هو كما في النصوص:

قدام آبائهم صنع أعجوبةً في أرض مصر، بلاد صوعن، شق البحر فعبرهم ونصب المياه كند … جعل في مصر آياته وعجائبه في بلاد صوعن. (مزامير، ٧٨: ١٢، ١٣، ٤٣)

ونبدأ بالسؤال الملحاح الذي لم يجد حتى الآن إجابةً قاطعة بين مبعثرات التاريخ القديم وشظاياه: أين تقع المدينة التي اتخذها الهكسوس مركزًا عسكريًّا وإداريًّا في مصر، وجاءنا ذكرها عند المؤرخ المصري «مانيتون ق ٣ق.م.» باسم «حواريس» أو «أواريس»، أو «حواعرة» أو «هوارة» بالنطق المصري، علمًا أنها كانت تقع في مقاطعةٍ مصرية باسم «سترويت»؟ وهو ما نقله عن «مانيتو» مؤرخو العصر الكلاسيكي أمثال يوسفيوس ويوليوس الأفريقي وغيرهم.

إن البحث عن مقاطعة الإله سيت، التي تمركز فيها الهكسوس «سترويت» في جدول المقاطعات المصرية، التي دوَّنها المصريون القدامى بأنفسهم، وعلى تغير أسمائها عبر الزمن، أمرٌ غير مجد، فقد سعينا وراء تلك الجداول، ولم نجد أي ذكر لمقاطعة باسم «سترويت».

وللحل افترضنا احتمالَين: الأول أن تكون جداول المقاطعات المصرية قد ذكرتها باسمٍ آخر، والاحتمال الثاني يرتبط بالأول، إذ يحيل الاسم «سترويت» فورًا إلى الإله «سيت»، ومن ثم يحتمل أن يكون «مانيتو» قد نحت لها اسمًا منسوبًا إلى ربها المعبود «سيت»، فأسماها «سيترويت» نسبة إليه، بمعنى المقاطعة «الستية».

وحتى الآن، ورغم ما بذل من جهود، لم يوفق علماء المصريات إلى اتفاقٍ واضح حول موضع «حواريس»، وهو في أصله المصري «حواره»، مع إضافة التصريف الاسمي «يس»، وهو التلوين اليوناني الذي لحق إله المقاطعة «سيت»، فحمل الاسم اليوناني «تيفون»، لما يجع بين الإلهين: المصري واليوناني من صفات الشر والجدب والأفعال الرديئة الحمراء، ويتضح ذلك الدأب اليوناني في إطلاق أسماءٍ يونانية على جميع المدن والآلهة المصرية الأخرى.

وتعتقد جلَّةٌ محترمة من الباحثين، أن مدينة الهكسوس «حواريس» أو «حاوعرة»، هي ذات المدينة التي عرفت بعد ذلك باسم «تانيس»، إلا أن المشكل يظل قائمًا إذ لم يتم اتفاق الرأي حول موقع «تانيس» ذاتها؟ ولم يتم الاتفاق حول موضعها بشكلٍ قاطع، وإن كان من المتفق عليه وجوب البحث عنها على حدود الدلتا الشرقية مع سيناء، استنادًا إلى كون الإسرائيليين، وهم ساميون، قد عاشوا في تلك المناطق، وربما كانوا على علاقةٍ بالهكسوس، وقد رجحنا أن تكون تانيس هي القابعة تحت تل تنيس شمالي بحيرة المنزلة، وقد أطلقت التوراة على المدينة التي عاش فيها الإسرائيليون اسم «صوعن» (سفر العدد، ١٣: ٢٢) ولأن «صوعن» تعتبر عند بعض الباحثين هي ذات عين «تانيس»، فقد انتهوا بالقياس إلى أنها هي ذات «حواعرة/حواريس»، وإن كان هذا التأكيد برمته فيما يرى «جاردنر»٣ لم يزل موضع جدلٍ شديد حول مصداقيته، التي لم تزل قائمة على افتراضاتٍ وتخمينات، وأنها تتوقف أساسًا على اليقين بأن بني إسرائيل عاشوا في «حاوعرة» الهكسوسية، وأن «حاوعرة» هي «تانيس» حقًّا، وأنها المدينة المعروفة في التاريخ والمذكورة في التوراة باسم «رعمسيس»، ومعنى «حاوعرة» في المصرية القديمة هو المدينة المتطرفة أو الواقعة على الحدود، وأسماها اليونانيون «أفاريس»، الذي حُرف إلى «أوراس» و«أواريس» و«هواريس» و«هوارة» و«حواريس»، وعادةً ما تسمى بها مدن البدو المتطرفة في مصر حتى اليوم، كما لو كانت بقية من مأثورٍ قديم، فيطلق المصريون على مدن الحواف الصحراوية اسم «الهوارة».

