الفصل الرابع عشر

رُومة والقسطنطينية في أثناء الحروب الصليبية

رومة تجهل الوضع الراهن

وأخطأت رومة في فهم الوضع الراهن في القسطنطينية، فوهمت أن الحلَّ والربط في أُمُور الكنيسة منوطان بإرادة الفسيلفس، وأراد كُلٌّ من ألكسيوس وابنه يوحنا وحفيده عمانوئيل التعاوُنَ مع رومة؛ لرغبة أكيدة في توطيد السلام بين المسيحيين ولحاجة ديبلوماسية ماسة، ولكنهم أخفقوا لأسبابٍ أهمها أن الرأي العام في القسطنطينية كان قد نفر عن رومة، وأن الإكليروس الأرثوذكسي كان قد أصبح أقوى من البلاط في تكييف هذا الرأي العام، ورأى هذا الإكليروس أن كنيسة العاصمة كانت أُولى الكنائس علمًا وعظمة ومجدًا، فصعب عليه أن يحني رأسه لمن كان أَقَلَّ علمًا وأخف وزنًا.١

خوف الروم وحَذَرهم

وأطلَّ الصليبيون بغلاظتهم ووعورة أخلاقهم وقلة انضباطهم واستباحتهم، فعانى الروم في مجيئهم بَرْحًا بارحًا، وتحملوا منهم رهقًا شديدًا، واعتبر ثيوفيلاكتوس المتروبوليت العالم الفاضل الصالح موجة الصليبيين التي مرت في أبرشيات بلغارية إغارةً بربرية جديدة، وهال سكان القسطنطينية النهب والسلب والتخريب الذي صدر عن ضيوفهم الغربيين، وازداد عدد التجار الإيطاليين في عاصمة الشرق، واشتد نشاطهم واتسعت أعمالهم، فتوجَّس زملاؤهم الروم منهم خوفًا فنبض نابضهم وغلى جوفهم، أما ثيوفيلاكتوس وغيره من طبقته وجمهور المؤمنين الأتقياء؛ فإنهم تغاضَوا واغتفروا حبًّا بالمسيح وتعاونًا في سبيل هدف صالح مقدس، ولكنهم لاموا زُعَمَاء الصليبيين وأنكروا عليهم استهتارهم وقلة مبالاتهم، ثم جاء رئيس أساقفة بيزا لنجدة الصليبيين، ولم يكن بعيدًا عن البابا، غزا المسيحيين في كورفو وليفقاس وزنتة،٢ وتبين أيضًا أن رهبان الصليبيين وكهنتهم وأساقفتهم كانوا يحملون السلاح ويخوضون المعارك ويسفكون الدماء، فرأى المؤمنون الأرثوذكسيون — في هذا كله — تخديشًا لوجه المسيح وأمرًا لا يُحطُّ عاره، ونسوا قداسة أوربانوس الثاني ومحبته المسيحية، ولم يذكروا سوى تعاوُن غريغوريوس السابع مع أعدائهم النورمنديين وإصغاء باسكال الثاني لأقاويل بوهيموند ووشاياته. وتعاونتْ رومة مع أمراء أنطاكية وملوك أوروشليم، وأقامت هيرارخية لاتينية في البطريركيتين الشرقيتين، وأوجبت خضوع الكهنة الأرثوذكسيين فيهما لأساقفة لاتينيين، فزادت الطين بلة، وجعلت من بطاركة أوروشليم وأنطاكية الشرعيين المقيمين في القسطنطينية أداةَ دعاية دائمة ضد رومة وأساقفتها وإكليروسها.

داء الضرائر

ونظر التجار الإيطاليون إلى زملائهم الروم بعين مريضة وطرف سقيم؛ لان هؤلاء كانوا قد بلغوا مِن التقدُّم الفني وجمع الثروة رتبة تقاصرتْ عنها الأقران، وشأوًا تقطعت دونه أعناق الإيطاليين، فزرع التجار الإيطاليون الأحقاد ودرجوا بالنميمة، فأصبحوا من سماسرة الشقاق وتُجَّار الفساد وزُرَّاع العداوات.

وطمع بوهيموند وتنكريد وغيرهما من رجالات الصليبيين واضطرم صدرُهُم حسدًا وانتشر بينهم داءُ الأثرة فنصبوا للروم الحبائلَ، ووقفوا لهم بالمرصاد، والحاسدُ مغتاظٌ على من لا ذنب له.

واستصغر الصليبيُّ العادي الروميَّ واستهان به، فرآه مخنثًا ضعيفًا حقيرًا،٣ وتأخر أليكسيوس عن مساندة الصليبيين لأسباب قاهرة، أهمها الخطر التركي، فأصبح ومَنْ حوله مخادعًا مراوغًا، ونَشَأَ كره لأليكسيوس وخلفائه دام في الغرب قرونًا طوالًا، وعلى الرغم مما قام به علماء أُوروبة من بحث وتدقيق وإجلاء وتوضيح، فإن هذا الكره وما يتبعه من حق؛ لا يزالان يَحُزَّان في صدور بعض المؤرخين الغربيين حتى يومنا هذا.٤

أليكسيوس وباسكال (١٠٩٩–١١١٨)

ورغب أليكسيوس رغبة أكيدة في إجلاء الأتراك عن آسية الصغرى، فسعى سعيًا حثيثًا للسلم والمسالمة في ساحل الأدرياتيك، ولم يكتف بمواصلة أساقفة رومة، بل حاول اجتذابَ بعض الشخصيات الكبيرة في الأوساط الإكليريكية الإيطالية كأوديريسيوس Oderisius رئيس دير جبل كسينو، فإنه كتب إلى هذا الرجل البارِّ وأَكَّدَ رغبته في مساندة الصليبيين، ولكنه أوضح أن مثل هذه المساندة لا تكون دائمًا ممكنة،٥ وقدر رهبان كسينو أليكسيوس قدره فاعتبروه صديقًا مخلصًا وحاميًا أمينًا، وتابعوا تبادُل الرأي والمحبة معه بعد وفاة أوديريسيوس،٦ ثم طمع بوهيمند بأنطاكية وحنث في يمين الولاء والطاعة لأليكسيوس ولم يَبَرَّ فيها، وقام إلى إيطالية ودب عقاربه بين باسكال وبين الفسيلفس وطاف أوروبة يزرع الأحقاد ويضرب ويحرش، فامتنع ألكسينيون عن مواصلة الفسيلفس، ولكن أليكسيوس ظل يألف الكنيسة اللاتينية ويمازجها ويؤانسها؛ فإنه أنشأ في هذه الفترة عينها مأوى كيفيتوت Civetot واستودعه رهبان كلوتي.٧
وتوفي بوهيمند وغيره من زعماء النورمنديين في جنوب إيطالية وتولَّت الحكم فيها أراملُ ثلاثٌ بريئاتٌ غيرُ مقلقات أدلة في نابولي وقسطنسة في ترنتو وأدليدة في بالرمو، وفي السنة ١١١١ هجم هنريكوس الخامس على رومة وسجن أسقفها باسكال الثاني وأكرهه على تتويجه إمبراطورًا، وعلى الاعتراف بتدخُّل الإمبراطور في أُمُور الكنيسة، فحرر أليكسيوس كتابًا إلى جيراردوس رئيس رهبان كسينو، أظهر فيه أسفه الشديد لِمَا حَلَّ بالبابا،٨ ثم كتب إلى السلطات في مدينة رومة، يشكر لهم ثباتَهم في تأييد البابا، ويومئُ إلى استعداده لقبول التاج الغربي، فأرسل الرومان وفدًا إلى القسطنطينية فوعد أليكسيوس بالقيام بنفسه إلى رومة في صيف السنة ١١١٢، ثم ألمَّ به مرضٌ أقعده عن الذهاب إلى رومة فأرسل من ناب عنه في هذه المهمة.٩
وفي أواخر السنة ١١١٢ كتب باسكال إلى أليكسيوس يوجبُ تسوية الناحية الكنسية من علاقاتهما أولًا، ويشير إلى امتناع بطريرك القسطنطينية عن تَقَبُّل رُسُله ورسائله، فيطلب اعترافَ «أخيه» هذا بتقدم رومة واحترامه لها قبل الشروع في الدعوة إلى مجمع مسكوني ينظر في حل المشاكل المعلقة،١٠ ويلاحظ هنا أَنَّ باسكال طَالَبَ بالعودة إلى ظُرُوف القرنين السادس والسابع حينما كان الفسيلفس يفرض على بطريرك عاصمته الحلول فرضًا، وأنه جهل التطوُّر الذي كان قد تم في علاقات السلطتين الزمنية والروحية في عاصمة الشرق وتبلور الرأي العام فيها وكره الأوساط الإكليريكية والمثقفة لرومة وسياستها، والواقع أن أليكسيوس رد على الوفد البابوي الذي حمل رسالة باسكال هذه ردًّا مبهمًا غامضًا.١١

بطرس غروسولانوس (١١١٤)

وفي أواخر السنة ١١١٣ أو أوائل السنة ١١١٤ وفد على القسطنطينية بطرس غروسولانوس Grosolano رئيس أساقفة ميلان، فأحب أليكسيوس أن يقرب وجهتي النظر في أمر الانبثاق واستعمال الفطير، فدعا إلى طاولةٍ مستديرة غروسولانوس وبعض كبار رجال اللاهوت في العاصمة، فقدم غروسولانوس وجهة نظر رومة،١٢ فأثار بذلك عاصفة من الرد شديدة سجل فيها أفستراتيوس متروبوليت نيقية ونقيطاس قونية، والرهبان يوحنا فورنس ويوحنا زونراس والشاعر ثيودوروس بروذروموس، والفيلسوف ثيودوروس أزمير أدلتهم على صحة موقف الكنيسة اليونانية،١٣ وأظهر غروسولانوس وضوحًا في التفكير والتعبير فيما تعلق بأمر الانبثاق، ولكن حُجج زملائه اليونانيين كانت أَدَقَّ وأكثر اتزانًا، واستشهد هؤلاء بأقوال الآباء في استعمالِ الخمير، ولكنهم لم ينجحوا في إقناعِ زميلهم اللاتيني، وانفرط العقدُ دون الوصول إلى نتيجة مفيدة.١٤

