الفصل التاسع

عَصْر الرُّوم الذهبي

٨٤٣–١٠٢٥

ضعف الدولة العباسية

واشتد نفوذُ الأتراك في بغداد، وعلتْ أصوات الجواري أمهات الأمراء، وثار العلويون مطالبين بالعرش، ونفر العرب من بني العباس، فتصرف طاهر بن الحسين وخلفاؤه في النفوس لمصلحتهم في خراسان، واستقل حسن بن زيد الديلم في طبرستان وجرجان، وتَغَلَّبَ الصفاريُّون في سجستان وغيرها، وأرادوا مهاجمة بغداد (٨٧٤)، واستطاع أفاق أن يُصبح سيد البصرة، وأن يَمُدَّ سُلطانه إلى أبواب بغداد. وسلخ أحمد بن طولون التركي مصر والشام وأخذ يجمع الضرائب لحساب نفسه (٨٧٧)، واكتفت بغدادُ بتحريض بعض أمراء الشام عليه، ثم اعترفت دمشق بسلطة خمارويه بن أحمد بن طولون، فقضى على الأحزاب المعادية (٨٨٩) واتخذ دمشق قاعدة لملكه.

فتوحات باسيليوس الأول

واستغل باسيليوس الأول هذا الظرف لصالحه وصالح الروم فقام يحارب على طول الجبهة الإسلامية من شاطئ قيليقية حتى أرمينية وطرابزون، ونجح في دفع المسلمين إلى الوراء في حروب متتالية بين السنة ٨٧١ والسنة ٨٨٢، فاحتل الممرات الرئيسية عبر طوروس وقاتل البولسيين ودخل عاصمتهم تفريقية في السنة ٨٧٢ وذبح خريسوخيروس صاحبها وعرض رأسه في موكب النصر في القسطنطينية، وفي السنة التالية احتل زبطرة وسميساط، وعند السنة ٨٧٧ كان قد احتل لؤلؤة وجميع ما وقع بين قيصرية ومرعش وأصبح سيد جبال طوروس بسلسلتها وممراتها. وسَرَّهُ أن الخليفة المعتمد اعترف في السنة ٨٨٥ بدولة أرمينية مستقلة بزعامة أشوت، فأسرع يَعترف هو بدوره بالملك الجديد مؤكدًا أن أرمينية ستظل أَعَزَّ حليفات الإمبراطورية.

وأدرك باسيليوس خُطُورةَ الموقف في البحر المتوسط، فإن المسلمين كانوا قد استقروا في صقلية وجنوب إيطالية، وكان قد تَبَيَّنَ جليًّا أن الأمراء اللومبارديين لا يَقْوَون على الصمود في وجه المسلمين، وأن الإمبراطور الغربي لويس الثاني كان قد أصبح ضعيفًا، وكان قد أَمَّ القسطنطينية وفدان؛ أحدهما يمثل لويس الثاني والآخر يمثل البابا، ليحثا الفسيلفس على صيانة النصرانية، فهب باسيليوس في السنة ٨٦٨ وأنفذ أسطولًا قويًّا بقيادة نيقيطاس، وقُدر النجاحُ لهذا القائد فأعاد النظام والأمن إلى بحر الأدرياتيك، وعادتْ مدن دلماتية إلى حوزة الفسيلفس، واعترفت دويلات الصرب والكروات بسيادة القسطنطينية. وضرب نصر السوري بوارج المسلمين ضربات أليمة في مياه إيطالية الغربية، وأحرز نصرًا كبيرًا بالقرب من جزر ليباري، فدخلت كابوا وسالرنو ونابولي وغيرها في حماية الروم، ودخل البابا يوحنا الثامن في حلف مع الروم، وجاءت السنة ٨٨٥ فأحرز القائد نيقيفوروس فوقاس انتصاراتٍ بريةً عديدة، تَمكن بها من استعادة مقاطعات إيطالية الجنوبية من يد المسلمين، فأنشأ في السنة ٨٨٦ ثيمة لانغوبردية وثيمة كلابرية، وقوَّت الكنيسة الأرثوذكسية أبرشياتها في هذه المنطقة عينها.

