الفصل الخامس عشر

هولاغو والكنيسة

الإمبراطورية المغولية

وغمرت سلطة المغول آسية، وسيطر الخان الأعظمُ على آسية العليا والوسطى ونصف الصين وفارس، وانتشرت النصرانيةُ بلونها النسطوري في آسية العُليا، ووطدت الأسرُ النبيلة النسطورية علاقاتها مع جنكيزخان وأولاده، ورغب الأمراءُ المغول في النصرانيات فتَزَوَّجُوا منهم وبَالَغُوا في احترامهنَّ وإكرامهنَّ، وكثر عدد النساطرة في حاشية الخان وجيشه.

الأرمن والمغول

وقضى المغول في السنة ١٢٤٣ على جيش سلجوقي قضاء كاملًا، فتوقع الأرمن توسُّعًا مغوليًّا في العراق وآسية الصغرى، فخطر ببال هاتون ملك الأرمن أن يقصد الخان ويَسْتَجْدِيه في سبيل الأرمن والنصرانية، فأرسل في السنة ١٢٤٧ أخاه سمباد إلى قرقوروم يقدم الخضوع وينتجع ويستمطر، فرحب المغول به وأجابوا سُؤْلَهُ وأدخلوا الأرمن في حمايتهم.١

اللاتين والمغول

ولمع في سماء الإسلام نور الدين وصلاح الدين، وتَقَلَّصَ ظِلُّ اللاتين، وتقاعست أوروبة وقل اندفاعها فأوفد أنوشنتيوس الرابع بابا رومة بلان كاربان Plan Carpin إلى الخان الأعظم غويوك في السنة ١٢٤٥ ليدعوه إلى الدخول في النصرانية.٢
وفي السنة ١٢٥١ وصل إلى عرش المغول مونغكة Mongka حفيد جنكيزخان، واستتبَّ الأمرُ له فولى أخاه كوبيلاي الشرق الأقصى وأخاه هولاغو فارس وما تبعها، وكانت أُمُّهُمْ نصرانية نسطورية، فأوفد لويس التاسع راهبًا فرنسيسكانيًّا اسمه غليلموس روبروك Guillaume Rubrouck إلى قرقوروم ليفاوض في تحالُف وتعاوُن بين فرنسة والمغول، ووصل روبروك إلى عاصمة المغول في ربيع السنة ١٢٥٤ فوجد فيها الرومي والعباسي والسلجوقي والهندي وغيرهم يفاوضون مثله، ومثل هو أمام الخان الأعظم ونقل رجاء سيده، فأجابه الخان مونغكة: «لا إله إلا إله السموات ولا سيد على الأرض إلا ابنه جنكيزخان، وباسم مونغكة ممثله على الأرض قل لملك فرنسة: أَنِ اخضعْ!»٣

هاتون يفوز بالمعونة

وعلم هاتون ملك الأرمن بارتقاء مونغكة عرش المغول، فقام بنفسه إلى قرقوروم في السنة ١٢٥٤ «وخضع وتوسل»، فَسُرَّ مونغكة به وجعله مستشاره في أُمُور غرب آسية والنصرانية، وضمن سلامةَ حُدُوده وأمر برفع الضرائب عن الكنائس والأديار، واعتزم «تحطيم خلافة بغداد» على حد قوله وعقد نِيَّتَه على تحرير أوروشليم، وأعلم أخاه هولاغو بما وَطَّنَ النفس عليه وأمره أَنْ يتجهز لذلك بالجهاز الكافي، وعاد هاتون مغتبطًا مسرورًا، وقصد هولاغو مؤتمرًا ممتثلًا، فعني هولاغو بأمره واهتم بشأنه.٤

ووصل هاتون إلى مقره في أرمينية الصُّغرى (قيليقية) في تموز السنة ١٢٥٥ فأخذ يُهيئ للتحالف أسبابه، وكانت رابطةُ الزواج قد جمعتْ بين الأسرة الأرمنية المالكة في قيليقية وبين أسرة أنطاكية وطرابلس اللاتينية، وكانت العائلةُ المالكةُ في أوروشليم فرنجية أرمنية أيضًا، وكان نظام الفرسان الفرنسي قد دخل البلاط الأرمني، وكانت اللغة الفرنسية قد أصبحت لغةً قومية ثانية عند سادةِ الأرمن، وكانت الكنيسة الأرمنية قي قيليقية قد اعترفتْ برئاسة رومة — كما سبق وأشرنا.