أفتيميوس زيغابينوس

وأدرك أليكسيوس أنه ابتسر حاجته قبل أوانها، فأَوْعَزَ إلى لاهوتيه أفتيميوس زيغابينوس Zigabenos أن يتحاشى في كتابه البانوبلية Panoplia Dogmatica١٥ البحث في الانبثاق، وأن يقصر خطاه في جولته في الفطير والخمير، ويذكر ذلك في أثناء الكلام عن سُوء تَصَرُّف الأرمن، ويرى بعضُ رجال الاختصاص أن ما جاء في البانوبلية عن الانبثاق هو لفوطيوس، وقد دسَّ دسًّا على مصنف زيغابينوس.١٦

حنة كومنينوس

ولا تمثل حنة كومنينوس الكنيسة الأرثوذكسية في تَهَجُّمِها على أحبار رومة، كما أنها تعتنف الأُمُور اعتنافًا عندما تقول: إن المجمع الخلقيدوني رفع أسقف القسطنطينية إلى أعلى الدرجات وأخضع له جميع أسقفيات المسكونة.١٧

بطرس المحترم

وتُوفي أليكسيوس وباسكال في السنة ١١١٨، وتبنى الفسيلفس يوحنا الثاني سياسة والده أليكسيوس، فلَاطَفَ الغرب ولاينه، وأظهر استعدادًا حقيقيًّا للتعاوُن مع حبر رومة وإمبراطور الغرب، وحاول ربط أُسرته بالأسرات المالكة في الغرب بالتزاوُج، وتودد في أوائل عهده إلى أحبار رومة وتَمَنَّى التفاهم بين الكنيستين، ولكنه لم يطلق لنفسه العنان في ذلك ولم يربط إكليروسه بشيء.

وبادل بعض كبار الإكليروس في الغرب إخوانهم في الشرق هذا اللطف وهذه المُلاينة، ولم يَتَعَرَّفُوا — فيما يظهر — إلى شيءٍ من الانشقاق عنيف عميق، فبطرس المحترم رئيس رهبان كلوتي كتب في السنة ١١٢٠ كتابًا إلى الفسيلفس يوحنا الثاني راجيًا متابعة العطاء لدير كيفيتوت، وحرر — في الوقت نفسه — إلى بطريرك القسطنطينية مؤكدًا رغبته في زيارة القسطنطينية «المدينة التي أسسها المسيح وقسطنطين» ليزور كنائسها ويتبرك بذخائرها، ثم يضيف فيقول:

«وعندئذ أرى وجهك فأحترم في شخصك جميع أحبار مدينتك المباركين، ونتعاقد برضاك تعاقدًا لا ينفكُّ، ونقسم يمين المحبة المتبادلة، وأرجو عندئذٍ وجهًا لوجه ما أطلبه الآن عن بعد أن تذكرونا نحن قطيع كلوتي بالمحبة في صلواتكم وصلوات شعبكم، فنبادلك المحبة والصلاة.»١٨

أنسلموس ونيقيطاس (١١٣٦)

ووفد على القسطنطينية في السنة ١١٣٦ أنسلموس أسقف هافلبرج؛ ليفاوض يوحنا الثاني باسم لوثار الثالث إمبراطور الغرب في أمر التعاوُن ضد روجه الثاني الصقلي، فاستُقبل هذا الأسقف الغربي استقبالًا حارًّا وأُجيب سؤله السياسي، ثم أفسح له المجال للبحث في الخلاف بين الكنيستين مع نيقيطاس متروبوليت نيقوميذية وبحضور الفسيلفس، وتمَّ الجدال في جو هادئ لطيف، وقام بعمل الترجمة موسى برغامو الإيطالي، فنقل الكلام بدقة ووعيٍ وإخلاص، فسُرَّ أنسلموس ثم رفع تقريرًا بما جرى إلى البابا أوجينيوس الثالث ضَمَّنَه دفاعه عن موقف رومة، وأبان فيه وجهة نظر القسطنطينية.١٩
وبحث الأسقفان أمر الانبثاق واستعمال الفطير، فأظهر نيقطاس استعداد القسطنطينية للقول بالانبثاق من الآب «بالابن» لا «والابن»، وأكد في الوقت نفسه وجوب اعتبار ذلك تفسيرًا للدستور لا إضافة عليه، وأظهر نيقيطاس تناقضًا في موقف بابوات رومة من الفطير، فاستعان بمقاطعَ من كلام البابوين ميلخيادس وسيريكيوس، مستدلًّا بذلك على استعمال الخمير في رومة في القرن الرابع،٢٠ وخلص إلى القول: «نحن لا ننكر تقدم كنيسة رومة بين البطريركيات الأخوات الخمس، ونعترف بوجوب إعطائها مقعد الشرف في المُجمع المسكوني، ولكنها فصلت نفسها عنَّا بأعمالها، فإنها أعطتْ نفسها بدافع الكبرياء ملكًا لا يتفق ووظيفتها. وكيف يُمكننا أَنْ نقبل منها أوامرَ صادرة عنها بدون استشارتنا وبدون علمنا، وإذا كان الحبر الروماني يريد أن يرشقنا بأوامره من عرشه المجيد العالي، ويريد أن يقضي بيننا ويحكمنا تحكمًا واستبدادًا فأي أخوية تصبح كنيستنا وأي أبوية تتصرف بشئوننا؟ وإذا كان هذا هو حالنا فإننا نصبح عبيد الكنيسة لا أبناءها، وتصبح كنيسة رومة سيدة قاسية متجبرة متصلفة على جماعة من الأرقاء لا أُمًّا تقية لأولاد لها.»٢١
وأجاب أنسلموس بأنه يحق لرومة أن تكون المرجع القضائي الأعلى؛ لأن أحكامها كانت دائمًا صحيحة، ولأنها لم تقعْ مرة واحدة في الهرطقة، ثم أردف مبينًا حقها في التقدُّم والسلطة؛ لأنها وريثةُ بطرس الرسول، ولكن نيقيطاس أكد أن الروح القدس حلَّ على جميع الرسل، وأنه كان لهم جميعًا أن يربطوا وأن يَحُلُّوا على السواء، ولم ير في الاختلافات الناشئة ما لا يُمكنُ حَلُّهُ في مجمع مسكوني، ولكنه رفض أن يَتَلَقَّى أوامرَ من رومة؛ «لأن الحبر الروماني لم يكن أميرًا على كهنة أو كاهنًا أعظم، وإنما كان أسقف الأبرشية المتقدمة.»٢٢
وذهب الخرتوفيلاكس نيقيطاس مارونية إلى أَبْعَدَ من هذا، فلم يَرَ ما يمنعُ القولَ بالانبثاق من الآب والابن، ولكنه أنكر على رومة حريتها في التصرف وإضافة عبارة الفيليوكوي إلى الدستور، ولم يَرْضَ عن مطالبها الإدارية،٢٣ ونيقيطاس هذا أَصْبَحَ فيما بعد متروبوليت تسالونيكية.

الفسيلفس عمانوئيل (١١٤٣–١١٨٠)

ورأى عمانوئيل الأول رأي والده وجده، فسعى للتفاهُم مع رومة في الحقل السياسي، وأَحَبَّ الغربيين وفروسيتهم، وعلى الرغم من تَفَاقُم البُغض بين الروم والشعوب اللاتينية مِن جراء تصرفات الصليبيين فإنه ظَلَّ يواصل الغرب ويفاوضُهُ، وشجع تبادل الرأي في موضع الخلاف بين الكنيستين اليونانية واللاتينية.

أنسلموس وباسيليوس

وفي السنة ١١٥٤ وفد الأسقف أنسلموس مرة ثانية على القسطنطينية، وعرَّج على ثسالونيكية في طريقه إلى الغرب، فباحث متروبوليتها باسيليوس في أمر الانبثاق والفطير، فتبين مرة أُخرى أن سَبَبَ التباعُد الأساسي كان إصرار رومة على السلطة المطلقة والطاعة العمياء،٢٤ وفي السنة التالية كتب البابا أدريانوس الرابع إلى باسيليوس نفسه بوصية برسله الذاهبين إلى القسطنطينية في مهمة سياسية، وقدَّم لهذه التوصية بعبارات ملؤها الادعاء بالسلطة كما عرفها غريغوريوس السابع والتنديد بضلال افترضتْه رومة افتراضًا،٢٥ فأجاب باسيليوس مؤكدًا وُجُوب إلصاق تهمة الضلال باليونانيين عند التثبُّت مِنْ إقدامهم على «تحوير دستور الإيمان واستعمال الفطير!» ثم أضاف أن الاختلاف بين الكنيستين صغير جدًّا، وأن تلافِيَه ممكنٌ، بصدق الطوية وجميل النية وبتعاون الأساقفة غربيين وشرقيين، فانجلى الإشكال الذي كان قد رافق التفاوُض مدة طويلة، وتبين أن سبب الخلاف إنما كان مُطالبة رومة بالسلطة والطاعة وإلحاح القسطنطينية على المساواة والمشاورة،٢٦ وأن العودة إلى الاتحاد استوجبت تعديلًا هامًّا في موقف كل من الكنيستين.