وسبق وأفادنا «مانيتو» أن حواريس كانت «تقع على الضفة الشرقية للفرع النيلي الدلتاوي المعروف باسم البوباسطي»، نسبة لتفرعه من جوار مدينة «بوباسطة» التي تقع على ساحله الغربي، والتي تعرف اليوم باسم «تل بسطة»، وكانت مقرًّا لتقديس الآلهة القطة «باستت»، (علمًا بأن هذا الفرع قد ضمر الآن، وحلَّت محله ترع ومصارف، مثله مثل الكثير من الفروع الكبرى الأخرى للنيل، والتي بلغ عددها أيام هيرودت سبعة فروع كبرى في الدلتا، وحدثنا عنها في تاريخه، ولم يبقَ منها سوى فرعَين رئيسيَّين هما دمياط ورشيد)، ونفس القول حول وقوع حواريس على الفرع البوباسطي للنيل، يأتي في قصة «أحمس ابن أبانا»، لتؤكده ولا تدع مجالًا للشك في ذلك، وهناك تيارٌ قوي بين العلماء كما سبق وأشرنا، يذهب إلى أن مدينة «حواريس» هي بالضبط مدينة «صان الحجر» الحالية، استنادًا إلى شواهدَ أهمها الشاهد الأركيولوجي، المعروف بلوح الأربعمائة سنة، الذي عُثر عليه بين مجموعةٍ كبيرة من الأنقاض في صان الحجر، التي تشير إلى مدينةٍ مصريةٍ كبرى، كانت تقوم في هذا المكان.

