الفصل السادس

المجازفة والمكافأة

(الخيار العقلاني والمنفعة المتوقَّعة)

«الكل يشكو من ذاكرته، ولا أحد يشكو من تقديره للأمور.»

لا روشفوكو

بعض النظريات غير مستحبَّة. لا أحد يهوى قوانين الديناميكا الحرارية، وقد أرسلَت أجيالٌ من المهووسين الآملين لمكاتب براءات الاختراع تصميماتِها المحكومَ عليها بالفشل لآلة أبدية الحركة. ومنذ أن عرض داروين نظريةَ الاختيار الطبيعي، ولم يزل ما يترتَّب عليها من أنَّ البشَر قد انحدروا من القردةِ غصةً في حلق الخلقيين، ولم يزل أنصار الفلسفة الجماعانية يبحثون عن ثغرات في مبدئها الرئيسي القائل بأن التطور مدفوعٌ بالمنافسة.

إحدى أكثر النظريات المكروهة في زمننا الحاضر، نظريةٌ تُعرَف بصورٍ مختلفة، منها الاختيار العقلاني، والفاعل العقلاني، والمنفعة المتوقَّعة، و«هومو إيكونوميكوس»؛ أي الإنسان الاقتصادي.1 في الكريسماس الماضي، أذاع برنامج «سي بي إس ذيس مورنينج» فقرةً مؤثِّرة عن دراسة تضمَّنت إسقاط آلاف الحقائب المليئة بالنقود في مدنٍ مختلفة في أنحاء العالم ووجدت أن أغلبها قد أُعيد، لا سيما التي كانت تحتوي على أموال أكثر، لتذكِّرنا أن البشَر كرماء وأمناء رغم كل شيء. ما النقطة التي ستفسد القصة؟ «المناهج العقلانية للاقتصاد»، التي يُفترض أنها تقول إنَّ الناس تعيش بعقيدة: «مَن يجد شيئًا يحتفظ به، وليتحمل مَن فقده الخسارة.»2
ما المقصود بالضبط بهذه النظرية الخبيثة؟ إنها تقول إنه عند مواجهة قرارٍ خَطِر، فعلى الفاعل العقلاني أن يذهب إلى الاختيار الذي يزيد من «منفعته المتوقَّعة» إلى الحد الأقصى؛ أي مجموع مكافآته المحتملة حسب الاحتمالات المتاحة له. بعيدًا عن الاقتصاد وبعض مجالات العلوم السياسية، يكِن الناس للنظرية القدر نفسه من المحبة الذي قد يكنُّونه تجاه شخصيةٍ مثل إبنزر سكروج (شخصية خيالية تظهر في قصة للمؤلف تشارلز ديكنز يُوصَف بأنه قاسي القلب وجشع وطماع). فالناس تفسِّرها على أنها تزعم أن البشَر سيكوباتيون أنانيون، أو لا بد أن يكونوا كذلك، أو أنهم عباقرة فائقو العقلانية يحسبون الاحتمالات والمنافع قبل أن يقرِّروا الوقوع في الحب. وقد رُوِّجت لاكتشافات تجارب علم النفس التي تثبت ما يبدو من مخالفة الناس للنظرية، باعتبارها تقوِّض أسسَ الاقتصاد الكلاسيكي، ومعها الأساس المنطقي لاقتصاد السوق.3
غير أن نظرية الاختيار العقلاني مبرهنة رياضية في الأصل يرى المولعون بالرياضيات أنها مبرهنة جميلة، وليس لها تَبِعات مباشرة على الطريقة التي يفكر بها نوعنا ويختار. ويرى الكثيرون أنها قدَّمت التوصيف الأدق للعقلانية نفسها، معيارًا يمكن قياس الحكم البشري بِناءً عليه. وسنرى أنَّ ذلك قد يكون موضعًا للخلاف، فأحيانًا حين يحيد الناس عن النظرية، لا يبدو واضحًا ما إن كان الناس يسلكون سلوكًا غير عقلاني أم إن المقاييس المفترضة للعقلانية هي نفسها غير عقلانية. في كلتا الحالتين، تسلِّط النظرية الضوءَ على الألغاز المحيِّرة للعقلانية، وهي رغم تأصُّلها في الرياضيات البحتة، من الممكن أن تكون مصدرًا لدروس حياتية عميقة.4

تعود نظرية الاختيار العقلاني لفجر نظرية الاحتمالية وحجة بليز باسكال (١٦٢٣–١٦٦٢) الشهيرة بشأن سبب وجوب الإيمان بالرب: إذا آمنت به ولم يكن موجودًا، فستكون قد أهدرت بعضَ الصلوات فقط، لكن إن لم تؤمن به وكان موجودًا، فستكون قد جلبت على نفسك سخطَه الأبدي. وقد وضعها عالِم الرياضيات جون فون نيومان وعالِم الاقتصاد أوسكار مورجنسترن في قالب رسمي عام ١٩٤٤. على عكس البابا، من الوارد أن يكون فون نيومان كائنًا فضائيًّا بحق؛ إذ تساءل زملاؤه بشأن ذلك لذكائه الخارق. فقد ابتكر أيضًا نظرية الألعاب (الفصل الثامن)، والكمبيوتر الرقمي، وآلات الاستنساخ الذاتي، والمنطق الكمي، ومكوِّنات رئيسية في الأسلحة النووية، وحقَّق عشرات الإنجازات الأخرى في الرياضيات والفيزياء وعلوم الكمبيوتر.

ليست نظرية الاختيار العقلاني بنظرية في علم النفس بشأن الطريقة التي يختار بها البشر، ولا هي حتى نظرية معيارية عما يجدُر بهم اختياره، وإنما نظرية بشأنِ ما يجعل الاختيارات «متسقة» مع قيم صاحب الاختيار ومع بعضنا الآخر. يرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العقلانية، الذي يتعلَّق باتخاذ قرارات متسقة مع أهدافنا. فسعي روميو وراء جولييت عقلاني، وسعي برادة الحديد وراء المغناطيس ليس كذلك؛ لأن روميو وحدَه هو مَن له أن يختار المسار الذي يأتيه بهدفه أيًّا ما كان (الفصل الثاني). على الجانب الآخر، فإننا ننعَت الناس ﺑ «الجنون» حين يأتون أفعالًا ضد مصلحتهم بشكل واضح، مثل تبديد أموالهم على أشياء لا يريدونها أو الركض عراةً في البرد القارس.

يكمُن جمالُ النظرية في أنها تنطلق من بضع بديهيات يسيرة: متطلبات عامة تنطبق على أي صانع قرار يمكننا أن ننعَته «عاقلًا». بعد ذلك تستنتج النظرية كيف سيكون على صاحب القرار أن يتخذ قراره بما يسمح له أن يظل ملتزمًا بتلك المتطلبات. وقد جُمِعت البديهيات وقُسِمت بطرق عدة، لكن الصورة التي سأقدمها هنا هي التي صاغها عالِم الرياضيات ليونارد سافاج، ونظمها عالما النفس ريد هيستي وروبين دوز.5

نظرية للاختيار العقلاني

يمكن تسمية البديهية الأولى التكافؤ: لأي خيارين أ وب، سيفضِّل صاحب القرار أ، أو ب، أو يكون محايدًا تجاههما.6 (الأكثر شيوعًا أن تُسمى بديهية الاكتمال أو القابلية للمقارنة.) ربما يبدو هذا خاليًا من المعنى — أليست تلك هي الاحتمالات المنطقية فحسب؟ — لكن لا بد لصاحب الاختيار من الالتزام بواحد من الثلاثة، حتى وإن كان الحياد. معنى هذا أنه يجب ألا يتراجع صاحب الاختيار أبدًا لعذر: «أن المقارنة لا تجوز لاختلاف الاختيارات موضع المقارنة.» يمكننا تفسيرها على أنها الشرط الأساسي المتمثِّل في أن يكون العامل العقلاني مهتمًّا بالأشياء ويفضِّل بعضها على الآخر. ولا يمكن قول الشيء نفسه عن كياناتٍ غير عقلانية مثل الصخور والخضراوات.

البديهية الثانية هي خاصية التعدي، وهي أكثر إثارة للاهتمام. عند المقارنة بين اختيارين بعد اختيارين؛ أي إذا كنت تفضِّل أ على ب، وب على ج، فلا بد أنك تفضِّل أ على ج. من السهل أن ندرك السبب في أنَّ هذا الشرط غير خاضع للنقاش: فأي شخص يخل به من الممكن تحويله إلى «مضخة للأموال». لنفترض أنك تفضِّل هاتف أبل آيفون على سامسونج جلاكسي لكنك تحمل الجلاكسي مضطرًّا. ولنفترض أنني سأبيع لك هاتف آيفون أنيقًا مقابل مائة دولار مع المقايضة بهاتفك. افترض أيضًا أنك تفضِّل جوجل بيكسل على الآيفون. رائع! من المؤكَّد أنك ستقايض ذلك الآيفون الرديء من أجل البيكسل الأفضل منه زائد علاوة تساوي مائة دولار مثلًا. ولنفترض أنك تفضِّل الجلاكسي على البيكسل، فسيكون ذلك عدم قابلية للتعدي. بإمكانك أن ترى أين سيؤدي بك هذا. سوف أبيع لك الجلاكسي مقابل مائة دولار زائد المقايضة. ستنتهي من حيث بدأت بالضبط، لكن مع خسارة ٣٠٠ دولار، وستكون مستعدًّا أيضًا لجولة أخرى من النهب. أيًّا كانت فكرتك عن العقلانية، فهي ليست ذلك بالطبع.