عمانوئيل وألكسندروس

وظلَّ البابا ألكسندروس الثالث بحاجةٍ إلى مَن يرفع عنه كابوس إمبراطور الغرب، ومَن يدفع عنه شَرَّ الخطر النورمندي، وظل الفسيلفس عمانوئيل يحلم بالسلطة على إيطالية والقضاء على فكرة الإمبراطورية الغربية، فجمعتْ بينهما أواصرُ المصلحة فتَوَاصَلَا وتَجَامَلَا وتبادلا رسائل المودة،٢٧ وفي السنة ١١٦٦ كتب عمانوئيل إلى البابا ألكسندروس الثالث يعرض اتحاد الكنيستين مقابل اتحاد الإمبراطوريتين، وفي السنة ١١٦٩ كتب ثانية يقترح المناداة به إمبراطورًا على الغرب لدى دُخُول جيوشه إلى رومة والمناداة بألكسندروس الثالث نفسه بطريركًا على القسطنطينية، وذلك لمناسبة وفاة البطريرك لوقا وشغور الكرسي القسطنطيني، فأجاب ألكسندروس بأن وصوله إلى عرش القسطنطينية ليس ضروريًّا، وأنه يكتفي بالاعتراف بتقدُّمه، وبوجوب الترافُع أمامه وبذكر اسمه في ذيبتيخة القسطنطينية،٢٨ وكان بمقدور عمانوئيل أن يُحقق اثنين من هذه المطالب: تقدم رومة، وذكر حبرها في ذيبتيخة القسطنطينية، ولكن أمر الترافُع أمام البابا كان قد أصبح مستحيلًا.
ولم يتمكنْ عمانوئيل من تأجيل الانتخاب البطريركي إلى أَمَدٍ غير محدود، فتبوأ السدة القسطنطينية ميخائيل الثالث (١١٦٩–١١٧٧) «مقدام الفلاسفة»، واطلع هذا البطريرك على رسالة ألكسندروس الثالث فأعد ردًّا شديدًا على محتوياتها، وحصر البحث في حجة رومة التاريخية؛ أي تقدُّم بطرس على غيره من الرسل ووجوب تقدم خلفائه على خلفاء غيره، فأشار إلى علاقة بطرس بكنيسة أنطاكية وأسبقية هذه الكنيسة التاريخية. وذكر تقدم كنيسة أوروشليم على أخواتها في أنها تشرفت بعناية السيد بها، وأنها شهدت عجائبه وتلقت تعاليمه. وأكد أن تقدم كنيسة رومة على سائر الكنائس نتج عن وجودها في أهم مدن الإمبراطورية الرومانية، وأضاف أن القسطنطينية أصبحت مركز العالم المسيحي بأسره، وأنها تَفُوقُ رومة في الأهمية، وخلص إلى القول: إن ظروف الحاضر تقضي بأنْ تكون القسطنطينية مركز إدارة الكنيسة الجامعة لا رومة، ومما جاء في رده هذا قوله: «ليكن المسلم لا اللاتيني مدبر أُمُوري المادية، فالأول لا يُكرهني على الدخول في دينه، وأما الثاني فإنه يبعدني عن الله.»٢٩ أما القول: «إني أؤثر عمة السلطان على قبعة الكردينال.» فإنه متأخرٌ يُعزى إلى الغراندوق لوقا نوتاراس.

اغبرار الجو وانفصام العُرى

وتُوفي عمانوئيل في السنة ١١٨٠، ففقد اللاتين بوفاته مناصرًا حكيمًا، وفقد الصليبيون بوفاته مُساندًا كريمًا بذل بسخاء في سبيل زعمائهم مرارًا وتكرارًا، وكان عمانوئيل قد أعجب بفروسية الإفرنج فقبلهم في جيشه وأسند إليهم عددًا كبيرًا من المناصب العالية، فأثار بذلك حسد زملائهم الروم، وعطف على التجار الإيطاليين فكثر عددُهُم في العاصمة، واستولوا على مَرَافقها فأثارت كبرياءهم غضب التجار الروم.٣٠
ولم يكن لعمانوئيل من امرأته الألمانية الأولى سوى بنتٌ واحدةٌ، سماها حنة وأَزْوَجَها في السنة ١١٧٨ من الأمير الإيطالي رينه مونتي فرات Rainier de Monteferrat، وكان له ابنٌ من زوجته الثانية مريم الأنطاكية اللاتينية اسمه أليكسيوس، وكان هذا لا يزال قاصرًا في الثانية عشرة من عمره، فلما تُوفي عمانوئيل نفذت مريم الأنطاكية وصية زوجها، فتردت بثوب الرهبنة وتولت الوصاية على ابنها القاصر، وطلبت إلى أليكسيوس ابن أخي زوجها المتوفَّى أن يُساعدها في الحُكم، ولم يرض جمهورٌ من الأشراف ورجال القصر عن سياسة أليكسيوس المساعد؛ لعطفه على اللاتين وتعاوُنه معهم، واتهموا الفسيلسة الجميلة بأشياء وأشياء منها عطفها على بني جنسها اللاتين، فتآمروا جميعًا واندلعت ثورةٌ في أيار السنة ١١٨١ وتدخل البطريرك ثيودوسيوس وصالح الحزبين.
وكان لعمانوئيل ابنُ عَمٍّ اسمه أندرونيكوس، وكان قد تآمر على سلامة ابنِ عمه الفسيلفس، فاضطر أن يفرَّ من وجهه. وإذ رأى أندرونيكوس الأُمُور على ما كانت عليه في القسطنطينية؛ أعلن العصيان، فالتف حوله جيش من المحاربين القدماء وقام بهم إلى العاصمة، فطلب طرد مريم أنطاكية وعشيقها، وبقاء الملك في يد ابنها أليكسيوس الصغير، فساعده الشعب على ذلك، فأيد الإفرنج الساكنون في العاصمة مريم فأعلنها أندرونيكوس حربًا دينية قومية باسم الروم والأرثوذكسية، فكانت مجزرةً في العاصمة سقط في أثنائها مُعظم الإفرنج من سكانها.٣١
وجاش صدر اللاتين بالغل وباتوا يخاتلون، وقطع البابا علاقاته مع القسطنطينية ودفع ملك المجر بجيوشه إلى ضفة الدانوب، وشجع فريدريكوس بارباروسة إعداد حملة تقتص من الروم في عقر دارهم، وقام غليلموس الثاني الصقلي على رأس جيش إلى البلقان وحاصر ثسالونيكية (١١٨٥) فدخلها وقتل ونهب وأحرق، ودخل رجاله الكنائس بسيوفهم يشوشون ويطئون حيث لا يجوز، ويكسرون ويسلبون. وفي أواسط أيلول زحفوا إلى القسطنطينية، وكان أندرونيكوس في جزائر الأمراء يتنعم ويتلذذ، فقام إسحاق أنجيلوس وضم الشعب إليه واستولى على القصر المقدس وهَبَّ يسعى في قتال النورمنديين فضربهم ضربة قاضية عند ديمترتزة Dimitritza فأخلوا وتراجعوا ووقعوا الصلح.٣٢

إسحاق وصلاح الدين

وعاد إسحاق إلى مواصلة الغرب فحالف البنادقة وعوض على الجنويين والبيزيين،٣٣ وخطب ودَّ رومة وفاتحها الكلام في الائتلاف وجمع الشمل،٣٤ ولكن تطوُّر الموقف في الشرق وعودة الأتراك السلاجقة إلى التوسع والنهب والسلب؛ اضطراه اضطرارًا إلى التحالُف مع صلاح الدين عدو الصليبيين الأَلَد. ولما سقطت أوروشليم في يد صلاح الدين سنة ١١٨٧ عاد إليها بطريرك أرثوذكسي هو أثناسيوس الثاني، فعرض اللاتين لإسحاق بالنكير وقبَّحوا فعله واعتبروه خائنًا لا يرعى ميثاقًا.

موقف البطريرك الأنطاكي (١١٨٥–١١٩٩)

وتسنم السدة البطريركية الأنطاكية في هذه الفترة بلسمون الشهير (ثيودوروس الرابع)، واضطر هذا الحبر أن يبقى في القسطنطينية؛ لأن السلطات اللاتينية الروحية والزمنية كانت قد اغتصبت عرش أنطاكية اغتصابًا، وكان بلسمون عالمًا فاضلًا وقانونيًّا كبيرًا فساءه هذا الاغتصاب وأغضبتْه مطالبُ رومة، وصنف في النوموقانون — كما سبق وأشرنا — واجتهد في علاقة السلطات الزمنية بالروحية، فقال بوجوب تعاوُنها لخير الشعب والدولة، ولكنه ميز الفسيلفس فاعتبره مسئولًا عن الدنيا والدين، وجعله فوق الشرائع والقوانين، لا يخضع إلا للعقيدة المقدَّسة — كما أقرتها المجامع المسكونية السبعة.

والفسيلفس في نظر بلسمون أعلى من البابا، ولا يجوز له إكراه الكنيسة اليونانية على الخضوع إلى كنيسة رومة؛ لأنه بعمله هذا يسخر بقرارات المجامع السبعة ويهينها، وهذه المجامع أقامت سلطة بطريركية مخمسة، وأقرت دستورًا للإيمان عبثتْ به رومة، فأضافت إليه.٣٥
وكتب مرقس بطريرك الإسكندرية إلى بلسمون؛ يستشيره ما إذا كان يجوز له ولكهنته أن ينالوا اللاتين، فأجابه بلسمون «بأن الكنيسة الغربية فصلتْ نفسها عن البطريركيات الأربع فأصبحتْ غريبة عن الأرثوذكسية وسقط اسم رئيسها من الذيبتيخات، وهكذا فإنه لا يجوز أن يناول اللاتيني إلا بعد امتناعه عما يفصله عنا واعترافه بالخضوع لقوانين الكنيسة متحدًا مع الأرثوذكسيين». ولم يطلب بلسمون إعادة معمودية اللاتين، ولم يعتبرهم هراطقة كاليعاقبة والنساطرة، ولكنه حكم عليهم بالانشقاق.٣٦
واشتهر بلسمون بعلمه وفضله، فشاع رأيُهُ، وقال قولَهُ عددٌ كبيرٌ من مُعَاصِرِيه، فاعتبر الروم اللاتين منشقين منفصلين عنهم، ولكنهم لم يجمعوا على ذلك، فإن عددًا من رجال ذلك العصر خالفوا بلسمون في اجتهاده وأعلنوا مخالفَتَهم، وأشهر هؤلاء ذيمتريو خوماتيانوس Chomateanos، فقد عارض هذا الباحث البطريرك الأنطاكي ولم يرضَ عن مقاطعة اللاتين قبل النظر في أَمْرِهِمْ في مجمع مسكوني.٣٧

ويروى عن بلسمون أنه سمح باستعمال السريانية في جميع كنائس أنطاكية؛ ليسهل بذلك عودةَ اليعاقبة إلى حضن الكنيسة الأُم، وكان قد كَثُرَ رجوعُهُم في القرنين الحادي عشر والثاني عشر وأكثرهم يجهل العربية واليونانية. وفعل البطريرك ذلك؛ عملًا بوصية الرسول القاضية بجعل الصلاة بلُغةٍ يفهمها الشعب، واستمر دُخُول اليعاقبة في الأرثوذكسية فيما بعد. ومن هنا هذه المخطوطات الكنسية الأرثوذكسية بالسريانية وحدها، أو بالسريانية واليونانية، أو بالسريانية واليونانية والعربية، وقد رأينا واحدةً من النوع الثالث في طرابلس، تعود إلى السنة ٧١٨٨؛ أي ١٦٨٠.