ويذكر نص اللوح الأربعمائي أميرًا باسم «رعمسيس»، يقوم على احتفالٍ كبير سمي الاحتفال الأربعمائي، فتم الربط بين «رعمسيس» هذا و«رعمسيس الثاني» من ناحية، وبينه وبين اللوح الأربعمائي من ناحيةٍ أخرى، وأخيرًا بين اللوح الأربعمائي وبين عبادة الإله «ست» في تلك المدينة، حيث معلوم أن «رعمسيس» وفراعنة الأسرة التاسعة عشرة، قد قدسوا «ست» الإله الذي سبق وقدَّسه الهكسوس في مدينتهم، حتى إن والد الفرعون «رعمسيس الثاني» انتسب باسمه إلى الإله «ست» وتسمى باسم «ستي» أي «الستي»، ومن ثم كان الاستنتاج أن «رعمسيس الثاني» قد أقام مدينة باسمه، في ذلك الموضع الذي كان يعبد فيه «ست»، وأن عبادة «ست» قد تكرست — حسبما جاء باللوح الأربعمائي — في ذلك المكان منذ أربعمائة عام سبقت «رعمسيس»، وعلى تلك الارتباطات تم الافتراض عند جاردنر لمدة حكم الهكسوس لمصر ﺑ ١٠٨ سنوات، مع إضافة سني الملوك الذين حكموا مصر بعد الهكسوس حتى زمن «رمسيس الثاني»، لتكمل الأربعمائة سنة، ومسألة داية تكريس «ست»، كإله لمدينة باسم حواريس لدى الهكسوس واردة في تاريخ «مانيتو»، وأكدته «قصة الملك أبوفيس وسقننرع»، وقد برهن المصرولوجست «يونكر» على أن «ست»، كان الإله المحلي لبلدة باسم «سترت STRT»، وأنها سميت «سيترويت Sethroite» في العهد الإغريقي، والتي ذكرها «مانيتو» كمقاطعةٍ مصرية سكنها الهكسوس، وأكد «يونكر» أنها لا بد تقع في شمال شرقي الدلتا،٤ لكن أين بالتحديد؟ لا يجيبنا «يونكر»، المهم أن علماء المصريات وضعوا استنتاجًا يقول: إن مدينة الهكسوس «حواريس»، هي ذاتها التي أعاد «رعمسيس الثاني» بناءها بعد ذلك بأربعمائة سنة، وأنها حملت اسم «رعمسيس»، وبعد ذلك أطلق عليها اليونان اسمها المشهور تانيس، وهي ذاتها التي أطلقت عليها التوراة اسم «صوعن» واسم «رعمسيس»، وقالت: إنها المدينة التي اضطهد الإسرائيليون في بنائها، وهي التي تحمل اليوم اسم «صان الحجر»،٥ حيث عثر هناك على اللوح الأربعمائي، الذي يقول فيه «رعمسيس»، عندما كان أميرًا وقبل تنصيبه فرعونًا:
السنة الأربعمائة من الشهر الرابع في فصل الصيف، في اليوم الرابع من حكم ملك الوجهَين البحري والقبلي ست Sotch (المقصود تكريس عبادة الإله سيت)، عظيم القوة ابن الشمس نبتي المحبوب من رع حور أختي، الذي سيبقى مخلدًا، حضر الأمير الوراثي المشرف على العاصمة، والوزير، والمشرف على البلاد الأجنبية، والمشرف على حصن شارو، ورئيس المازوري، والكاتب الملكي، والمشرف على الخيالة، ومدير عيد كبش منديس، والكاهن الأول للإله ست، والمرتل للإلهة بوتو فاتحة الأرضين، والمشرف على كهنة الإلهة ستير.
لقد حضر الأمير الوراثي رعمسيس المرحوم، الذي وضعته ربة البيت المغنية تيا المرحومة، ليقول: الحمد لك يا ست بن نوت، يا صاحب القوة العظيمة في سفينة الملايين، الذي طرح الثعبان المعادي لرع أرضنا، والذي على رأس سفينة رع، ومن صوته العظيم في الحرب، ليتك تمنحني حياةً جميلة، لأجل أن أخدمك، ولأجل أن أبقى في حظوتك.٦
ولنلحظ أن ذلك اللوح الأربعمائي، وحتى تدوينه ونصبه في مكانه، لم يكن يتحدث عن «رعمسيس الثاني» بوصفه فرعونًا، إنما بوصفه أميرًا وارثًا يحمل تلك الألقاب العديدة؛ لذلك ذهب الأستاذ «زيته» إلى الظن أن ذلك العيد الأربعمائي قد حدث في عهد الملك «حور محب» حوالي عام ١٣٣٥–١٣٠٨ق.م. والذي يفصله عن الملك «رعمسيس الثاني» ملكان هما: «رعمسيس الأول» و«ستي»، وربما كان «رعمسيس الثاني» إبان حكم حور محب أميرًا وقائدًا عسكريًّا مهمًا، قبل أن يتولى سدة الحكم بعد ذلك.٧
أما أول ذكر لمدينة «رعمسيس» باسم «بر رعمسيس»، فقد ورد في السنة الثانية لحكم «رعمسيس الثاني» حوالي عام ١٣٠٠ق.م. في نصب «أبيدوس»، الذي تعرض لأعمال «رعمسيس الثاني»، وإكماله معبد والده «سيتي الأول» في معبد «أوزيريس» بمدينته المقدسة «أبيدوس»، وقد وصف نصب أبيدوس رحلةً بحرية قام بها «رعمسيس الثاني»، حتى وصل إلى مدينة «بر رعمسيس»،٨ وقد استنتج الباحثون من ذلك ما يؤيد رأي «زيته»، «وهو أن المدينة كانت موجودة وقتذاك، وأنها شيدت في عهدٍ سابق، وأن «رعمسيس الثاني» أضاف إليها وجدَّدها».

ويبدو أن أصحاب هذا الاتجاه الذي يرى أن «رعمسيس الثاني»، قد استكمل تشييد المدينة وأطلق عليها اسمه، وكانت تقوم على أنقاض «حواريس» الهكسوسية القديمة، وأنها هي ذات «تانيس» المذكورة بعد ذلك في المدونات، وأنها ذات المدينة المذكورة باسم «صوعن» في التوراة (انظر: متكررات منها مثلًا ما جاء في الأعداد ١٢، ١٣ من المزمور ٧٨، في قوله: «قدام آبائهم صنع أعجوبة، في أرض مصر بلاد صوعن، شق البحر، فعبرهم، ونصب المياه كسد.») وأنها جميعًا هي ذات «صان الحجر» الحالية، إضافةً لما تشير إليه تلك الأسماء من علاقةٍ لسانية، تجيز ذلك الاستنتاج ما بين «صوعن» و«صان».