أما البديهية الثالثة فتُسمى بالإغلاق. بما أن الرب يلعب النَّرد وما إلى ذلك، فالاختيار لا يكون من بين أمورٍ يقينية على الدوام، مثل اختيارنا لنكهة المثلجات، بل يمكن أن يتضمَّن مجموعة من الاحتمالات ذات الفرص المختلفة، مثل اختيار تذكرة يانصيب. تنص البديهية على أنه ما دام بإمكان صاحب القرار بحث الخيار أ والخيار ب، يمكن لصاحب القرار ذلك أيضًا أن يبحث تذكرة اليانصيب التي تعطي أ باحتمال معين، ل، وتعطي ب بالاحتمال المكمل، ١ − ل.

في سياق نظرية الاختيار العقلاني، لا يمكن التنبؤ بنتيجة الاختيار المجازف، لكن الاحتمالات ثابتة، كما يحدث في صالات القمار. يُسمى ذلك «مخاطرة»، ويمكن التفرقة بينه وبين «اللايقين»؛ ففي هذا الأخير يكون صاحب القرار غيرَ عالِم بالاحتمالات ولا يمكن التكهُّن بالنتيجة. في عام ٢٠٠٢، قدَّم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد شرحًا معروفًا لهذا الفرق: «ثمَّة مجهولات معلومة؛ أي إنه توجد أشياء نعلم أننا لا نعلمها. غير أنه توجد أيضًا مجهولات مجهولة، وهي الأشياء التي لا نعلم أننا لا نعلمها.» نظرية الاختيار العقلاني هي نظرية لاتخاذ القرارات بمجهولات معلومة: أي بمخاطرة، وليس من خلال اللايقين بالضرورة.

سأسمي البديهية الرابعة بديهيةَ التوحيد.7 (تُعرف أيضًا باسم توزيع الاحتمالات بين البدائل). إنَّ الحياة لا تقدِّم لنا مسابقات يانصيب فحسب، بل تقدِّم لنا مسابقات يانصيب من الوارد أن تكون جوائزها نفسها مسابقات يانصيب. موعد غرامي أول حدث بالصدفة، إذا سار على ما يرام فقد يؤدي للقاء ثانٍ، مما يأتي بطائفة جديدة تمامًا من المجازفات. تقول هذه البديهية ببساطة إن صاحب القرار الذي يواجه سلسلة من الاختيارات التي تنطوي على مجازفة يتبيَّن المخاطرة الإجمالية وفقًا لقوانين الاحتمال المشروحة في الفصل الرابع. إذا كانت فرصة الفوز لأول تذكرة يانصيب واحدًا من عشرة، حيث الجائزة تذكرة ثانية فرصتها في الفوز واحد من خمسة، فإنَّ صاحب القرار يراها جذابة وكأنها تذكرة فرصتها في الفوز واحد من خمسين. (سوف نضع جانبًا أيَّ متعة إضافية نتحصل عليها من الفرصة الثانية لمشاهدة كرات تنس الطاولة وهي تتقافز أو كشط غشاء التذكرة.) يبدو هذا المعيار من معايير العقلانية واضحًا بما يكفي. وكما هو الحال مع حد السرعة والجاذبية، فكذلك هو مع نظرية الاحتمالية: إنها ليست مجرد فكرة حسنة. إنها قانون.

البديهية الخامسة، الاستقلالية، هي الأخرى مثيرة للاهتمام. إذا كنت تفضِّل أ على ب، فإنك تفضِّل كذلك تذكرة اليانصيب ذات الجائزتين أ وج على تذكرة اليانصيب ذات الجائزتين ب وج (مع الإبقاء على الاحتمالات ثابتة). معنى هذا أنَّ إضافة فرصة الحصول على ج لكلا الاختيارين لا يُفترض أن تجعل أحدهما أفضلَ من الآخر. للتعبير عن الأمر بطريقةٍ أخرى نقول إن الطريقة التي تصيغ بها الخيارات — كيفية تقديمها في السياق — ينبغي ألا تشكِّل فرقًا. سمِّ الوردة ما شئت لكنها لا بد أن تكون زكية الرائحة. على صاحب القرار العقلاني إذن أن يركِّز على الخيارين أنفسِهما ولا ينخرط مع ما يصاحبهما من عوامل تشتيت.

إنَّ الاستقلال عن البدائل غير المعنية، وهو المصطلح الذي يُطلق على الصورة العامة من بديهية الاستقلالية، من الشروط التي تظهر في العديد من نظريات الاختيار العقلاني.8 توجد صورةٌ أبسط لهذه البديهية تقول إنك إذا كنت تفضِّل أ على ب عند الاختيار بينهما، فلا بد أنك ستظل تفضِّل أ على ب عند الاختيار بينهما وبين بديل ثالث، وليكن ج مثلًا. ثمة قصة متداولة تحكي أن عالِم المنطق سيدني مورجنبيسر (الذي التقينا به في الفصل الثالث) كان يجلس في أحد المطاعم وعُرض عليه الاختيار بين فطيرة التفاح وفطيرة العنب البري. بعد أن اختار التفاح بقليل، عادت النادلةُ وقالت إن لديهم أيضًا فطيرة الكرز في القائمة ذلك اليوم. وكأنما كان في انتظار تلك اللحظة طوال حياته، قال مورجنبيسر: «في هذه الحالة، سأختار العنب البري.»9 إذا كنت ترى هذه القصة مضحكة، فأنت تدرك السبب في أنَّ الاستقلالية من معايير العقلانية.

البديهية السادسة هي الاتساق: إذا كنت تفضِّل أ على ب، فستفضِّل الرهان الذي يكون لديك فيه فرصة الحصول على أ، وهو خيارك الأول، أو تحصل على الخيار ب، على أن تكون متأكدًا من تحقق الخيار ب. فنصف فرصة أفضل من لا شيء.

أما البديهية الأخيرة، فيمكن تسميتها بالقابلية للتبادل: المقايضة بين الرغبة والاحتمالية.10 (والأشهر تسميتها بالاستمرارية أو قابلية الحل.) إذا كان صاحب القرار يفضِّل أ على ب، ويفضِّل ب على ج، فلا بد أنه يوجد احتمالٌ ما سيجعله على الحياد بين الحصول على ب يقينًا، اختياره الأوسط، وأن يكون لديه فرصة إما للحصول على أ، اختياره الأول، أو القبول بالاختيار ج. حتى تستوعب الأمر، تخيَّل أن الاحتمالية تكون مرتفعة في البداية؛ إذ تبلغ ٩٩ في المائة للحصول على أ و١ في المائة فقط للحصول على ج. وهذه الاحتمالات تجعل خيار الرهان يبدو أفضل كثيرًا من القبول باختيارك الثاني، ب. تأمَّل بعد ذلك التصوُّر المعاكس، فرصة ١ في المائة للحصول على اختيارك الأول وفرصة ٩٩ في المائة للحصول على اختيارك الأخير. إنه التصوُّر المعاكس إذن: الاختيار المتوسط المؤكد أفضلُ من شبه يقين الاضطرار لقبول الأسوأ. تخيَّل الآن سلسلة من الاحتمالات تتراوح بين أ شبه مؤكدة وبين ج شبه مؤكدة. فهل تعتقد في ظل هذا التحول التدريجي في الاحتمالات، أنك ستظل تراهن حتى مرحلة معينة، ثم تصبح على الحياد بين المراهنة والرضا بالخيار ب، ثم تتحوَّل إلى ب المؤكدة؟ إذا كنت كذلك، فأنت توافق على أن القابلية للتبادل عقلانية.

والآن إليكم فائدة المبرهنة. لتحقيق معيار العقلانية، يجب على صاحب القرار أن يقيِّم قيمة كل نتيجة على مقياس متواصل من مدى رغبته فيها، وضربها في احتمالية تحققها، ثم جمع هذا وذاك، فيكون الناتج هو «المنفعة المتوقَّعة» لذلك الخيار. (المقصود بكلمة «متوقعة» في هذا السياق «في المتوسط، على المدى الطويل»، وليس أنها «مرتقبة» والمقصود بمصطلح «المنفعة» ما هو «مفضَّل من وجهة نظر صاحب القرار»، لا ما هو «مفيد» أو «عملي».) وليس من الضروري أن تكون الحسابات على مستوى الوعي أو أن تُجرى بالأرقام؛ بل يمكن أن تكون محسوسة ومدمجة كمشاعر مناظرة. وعلى صاحب القرار بعد ذلك أن ينتقي الاختيارَ الأعلى من حيث المنفعة المتوقَّعة. هذا كفيل بأن يجعل صاحب القرار عقلانيًّا وفقًا للمعايير السبعة. إنَّ القائم بالاختيار العقلاني يحقِّق أقصى منفعة، والعكس صحيح.