لاوون السادس (٨٨٦–٩١٢)

ولم يكن لاوون السادس «الحكيم» رجلَ حرب كوالده فلزم القصر واهتم بشئون السلم والعلم والدين، وسنعود إلى أثره في نظم الكنيسة فيما بعد، وكانت أقريطش قد أصبحت مأوى قرصان المسلمين وملجأهم، وقام لاوون الطرابلسي في السنة ٩٠٤ بهجوم جريء على القسطنطينية، ثم انثنى مِن تلقاء نفسه على ثسالونيكية، وقُدر له أن تكون خالية من الحامية فدَخَلَها عَنْوَةً، وقتل ونهب، ثم سبى اثنين وعشرين ألفًا من الشبان والشابات، فباعهم في أسواق الرقيق في الخندق في أقريطش وفي طرابلس، فهب هيماريوس في السنة ٩٠٦ فانتصر على المسلمين انتصارًا كبيرًا، وتَشَجَّعَ وتَقَوَّى، فقاد في السنة ٩١٠ حملةً بحرية على أقريطش نفسها، فأخفق إخفاقًا كبيرًا، وفي السنة ٩٠١ سيطر المسلمون على مضيق مسينة، وفي السنة التالية تم استيلاؤهم على صقلية، فأعلن أمير القيروان أنه «سوف يخرب مدينة الشيخ الهرم بطرس نفسها».

قسطنطين السابع ورومانوس الأول (٩١٢–٩٥٩)

وتُوفي لاوون السادس في السنة ٩١٢، وكان قد جعل للدولة أباطرة ثلاثة: هو نفسه وأخاه ألسكندروس وقسطنطين السابع الأرجواني المولد، وكان قسطنطين لا يزال في السادسة من عمره، فتَسَلَّمَ مقاليد الوصاية عمه ألكسندروس، ثم تُوفي هذا في السنة ٩١٣ بعد أَنْ أقام مجلس وصاية برئاسة البطريرك، وفي السنة ٩١٩ احتلَّ القائد رومانوس ليكابينوس البلاطَ، واستحوذ على شخص الفسيلفس الصغير وأزوجه من ابنته، وأعلن نفسه أبا الملك، ثم قيصرًا، ثم فسيلفسًا.

وكان الخلفاء العباسيون لا يزالون مغلوبين على أَمْرِهِم؛ لقلة طاعة الجُند ولشدة نفوذ الخدم، ولدسائس أمهات الأمراء ووشاياتهن ومؤامراتهن، ولشغب الجُند على القادة وتنازُع هؤلاء السيادة، وكان أَنْ شعر الولاة بضعف الخلفاء فانصرفوا إلى جمع المال، فعمد الخلفاء إلى اغتيال الولاةِ فكثر العصيان واضطربت الأحوال.

وقبيل انتهاء الحرب البلغارية حطم الروم عمارة لاوون الطرابلسي في مياه لمنوس (٩٢٤) ونجا لاوون نفسه بأعجوبة! وما إن وضعت الحرب البلغارية أوزارها في السنة ٩٢٧ حتى بادر الروم إلى الهجوم وهبَّ قائدُهُم غرغون Courcouas إلى القتال في آسية الصغرى، فأحرز انتصارات متتالية، وتمكن من جعل دجلة والفرات الحد الفاصل بين الروم والعرب بدلًا من الهاليس، وعاون غرغون في هذه الحروب عددٌ من كبار الضباط قُدر لهم فيما بعد أن ينتصروا هم أيضًا كما انتصر غرغون نفسه، وأشهر هؤلاء ثيوفيلوس بن غرغون وبرداس فوقاس وابناه نيقيفوروس ولاوون، ففي السنة ٩٢٨ احتل الرومُ أرضروم وأخرجوا المسلمين من أرمينية، وفي السنة ٩٣٤ استولوا على ملاطية، ثم ناوأهم سيفُ الدولة صاحب الموصل، وتمكن من إيقاف تقدُّمهم، ولكنهم عادوا إلى الهجوم بين السنة ٩٤١ والسنة ٩٤٢، فاحتلوا دارا ونصيبين وميافارقين وقاربوا حلب، وفي السنة ٩٤٤ توج غرغون انتصاراته بأن نقل بموكب فخم «منديل السيد» الذي كان قد احتفظ به أبجر ملك الرها من هذه البلدة إلى القسطنطينية.