سقوط بغداد (١٢٥٨)

وقضى هولاغو في أثناء السنة ١٢٥٦-١٢٥٧ على الحَشَّاشِين في فارس وأذربيجان، وأمر بهم في كل مكان فذُبحوا ذبحًا، ونظر عطا الملك في مكتبتهم في ألموت فأبقى على مصاحفها ومُصَنَّفَاتِها التاريخية والعلمية وأحرق الباقي.٥
وفي الثامن عشر من كانون الثاني سنة ١٢٥٨ وصلت طلائعُ المغول إلى بغداد، فأحاطوا بها من كل جانب، ثم قصفوها بالمجانق فتَهَدَّمَتْ أَسْوَارُها، وفي العاشر من شباط تَسَرَّبُوا إليها فقتلوا ثمانين ألفًا مِن سُكانها واستولَوا على كنوزها، وعفوا عن النصارى ثم أشركوهم في النصر، فاستولى جاثليقهم على قصر الدوادار ورُممت كنائسهم،٦ ويؤكدُ الراهبُ ورطان الأرمني المعاصر أن الفضل في هذا كله يعود إلى الأميرة دوقوز خاتون النصرانية، فإنها لم تكتف بعطفها الوراثي على النصرانية، بل أحبتْ أَنْ تزيد الدين المسيحي مجدًا على مجد.٧

حلب والجزيرة

وكان الكاملُ محمد صاحب ميافارقين قد أبى أن يدخل في طاعة المغول، فصلب الكاهن اليعقوبي الذي حمل إليه أوامر هولاغو، فزحف المغول على أمارته وحاصروا ميافارقين، ثم أخذوها عَنْوَةً في أوائل السنة ١٢٦٠، وأكرهوا الكامل على أكل لحم جسمه بيده،٨ وانضم الكرج المسيحيون والأرمن إلى صفوف هولاغو في سبيل رفع راية الصليب وتحرير الكنيسة، واستشهد منهم في حصار ميافارقين سواته الخاتشاني الأمير الأرمني، فرأى في ذلك الراهب ورطان إهراق الدم لأجل السيد المخلص.٩

وكانت السيادة في سورية قد آلتْ إلى الملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر بن صلاح الدين، وكان الملك الناصر قد أَوْفَدَ ابنه العزيز إلى معسكر هولاغو ليؤكدَ خُضُوعَه بعد سقوط بغداد، ولكن هولاغو واجه العزيزَ باللوم الشديد؛ لأن والده لم يمثل بنفسه ليعفر رأسه أمامه، فاضطر الملك الناصر أَنْ يَتَوَدَّدَ إلى مماليك مصر ويرجو معونتهم.

وتَقَدَّمَ هولاغو يعاونُهُ كُلٌّ من القادة كت بوغا النسطوري النصراني وبيجو وصنقر، وكانت دوقوز خاتون المسيحية تُرافق زوجها هولاغو وتشتركُ في الرأي، فاحتل هولاغو نصيبين وحران والرها، ثم استولى على سروج ومنبج وزحف على حلب، وكان الناصر قد آثر الصمود في دمشق فشاءتْ حامية حلب أَنْ تُقابل المغول في السهول الشرقية قبل وصولهم إلى المدينة ففتكوا بها فتكًا ذريعًا، ووصل المغول إلى عزاز، فخرج ابن العبري أسقف حلب اليعقوبي إلى لقائهم ليقدم احترامه إلى هولاغو، وأرسل هولاغو إلى تورانشاه نائب السلطنة في حلب يطلب التسليم، فأجابه النائب ليس لكم عندنا إلا السيف، فقصف هولاغو المدينة بالمجانيق وبذل السيف في مسلميها، واشترك في قتال حلب كل من هاتون الأرمني وبوهيموند السادس أمير أنطاكية، وأبى أهل حارم التسليم، فأمر هولاغو بهم فقتلوا عن بكرة أبيهم.