وقد يفيد من يدعي أن اللغة السريانية كانت لغة كنسية أنطاكية الغالبة بدليل وُجُود مثل هذه المخطوطات أَنْ يعلم أن الكتب الكنسية باللغة الكرجية كثيرةٌ نسبيًّا في دير المصلبة ودير القديس سابا بفلسطين، فهل هذا يعني بأن الكرجية كانت اللغة الغالبة في كنيسة أوروشليم، وهل وُجُود المخطوطات السريانية في دير القديسة كاترينة في سينا يعني أن اللغة السريانية كانت لغة هذا الدير؟

الصليبيون وكنيسة قبرص

وكان إسحاق دوقاس كومنينوس قد استأثر بالسلطة في جزيرة قبرص، ثم أعلن نفسه فسيلفسًا مستقلًّا وحالف الصقليين والأَرْمَن وصلاح الدين، وكانت الأنواءُ قد هبَّت شديدة فقذفتْ بمراكب ريكاردوس قلب الأسد إلى جزيرة كريت فجزيرة رودوس، وجنحتْ سفينتان عند سواحل قبرص فيهما خطيبة ريكاردوس وأُخته (١١٩١)، ولم يحسن إسحاق السياسة، فأسرع ريكاردوس غاضبًا إلى قبرص وخرج إليها بعساكره وحبس فسيلفسها واقترن بخطيبته فيها، وصادر نصف أملاك الجزيرة وأقطعه إلى رجال حملته،٣٨ واشترى غي ده لوزينيان جزيرة قبرص من ريكاردوس قبل رحيله لبلاده، وأنشأ ملكًا له فيها وأدخل قوانينَ وعاداتٍ إقطاعية ظلت قائمة في الجزيرة حتى ملكها الأتراك العثمانيون.
وأدى احتلالُ قبرص إلى إخضاع إكليروسها أساقفة وكهنة إلى السلطات اللاتينية الروحية، وتقاسى هؤلاء وتصلفوا ولجئوا إلى العنف أحيانًا وإلى إعدام الكهنة الأرثوذكسيين أحيانًا أخرى!٣٩ وشاعتْ أخبارُ القساوة والعنف والقتل في جميع الأوساط الأرثوذكسيين، فأوغرت الصدورُ واستُوقِدت الغيظ وزادت الانشقاقَ اتساعًا.
أليكسيوس الثالث وأنوشنتيوس الثالث: واعتبر اللاتين الروم منشقين أيضًا، وامتنعوا عن اعتبار القسطنطينية مدينةً مقدسة كما فعلوا في بدء الحروب الصليبية، وسنسمعهم يَتَغَنَّوْن بعد الاستيلاء على القسطنطينية (١٢٠٤) بالمقطع:
Constantinopolitana
Civita diu profana.
القسطنطينية
المدينة الشريرة.٤٠
وعلى الرغم من هذا ظل البابا والفسيلفس متواصلين، تربطهما مصلحةُ الصمود في وجه العدو الألماني الإمبراطوري المشترك، فأليكسيوس الثالث الذي رقي العرش احتجاجًا على سياسة العطف على اللاتين فاوض البابا كيليستينوس الثالث وتوصل إلى تفاهُم متبادَل معه،٤١ وتُوفي هنريكوس السادس الإمبراطور الألماني في السنة ١١٩٧، فخلفه أخوه فيليبوس السوابي فتشوف إلى المطامع نفسها التي كان يطمح إليها أخوه، وكان قد تزوج من بنت إسحاق أنجلوس الفسيلفس المخلوع فأضاف إلى مطامع أُسرته التقليدية حَقَّ الدفاع عن حَقٍّ مسلوب، فلما تبوأ أنوشنتيوس الثالث السدة الرومانية في السنة ١١٩٨ كتب أليكسيوس الفسيلفس إليه مهنئًا مقترحًا عقد تحالُف سياسي،٤٢ فرحب البابا باقتراح الفسيلفس، ولكنه استصعب التحالُف مع أمير لا تعترف كنيسته بسلطة رومة، ثم أشار الوفد الروماني على الفسيلفس بإرجاع ابنة الكنيسة إلى حضن الكنيسة الأم، وبالتعاون في حرب صليبية جديدة،٤٣ فأكد أليكسيوس استعداده للتعاون في حملة صليبية جديدة، ولكنه أسف لأعمال اللاتين في قبرص، ثم أضاف «أن اتحاد الكنائس يسهل عندما ترضخ المشيئة البشرية لمشيئة الله؛ أي عندما يلتئم مجمع مسكوني ليعمل بإلهام الروح القدس».٤٤

البطريرك يوحنا العاشر (١١٩٩–١٢٠٦)

وأعد البطريرك القسطنطيني يوحنا العاشر Kamateros رسالة وجهها إلى البابا أنوشنتيوس الثالث، ومما جاء في هذه الرسالة أن الكنيسة الأم هي كنيسة أوروشليم لا كنيسة رومة، وأنه إذا كان أحدٌ قد جَرُؤَ على تمزيق قميص السيد المخلص فإنما هو رومة نفسها، فهي التي غيرت دستور الإيمان بعد أن وقَّعَتْه وقالت به زمنًا طويلًا.٤٥
وردَّ أنوشنتيوس على هذا الخطاب ردًّا لطيفًا، فأبان أن كنيسة رومة هي أُمُّ الكنائس احترامًا لا عمرًا، وأكد للفسيلفس استعدادَه للاشتراك في مجمع مسكوني بعد اعتراف كنيسة القسطنطينية بسلطة رومة،٤٦ فأبعد بقوله هذا كل إمكانية للاتحاد.

الحملة الصليبية الرابعة (١٢٠٣-١٢٠٤)

واطلع أنوشنتيوس الثالث على شروط معاهدة الرملة (١١٩٢)، فأسف كل الأسف وهبَّ يستنهض الهمم لتأليف حملة صليبية رابعة، وكان أنوشنتيوس عالمًا ذكيًّا حازمًا قويًّا، ورأى أَنَّ من الواجب على كل نصراني أن يخف لنصرة الصليب فبَثَّ رُسُلَه في جميع أنحاء أوروبة لترويج دعوته، ولكن أحدًا من كبار الملوك لم يُلَبِّ النداء؛ ففيليب الثاني ملك فرنسة كان لا يزال تحت الحرم لهجره زوجته الثانية وتزوُّجه من ثالثة، وكان يوحنا الثاني ملك إنكلترة لا يزال في خِصام شديد مع أشراف بلاده وأعيانها، وكانت قد نشأتْ مشادةٌ عنيفةٌ في ألمانيا لتسنم العرش الإمبراطوري بين فيليبوس السوابي وأوثون الرابع، بيد أن هذا كله لم يمنع الفرسان الغربيين عن تقبل الدعوة.

وألمع من حمل الصليب لهذه المناسبة شيخ البندقية هنريكوس دوندولو Dandolo الأعمى، وكان قد عرف القسطنطينية حق المعرفة وفَقَدَ بصره فيها عندما حول بعض الروم نور الشمس إلى عينيه بمرآة مقعرة، فغضب وحقد وأضمر السوء. وكان سياسيًّا محنكًا ومفاوضًا حاذقًا، فلبى نداء البابا؛ ليقضي على دولة الروم ويستأثر بتجارتها،٤٧ وكان بين اللامعين بونيفاتيوس مونتي فرات الذي تسلم قيادة الحملة في حُزيران السنة ١٢٠١، وطمع بونيفاتيوس في عرش القسطنطينية؛ لانتسابه إلى الأُسرة المالكية بالمصاهرة، ولشدة إعجابه بنفسه، وهو الذي تظاهر بالدعوة لتحويل الحملة على القسطنطينية يوم كان الرجال الصليبيون لا يزالون في كورفو،٤٨ وممن رشح نفسه لعرش القسطنطينية قبل قيام الحملة الرابعة فيليبوس السوابي؛ فإنه أظهر رغبته في تحقيق حلم أسرته منذ السنة ١٢٠٢.٤٩
وقد اختلف رجالُ الاختصاص في أَسْبَابِ تَحَوُّل الصليبيين عن الأراضي المُقَدَّسَةِ إلى القسطنطينية، فقام في السنة ١٨٦١ ماسلاتري الإفرنسي يتهم البندقية بالوصول إلى تفاهُم سري سابق مع سُلطان مصر لتحويل هذه الحملة عن أراضيه وممتلكاته،٥٠ وأيد قوله كارل هوبف الألماني فحَدَّدَ تاريخ هذه المعاهدة السرية، وجعله في الثالث عشر من أيار سنة ١٢٠٢،٥١ وفي السنة ١٨٧٥ قام الكونت دي ريان الإفرنسي يلقي المسئولية في هذا التحوُّل على عاتق فيليبوس السوابي، فيجعل التحوُّل مَظهرًا من مظاهر النزاع بين الإمبراطور الغربي والبابا،٥٢ والواقع أن كلًّا مِن هؤلاء كان له مطمعه، وأن أنوشنتيوس الثالث أرادها حربًا صليبية حقيقية، ولكن ظروفًا نشأتْ في آخر ساعة شجعت الطامع على الجهر بمطمعه، فالحملةُ تجمعتْ في البندقية في شهرَي تموز وآب من السنة ١٢٠٢، والصليبيون عجزوا عن دفع نفقات السفر، فانتهز دندولو الفرصة واقترح تدويخ زارة عبرة الأدرياتيك لحساب دويلته، فقام الصليبيون إلى زارة، وعبثًا حاول أهلها إظهار شعائر النصرانية على الأسوار،٥٣ والواقع أيضًا أنه في أثناء السنة ١٢٠٢ أفلت أليكسيوس أنجلوس ابن إسحاق الثاني من السجن الذي كان قد أُودع فيه، وجاء صقلية ثم رومة يَستعطف السلطات الزمنية والروحية على قضيته، ثم اتجه شطر ألمانية يَستعين بشقيقته إيرينة زوجة فيليب السوابي، فأوفد فيليب وفدًا إلى زارةَ يوصي البنادقةَ والصليبيين بأليكسيوس، فتفتحت أمام دندول وبونيفاتيوس آفاقٌ جديدةٌ وهَبَّ كُلٌّ منهما يُقنع الصليبيين بالقبول، ووعد أليكسيوس بدفع مبلغ كبير من المال مقابل معونته، وأظهر استعدادَه لإدخال كنيسة الروم في طاعة البابا واشتراكه اشتراكًا فعليًّا في الحرب المقدسة.٥٤