على سبيل التوضيح، تصور اختيارًا بين الألعاب في صالة القمار. في لعبة كرابس، احتمال الحصول على «٧» هو ١ من ٦، وستفوز في هذه الحالة بأربعة دولارات؛ وإلا فستخسر تكلفة اللعب وهي دولار واحد. لنفترض الآن أن كل دولار هو وحدة منفعة. بذلك تكون المنفعة المتوقَّعة للرهان على «٧» في كرابس هو (١ / ٦ × ٤ دولارات) + (٥ / ٦ × – ١ دولار)، أو – ٠٫١٧ دولار. والآن سنقارن ذلك بالروليت. في لعبة الروليت، احتمال الحصول على «٧» هو ١ في ٣٨، وستربح في هذه الحالة ﺑ ٣٥ دولارًا؛ وإلا فستخسر دولارًا. بذلك تكون المنفعة المتوقَّعة (١ / ٣٨ × ٣٥ دولارًا) + (٣٧ / ٣٨ × – ١ دولار)، أو – ٠٫٠٥. المنفعة المتوقَّعة للرهان على «٧» في الكرابس أقل منها في الروليت، من ثَم فلن ينعَتك أحدٌ بأنك غير عقلاني لتفضيل الروليت. (لا شك أنهم قد يصفونك بأنك غير عقلاني للمقامرة في الأساس، بما أن القيمة المتوقَّعة لكلا الرهانين سلبية، بسبب حصة المكان؛ ولهذا فكلما لعبت، خسرت أكثر. لكنك إذا دخلت الكازينو من الأساس، فالمفترض أنك تعزو بعض المنفعة الإيجابية لسِحر مونت كارلو وقشعريرة الترقُّب، مما يدفع بمنفعة الخيارين إلى حيز الموجب فلا يتبقى لك سوى اختيار أيهما تلعب.)

تسهِّل ألعاب الحظ شرح نظرية الاختيار العقلاني؛ لأنها تعطي أرقامًا محدَّدة نستطيع ضربها وجمعها. غير أنَّ الحياة اليومية تمدُّنا باختياراتٍ لا تُحصى نقيِّمها حَدْسيًّا من حيث منافعها المتوقعة. لنفترض أنني في متجر بقالة ولا أتذكَّر ما إن كان لديَّ حليب في الثلاجة؛ فهل أشتري لترًا؟ أشعر أنه نفد من عندي، إذا كان الأمر كذلك وتراجعت عن شرائه فسأنزعج جدًّا للاضطرار لتناول الحبوب جافة في صباح اليوم التالي. في المقابل إذا كان لديَّ حليب في المنزل واشتريت المزيد، فأسوأ ما قد يحدث هو أن يفسد، وهذا غير مرجَّح، وحتى إن حدث، فسأكون قد خسرت بضعة دولارات فحسب. ومن ثَم فمن الأفضل أن أشتريه في جميع الأحوال. ما تفعله نظريةُ الاختيار العقلاني إذن، هو أنها توفِّر أساسًا ثابتًا لهذا النوع من الاستدلال.

ما مدى منفعة المنفعة؟

من المغري الاعتقاد بأن أنساق التفضيلات المحدَّدة في بديهيات العقلانية تُعنى بالمشاعر الذاتية لدى الأشخاص، كالسرور والرغبة. لكن عمليًّا، تُعامِل البديهيات صاحبَ القرار معاملةَ الصندوق الأسود ولا تعتد إلا بأنماطه في اختيار شيء دون شيء آخر. وما مقياس المنفعة الذي ينبثق من النظرية سوى كيان افتراضي يُعاد بناؤه من نسق التفضيلات، ويُنصح به كطريقةٍ للحفاظ على اتساق تلك التفضيلات. تحمي النظرية صاحبَ القرار من التحوُّل إلى مضخةِ أموال، أو شخص يغيِّر رأيه فجأة، أو متقلب المزاج. هذا معناه أن النظرية لا تخبرنا عن السبيل للتصرُّف وفقًا لقيمنا بقدرِ ما تخبرنا عن السبيل لاكتشاف قيمنا بملاحظة طريقتنا في التصرُّف.

ذلك يقضي على أول تصوُّر خاطئ عن نظرية الاختيار العقلاني: أنها تصوِّر الناس كأنهم ساعون وراء الملذات لا أخلاقيون، أو أنها تنصحهم بأن يصيروا كذلك، وهو الأسوأ. ليست المنفعة مرادفًا للمصلحة الذاتية، بل هي مقياس القيمة التي يعمل صاحب القرار العقلاني باستمرار على مضاعفته لأقصى حد. إذا كان الناس يقدِّمون تضحيات من أجل أطفالهم وأصدقائهم، وإذا كانوا يرعون المرضى ويعطون الصدقات للفقراء، ويعيدون محافظَ مليئةً بالنقود، فهذا يدُل على أن الحب والخير والأمانة تُحسب في مقياس منفعتهم. كلُّ ما تقدِّمه النظرية هو النصيحة بشأن السبيل لعدم إهدار قيمنا.

لسنا مضطرين بالطبع إلى معاملةِ أنفسنا على أننا صناديقُ سوداء حين نفكِّر في أنفسنا كأصحاب قرار. ومقياس المنفعة الافتراضي لا بد أن يوازي أحاسيسنا الداخلية بالسعادة والطمع والشهوة وسرورنا بالإيثار، وسائر العواطف. تصبح الأشياء مثيرةً للاهتمام حين نستكشف العلاقة، بدءًا من أبرز محور للرغبة، المال. سواءٌ أكان المال يشتري السعادة أم لا، فبإمكانه شراء المنفعة، بما أن الناس تقايض الأشياء مقابل المال، بما في ذلك أعمال الخير. لكن العلاقة ليست خطية؛ بل مقعَّرة. وهي تظهر اصطلاحًا في مفهوم «المنفعة الحدية المتناقصة.»

figure
المعنى النفسي واضح بالطبع: مائة دولار إضافية تزيد سعادةَ الفقير أكثرَ مما تزيد سعادة الثري.11 (هذه هي الحجة الأخلاقية لإعادة التوزيع: نقل الأموال من الأغنياء إلى الفقراء يزيد من مقدار السعادة في العالم، إذا تساوت جميع العوامل الأخرى.) في نظرية الاختيار العقلاني، لا يأتي هذا المنحنى من المصدر البديهي، أي سؤال الناس على اختلاف ثرواتهم عن مقدار سعادتهم، ولكن من الاطلاع على تفضيلات الناس. أيهما تفضِّل الحصول عليه: ألف دولار يقينًا، أم فرصة ٥٠ في المائة للفوز بألفي دولار؟ القيمة المتوقَّعة هي نفسها في كلتا الحالتين، لكن أغلب الناس تفضِّل الشيء المضمون. هذا لا يعني أنهم يخالفون نظريةَ الاختيار العقلاني؛ كلُّ ما يعنيه فقط أن المنفعة تختلف عن القيمة بالدولار. منفعة ألفي دولار أقلُّ من ضِعفي منفعة ألف دولار. من حسن الحظ الذي يخدم قدرتنا على الفهم، أنَّ تقديرات الناس لقناعتهم واختيارهم للمقامرات تتخذ نفس المنحنى الهابط الذي يمثِّل العلاقة بين المال والمنفعة.

يربط علماء الاقتصاد بين منحنى المنفعة المقعَّر وبين «تجنُّب المخاطرة». ذلك محيِّر بعض الشيء؛ لأن المصطلح لا يشير إلى كون الشخص هيابًا مقارنةً بأن يكون مخاطرًا، وإنما يشير إلى تفضيل شيء مضمون على رهان له العائد المتوقع نفسه. مع ذلك، كثيرًا ما تتطابق المفاهيم. يشتري الناس التأمين من أجل راحة البال، لكن صاحب القرار العقلاني متبلِّد المشاعر صاحب منحنى المنفعة المقعَّر يفعل الأمر نفسه أيضًا. فسداد أقساط التأمين سيسحبه لليسار قليلًا على مقياس المال، مما سيخفِّض من مستوى سعادته قليلًا، لكنه إن اضطر إلى تغيير سيارته التسلا غير المؤمَّن عليها، فسيتجه حسابه المصرفي يسارًا، بهبوط أكبرَ في السعادة. وبِناءً على هذا، يفضِّل صاحبُ القرار العقلاني الخسارةَ المؤكَّدة بسداد القسط على المقامرة بخسارة أكبر، مع أن القيمة المتوقَّعة للخسارة المؤكدة (وينبغي عدم الخلط بينها وبين المنفعة المتوقَّعة للخسارة المؤكدة) لا بد أن تكون أدنى بقليل حتى تحقِّق شركة التأمين ربحًا.