وعليه فإن وجود المدينة «رعسميس» كما جاء عند «مانيتو»، وأنها كانت مدينة الهكسوس «حواريس»، معلومةٌ صحيحة مائة بالمئة، دعمتها نصوص التحرير المكتَشفة، وإن كان مكانها غير محدد باليقين حتى الآن، كذلك المعلومة الثانية حول المعبود الأول للهكسوس «ست» أيضًا صادقة مائة بالمائة، وهو ما يضيف باستمرار رصيدًا مستمرًّا لمصداقية «مانيتو» المصري السمنودي. المهم الآن أن حواريس لم يزل مختلفًا عليها وعلى موقعها أشد الاختلاف، وإن ذهبت جلةٌ محترمة من علماء المصريات إلى أن «حواريس» هذه، هي ذات المدينة التي حوَّلها رمسيس الثاني فيما بعدُ إلى مدينةٍ عامرة، وأعاد بناءها حتى كانت أزهى مدن الزمان، وأطلق عليها اسمه «رعمسيس» … إلا أن ما يحبط أي باحث هنا، أن مدينة «رعمسيس» نفسها، والتي ذكرتها التوراة باعتبارها مدينة الاضطهاد الإسرائيلي في مصر، لم يتم الاتفاق على موقعها حتى اليوم بشكلٍ قاطع، ونعيد اختصار مجمل الاتجاهات التي تتفق جميعًا على الذهاب بها إلى شرقي الدلتا، على الحدود السينائية، وتناثرت الاقتراحات على خريطة محافظة الشرقية الحالية أو حدودها الشرقية مع سيناء، فقد ذهب «دي بوا إيميه» العالم المصاحب للحملة الفرنسية، إلى أن مدينة «رعمسيس» كانت تقع قرب مدينة «السبع أبيار» الواقعة على الساحل الغربي لبحيرة التمساح، وموضعها الآن تل المسخوطة قرب مدينة الإسماعيلية، أما «جاردنر» فقد ذهب إلى أنها «بي لوز» أو «بيلوزيوم»، المعروفة الآن بالفرما أو بالوظة إلى الشرق من بورسعيد، لكنه تراجع عن «بي لوز» واقترح مدينة «صان الحجر» الحالية على شاطئ بحيرة المنزلة الجنوبي، وذلك بعد أن ذهبت مجموعةٌ متميزة من المصرولوجيين إلى موضعتها هناك، ومن هؤلاء «يونكر» و«بروجش» و«بيير مونيتيه»، هذا بينما ذهب آخرون إلى وضعها على الخط الواصل بين شرقي الدلتا وبين البحيرات المرة وبحيرة التمساح، في الوادي المعروف الآن بوادي طميلات، ومن هؤلاء «نافيل» الذي اقترح «صفط الحنة» غرب هذا الوادي موقعًا لرعمسيس، دون وضع نظرية أو خط سير واضح، وبعضهم ذهب بها شرقًا على ذات الخط، فاقترح «تل رطابة» مثل «بتريي»، وأوغل آخرون شرقًا فاقترحوا «تل المسخوطة»، كما عند دي بوا إيميه، أما آخر الاقتراحات وهو السائد الآن، فهو ما جاء بعد كشفٍ أثري كبير قام به «محمود حمزة»، واقترح معه أن تكون رعمسيس هي «قنتير» الحالية إلى الشمال من فاقوس شرقي الدلتا.

والمعنى أننا لو أخذنا بأن «حواريس» هي ذات مدينة «رعمسيس»، فإن علينا الاتفاق على موضع واحدة منهما أولًا، وحول الاسم «حواريس» فهو من الأصل «حوارة أو هوارة»، ويفيدنا «جاردنر» بأن معناه الإدارة المدنية للدولة، وإذا أخذنا بالنظرية القائلة إن الهكسوس قد كونوا إمبراطورية، فلنا أن نفترض وجود أكثر من مركزٍ إداري لهم في المنطقة المحيطة بشرقي المتوسط، وهو ما يقود إلى افتراض وجود أكثر من «حوارة»، وهو المفتاح الذي سيدلُّنا الآن على الموضع، الذي تكرر كثيرًا في التوراة باسم «حويلة»، وما نقصده أنه لا خلاف على أن حواريس التي ذكرتها النصوص المصرية القديمة، كانت مركزًا للإدارة الهكسوسية في مصر، وأنها كانت على الطرف الشرقي للدلتا، الذي هو الطرف الغربي لسيناء، وإن لم يتمكن الباحثون من تدقيق موضعها هناك.