وأقلع الصليبيون إلى القسطنطينية أولًا فظهر أسطولهم أمام أسوارها في ٢٤ حزيران سنة ١٢٠٣، وقطعوا السلاسلَ الحديدية التي حمت مدخل القرن الذهبي، فدخلت مراكبُ البنادقة وأَحْرَقَتْ مراكبَ الروم، ثم اقتحم الفرسان الصليبيون أسوار العاصمة فاستولوا على المدينة في تموز من السنة نفسها، وفر أليكسيوس الثالث بخزينة الدولة وجواهرها، وأطلق سراح إسحاق الثاني وأعلن ابنه أليكسيوس الرابع شريكًا له في الحكم، وطالب الصليبيون بتنفيذ المعاهدة؛ أي بدفع المال المتفَق عليه، وبإعداد قوة تقوم معهم إلى الأراضي المقدسة، فاستمهلهم أليكسيوس ورجاهم أن يقيموا خارج أسوار العاصمة، وامتعض الروم من اللاتين الفاتحين واتهموا إسحاق وابنه بالخيانة، وهبَّ صهر أليكسيوس الثالث، وهو أليكسيوس دوقاس، إلى السلاح، فكانت ثورة أدت إلى وفاة إسحاق وخَنْقِ ابنه أليكسيوس الرابع، ونودي بأليكسيوس دوقاس فسيلفسًا، فعُرف باسم أليكسيوس الخامس.

وفي آذار السنة ١٢٠٤ وقَّع الصليبيون والبنادقةُ اتفاقًا فيما بينهم لاقتسام الإمبراطورية الشرقية بعد احتلال العاصمة، وقضتْ شروطُ هذا الاتفاق بأن تُقام في العاصمة حكومةٌ لاتينيةٌ، وأن تُقَسَّمَ الغنائمُ فيما بين الطرفين، وأَنْ تتولى لجنة مؤلفة من ستة بنادقة وستة صليبيين أمر انتخاب إمبراطور «يحكم لمجد الله ومجد الكنيسة ومجد الإمبراطورية»، واتفق الطرفان على أَنْ يحكم هذا الإمبراطور ربع العاصمة وربع الدولة التابعة لها وعلى تقسيم ما بقي من العاصمة وأراضي الدولة مناصفة بين البنادقة وبين الصليبيين.٥٥
ثم حاصر الصليبيون القسطنطينية، وفَرَّ أليكسيوس الخامس، فتدفقوا إليها في الثالث عشر من نيسان سنة ١٢٠٤ مقتلين فاتكين ناهبين، واشترك في القتل والنهب الرهبان والأساقفة! ورموا الأيقونات رميًا مهينًا ونثروا عظام القديسين المجاهدين، ودلقوا جسد الرب ودمه على الأرض وأخذوا الآنية المقدسة ليشربوا منها خمرهم. وفي كنيسة الحكمة الإلهية كسروا المائدة المقدسة وحطموا الأيقونوستاس والمنبر ليأخذوا الفضة التي كانت تغطيهما، وأدخلوا بغالهم إلى حد أقداس الهيكل، وأَجْلَسوا امرأة فاحشة على الكثيدرة، واعتبر الأب مرتينوس رئيس دير باريس Pairis نفسه مترفعًا؛ لأنه لم ينهب سوى الكنائس! وأحرقوا عددًا كبيرًا من المخطوطات اليونانية والكتب المقدسة!٥٦ وخاضوا في الباطل، وتتابعوا في الضلال فارفضَّ صبرُ الإكليروس اليوناني، فكتب هؤلاء إلى أنوشنتيوس نفسه يصفون ما حلَّ بالكنائس ويرجون ردَّ الجماح والقبص على المنكر.٥٧

أنوشتنيوس وكنيسة القسطنطينية

والتأمتْ لجنةُ الانتخاب فأقامتْ بلدوين قومس فلاندر إمبراطورًا على القسطنطينية، وتسلم إكليروس البندقية كنيسة الحِكمة الإلهية، وأقاموا توما موروسيني بطريركًا على القسطنطينية وتوابعها، وفرَّ البطريرك الشرعي يوحنا العاشر إلى مدينة ذيذيموتيخوس وأقام فيها، ثم استعفى وتُوفي في السنة ١٢٠٦.

ولم يرض أنوشنتيوس عن حصار زارة وعن اقتحام القسطنطينية؛ لأن الحملة أعدت للعمل في الأراضي المقدسة،٥٨ ولم يرض أيضًا عن انتخاب توما موروسيني بدون موافقته،٥٩ ولكنه سُرَّ بوصول بلدوين إلى عرش القسطنطينية، وبدخول الإمبراطورية الشرقية وكنيستها في حوزة رومة، واعتبر ذلك أعجوبة بهية Magnifica Miracula،٦٠ ثم تواردتْ أخبارُ الفظائع وتفاصيلها، فكتب يشجب ويستنكر،٦١ ولكن الروم — إكليروسًا وشعبًا — لم ينسوا ابتهاجَه وأعجوبته البهية، واتهموه بالتصنُّع والمداهنة، واعتبروه مسئولًا عن كل ما جرى.٦٢
وعلم أنوشنتيوس أن ليتنة شعب بكامله غيرُ ممكنة، فأوصى بملاطفة الأساقفة اليونانيين، وبعدم التسرُّع في سيامة أساقفة لاتينيين، ولكنه أوجب على الأساقفة اليونانيين أن يقسموا بما يلي:
أقسم بالطاعة والولاء لبطرس الرسول، وللكنيسة الرومانية المقدَّسة، وللكرسي الرسولي، ولسيدي أنوشنتيوس وخلفائه الكاثوليكيين، وأدافع قدر المستطاع عن ممتلكات بابا رومة وشرفه وحرمته، وإلى الدعوة إلى المجامع عندما يُطلب ذلك مني، وأزور البلاط البابوي ad limina إما بشخصي وإما بمَنْ ينوب عني، وأستقبل باحترام القاصد البابوي، وأعاونه في كل شيء.٦٣
وكتب أنوشنتيوس إلى بطريركه الجديد موروسيني، يوصيه بالاعتراف بالسيامات الأرثوذكسية القديمة، ولكنه يوجب سيامة المستجدين بالطريقة اللاتينية، ويؤكد وجوبَ ذكر اسمه واسم البطريرك اللاتيني في جميع الذيبتيخات.٦٤

وتجاهل أنوشنتيوس أمورًا، أهمها: أن الصليبيين لم يَتَمَكَّنُوا مِنَ احتلال جميع الإمبراطورية الشرقية، وأنه قام على أنقاضها دويلاتٌ ثلاثٌ مستقلةٌ كل الاستقلال، وأنه كان بإمكان الأساقفة اليونانيين أن يلجئوا إلى هذا الدويلات — ولا سيما دولة نيقية — وأن معظم الأمراء الصليبيين كانوا بعيدين عن المسيح، رُعَنَاء، لا يرون إلا قضاءَ حاجاتهم المادية.

والواقعُ أَنَّ عددًا كبيرًا من الأساقفة الأرثوذكسيين تركوا أبرشياتهم والتحقوا بالسلطات اليونانية المستقلة. وفي السادس من شباط سنة ١٢٠٦ اجتمع في نيقية كبارُ رجالِ الدين وأعيان الأُمَّة، ودَعَوْا يوحنا العاشر البطريرك المسكوني للاجتماع معهم، فلما أرسل هذا استعفاءه انتخب الأساقفة المجتمعون ميخائيل الرابع (بافتوريانوس) بطريركًا مسكونيًّا ونصَّبوه في العشرين من آذار، ثم أقاموا بعد وفاته (١٢١٢) ثيودوروس الثاني (أرينيكوس)، ثم مكسيموس الثاني في السنة ١٢١٥، ثم عمانوئيل الأول (١٢١٥)، فجرمانوس الثاني (١٢٢٢).