من سوء حظ النظرية أنه وفقًا للمنطق نفسه يجب على الناس ألا تقامر أبدًا، أو تشتري تذكرةَ يانصيب، أو تنشئ شركة، أو تطمح إلى النجومية بدلًا من اختيار العمل بطب الأسنان. لكن بعض الناس يفعلون ذلك بالطبع، وهي مفارقة حيَّرت علماء الاقتصاد الكلاسيكيين. ذلك أنه لا يمكن لمنحنى المنفعة البشرية أن يكون مقعَّرًا مما يفسِّر السبب في أننا نتحاشى المخاطرة بالتأمين، وأن يكون في الوقت نفسه محدبًا، مما يفسِّر السببَ في سعينا للمخاطرة بالمقامرة. ربما نقامر من أجل الإثارة، تمامًا مثلما نشتري التأمين من أجل راحة البال، لكن هذه الحجة المناشِدة للعواطف إنما ترتفع بالمفارقة لمستوًى أعلى: لماذا تطوَّرت لدينا دوافعُ متناقضة ما بين تحفيز أنفسنا وطمأنتها، مع دفع مقابل كلا الامتيازين؟ ربما نحن غير عقلانيين فحسب. وربما تكون فتيات الاستعراض، وماكينات المقامرة، وغيرها من ملحقات المقامرة هي شكلٌ من أشكال الترفيه التي يهوى المقامرون بالمبالغ الطائلة إنفاق المال من أجلها. أو ربما للمنحنى انحرافٌ آخر وسينطلق عاليًا بالغًا الطرف العلوي، مما يجعل منفعةَ الجائزة الكبرى في اليانصيب أعلى من منفعة مجرد زيادة في حسابنا المصرفي. من الممكن أن يحدُث هذا إذا شعر الناس أن الجائزة ستقفز بهم لمستوًى اجتماعي وأسلوب حياة مختلفين: حياة مليونير متألق لا يحمل للحياة همًّا، وليس مجرد فرد ثري من الطبقة المتوسطة. الحق أنَّ العديد من إعلانات يانصيب الدولة تروِّج لذلك الخيال.

رغم أنه من الأسهل أن نتأمَّل دلالات النظرية عند حساب المنفعة نقدًا، فإن المنطق نفسه ينطبق على أي شيء ذي قيمة يمكننا وزنها بمقياس. من هذا مثلًا، التقديرُ العام لحياة البشَر. فالمقولة المنسوبة خطأً إلى جوزيف ستالين: «موت إنسان واحد مأساة، أما موت مليون شخص فهو إحصائية»، تخطئ في الأرقام لكنها تعبِّر عن الطريقة التي نعامل بها القيمةَ المعنوية للأرواح التي تُفقد في الكوارث مثل الحروب أو الأوبئة. يهبط المنحنى كما يحدث مع منحنى منفعة المال.12 ففي الأيام العادية، من الممكن لهجوم الإرهابي أو حادثة تسمُّم تسفِر عن عشر ضحايا أن تحصل على تغطيةٍ شاملة. أما في خضم الحرب أو الأوبئة، فإنَّ وفاة ألف شخص في يوم واحد تُستقبل بهدوء، مع أن كل شخص من هؤلاء، على عكس الدولار المتناقص، كان شخصًا حقيقيًّا، كائنًا واعيًا أحبَّ وتلقَّى الحب. في كتاب «الملائكة الأفضل لطبيعتنا البشرية»، ذهبت إلى أن شعورنا بتناقص المنفعة الحدية لأرواح البشَر المضلل أخلاقيًّا، سببٌ من أسباب إمكانية تصاعُد الحروب الصغيرة لكوارث إنسانية.13

الإخلال بالبديهيات: ما مدى ما يعكسه من اللاعقلانية؟

قد تعتقد أن بديهيات الاختيار العقلاني بينةٌ للغاية حتى إن أي شخص طبيعي سيراعيها. لكن الواقع أن الناس يستهينون بها باستمرار.

لنبدأ بالتكافؤ. يبدو من المستحيل أن تخالفها؛ فهي لا تعدو شرط أنك تفضِّل أ على ب، أو تفضِّل ب على أ، أو أنك محايد بين الاثنين. في الفصل الثاني، شهدنا عملية التمرُّد المتمثلة في المقايضة المحظورة.14 فالناس يتعاملون مع أشياء معيَّنة في الحياة باعتبارها مقدسةً ويجدون أن محض التفكير في مقارنتها عملٌ غير أخلاقي. إنهم يشعرون أن أي شخص يعمل بهذه البديهية هو مثل «الهازئ» كما يصفه أوسكار وايلد: شخص يعرف سعر كل شيء ولا يعرف قيمةَ أي شيء. ما مقدار ما ينبغي أن ننفقه لإنقاذ نوع مهدَّد بالانقراض من الفناء؟ ما مقدار ما ينبغي إنفاقه لإنقاذ فتاة صغيرة سقطت في بئر؟ هل يجب ضبط الميزانية بخفض الأموال المخصَّصة للتعليم أو كبار السن أو البيئة؟ ثمة مزحة قديمة تحكي عن رجلٍ يسأل امرأة قائلًا: ««هل تمارسين الجنس معي مقابل مليون دولار؟» فترد: «يا للهول، مليون دولار … ربما.» فيسأل الرجل: «هل تمارسين الجنس معي مقابل مائة دولار؟» فتجيب المرأة: «أي نوع من النساء تظنني؟» «لقد تبيَّنا من ذلك بالفعل؛ وإنما نتفاوض الآن على السعر.».»15 لقد نشأ تعبير «اختيار صوفي» في رواية ويليام ستايرون المفجعة، حيث كان يشير إلى اضطرار البطلة لتسليم أحد طفليها ليموت خنقًا بالغاز في معسكر أوشفيتز. وقد رأينا في الفصل الثاني كيف أن النفور من طلب المقارنة بين كيانين مقدَّسين من الممكن أن يكون عقلانيًّا، وذلك حين يؤكد التزامنا بعلاقةٍ ما، وقد يكون غير عقلاني، وذلك حين نتحاشى اختيارات مؤلمة لكننا نقدِم عليها في الواقع تبعًا لأهوائنا وفي بعض الأحيان دون غيرها.
ثمَّة مجموعة أخرى من المخالفات تتعلق بمفهوم قدَّمه عالِم النفس هربرت سايمون يُسمى «العقلانية المقيدة».16 إنَّ نظريات الاختيار العقلاني تفترض وجود شخص عليم منزَّه لديه معلومات وافية ووقت وذاكرة غير محدودين. أما فيما يتعلق بأصحاب القرار من البشر، فإنَّ عوامل كعدم اليقين من الاحتمالات والمكاسب، وكلفة الحصول على المعلومات ومعالجتها، لا بد من أن توضع في الحسبان عند اتخاذ القرار. فليس من المنطقي أن تمضي ٢٠ دقيقة لتعرف طريقًا مختصرًا سيوفر عليك ١٠ دقائق من زمن الانتقال. فهذه التكلفة ليست بسيطة على الإطلاق. ثم إن العالَم حديقةٌ من المسارات المتشعبة، حيث يأخذنا كل قرار إلى موقفٍ تواجهنا فيه قرارات جديدة، ينبثق منها سيل من الاحتمالات التي لا يمكن ترويضها ببديهية التوحيد. وقد أفاد سايمون بأن صاحب القرار من البشر نادرًا ما تتسنى له رفاهية الوصول إلى الأفضل، إنما عليه بدلًا من ذلك أن «يقنَع بما يكفي»؛ أي أن يقنَع بالبديل الأول الذي يتخطى المستوى الذي يُعَد جيدًا بالنسبة إليه. فنظرًا لتكاليف المعلومات، من الممكن أن يكون ما هو مثالي عدوًّا لما هو جيد.

من المؤسف أنَّ قواعد القرارات التي تجعل الحياة أيسرَ قد تخل بالبديهيات، ومنها قابلية التعدي. حتى قابلية التعدي؟ هل من الممكن أن أكسب قوتي بالعثور على مضخة مال بشرية وأبيع له الأشياء نفسها مرارًا وتكرارًا، مثل شخصية سيلفستر ماكمَنكي ماكبين في قصص دكتور سوس، «ذا سنيتشيز»، وهو الذي ظل يتقاضى ثلاثة دولارات من السنيشيز لتثبيت نجمة على بطونهم وعشرة دولارات لإزالتها؟ («وهكذا، بعد أن أنفقوا كلَّ ما لديهم من مال، حزَم رجل المهام الصعبة أمتعتَه. وها هو ذا قد شدَّ الرِّحال.») رغم أن عدم القابلية للتعدي مثالٌ على اللاعقلانية، فيمكن بسهولة أن تنشأ من سمتين للعقلانية المقيدة.