وكثيرًا ما ربطت التوراة بين مدينة في جنوبي فلسطين (حبرون/الخليل)، وبين حواريس المصرية، والتوراة تذكر حواريس باسمين يردان على التبادل، الأول والقديم هو «صوعن»، والثاني الأحدث هو مدينة «رعمسيس»، وتشير في تواترٍ متعدد في مناطقٍ متفرقة، إلى أن «صوعن» قد بُنيت بعد «حبرون» بسبع سنين، يبدو لنا كما سيأتي التفصيل بشأنه فيما بعدُ، أنها الفارق الزمني بين استيلاء الهكسوس تمامًا على حبرون/تاريخ احتلالهم مصر، وإقامتهم في صوعن/رعمسيس/حواريس.

الواضح لدينا على المستوى اللساني وحده (الآن)، أن «حويلة» التي تكررت في الكتاب المقدس، أنها بالتبادل بين حرف اللام والراء، باعتبارها حروف سقف حلقية، فإن «حويلة» ستكون «حويرة»، وهي المسمى الذي يلتقي تمامًا مع اسم عاصمة الهكسوس «حواريس»، بعد حذف التصريف الاسمي فتصبح «حواره»، وهي التي أطلق عليها المصريون «حواعرة»، وفي المعركة التي قادها أول ملك إسرائيلي، الملك «شاول» ضد العماليق العناقين في شبه جزيرة سيناء، يؤكد لنا الكتاب المقدس نتيجة المعركة بقوله: «وضرب شاول عماليق من حويلة، حتى مجيئك إلى شور التي مقابل مصر» (صموئيل أول، ١٥: ٧) وهذه النتيجة تعني أن شاول بضربه مدينة العماليق، امتد تأثير تلك الضربة على العمالقة، بطول المنطقة الممتدة من «حويلة» إلى «شور» التي أمام مصر، وحتى الآن لم يتم تحديد أين تقع «حويلة» التوراتية على الإطلاق، إنما ذهب الجميع إلى تحديد «شور»، بأنها على الساحل الشرقي لبحر الخروج «سوف» مباشرة، حتى تكون أمام مصر للقادم من فلسطين أو سيناء عمومًا، استنادًا إلى مجموعة إحداثيات أعطتها لنا التوراة، حيث يتكرر ذكر «شور» مراتٍ متعددة، وأول الإحداثيات وأوضحها تأتي في أسطورة حدث عبور البحر بالعصا المعجزة، حيث نجد أول موضع ينزل به الإسرائيليون، بعد عبور البحر من الدلتا المصرية إلى سيناء، هو برية باسم شور «ثم ارتحل موسى بإسرائيل من بحر سوف، وخرجوا إلى برية شور» (خروج، ١٥: ٢٢)، مما يعني أنها على الساحل الشرقي مباشرة لهذا البحر، بينما تقع المدن المصرية العامرة غربي هذا البحر، وكله شرق الدلتا، والمواضع المصرية على الساحل الغربي لهذا البحر كان أهمها «صوعن» أو «رعمسيس»، مدينة الفرعون التي يزعم الإسرائيليون أنهم اضطهدوا في بنائها، وعبروا من جوارها البحر في أسطورة العصا الحية، ويبدو أن هناك طريقًا كان يبدأ من الموضع شور حتى يصل إلى شرقي سيناء نحو فلسطين، أطلقت عليه العبرية «درك شور»، وجاء في الترجمة العربية «طريق شور، تكوين، ١٦: ١٧» «ولا زلنا نرتب أوراقنا فمهلًا».

١  السواح: آرام … سبق ذكره، ص٧٥.
٢  روبنسون: إسرائيل في ضوء … سبق ذكره، ص١٠٧.
٣  جاردنر: مصر الفراعنة … سبق ذكره، ص١٨٧.
٤  سليم حسن: مصر القديمة … سبق ذكره، ج٤، ص٦٥.
٥  Montel, Le Novelles Fouilles des Tanis, p. 15–32. انظر أيضًا: Will, The Problem of situation of Avaris, J.E.A, V. XXI, 1935, p. 11 ff.
٦  غطاس الخشبة: سبق ذكره، ص١٦٣.
٧  سليم حسن: مصر الفراعنة، سبق ذكره، ج٤، ص٨٠.
٨  سامي سعيد: الرعامسة … سبق ذكره، ص٩٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١