وكان مَنْ بقي من رجال الإكليروس في داخل الدويلة اللاتينية الجديدة قد رأى أن تبقى رومة على تقاليدهم وطقوسهم مقابل الاعتراف بسلطتها، فحَرَّرُوا في السنة ١٢٠٦ رسالة إلى أنوشنتيوس أظهروا فيها استعدادهم للاعتراف به بابا وثالث عشر الرسل، ولكنهم رَجَوْهُ أن يكون لهم بطريركٌ من أبناء جنسهم، يتكلم لغتهم ويعرف تقاليدهم وطبائعهم، فامتنع أنوشنتيوس فاضطروا أن يؤيدوا المتطرفين منهم، وأن ينزحوا إلى نيقية وغيرها، وأن يشتركوا في انتخاب بافتوريانوس،٦٥ ولم ينعم أنوشنتيوس بموهلة المحبة ولم يفسح المجال لعمل الروح القدس، فكتب إلى الفسيلفس الجديد موبخًا مكدرًا، فأضاع بقلة محبته فرصة سانحة لتوحيد الصفوف.٦٦

سمعان الثاني البطريرك الأنطاكي (١٢٠٦–١٢٤٠)

وتُوفي ولي العهد في أنطاكية ريموند بن بوهيموند الثالث في السنة ١١٩٧، فاختلفت كلمة الأنطاكيين في ولاية العهد وتعارضت أهواؤهم واضطرب حبلُهُم، فابن ريموند من زوجته الأرمنية كان لا يزال طفلًا، وكان بوهيموند الثالث الأمير الحاكم قد ناهز الستين، فخشي ألا يطول أجله، وأن يتولى الأرمن الوصاية على الوريث الطفل، فأرسل كنته أليس الأرمنية وابنها الطفل إلى أرمينية وراح يدرس قضية الخلافة، وكان لبوهيموند الثالث أمير أنطاكية ابن آخر اسمه بوهيموند أيضًا، وكان أميرًا على طرابلس، فلَمَّا علم بوفاة أخيه ولي العهد في أنطاكية طمع في أنطاكية ورغب في حكمها، وكان كثيرَ المراغب واسعَ المطامع متضلعًا في القانون يُجيد الدفاع عن نفسه والإفتاء بما يشاء، وكان قد طمع في أوقاف كنيسة طرابلس، ودخل في نزاع حول ذلك مع أسقفها بطرس، وكان بطرس هذا قد أصبح بطريركًا على أنطاكية Pierre d’Angouléme (١١٩٦–١٩٠٨)، فلَمَّا شعر بما قد يئول إليه عرشُ الإمارة الأنطاكية ثار ثائره وهَبَّ يعاكس بوهيموند أمير طرابلس، وكان أنوشنتيوس الثالث يتطلع إلى ليتنة الشرقة بكامله، وكان قسم من الأرمن قد خضع لرومة — كما سبق وأشرنا — فشمل البابا أنوشنتيوس الأمير الطفل وأمه أليس الأرمنية بعطفه، ودافع عن حقوقهما في الحكم، فاستحكم الشقاقُ بين أنوشنتيوس البابا وبطرس البطريرك وبين بوهيموند الطرابلسي وأَمْسَوا لا تجمعُهُم جامعة، وكره اللاتين الأنطاكيون الأرمن، ومالوا إلى الرُّوم في أنطاكية ليستعينوا بهم.

وفي نيسان السنة ١٢٠١ تُوفي بوهيموند الثالث أمير أنطاكية، فجاء ابنه بوهيموند الرابع واستولى على زِمَام الأُمُور، وصادق الظاهر ملك حلب ليستعين به على لاوون الأرمني خصمه الجديد، وتَدَخَّلَ البابا أنوشنتيوس الثالث في النزاع الأنطاكي، وأرسل الرُّسُل للنظر في هذا النزاع وحله، فقبل الأرمنُ وامتنع بوهيموند؛ مدعيًا أن لا علاقة للكنيسة بنزاعٍ إقطاعيٍّ صرف، وفي السنة ١٢٠٣ طلب لاوون الأرمني إلى البابا أن يتولى شئون الكنيسة الأرمنية مباشرة.

وكان مِن حُسن حَظِّ بوهيموند الرابع أن تعارضتْ أهواءُ البطريرك بطرس في السنة ١٢٠٥ بآراء القاصد الرسولي، وذلك حول سيامة أرشيدياكون أنطاكية، فاستغل بوهيموند هذا النزاع وخلع بطرس خلعًا في السنة ١٢٠٦ ودعا سمعان الثاني البطريرك الأرثوذكسي لإدارة شئون الكنيسة، فرأب أنوشنتيوس بين البطريرك والقاصد، وأوجب مقاومة سمعان البطريرك الأنطاكي وصديقه بوهيموند، فحرم بطرس البطريرك اللاتيني بوهيموند ومن شد أزره، فغصت كنائسُ الروم باللاتين، فلجأ بطرس إلى الدس والمؤامرة ودبت عقاربُهُ بين القوم، ثم لجأ إلى العنف فأدخل بعض الفرسان الموالين له وحاول قلب الحكم، فأمر بوهيموند به فحُوكِمَ وسجن وتُوفي في السنة ١٢٠٨.٦٧
وراع أنوشنتيوس عودة الروم إلى كرسي الرسولين فأوعز إلى بطريرك أوروشليم اللاتيني أن يحرم بوهيموند ففعل في السنة ١٢٠٨، وفي أوائل السنة ١٢٠٩ عين البابا بطرس أسقف إيغري بطريركًا على أنطاكية، وأعلم بوهيموند بذلك وأوجب الاعتراف بالبطريرك الجديد بطرس الثاني وهدد بالحرم، فأبى بوهيموند الخضوع لبطريرك اللاتين وحرض الإكليروس اليوناني عليه، ثم رأى أنوشنتيوس أن تُعرض قضية الخلافة في أنطاكية على محكمته العليا في رومة، فأجاب بوهيموند أن حق النظر في هذه القضية يعود إلى البلاط البيزنطي،٦٨ وظل سمعان الثاني البطريرك الشرعي يدير دفة الأمور الكنسية في أنطاكية حتى السنة ١٢١٣، وأطلق أنوشنتيوس لنفسه عنان هواه فكتب إلى الملك الظاهر في حلب يرجو الحماية لبطريرك اللاتين في أنطاكية!٦٩
وتبدلت الأوضاع السياسية وأصبح بطريرك أوروشليم ألبرتوس صديق الهيكليين أصدقاء بوهيموند، فاعترف بوهيموند بالبطريرك اللاتيني الأنطاكي الجديد، فابتعد مناظره الأرمني لاوون عن رومة ففاوض فسيلفس نيقية ورحب بسمعان الثاني ودعاه للإقامة في ربوعه في قيليقية، وأعاد إلى الكنيسة الأنطاكية الأراضي التي كانت قد سُلخت عنها ووُضعت تحت تصرف اللاتين.٧٠

الهيرارخية الأنطاكية

ولا يجوز البَتُّ في تَسلسُل السلطة البطريركية الأنطاكية في هذه الحقبة، فالمَراجعُ لا تزال متضاربةً في نصوصها، ولم يقم أحدٌ بعد لجمعها والنظر فيها بالطريقة العلمية الحديثة، فقسطنديوس القسطنطيني الذي اعتمد محفوظات البطريركية المسكونية يذكر يواكيم بعد ثيودوروس الرابع (بلسمون)، ويجعل مدة رئاسته تمتد من السنة ١١٩٩ حتى السنة ١٢١٩، ثم يذكر دوروثايوس (١٢١٩–١٢٤٥) فسمعان الثاني (١٢٤٥–١٢٦٠) فأفتيميوس الثاني (١٢٦٠–١٢٦٨)، فثيودوسيوس الرابع (١٢٦٩–١٢٧٦) فأرسانيوس (١٢٨٥)،٧١ واعتمد لوكيان الغربي نيقيفوروس كاليستوس فذكر داود بعد سمعان (الثالث) فأفتيميوس فثيودوسيوس الخامس فأرسانيوس.

مجمع نمفية (١٢٣٤)

وانطلق من الأسر في قونية في السنة ١٢٣٢ خمسة رهبان فرنسيسكانيين، فجاءوا نيقية وفاتحوا البطريرك المسكوني جرمانوس الثاني في اتحاد الكنيستين، فسُرَّ البطريرك بهم واطلع الفسيلفس يوحنا الثالث باطاجي Vatatzes على ما اقترحوه فوافق الفسيلفس، فكتب جرمانوس إلى البابا غريغوريوس التاسع، فجاء نيقية في السنة ١٢٣٤ وفدٌ بابويٌّ لهذه الغاية، مؤلفٌ مِنْ راهبين فرنسيسكانيين وراهبين دومينيكانيين، وكان بين المُفاوِضِين الأرثوذكسيين بالإضافة إلى جرمانوس نيقيفوروس البلميذي، ولعل أفتيميوس الأنطاكي اشترك أيضًا في أعمال هذا المجمع. وأظهرت رومة استعدادَها للاعتراف بجرمانوس، واقترح الفسيلفس التسامح في أمر الفطير شرط التمسك بنص دستور الإيمان وحذف العبارة «والابن» عند الكلام عن الانبثاق. وارتأى نيقيفوروس البلميذي أن «يفسر» الدستور بالقول بالانبثاق من الآب بالابن، فرفض الوفد الروماني كل هذا وأصروا على الخضوع لرومة، فبدا من الطرفين ما دعا إلى التحذر، واكفهرَّ الجو فانسحب الرهبانُ الغربيون غاضبين ساخطين، فنَعَتَهُمُ الأساقفةُ الشرقيون بالهرطقة فردوا بمثل ما نُعِتوا به،٧٢ فكتب عندئذ جرمانوس مصنفه الشهير في انبثاق الروح القدس.٧٣

البطريرك الأنطاكي داود (١٢٤٠–١٢٤٧)

وتُفيد المراجعُ الغربية أنه لَدَى وفاة سمعان الثاني رقي السدة الرسولية الأنطاكية داود، وأن داود هذا قَبِلَ اقتراح الموفد الروماني لورنزو أورطة بأن يستقل الرومُ بإدارة شئونهم الكنسية، وأنْ يتمتعوا بامتيازات اللاتين، شرط اعترافهم بسلطة رومة. وتُضيف هذه المصادر أن هذا الترتيب الجديد لاقى نجاحًا كبيرًا في أنطاكية، وأن بطريرك الروم أصبح هو البطريرك النافذ المطاع، وأن زميله اللاتيني آثر الإقامة في أوروبة تاركًا وراءَه في أنطاكية نائبًا بطريركيًّا.٧٤