إحدى هاتين السمتين أننا لا نقوم بكل عمليات الضرب والجمع الضرورية لصهر خواص غرضٍ ما كي نحصل منها على كتلة من المنفعة. ما نفعله بدلًا من ذلك أننا قد ندرس خواصه واحدةً بعد الأخرى، مقلصين الخيارات من خلال الاستبعاد.17 عند اختيار جامعة، قد نستبعد في البداية الجامعات التي ليس بها فريق للعبة اللاكروس، ثم الجامعات التي ليس بها كلية طب، ثم الجامعات البعيدة عن المنزل، وهكذا.
ثمة سبيل مختصَر آخر يتمثل في أننا قد نتجاهل الفرقَ الطفيف في قيم إحدى السمات حين تبدو السمات الأخرى أهم. يسألنا سافاج أن نتصوَّر أمرَ سائحة لا تستطيع حسم قرارها بين زيارة باريس وزيارة روما.18 لنفترض أنها خُيِّرت بين الذهاب إلى باريس والذهاب إلى باريس زائد الحصول على دولار. لا شك أن باريس زائد دولار أكثرُ جاذبية من باريس فقط. لكن هذا لا يعني أن باريس زائد دولار أكثرُ جاذبية بلا شك من روما! لدينا هنا نوع من عدم قابلية التعدي: تفضِّل السائحة أ (باريس + دولار) على ب (باريس)، وعلى الحياد إزاء ب وج (روما)، لكنها لا تفضِّل أ على ج. قدَّم رسام كاريكاتير في مجلة «نيويوركر» مثال سافاج بطريقة جديدة كما يلي:
من الممكن أن يسقط صاحب القرار الذي يختار بإجراء عملية الإقصاء في عملية متكاملة من عدم قابلية التعدي.19 يتخيَّل تفيرسكي ثلاثة متقدِّمين لوظيفة، وهم متباينون في الدرجات التي حصلوا عليها في اختبار للكفاءة، وفي سنوات الخبرة.
الكفاءة الخبرة
آرشر ٢٠٠ ٦
بيكر ٣٠٠ ٤
كونور ٤٠٠ ٢

جعل مدير للموارد البشرية يقارن بينهم زوجًا تلو الآخر بهذه السياسة: إذا تفوَّق أحدهم في اختبار الكفاءة على الآخرين بأكثر من مائة نقطة، فاختر ذلك المرشح؛ أو اختر صاحب الخبرة الأكبر. يفضِّل المدير آرشر على بيكر (خبرته أكبر)، وبيكر على كونور (خبرته أكبر)، وكونور على آرشر (كفاءته أعلى). حين يُوضَع المشاركون في التجارب في موقف المدير، يقدِم العديد منهم على مجموعاتٍ من الاختيارات غير القابلة للتعدي دون أن يدركوا ذلك.

إذن، هل تمكَّن علماء الاقتصاد السلوكي من تمويل أبحاثهم باستغلال المشاركين في التجارب كمضخات للأموال؟ في الغالب لا. فالناس يتداركون الموقف، ويراجعون اختياراتهم، ولا يختارون شيئًا لمجرد أنهم فضَّلوه لبرهة من الوقت.20 لكن من دون هذا التأنِّي الذي ينبع من النظام الثاني، فإنَّ العُرْضة لارتكاب الخطأ أمرٌ واقع. ففي الحياة الواقعية، من الممكن لعملية اتخاذ القرارات بمقارنة البدائل كل سِمة على حدة أن تجعل صاحب القرار عُرضة لتصرُّفات غير عقلانية نعلمها كلنا في أنفسنا. عند الاختيار بين أكثر من خيارين، من الوارد أن نتأثَّر بآخر اثنين رأيناهما، أو ربما نظل ندور في دوائر إذ يبدو كل بديل أفضلَ من الاثنين الآخرين بطريقةٍ مختلفة.21
من الممكن بالفعل أن يتحوَّل الناس إلى مضخَّات أموال، ولو لفترة على الأقل، وذلك بتفضيل «أ» على «ب» لكن مع وضع سعر أعلى للخيار «ب».22 (سوف تبيع لهم «ب»، وتقايضهم عليه بالخيار «أ»، ثم تشتري «أ» مرة أخرى بسعرٍ أقل، وتعيد الكرَّة.) كيف يمكن لأحد أن يقع في هذا التناقض المجنون؟ المسألة بسيطة: عند مواجهة اختيارين لهما نفس القيمة المتوقَّعة، ربما يفضِّل الناس الاختيارَ ذا الاحتمالية الأكبر لكنهم يدفعون أكثرَ إلى الاختيار ذي المردود الأعلى. (بكلمات أوضح، لنفترض أن هناك تذكرتين للعب الروليت لهما نفس القيمة المتوقَّعة، ٣٫٨٥ دولارات، لكن من توليفات مختلفة من الاحتمالات والمكاسب. التذكرة أ تعطيك فرصة ٣٥ / ٣٦ للفوز ﺑ ٤ دولارات وفرصة ١ / ٣٦ لخسارة دولار. التذكرة ب تعطيك فرصة ١١ / ٣٦ للفوز ﺑ ١٦ دولارًا وفرصة ٢٥ / ٣٦ لخسارة دولار ونصف.23 (يؤدي تقريب الأرقام إلى اختلاف سنت أو سنتين، لكن الاختلافات تختفي في المراهنات المستخدَمة في الدراسة ولا تؤثر على النتائج.) عند إعطائهم الاختيار، يختار الناس «أ». حين يُسألون عن السعر الذي سيدفعونه مقابل كل منهما، يعرضون سعرًا أعلى من أجل «ب».) إنها حماقة — حين يفكِّر الناس في السعر، ينشغلون بالرقم الأكبر بعد علامة الدولار وينسون الاحتمالات — ومن الممكن أن يتصرَّف القائم بالتجربة تصرُّف المضارب ويستنزف الأموال من بعضهم. يقول الضحايا المأخوذون بدهشتهم: «ليس بيدي حيلة»، أو «أعلم أنه تصرُّف ساذَج وأنك تستغلني، لكنني حقًّا أفضِّل ذلك الاختيار».24 وبعد بضع جولات، ينتبه الكل تقريبًا. إنَّ بعض حركات التداول المفرط التي تقع في أسواق المال الحقيقية قد تنجم عن مستثمرين سذَّج يتأثرون بالمخاطرات على حساب المكافآت أو العكس، ثم هنالك عامل انقضاض المضاربين لاستغلال التقلبات.

•••

ماذا عن الاستقلال عن البدائل غير المعنية، باعتماده السخيف على السياق والصياغة؟ كشف عالِم الاقتصاد موريس آليه المفارقة التالية.25 أيُّ هاتين التذكرتين ستفضِّل شراءها؟
سوبركاش: فرصة ١٠٠ في المائة للفوز بمليون دولار باوربول: فرصة ١٠ في المائة للفوز بمليوني دولار ونصف
فرصة ٨٩ في المائة للفوز بمليون دولار

رغم أن القيمة المتوقَّعة لتذكرة باوربول أكبر (١٫١٤ مليون دولار)، فإن أغلب الناس تختار الشيء المضمون، متجنبين فرصة ١ في المائة لعدم الحصول على أي شيء في النهاية. هذا لا يخلُّ بالبديهيات؛ إذ يهبط منحنى منفعتهم على ما يبدو، مما يجعلهم متجنبين للمخاطرة. والآن أي «هاتين» التذكرتين ستفضِّل؟

ميجاباكس: فرصة ١١ في المائة للفوز بمليون دولار لوتو يو إس إيه: فرصة ١٠ في المائة للفوز بمليوني دولار ونصف

مع هذا الخيار، يفضِّل الناس لوتو يو إس إيه، مما يضاعف القيمة المتوقَّعة (٢٥٠ ألف دولار مقابل ١١٠ آلاف دولار). يبدو اختيارًا منطقيًّا، أليس كذلك؟ بينما تتأمَّل الخيار الأول، يحدثك الأُنَيسيان في رأسك قائلًا: «قد تكون جائزة لوتو أكبر، لكن إن اشتريتها فثمَّة فرصة أن تخرج صفر اليدين. ستشعر أنك أحمق، حين تجد أنك قد ضيعت مليون دولار!» وعند النظر إلى الخيار الثاني، سيقول: «١٠ في المائة، ١١ في المائة، ما الفرق؟ في كلتا الحالتين، لديك فرصة في الفوز، فربما من الأفضل أن تذهب إلى الجائزة الأكبر.»