أفتيميوس البطريرك الأنطاكي (١٢٦٠–١٢٦٨)

واحترم المغول سلطة بوهيموند السادس في إمارة أنطاكية فلم يخترقوا حدودها، ولكنهم طلبوا إلى بوهيموند أن يسمح لأفتيميوس البطريرك الأنطاكي أن يقيم في أنطاكية ويمارس سلطته فيها بين أبناء كنيسته الأرثوذكسية، فدخلها وأقام فيها حتى السنة ١٢٦٥،١٠ ولعل السبب في ذلك أَنَّهُ تَوَدَّدَ إليهم ورحب بقدومهم وسهَّل زواج مارية ابنة ميخائيل الثامن من أباغا بن هولاغو،١١ والواقع أن المغول كانوا أَرْحَبَ صدرًا من غيرهم في السياسة الدينية، فاحترموا جميع الأديان.١٢

دمشق

وخاف أهل حماة وحمص فاستسلموا إلى المغول في حلب وفَرَّ الملك الناصر، وبعض أنسبائه من دمشق واتجهوا شطر فلسطين، فحدود مصر، فأوفد أعيان دمشق من قدَّم خضوعهم إلى هولاغو في حلب، ورضي الخان عنهم وأنفذ كت بوغا وهاتون وبوهيموند على رأس جيش إلى دمشق للتثبت من خضوعها، وعين عليها حاكمًا مغوليًّا وقاضيًا، ووصل المغول إليها في أول آذار سنة ١٢٦٠ فاستسلمت المدينة وامتنعت حاميتها، فقصف كت بوغا القلعة والأبراج بالمجانق فسقطت في السادس من نيسان، فأمر كت بوغا بدك القلعة فهُدِّمَتْ تهديمًا.

وسَيَّرَ كت بوغا قشلق خان على رأس قوة إلى فلسطين، فامتنعتْ حامية نابلس، فغلبتْ على أمرها ثم استسلمتْ فذبحت بحد السيف كلها، وسار قشلق خان من نابلس إلى غزة فلم يلق معارضًا، وكان الملك الناصر قد خشي غدر المماليك به فقام من حدود مصر إلى ما وراء الأردن، وكان كت بوغا قد قام إلى عجلون ليخضعها، فلما وصل الناصر إلى البلقاء خانه حرسه الكردي وسَلَّمُوه إلى طلائع جيش كت بوغا، فأرسله هذا إلى سيده هولاغو، فأكرمه هولاغو ووعده خيرًا بعد الاستيلاء على مصر، ثم استسلمت حاميات بعلبك وبانياس والصبيبة.

وشاع بين النصارى في دمشق أن كت بوغا نصراني مثلهم، وأن عددًا كبيرًا من ضباطه وجنوده نصارى أيضًا، فهرعوا إلى الشوارع تتقدمهم الصلبان وساروا متظاهرين موجبين احترامَ الصليب حيثما وصلوا، وقرعوا الأجراس وشربوا الخمر وأقاموا الصلاة المسيحية في بعض المساجد، وحولوا مسجدًا واحدًا إلى كنيسة، وشكى المسلمون أمرهم إلى كت بوغا فلم يُصْغِ ولم ينصف،١٣ «وشمخ النصارى بسبب دولة التاتار، وتردد إيلسبان وغيره من كبارهم إلى كنائسهم، وذهب بعضهم إلى الملك هولاغو وجاء من عنده بفرمان لهم اعتناء بهم وتوصية في حقهم، ودخلوا به البلد من باب توما وصلبانهم مرتفعة وهم ينادون حولها بارتفاع دينهم واتضاع دين الإسلام، ويرشون الخمر على الناس وبأبواب المساجد، فركب المسلمين من ذلك هَمٌّ عظيم.»١٤

ما لم يكن بالحسبان

ومات مونغكة الخان الأعظم في الحادي عشر من آب سنة ١٢٥٩، فتخالف الأُمراءُ المغول وتشاقُّوا، فاضطر هولاغو أن يعود إلى فارس (١٢٦٠)، وأن يبقى عند حدودها الشرقية مستعدًّا متهيئًا للتدخل في النزاع عند الحاجة، ووكل الحكم في سورية والدفاع عنها إلى قائده كت بوغا، وأبقى تحت تصرفه قوة من الجند لم تتجاوز العشرين أو الثلاثين ألفًا.