مشروع أنوشنتيوس الرابع (١٢٥٣)

ورغب أنوشنتيوس الرابع (١٢٤٢–١٢٥٤) في فَصْم التحالُف بين الروم والألمان، وأَحَبَّ أن يتم اتحادُ الكنيستين على يده ولمس ضعف اللاتين في القسطنطينية واحتضار دولتهم فيها، فعدل موقف سلفائه ونهج نهجًا جديدًا، وفاوض الروم على أساس الاعتراف برئاسته والقبول بكل ما يقره ما دام لا يُخالف بذلك قرارات المجامع المسكونية ورفع القضايا التي تتعلق بكبار رجال الإكليروس إليه، وإلغاء إمبراطورية اللاتين وعودة بطريرك الروم إلى القسطنطينية، وتلاوة قانون الإيمان في الشرق بدون إضافة «والابن» إليه، وكاد التفاهمُ يتم بين الطرفين، وأَمَّ رومة وفدٌ يونانيٌّ مفاوضٌ مطلقُ الصلاحية، ولكن البابا والفسيلفس تُوُفيا في السنة ١٢٥٤.٧٥

نيقية تُفاوض رومة

وفي السنة ١٢٥٦ أرسل ثيودوروس الثاني لأسكاريس نبيلَين مِنْ نُبلاء الروم إلى رومة ليُعْلما حبرها ألكسندروس الرابع باستعداد سيدهما للمفاوضة في سبيل اتحاد الكنيستين، فأوفد ألكسندروس أسقفًا اسمه قسطنطين إلى نيقية لهذه الغاية، وخَوَّلَه حَقَّ الدعوة إلى مُجَمَّعٍ مسكونيٍّ واتخاذ الإجراءات التي يراها مناسبة، ويرى رجال الاختصاص أَنَّ الطرفين اتفقا على أَنْ تتم المفاوضات على الأُسس نفسها التي كان قد اقترحها يوحنا باطاجي في مجمع نيمفة سنة ١٢٣٤،٧٦ ثم قام ثيودوروس على رأس جيش نيقاوي إلى بلغارية وأحرز فيها انتصارات هامة، فلمس ضعف اللاتين وقرب أجلهم، وعلم في أثناء ذلك بوصول الأسقف قسطنطين إلى مقدونية فامتنع عن مقابلته وأمر بخروجه من أراضي الروم.٧٧
وتوفي ثيودوروس الثاني في السنة ١٢٥٨، واغتصب العرش ميخائيل الثامن (باليولوغوس)، وكتب هذا إلى البابا في أثناء محنته في السنة ١٢٥٩ في موضوع الاتحاد، ولكن ألكسندروس الرابع لم يستغل ظرف ميخائيل في الوقت المناسب، وتغيرت الظروفُ باستيلاء الروم على القسطنطينية.٧٨

مجمع ليون (١٢٧٤)

وسالم ميخائيل الثامن المغول في آسية؛ ليتسنى له فرض سلطته على ممتلكات الروم في البلقان، وبذل جهده لتدارك حملة صليبية جديدة على القسطنطينية، فَتَوَدَّدَ لحبر رومة، وسعى لإرضائه بتوحيد الكنيستين.

ووصل أوربانوس الرابع إلى السدة البابوية في السنة ١٢٦١ وسعى لتنظيم حملة جديدة على القسطنطينية، ففاوضه ميخائيل في أمر الاتحاد، فعدل أوربانوس عن مشروع الحملة، وكاد الاتفاق يتم لولا وفاة البابا (١٢٦٤)، وخلف أوربانوس الرابع إقليمس الرابع فغدا أشد اندفاعًا من سلفيه في إعادة الإمبراطورية اللاتينية في الشرق، وصارح إقليمس ميخائيل مهددًا بأنه لا يضمن له شيئًا قبل خضوعه هو وكنيسته لسلطة رومة،٧٩ وشجع هذا البابا كارلوس أنجو ملك صقلية على العمل الحربي في الشرق، وتنازل بلدوين الثاني عن حقوقه في عرش القسطنطينية اللاتيني إلى كارلوس أمام البابا في فيتيربو Viterbo، فخشي ميخائيل الثامن سُوءَ العاقبة ففاوض في عقد الاتحاد، وازداد إقليمس تصلُّفًا ولم يرض بشروط سلفه، ولكنه تُوُفِّيَ في خريف السنة ١٢٦٨، وانقسم الكرادلةُ على بعضهم فغدت السدة البابوية شاغرةً سنتين وتسعة أشهر، فَلَجَأَ ميخائيل إلى لويس التاسع ملك فرنسة؛ راجيًا وضع حد لمطامع أخيه كارلوس أنجو في ممتلكات الروم،٨٠ وتُوفي لويس التاسع في السنة ١٢٧٠، وعاد أخوه كارلوس من تونس إلى صقلية، وعادت مطامعُهُ في الشرق.
واتفق الكرادلةُ فأجلسوا على الكرسي الروماني غريغوريوس العاشر (١٢٧١–١٢٧٦)، وكان غريغوريوس آنئذٍ في فلسطين فراعه الخطر السياسي الدولي الذي هدد الإمارات اللاتينية بالانهيار، ففاوض التتر في محاربة المسلمين وحَضَّ الأمير إدوارد الإنكليزي على تنظيم حملة صليبية جديدة، ومر بالقسطنطينية لدى عودته إلى أوروبة، فلاطف ميخائيل الثامن وأَظْهَرَ استعدادَه للعمل الجدي في سبيل اتحاد الكنيستين، ولم يرض عن مطامع كارلوس أنجو،٨١ وأرسل بعثة إلى القسطنطينية لتؤكد حماية البابا في حال وقوع الاتحاد.٨٢
وعمل ميخائيل للاتحاد بكل قُوَاه، ودعا الأساقفة والأشراف والوجهاء إلى اجتماعٍ عامٍّ، وأَبَانَ الخطر الذي أحدق بالدولة وضرورة الاستعانة بالغرب، ولكن هذه الدعاية قُوبِلَتْ بمقاومة شديدة ومكابَرة لا تقبل النقص،٨٣ ولا سيما من البطريرك والأساقفة وبعض أعضاء الأسرة المالكة، وجل ما توصل إليه ميخائيل أنه استمال أحد علماء اللاهوت يوحنا فقس Veccos وعددًا قليلًا من الأساقفة.
ودعا غريغوريوس العاشر إلى مجمع في ليون في أيار السنة ١٢٧٤ لمساعدة فلسطين واتحاد الكنائس وإصلاح الكنيسة، فلَبَّى الدعوة خمسمائة أسقف وسبعون رئيس دير وحوالي ألف إكليريكي آخرين، وترأس الجلسات غريغوريوس نفسه، وتألف الوفد الرومي الشرقي من البطريرك جرمانوس المستقيل واللوغوثيتوس المؤرخ جاورجيوس أكروبوليتة وثيوفانس متروبوليت نيقية، وكان على الفيلسوف توما الأكويني أَنْ يتولى الدفاع بنفسه عن موقف الكنسية اللاتينية، لكنه تُوفي وهو في طريقه إلى ليون، فحل محله الكردينال بونافنتورة Bonaventura، ووصل وفد الروم في الرابع والعشرين من حزيران فاستُقبل استقبالًا حافلًا، وتم تبادُل قبلة السلام مع البابا والكرادلة، وتُليت رسالة الفسيلفس ورسالة ولي عهده أندرونيكوس وبيان إكليريكي مُذَيَّلٌ بإمضاءاتٍ إكليريكية كثيرة، وقال الوفد بالانبثاق من الآب والابن، ووافق على استعمال الفطير وخضع لسلطة رومة العليا، وأكد الفسيلفس استعدادَه للاشتراك في حملة صليبية جديدة.٨٤
واستقال يوسف الأول البطريرك المسكوني احتجاجًا على ما جرى، فتولى الرئاسةَ بعده يوحنا فقس، وقرعت أفلوجية أخاها ميخائيل الثامن وضج الأمراء والتأم مجمع أرثوذكسي في ثسالية لتوبيخ الفسيلفس ولقطع فقس،٨٥ ولكن ميخائيل واظب على الاتحاد حتى وفاته، فأنكر الآباءُ الأرثوذكسيون عليه فعله وفلُّوا رأيه وفنَّدوا قوله.٨٦

رومة تفصم العرى (١٢٨١)