من المؤسف في نظرية الاختيار العقلاني أنَّ هذه التفضيلات تخلُّ ببديهية الاستقلالية. لكي ندرك المفارقة، بنا نقسِّم احتمالات الخيارين الموجودين على اليمين إلى أجزاء، مع الحفاظ على كل شيء كما هو ما عدا طريقةَ عرضها

سوبركاش: فرصة ١٠ ٪ للفوز بمليون دولار باوربول: فرصة ١٠ في المائة للفوز بمليوني دولار ونصف
فرصة ١ في المائة للفوز بمليون دولار فرصة ٨٩ في المائة للفوز بمليون دولار
فرصة ٨٩ في المائة للفوز بمليون دولار 
ميجابكس: فرصة ١٠ في المائة للفوز بمليون دولار لوتو يو إس إيه: فرصة ١٠ في المائة للفوز بمليوني دولار ونصف
فرصة ١ في المائة للفوز بمليون دولار
نرى الآن أن الاختيار بين سوبركاش وباوربول هو نفس الاختيار بين ميجاباكس ولوتو أمريكا مع فرصة ٨٩ في المائة إضافية لكلٍّ منهما للفوز بمليون دولار. لكن تلك الفرصة الإضافية جعلتك تحوِّل اختيارك. لقد أضفت فطيرة كَرَز لكل تذكرة، فتحوَّلت من اختيار فطيرة التفاح إلى اختيار فطيرة العنب البري. إذا كنت قد مللت من القراءة عن اليانصيب، فإن تفيرسكي وكانمان يقدِّمان مثالًا لا يشمل النقود.26 هل تفضِّل تذكرة قُرعة تعطيك فرصة ٥٠ في المائة للفوز بجولة ٣ أسابيع في أوروبا، أم قسيمة تمنحك جولةً لمدة أسبوع في إنجلترا بشكل مؤكد؟ يفضِّل الناس الشيء المضمون. هل تفضِّل تذكرة قُرعة تعطيك فرصة ٥ في المائة للفوز بجولة الأسابيع الثلاثة، أم تذكرة تمنحك فرصة ١٠ في المائة للفوز بجولة إنجلترا؟ هنا يفضِّل الناس الجولة الطولى.

على الصعيد النفسي، يبدو ما يجري واضحًا لنا. الفرْق بين احتمال صفر واحتمال واحد في المائة ليس مجرَّد فرق واحد في المائة؛ إنه الفارق بين المستحيل والمحتمل. وبالمثل، فإنَّ الفرق بين ٩٩ في المائة و١٠٠ في المائة هو الفرق بين الاحتمال واليقين. ولا يُقاس أيٌّ منهما بالفروق الممتدة على باقي المقياس، مثل الفرْق بين ١٠ في المائة و١١ في المائة. فالاحتمال، مهما كان صغيرًا، يفسح مجالًا لأمل التطلُّع إلى الأمام، وعدم النظر إلى الوراء. ما إذا كان الاختيار النابع من هذه العواطف «عقلانيًّا» أم لا هو أمرٌ يتوقَّف على ما إذا كنا نعتقد أن العواطف استجاباتٌ طبيعية لا بد أن نحترمها، مثلها في ذلك مثل الأكل والتدفئة، أم مصادر إزعاج تطورية لا بد أن تتجاوزها قوانا العقلانية.

إنَّ العواطف التي يثيرها الاحتمال واليقين تضيف مكوِّنًا إضافيًّا إلى الاختيارات المحمَّلة بالفرص مثل التأمين والمقامرة، وهو مكوِّن لا يمكن تفسيره بأشكال منحنيات المنفعة. يشرح تفيرسكي وكانمان أنَّ أحدًا لن يشتري تأمينًا احتماليًّا (عشوائيًّا)، بأقساط زهيدة لكنه يغطي فقط أيامًا معيَّنة من الأسبوع، مع أن الناس تقدِم على المخاطرة نفسها في العموم دون غضاضة، حين يأمنون على أنفسهم ضد بعض المخاطر، مثل الحرائق، ويستبعدون غيرها، مثل الأعاصير.27 إنهم يشترون التأمين من أجل راحة البال، للتخلُّص من أحد الأشياء التي تثير قلقهم. إنهم يفضِّلون استبعادَ الخوف من نواع واحد من الكوارث من مجموع همومهم على أن يجعلوا حياتهم آمنَ في العموم. قد يفسِّر هذا أيضًا قراراتٍ مجتمعية على غرار حظرِ الطاقة النووية، مع ضآلة خطر أن تؤدي إلى كارثة، بدلًا من خفض استخدام الفحم، الذي يسفر يوميًّا عن وفياتٍ أكثرَ بكثير. ينادي قانون الدعم الفائق الأمريكي بالتخلص تمامًا من ملوِّثات معيَّنة في البيئة، رغم أن إزالة اﻟ ١٠ في المائة الأخيرة قد يكلِّف أكثرَ من اﻟ ٩٠ في المائة الأولى. وقد علَّق رئيس المحكمة العليا الأمريكية ستيفين براير على دعوى قضائية للإلزام بتنظيف موقع نفايات سامة: «إن السجل المكوَّن من ٤٠ ألف صفحة لمجهود السنوات العشر هذا قد أوضح (وبدا أن كل الأطراف متفقة) أن مَكَبَّ النفايات كان نظيفًا بما فيه الكفاية حتى لأن يأكل الأطفال الذين يلعبون في الموقع كمياتٍ صغيرة من القاذورات لمدة ٧٠ يومًا كل عام من دون وقوع ضرر كبير، وهذا من دون نفقات إضافية … غير أنه لم يكن هناك أطفال يلعبون في المنطقة ليأكلوا القاذورات؛ لأنها كانت مستنقعًا … إنَّ إنفاق ٩٫٣ ملايين دولار لحماية أطفال يأكلون القاذورات غير موجودين هو ما أقصده بمشكلة «اﻟ ١٠ في المائة الأخيرة».»28

ذات مرة سألت أحدَ أفراد أسرتي، وكان يشتري تذكرةَ يانصيب كل أسبوع، عن السبب في أنه يهدِر أمواله. فشرح لي كما لو كنت طفلًا بطيء الفهم قائلًا: «لا يمكن أن تفوز دون أن تلعب.» لم تكن إجابته غير عقلانية بالضرورة: فربما توجد فائدة نفسية لأن يكون لديك مجموعة من الاحتمالات تشمل إمكانية الحصول على ثروةٍ مفاجئة بدلًا من التركيز على تعظيم المنفعة المتوقَّعة وحدَه دون أي شيء آخر، وهو ما يؤكد عدم إمكانية الحصول على الثروة. ثمة مزحة تؤكد هذا المنطق. إنها تحكي عن رجل عجوز تقي يتضرع إلى الرب. «يا إلهي، طالما أطعت شرائعك طوال حياتي. وحفظت السبت. وتلوت صلواتي. كنت أبًا وزوجًا صالحًا. أناشدك طلبًا واحدًا فقط. أريد أن أفوز باليانصيب.» هنا أظلمت السماء، واخترق السُّحب شعاع من الضوء، وجأر صوت عميق: «سأرى ما يمكن عمله.» ابتهج الرجل. مضت ستة شهور، ثم عام، دون أن تأتيه الثروة. في غمرة يأسه صاح مرة أخرى: «يا إلهي العظيم، تعلم أنني رجل تقي. وقد رجوتك. لماذا تخليت عني؟» أظلمت السماء، واخترق شعاع من الضوء السماء، وجلجل صوت قائلًا: «ساعدني لكي أساعدك. اشترِ تذكرة.»

•••

ليست صياغة المخاطر وحدَها هي ما قد يغيِّر اختيارات الناس، بل صياغة المكافآت أيضًا. لنفترض أنك أُعطيت ألف دولار. وعليك الآن الاختيار بين الحصول على ٥٠٠ دولار إضافية وبين الاقتراع بعملةٍ لتحصل على ألفٍ أخرى إن أتت بصورة. القيمة المتوقَّعة للخيارين واحدة (٥٠٠ دولار)، لكنك تعلم الآن أن أغلب الناس تتجنَّب المخاطرة وتختار الشيء المضمون. فكِّر إذن في هذا السيناريو المختلف بعض الاختلاف. لنفترض أنك أُعطيت ألفي دولار. وعليك الاختيار بين ردِّ ٥٠٠ دولار والاقتراع بعملة ستضطرك إلى ردِّ ألف دولار إن أتت بصورة. هنا يختار أغلب الناس الاقتراعَ بالعملة. لكننا حين نجري العمليةَ الحسابية التي تحسب المنفعة المتوقَّعة في الحالتين، نجد أنَّ نتيجة الخيارين متطابقة. الاختلاف الوحيد بينهما هو نقطة البداية التي تصيغ النتيجةَ على أنها «مكسب» في الخيار الأول و«خسارة» في الثاني. مع هذا الاختلاف في الصياغة، يختفي إحجام الناس عن المخاطرة؛ فهم «يسعون» إلى المخاطرة إذا كانت ستمنحهم أملًا في تفادي الخسارة. ينتهي كانمان وتفيرسكي إلى أن الناس لا يتجنبون المخاطرةَ تمامًا، وإن كانوا «يتجنبون» الخسارة: إنهم يسعون إلى المخاطرة إذا كان من الوارد أن تجنبهم الخسارة.29
مرةً أخرى، نجد أنَّ الأمر غير مقتصر على المقامرات المخطَّطة. لنفترض أنك قد شُخِّصت بسرطان عضال ويمكنك علاجه إما بجراحة، تنطوي على بعض المجازفة بالموت خلالها، أو بالإشعاع.30 أُخبر المشاركون في التجربة أنه من كل مائة اختاروا الجراحة، نجا ٩٠، وعاش منهم ٦٨ لعام بعدها، ومنهم عاش ٣٤ لمدة ٥ سنوات بعدها. في المقابل، من كل مائة اختاروا الإشعاع، نجا مائة من العلاج، وظل منهم ٧٧ أحياء مدة سنة، وعاش ٢٢ لمدة ٥ سنوات. أقل من خُمس المشتركين اختاروا الإشعاع؛ أي إنهم فضَّلوا اختيارَ الفائدة المتوقَّعة على اختيار الأمد الطويل.