دولة الحمدانيين (٩٤٢–١٠٠٣)

ولم يقعْ أَيُّ تمزيق جديد في جسم الدولة العباسية في أيام المعتضد (٨٩٢–٩٠٢) والمكتفي (٩٠٢–٩٠٨)، ولكن في عهد المقتدر (٩٠٨–٩٣٢) عادت الدولة إلى ما كانت عليه من التفكُّك، ثم أضاع القاهر (٩٣٢–٩٣٤) والراضي (٩٣٤–٩٤٠) والمتقي (٩٤٠–٩٤٤) والمستكفي (٩٤٤–٩٤٦) آخر ولاياتهم، فاضمحلت بذلك سلطة الخليفة الزمنية بكاملها.

وكان بين الطامعين في المُلك والسلطان في أثناء هذا الانحلال بعضُ القبائل البدوية العربية، ولعل أشهر هؤلاء بنو تغلب؛ فإن كبيرهم الأمير عبد الله بن حمدان تَمَكَّنَ في السنة ٩٠٥ في عهد المكتفي من الاستئثار بالسلطة في الموصل ونواحيها، وتمكن ولداه حسن وعلي في السنة ٩٤٢ من انتزاع اللقبين ناصر الدولة الأول وسيف الدولة الثاني، وتَوَغَّلَ سيفُ الدولة في الجزيرة في السنة ٩٣٧، وفي السنة ٩٤٤ دخل حلب وأسس فيها دولة دامت حتى السنة ١٠٠٣، وبقي ناصرُ الدولة في الموصل يُسَكِّنُ الفتن في بغداد، بينما هَبَّ سيفُ الدولة يمتشق حسام الإسلام في وجه الروم، وما فتئ كذلك حتى أدركتْه المنيةُ في السنة ٩٦٧.

ولما استقر سيف الدولة في حلب وجعلها عاصمة لملكه وقاعدة لأعماله الحربية تَحَوَّلَ القتالُ الرئيسيُّ بين الروم والمسلمين من جبهة أرمينية إلى خطٍّ جديدٍ امتد من قليقية حتى ديار بكر، وانتقلت المبادرة في هذه الحروب إلى الروم. ويرى رجالُ الاختصاص أن انتصارَ الروم على المسلمين في القرن العاشر لم يكن نتيجة ضعف العباسيين فحسب، بل إنه تَأَتَّى عن تجديد عند الروم وتيقُّظ وتنشُّط، وأن هؤلاء — وإن اختلفوا في العنصر — فقد اتحدوا في الأرثوذكسية وفي المفاخرة بأمجاد ماضية، وشعروا بوجوب إعادة النظر في أنظمتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبوجوب إتقان الجيش وتكميله؛ لِيَتَأَتَّى بالفائدة المطلوبة، فالرومُ في القرن العاشر في نظر هؤلاء كانوا في يقظة ونشاط لا في غفلة وانقسام.١
وأثقل الحمدانيون كاهل العشائر الضاربة في الجزيرة بالضرائب، وبين هؤلاء بنو حبيب، وكان بنو حبيب تغالبة أيضًا، فشَقَّ عليهمُ الأمرُ، فانقبضوا ثم خرجوا للقتال، فجرد عليهم ناصر الدولة في السنة ٩٣٥ فقهرهم، فعولوا على الرحيل فقاموا عشرة آلاف فارس بنسائهم وأولادهم وعبيدهم وقطعوا الحدود والتجئوا إلى الروم وعادوا إلى النصرانية دين الجدود، وحذا حذوهم غيرهم من عشائر الجزيرة.٢

وفي السنة ٩٣٨ سجل سيف الدولة انتصاره الأول على الروم أمام حصن زياد فدخله عَنْوَةً، ثم خرج منه يقاتل فأدركه الروم بين حصن زياد وحصن سلام، فدارت الدائرةُ على الروم — فيما يظهر — وتغنى أبو فراس بالنصر، وفي السنة ٩٣٩ أنفذ الروم حملة إلى القوقاس لتأديب الكرج؛ لأنهم امتنعوا عن غزو المسلمين على الرغم من كونهم أرثوذكسيين يدينون بدين الفسيلفس، فاستنجد الكرجُ الحمدانيين، فهبَّ سيف الدولة لمعونتهم وأجلى الروم عن بلادهم، وفي الربيع التالي تَوَغَّلَ سيفُ الدولة في بلاد الروم فأصبح زعيمَ الجهاد الأكبر وعدو النصرانية عند الروم.