ووفد على القسطنطينية بين السنة ١٢٧٤ والسنة ١٢٨٠ خمسةُ وُفُودٍ رومانية لتثبيت الاتحاد،٨٧ وفي السنة ١٢٨٠ تُوفي البابا نقولاووس الثالث، فأوصل كارلوس أنجو إلى السدة البابوية رجلًا يثق في إخلاصه ومحافظته على مصالحه الشخصية، هو الكردينال سمعان دي بري الذي أصبح يدعى مرتينوس الرابع (١٢٨١–١٢٨٥)، وما كاد هذا الحبرُ يستوي على عرش الرسول حتى افترى على ميخائيل فاتهمه بالغش والخداع، ثم وضعه تحت الحرم،٨٨ وقام بعدئذٍ يدبر خلفًا جديدًا لإخضاع الروم وإيصال صديقه كارلوس إلى مطمعه!
وتُوُفي ميخائيل الثامن في السنة ١٢٨٢، وتبوأ العرشَ بعده ابنُهُ أندرونيكوس (١٢٨٢–١٣٢٨)، فقامت عمتُهُ أفلوجية تُحرضه على فَسْخِ الاتفاق والاتحاد، وحَذَا حذوها مستشارُهُ الجديد ثيودوروس موزالن، وكان هذا قد ذاق آلام الفلق في عهد ميخائيل لاعتراضه على الاتحاد، وزال خطرُ كارلوس أنجو فلبى أندرونيكوس رغبات معظم الإكليروس والشعب وأمر بدفن والده خارج العاصمة دون أن يصلي على نفسه في الأديار وأبعد البطريرك فقس وأعاد البطريرك يوسف.٨٩
١  Runciman, S, East. Schism, 102-103; Diehl, C., Byzantium, 217.
٢  Anne, Alexiade, XI, 10.
٣  Guibert de Nogent, Hist. Hieros., Rec. Hist. Grois., IX, 154.
٤  Groussel, R.
٥  Hagenmeyer, H., Kreuzzusbriefe, 140-141, 152-153.
٦  Peter Diaconus, Chronica Monasterii Casinensis, Mon. Germ. Hist., VII, 770, 792.
٧  Anne, Alexiade, X, 6.
٨  Riant. P., Inventaire Gritique, 138–140.
٩  Peter Diuconus, op. cit 185; Chalandon, F., Règne d’Alexis, 261.
١٠  Paschal II, Epist. P. L., Vol. 163, Col. 388–390
١١  Chalandon, Alexis I, 262.
١٢  P. G., Vol. 127, Col. 911–920.
١٣  Demetracopoulos, A., Biblioth, Ecc., I, 36–198, Graecia Orthodoxa, 11-12; Krumbacher, K., Gesch. der, Byz. Litt., 85–87.
١٤  Runciman, S., East. Schism, 108–110.
١٥  P. G., Vol. 130.
١٦  Runciman, S., East. Schism, 110, n. I.
١٧  Anne, Alexiade, I, 12.
١٨  Pirre le Vénérable, P. L., Vol. 189, Col. 260–262.
١٩  Anselm, Dialogi, Achery, Spicilegium sive Collectio Veterum aliquot Scriptorum, I, 161 ff.
٢٠  “fermentum”; Liber Pontificales, (Duchesne), I, 74-75.
٢١  Anselm, Dialogi, op. cit., I, 196.
٢٢  Ibid., I, 197.
٢٣  Nicetas Chartophylax, Dialogi de Spiritu Soncto, P. G., Vol. 139, Col. 224 ff.
٢٤  Schmidt, Das Basilius aus Achrida, Erzbischofs von Thessalonich.
٢٥  Mansi, Sacrorum Conciliorum Collectio, XXI, 795.
٢٦  Ibid. 799–802.
٢٧  Watterich, Pontificum Romanorum Vitae, II, 404, 410.
٢٨  Liber Pontificalis (Duchesne), II, 419-420; Cinnamus, John, Epitome Historiarume, (Meineke), 262; Allatius, L., Ecclesiae Occidentalis atque Orientalis Perpetua Consensione, II, 664-665.
٢٩  Michael Anchialos, Dalog. (Loparev), Unionism of Emperor Manuel Comnenus, Vizantiiskii Vremennik, 1917, 344–347; Runciman, S., East. Schism, 121-122.
٣٠  Heyd, W., Hist. du Commerce du Levant, 198–222.
٣١  Nicetas Choniates, Historia, 291–355; William of Tyre, Historia, XXII, 10-11; Ostrogorsky, G., The Byz, State, 350–356.
٣٢  Dolger, F., Reg. 1567, 2569.
٣٣  Heyd, W., op. cit., 225–230.
٣٤  Dolger, F., Regesten, 1615.
٣٥  Theodore Batsamon, Canonem XVI Concilii Carthaginiensis, P. G., Vol. 138, Col. 93.
٣٦  Ibid. Vol. 138, Col 968.
٣٧  P. G., Vol. 119, Col. 956–960.
٣٨  Runciman, S., Crusades, II, 43–47, Sources, 46, n. I.
٣٩  Hill, G., Hist. of Cyprus, II, 45–47, III, 1041–1104; Sathas, Mesaionike Bibliotheke, II, 20–39.
٤٠  Sequentia Andegavensis, Riant, P., Exuviae Sacrae Constantinopolitanae, II, 45.
٤١  Norden, W., Das Papsttum und Byzanz. 130–133, Dolger, F., Reg. 1635.
٤٢  Dolger, F. Reg. 1643.
٤٣  Innocent III, Epist., P. L., Vol. 214, Col. 327.
٤٤  Innocent III, Epist., P. L., Vol. 214, Col. 765–768.
٤٥  Innocent III, Epist., P. L., Vol. 214, Col. 768-769.
٤٦  Ibid.
٤٧  Diehl, C., Venise, 47-48; Frolow, A., Déviation de la IVe Croisade, 12–15, 15 n. 2.
٤٨  Robert de Clari, XXXIII; Frolow, A., op. cit., 9–11.
٤٩  Riant, P., Philippe de Souabe et Boniface de Monteferrat, Rev. Quest. Hist., 1875, 42 f.; Bréhier, L., l’Eglise et l’Orient au Moyen Age, 152 ff.
٥٠  Mas-Latrie, Hist. de l’Ile de Chypre, I, 162-163.
٥١  Hopf. K., Geschichte Griechen lands, I, 188.
٥٢  Riant, P., Philppe de Souabe et Boniface de Monteferrat, Rev, Quest. Hist., 1875, 320–374.
٥٣  Luchaire, A., Innocent III; La Question d’Orient, 103–105.
٥٤  Nicetas Chon., Hist., 712; Luchaire, A. op. cit, III; Ostrogorsky, G., Byz. State, 368–370.
٥٥  Tafel und Thomas, Urkunden Zur Altern Handels und Staatsgeschichle, I, 446–452.
٥٦  Nicetas Choniates, Historia, (Bonn) 757–763; Innocent III, Epist. P. L., Vol. 215, Col. 699–702; Frolow, A., op. cit., 53 ff.
٥٧  Cotelerius, Ecclesiae Graecae Monumenta, III, 510–514.
٥٨  Frolow, A., op. cit. 43–54.
٥٩  Innocent III, Epist., P. L., Vol. 215, Col. 512–517.
٦٠  Ibid., Col. 445–455.
٦١  Ibid., Col. 699–702.
٦٢  Novogorod Chronicle, (Nasonov) Acad, of Sc., U. S. S. R., 245-246.
٦٣  Innocent III, Epist., P. L., Vol. 215, Col. 1352.
٦٤  Ibid., Col. 1353.
٦٥  Gardner, A., Lascaridas of Nicaea, 97-98.
٦٦  Heisenberg, A., Neue Quellen Zur Gescg. des Lateinischen Kaisertums. un der Kirchenunion; Norden, W., op. cit., 215–233; Innocent III, Epist., P. L., Vol. 215, Col. 1272.
٦٧  Korolewski, Antioche, Dict. Hist. Ecc. Cahen. C., op. Cit., 600–615; Runciman, S., Crusades, III, 99–101, 135–138; Grousset, R., Croisades. III, 225–259; Luchaire, A., Innocent III, 39 f.; Rey, E. G., Hist. des Princes d’Antioche, 389.
٦٨  Luchaire, A., op. cit., 40-41.
٦٩  Rey, E. G., Dignitaires de la Principauté d’Antioche, 139, Grousset, R., op. cit., III, 259.
٧٠  Cahen, C., op. cit., 615–619; Runciman, S., Crusades, III, 137-138.
٧١  Neal, J. M., Hist. of church of Antioch, (patriarchs of Antioch by Constantius), 176-177.
٧٢  Hefelé-Leclercq, Hist. des Conciles, V, 1272–1569.
٧٣  P. G., Vol. 140, Col. 621–757; Krumbacher, K., Gesch. der Byz. Lit., 174; Logopates, S., Germanos, (Tripolis, Greece, 1913); Golubovich, G., Disputatio Latinorum et Graecornm, Archivum Franciscanum Historicum, 1919, 418–424; Nicephorus Blemmydes, Curriculum Vitae et Carmina, (Heisenberg), 40–42, 63–71.
٧٤  Reg. Honorii Papae III, 5567, 5570; Cahen, C., op. cit., 684-685; Grousset, R., Croisades, III, 512 ff.; Runciman, S., Crusades III, 231-232.
٧٥  Norden, W., Das Papsttum und Byzanz, 756–759, Append, XII; Vasiliev, A. A., Byz. Emp., 544; Ostrogorsky, G., Byz. State, 392.
٧٦  Schilmann, F., Zur Byzantinischen Politik Alexanders IV, Romische Quartalschrift, 1908, 108–131, II, 14-15.
٧٧  Georges Acropolita, Annales, Ch. 67, (Heisenberg), 139-140.
٧٨  Norden, W., op. cit., 382-383; Janin, R., Les Sanctuaires de Byzance sous la Domination Latine, Etudes Byzantines, 1945, 134–184.
٧٩  Dolger, F., Reg. 1943, 1947.
٨٠  Ibid., 1968, 1971.
٨١  Norden, W., Papsttum, 470–474.
٨٢  Reg. Pont. Rom, 68.
٨٣  Bréhier, L., Byzance, 398.
٨٤  Vernet, F., Le IIe Concile Oecuménique de Lyon, Dict. Théol. Chrét., IX., Col. 1384–1386; Grumel. V., Concile de Lyon et la Réunion de l’Eglise Grecque, Ibid., Col. 1391–1410; Norden, W., Papsttum, 520–615; Vasiliev, A. A., Byz. Emp., 656–659.
٨٥  Grumel. V., En Orient après le Concile de Lyon, Echos d’Orient. 1925, 321-322; Rouillard, G., Politigue de Michel VIII, Etudes Byzantine, 1944, 73–84.
٨٦  Nikolsky, V., The Union of Lyons, Pravoslavnoe Obozrenie, 1867, 5–23, 116–144, 352–378, 1867, 11–33.
٨٧  Grumel, V., Les Ambassades Pontificales à Byzance, Echos d’Orient, 1924, 446-447.
٨٨  Brehier, L., Byzance, 401.
٨٩  Pachymeres, Hist., I, 1-2; Nicephorus Gregoras, Hist., VI, 1-2.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١