لكن لنفترض الآن أن الخيارات وُصفت بطريقةٍ مختلفة. من كل مائة مريض اختاروا الجراحة، مات ١٠ في أثناء العملية، ومات ٣٢ بعد عام، ومات ٦٦ بعد ٥ سنوات. ومن بين كل مائة اختاروا الإشعاع، لم يمُت أحد أثناء العلاج، ومات ٢٣ بعد عام، ومات ٧٨ خلال ٥ سنوات. في هذه الحالة، اختار الإشعاعَ نصفُ المشاركين تقريبًا. فقد ارتضَوا باحتمالٍ إجمالي أكبرَ بالموت مع ضمان ألا يموتوا في أثناء العلاج بأي حال. لكن كلا الزوجين من الاختيارات يعطيان الاحتمالات نفسها: كلُّ ما تغيَّر هو ما إن كانت صياغتها تذكر عددَ مَن عاشوا، الذي يُعد مكسبًا، أو تذكر عددَ مَن ماتوا، وهو ما يُعتبر خسارة.

مجددًا نرى الإخلال ببديهيات العقلانية ينتقل من إطارات الاختيارات الخاصة إلى السياسة العامة. في هاجسٍ غريب، قبل كوفيد ١٩ بأربعين عامًا، طلب تفيرسكي وكانمان من بعض الناس أن «يتخيلوا أن الولايات المتحدة تستعد لتفشي مرضٍ آسيوي غير مألوف.»31 سأورد مثالهما مع تحديثه. إذا تُرِك فيروس كورونا دون مواجهته، فمن المتوقَّع أن يقتل ٦٠٠ ألف شخص. استُحدِثت ٤ لقاحات، وواحد منها فقط هو الذي يمكن توزيعه على نطاق واسع. إذا اختِير ميراكيولون، فسيُنقذ ٢٠٠ ألف شخص. إذا اختِير وندراين، فثمة احتمال يبلغ ١ /٣ أن ينجو ٦٠٠ ألف شخص واحتمال ٣/٢ ألا يُنقذ أحد. أغلب الناس يتجنبون المخاطرة، ويختارون ميراكيولون.
لندرس الآن أمرَ اللقاحين الآخرين. إذا اختِير ريجينيرا، فسيموت ٤٠٠ ألف. وإذا اختِير بريفينتافير، فهناك احتمال ١ /٣ ألا يموت أحد، واحتمال ٢ /٣ أن يموت ٦٠٠ ألف شخص. لكنك اكتسبت الآن القدرةَ على التعرُّف على الأسئلة المخادعة في تجارب العقلانية، ولا شك أنك لاحظت أن الاختيارين متطابقان، ويختلفان فقط فيما إذا كانت الآثار اتخذت صيغةَ مكاسبَ (إنقاذ حياة) أو خسائرَ (وفيات). بالرغم من ذلك فالتغيير في الصياغة قد غيَّر الاختيارات: الآن غالبيةُ الناس «يسعون» إلى المخاطرة ويفضِّلون بريفينتافير، الذي يعطي أملًا في تجنُّب خسارة الأرواح تمامًا. ولسنا بحاجة لخيال واسع لنرى كيف يمكن استغلال هذه الصياغات في التلاعب بالناس، وإن كان من الممكن تحاشي هذا بعرضِ البيانات عرضًا دقيقًا، مثل أن تُذكر دائمًا المكاسب والخسائر دائمًا جنبًا إلى جنب، أو تُعرَض في رسومات بيانية.32
دمج كانمان وتفيرسكي إحساسنا المشوَّه بالاحتمالية وإحساسنا الطائشَ بالمكاسب والخسائر فيما أسمياه نظرية التوقُّع.33 تُعَد هذه النظرية بديلًا لنظرية الاختيار العقلاني وتهدُف إلى وصف الطريقة التي يختار بها الناس فعلًا لا تحديد الطريقة التي يجدُر بهم أن يختاروا بها.34 يوضح الرسم البياني أدناه كيف أن «مرجِّحات قراراتنا»؛ أي الإحساس الذاتي بالاحتمالية الذي نطبِّقه على اختيارٍ ما، مرتبطةٌ بالاحتمالية الموضوعية.35 المنحنى منحدرٌ قُرب ٠ و١ (مع انقطاع عند الحدين قرب هاتين القيمتين المميزتين)، وهو محايد نوعًا ما عند ٠٫٢، وأقربُ للاستواء عند المنتصف؛ حيث لا نفرِّق بين ٠٫١٠ و٠٫١١ مثلًا.
figure
ثمة رسم بياني ثانٍ يعرِض لنا قيَمنا الذاتية.36 يرتكز محوره الأفقي على خطِّ أساسٍ متحرِّك عادةً ما يكون هو الوضع الراهن، بدلًا من صفر. هذا المحور ليس مقسمًا إلى قيمٍ مطلقة بدولارات أو أرواح أو غيرها من السلع المثمَّنة وإنما لمكاسبَ أو خسائرَ نسبية فيما يتعلق بخط الأساس ذلك. المكاسب والخسائر كلاهما مقعر – أي إنَّ كل وحدة إضافية تُجنى أو تُخسر تُحتسب بقيمةٍ أقلَّ عما سبقها — لكن الانحدار أشدُّ في الجزء السفلي؛ فالخسارة في ألمها أوقعُ مرتين من المكسب الموازي لها في بهجته.
figure

لا شك أن رسم الظواهر في صورة منحنيات لا يفسِّرها في حد ذاته. لكنه يمكِّننا من فهم ما يكمن فيها من مخالفات لبديهيات العقلانية. فاليقين والاستحالة مختلفان جدًّا من الناحية الإبستمولوجية عن الاحتمالات البالغة الارتفاع والاحتمالات البالغة الانخفاض. لهذا السبب جاء المنطق في هذا الكتاب في فصلٍ منفصل عن نظرية الاحتمالية. إنَّ العبارة: («س أو ص؛ ليس س؛ إذن ص» لا تقتصر على كونها عبارة ذات احتمالية بالغة الارتفاع؛ بل هي حقيقة منطقية.) هذا هو السبب في أنَّ مسئولي براءات الاختراع يعيدون طلبات تسجيل الآلات الأبدية الحركة دون أن يفتحوها بدلًا من الرهان على أن عبقريًّا ما قد حلَّ معضلات الطاقة إلى الأبد. كان بنجامين فرنكلين محقًّا في الجزء الأول على الأقل من قوله بأن لا شيء مؤكَّد سوى الموت والضرائب. أما الاحتمالات الوسيطة، فهي على العكس من ذلك، أمور قيد التخمين، خارج صالات القمار على الأقل. إنها محض تقديرات بهوامش خطأ، كبيرة أحيانًا. ففي العالم الواقعي ليس من الحماقة أن تعامل الفرق بين احتمال ٠٫١٠ واحتمال ٠٫١١ بشيء من الحيطة.

يصبح عدم التناظر بين المكاسب والخسائر أوضحَ حين نهبط من الرياضيات إلى الحياة الواقعية. إنَّ حياتنا مرهونة بفقاعةٍ غير مستقرة من الأشياء المستبعدة الحدوث، حيث الألم والموت على بُعد خطوة واحدة خطأ. ومثلما سألني تفيرسكي ذات مرة حين كنَّا زملاء: «كم عدد الأشياء التي قد تحدُث لك اليوم وتجعل حياتك أفضل؟ وكم عدد الأشياء التي قد تحدُث لك اليوم وتجعل حياتك «أسوأ»؟ القائمة الثانية بلا نهاية.» من المنطقي إذن أن نتوخى المزيد من الحذرِ بشأنِ ما قد نضطر إلى فقدانه، ونغتنم الفرص لتفادي أي انخفاض مفاجئ في رفاهتنا نتيجةً للتهور. وعند القطب السلبي، لا يُعدُّ الموت شيئًا بغيضًا غايةَ البغض فحسب. إنه نهاية اللعبة، من دون فرصة للعب مرة أخرى، إنه يمثِّل «متفردة» تجعل كل حسابات المنفعة بلا جدوى.