عين جالوت (١٢٦٠)

وأرسل هولاغو قبل قيامه إلى فارس رسولًا إلى قطز سلطان مصر يدعوه إلى الطاعة، فأبى قطز وأمر بالرسول فقُتل ثم تَجَهَّزَ وتَحَزَّمَ، وفي السادس والعشرين من تموز دخل قائده بيبرس فلسطين على رأس قوة كبيرة من المماليك والخوارزميين، وانضم إلى هؤلاء من بقي من قوات الأيوبيين في كرك الشوبك، وأيد الأمراء اللاتينيون في فلسطين قطز وقائده بيبرس.

وبلغ كت بوغا قدوم المصريين وهو في بعلبك، فجمع من كان في سورية من جنود المغول وانضم إليه فريقٌ من أُمراء اللاتين والأرمن، ولكنه اضطر أن يقوم إلى دمشق أولًا ليؤمن النصارى فيها؛ فالمسلمون مِن أبناء دمشق كانوا قد خَرَّبُوا الكنائس فيها وأحرقوا مساكن النصارى، «فلما هرب التاتار من دمشق أصبح الناس إلى دور النصارى ينهبونها ويخربون ما استطاعوا منها، وفي الغد كانت الكسرة وأخرب المسلمون من كنيسة اليعاقبة وأحرقوا كنيسة مريم حتى بقيتْ كومًا والحيطان حولها تعمل النار في أخشابها، وقُتل منهم جماعةٌ واختفى الباقون، وجرى عليهم أمرٌ عظيمٌ، فاشتفى — بعض الاشتفاء — صدور المسلمين.»١٥

وتقدم المصريون في ساحل فلسطين فبلغوا عكة في أواخر آب واستراحوا في ضواحيها، ودخل بعضُهُم إليها زائرًا متفرجًا، وكان بين هؤلاء بيبرس نفسه، ثم علم المصريون أن كت بوغا عَبَرَ الأردن عند بيسان، فقاموا من عكة إلى عين جالوت في جنوب بيسان ووصلوا إليها في الثاني من أيلول، وفي اليوم التالي هجم كت بوغا على مقر المصريين ولم يَدْرِ بكثرتهم، فتراجعوا ثم أحاطوا به، فحطموا جَيْشَهُ تحطيمًا، وأسروه وجاءوا به إلى قطز، فتَوَعَّدَ وتَهَدَّدَ، فأمر به قطز فضُرب عنقه.

١  Sempad, Letter to Henry of Cyprus, (William of Nangis), Runciman, S., Crusades, III, 295.
٢  Pelliot, Chrétiens d’Asie Centrale et d’Extrème Orient, 628.
٣  Grousset, R., L’Empire des Steppes, 248.
٤  Kirakos of Gantzag, Hist. (Brosset), 279 ff.; Barhebraeus, 418-419; Bretschneider, E., Mediaeval Researches From Eastern Asiatic Sources, I, 164–172.
٥  Browne, Literary Hist. of Persia, II, 458–460.
٦  Hayton, Hist. des Croisades, Doc. Arm., II. 169-170; Grousset, R., Croisades, III, 575-574.
٧  Vartan, (Dulaurier), Journ. Asiatique 1860, 300-301.
٨  Kirakos, 177–179; Rashid-al-Din, (Quatremère), 330-331.
٩  Vartan, Journ, Asiat., 1860, 294.
١٠  Rev. Or. Lat. 1894, II, 213.
١١  Barhebraeus, in Assemani, Bibl. Orient. III, 110; Rey, Dignitaires d’Antioche, R. O. L., 1900-1901, 148-149.
١٢  Chabot, Mar Jaballaha, Rev. Or, Lat., 1894, I, 125.
١٣  Gestes des Chyprois, II, 751, Grousset, R., Croisades, III, 589-590.
١٤  الذيل على الروضتين لأبي شامة، ص٢٢٨.
١٥  المرجع نفسه، ص٢٢٨-٢٢٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١