لهذا السبب أيضًا من الممكن أن يخل الناس ببديهية أخرى، وهي القابلية للتبادل. إذا كنت أفضل الجِعَة على الدولار، والدولار على الموت، فهذا لا يعني أنني سأدفع دولارًا لأراهن بحياتي من أجل زجاجة جِعة إذا كانت الاحتمالات مناسبة.

أم إنك تراه كذلك؟

اختيارات عقلانية رغم كل شيء؟

في العلوم المعرفية والاقتصاد السلوكي، صارت الإشارة إلى الطرق التي يخل بها الناس ببديهيات الاختيار العقلاني ضربًا من التسلية. (وليس تسلية فحسب: فقد ذهبت خمس جوائز نوبل إلى بعضٍ من مكتشفي المخالفات.)37 ينبع جزء من المتعة من كشف مدى عدم عقلانية البشَر، وينبع الباقي من توضيح مدى سوء علماء الاقتصاد الكلاسيكي ومنظِّري القرارات في مجال علم النفس. يحب جيجرينزر أن يحكي قصة حقيقية عن محادثة بين اثنين من منظِّري القرارات، كان أحدهم حائرًا بشأنِ ما إذا كان عليه قبول عرض عمل مغرٍ في جامعة أخرى.38 فقال له زميله: «لماذا لا تكتب منافعَ البقاء في عملك الحالي مقابل القبول بالوظيفة الأخرى، وتضربهما في احتمالاتهما، وتختار الأعلى بين الاثنين؟ فذلك ما تنصح به في مهنتك على كل حال.» فبادره الأول: «لكنَّ هذه المسألة خَطِرة!»

بالرغم من ذلك، فربما كان فون نيومان ومورجنسترن على حق. كل تلك المحظورات، والقيود، والأشياء غير القابلة للتعدي، والتقلبات، ومشاعر الندم، والنفور، والصياغات، إنما توضح أن الناس تخل بالبديهيات، وليس أنه يُفترض بهم ذلك. فلا ريب أنه في بعض الحالات، مثل قدسية علاقاتنا ورهبة الموت، ربما من الأفضل لنا حقًّا ألا نقوم بعمليات الجمع التي توصي بها النظرية. لكننا نرغب على الدوام في الحفاظ على الاتساق بين اختياراتنا وقيَمنا. هذا كلُّ ما تستطيع نظريةُ المنفعة المتوقَّعة أن تقدِّمه، وهو اتساق ينبغي ألا نعتبره مسلَّمًا به. إننا ننعَت اختياراتنا بالغبية حين تطيح بقيمنا، وحكيمة حين تراعيها. وقد رأينا بالفعل أن بعض مخالفات البديهيات إنما هي أفعالٌ طائشة، مثل تجنُّب المقايضات المجتمعية الصعبة، والسعي إلى عدم المجازفة، والانخداع باختيار الكلمات. وأظن أن الحياة بها عددٌ لا يُحصى من القرارات التي كنا سنتخذها بمزيد من الحكمة لو أننا ضربنا المخاطر في المكافآت.

هل ينبغي عليك عند شراء جهاز ما أن تشتري أيضًا الضمان الممتد الذي يفرضه البائع؟ ما يقرب من ثلث الأمريكان يفعلون ذلك، وهم يدفعون بذلك ما يزيد على ٤٠ مليار دولار سنويًّا. لكن هل من المنطقي حقًّا أن تحصل على بوليصة تأمين صحي على جهاز لتحميص الخبز؟ الخسارة والربح أقلُّ منهما في حالة التأمين على سيارة أو منزل، حيث سيكون للخسارة المالية تأثيرٌ على رفاهتك. إن فكَّر المستهلكون في القيمة المتوقَّعة ولو لبرهة، فسيلاحظون أن الضمان الممتد من الممكن أن يكلفهم ربع سعر المنتج، أي إنه لن يؤدي قيمته إلا إذا كان احتمال تعطُّل المنتج أكثرَ من واحد على أربعة. وعندئذٍ سيتبيَّن من نظرة سريعة على مجلة «كونسيومر ريبورتس» أنَّ الأجهزة الحديثة بعيدةٌ كل البُعد عن تلك الرداءة: فأقل من سبعة في المائة من أجهزة التلفزيون، على سبيل المثال، هي ما يحتاج إلى نوعٍ ما من التصليح.39 لنتناول أيضًا استقطاعات التأمين على السكن. هل ينبغي عليك أن تدفع ١٠٠ دولار إضافية سنويًّا لتقليل المصروفات التي ستدفعها من مالِك الخاص عند المطالبة بتعويض بمبلغ يتراوح بين ١٠٠٠ و٥٠٠ دولار؟ الكثير من الناس يفعلون ذلك، لكن يكون ذلك منطقيًّا فقط إذا كنت تتوقَّع الحصول على تعويض كل خمس سنوات. وفي واقع الأمر، يبلغ متوسط معدَّل التعويض لتأمين المسكن نحو مرة كل «عشرين» سنة، مما يعني أن الناس تؤدي ١٠٠ دولار مقابل ٢٥ دولارًا قيمةً متوقعة (٥ في المائة من ٥٠٠ دولار).40
يمكن كذلك الاستفادة من الموازنة بين المخاطر والمكاسب عند اتخاذ قرارات تتعلَّق بالصحة، وسيكون لها في هذه الحالة بالطبع تبِعات أكثر خطورة. يميل الأطباء والمرضى على حد سواء إلى التفكير حسب النزعات: فحوص كشف السرطان جيدة لأن بإمكانها الكشفَ عن السرطان، وجراحة السرطان جيدة لأن بإمكانها استئصاله. لكن عند التفكير في التكاليف والفوائد بالنسبة إلى احتمالاتهما من الممكن أن يُقلَب الجيد إلى رديء. فمن كل ألف امرأة تخضع للفحص السنوي بالموجات فوق الصوتية لسرطان المبيض، ستٌّ منهن فقط يُشخَّصن تشخيصًا صحيحًا بالمرض، مقارنةً بخمس نساء من كل ألف امرأة لا يخضعن للفحص، وعدد الوفيات في المجموعتين هو نفسه: ثلاث وفيات. لا يبدو إذن أنَّ الفوائد عظيمة إلى هذا الحد. ماذا عن التكاليف؟ من الألف اللواتي يخضعن للاختبار، تحصل ٩٤ سيدة على إنذارات كاذبة مروعة، وتعاني واحدة وثلاثون منهن استئصالَ المبايض دون ضرورة، وتعاني خمسٌ منهن مضاعفاتٍ خَطِرةً بالإضافة إلى ذلك. أما عدد الإنذارات الكاذبة والجراحات غير الضرورية بين النساء اللواتي لا يخضعن للفحص، فهو صفر بالطبع. ولسنا بحاجة لإجراء الكثير من العمليات الحسابية للبرهنة على أن المنفعة المتوقَّعة لفحوصات سرطان المبيض سلبية.41 الشيء نفسه ينطبق على الرجال فيما يتعلق بفحوصات الكشف عن سرطان البروستاتا باختبار مستضد البروستاتا النوعي (الذي أفضِّل ألَّا أخضع له). وكل هذه حالات سهلة؛ لكننا سنتعمق أكثر في طريقة المقارنة بين التكاليف والفوائد للنتائج الصحيحة والإنذارات الكاذبة في الفصل التالي.

حتى حين لا تتوافر الأرقام الدقيقة، ثمة حكمةٌ من ضرب الاحتمالات في النتائج في أذهاننا. كم من شخص دمَّر حياته بالإقدام على مجازفةٍ باحتمال كبير للحصول على مكسب صغير واحتمال ضئيل لتكبُّد خسارة فادحة، مثل التحايل على القانون من أجل مكسب إضافي من المال لم يكن بحاجة إليه، أو المجازفة بسمعته وراحته من أجل نزوة تافهة؟ وانتقالًا من الخسائر إلى المكاسب، كم من أعزبَ وحيدٍ يعزف عن الاحتمال الصغير بأن يعيش عمره سعيدًا مع توءم روحه لأنه لا يفكِّر إلا في الاحتمال الكبير بأنه سيتناول قهوته مع شخصية مضجرة؟

أما عن المجازفة بحياتك، فهل سبق ووفَّرت دقيقة على الطريق بالقيادة متعديًا حد السرعة، أو أرضيت لهفتك بالاطلاع على رسائلك الجديدة خلال عبور الشارع؟ إذا قست الفوائد مقارنةً باحتمال وقوع حادثة مضروبًا في السعر الذي ستحدِّده لحياتك، فأيهما ستفضل؟ وإذا كنت لا تفكِّر بهذه الطريقة، فهل تستطيع أن تقول إنك عقلاني؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