وشغلت سيفَ الدولة ما بين السنة ٩٤٠ والسنة ٩٤٤ مشاغلُ في عاصمة الخلافة كان محورها السلطة العليا، فانقض الروم على قيليقية في خريف السنة ٩٤٠ ووصلوا إلى منطقة كفر توتة، ثم شغلوا في أوروبة فتراجعوا. وعادوا في مطلع السنة ٩٤٢ فانطلقوا في سهول قيليقية حتى حدود سورية، ثم انقض غرغون في خريف هذه السنة نفسها على مقاطعة ديار بكر، فاستولى على ميافارقين — كما سبق وأشرنا — وكان ما كان من أمر المنديل.

وفي السنة ٩٤٤ دخل سيف الدولة حلب وحمص وانتزعها من يد الإخشيديين، فانطلق الرومُ في منطقة مرعش ومنطقة بغراس حتى مداخل أنطاكية، فرد سيف الدولة بإغارة في منطقة عرابسوس، وجاءت السنة ٩٤٦ فتبادل الخصمان الأسرى عند لامس سلفكية. وفي ربيع السنة ٩٤٨ خرج الروم من ملاطية وسميساط واتجهوا نحو الجزيرة؛ ليستولوا على ممر الحدث مرعش، فصمد سيفُ الدولة في معركة جلباط الوارد ذكرها في إحدى قصائد أبي فراس، وفي الربيع التالي ٩٤٩ ظهر لاوون بن فوقاس أمام الحدث محاصرًا، فدخلها عنوة ودك حصونها، واستولى الروم أيضًا على مرعش وقاتلوا عند أسوار طرسوس، وحملوا على جزيرة أقريطش، ولكن دون جدوى، وفي ربيع السنة ٩٥٠ قام سيف الدولة إلى الجزيرة يتفقد شئونها، فانقض لاوون بن قوقاس على شمال سورية حتى مداخل أنطاكية، وحاصر بوقة في سهل العمق، فهَبَّ محمد بن ناصر الدولة لقتاله، ولكنه فشل فشلًا ذريعًا.

خرشنة والمصيبة (٩٥٠)

وعاد سيفُ الدولة إلى حلب يستعد للقتال، فجمع ثلاثين ألفًا، واصطحب ثلاثة من الشعراء؛ المتنبي وأبا فراس وأبا زهير المهلهل، ونهض إلى مرعش فملاطية، فاحتل صارخة وقتل وسبى وأحرق، وأراد العودة إلى حلب، ثم علم أَنَّ لاوون بن فوقاس قد حشد في منطقة خرشنة Charsianon فعاد إليه وأنزل به خسارة كبيرة، ثم اتجه نحو الجنوب، فصمد له الرومُ في درب الجوزات بين الألبستان والحدث، ومرتْ طلائعُ سيف الدولة ولم يحرك الروم ساكنًا، ثم أقبل سيفُ الدولة فوجد الممر مقطوعًا، فأمطره الرومُ حجارة وصخورًا وسهامًا، ثم لَحِقَ به الرومُ مرة ثانية وثالثة وأرهقوه، فتفرق عنه رجالُهُ ففَرَّ هاربًا نحو حلب، فعُرفت هذه الحرب بغزوة المصيبة.

يوحنا جيمسكي

وفي السنة ٩٥٨ بدت علاماتُ الضعف في مقاومة سيف الدولة، وتسلَّم قيادة الروم يوحنا جيمسكي Jean Tzimisces «يوحنا شمشيق»، فأحرز انتصاراتٍ متتاليةً في الجزيرة العليا، واحتل أكثر مدنها، ثم حاصر سميساط على الفُرات الأعلى وأنزل بسيف الدولة سلسلة من الهزائم، وبعد السنة ٩٦٠ أضاف الروم إلى ملكهم كل ما وقع شرقي الفُرات، جاعلين من هذه المناطق ثيمة الجزيرة.٣

احتلال أقريطش (٩٦٠-٩٦١)

وكان لقسطنطين السابع ولدٌ اسمُهُ رومانوس تزوج وهو ابن سبع عشرة سنة بابنة اسمها ثيوفانو، وكانت ثيوفانوا تكره العيشة بين حماتها وبنات حميها، فأوعزت إلى زوجها رومانوس فدَسَّ السم لوالده قسطنطين، وشرب منه جرعة فلم يعش قسطنطين إلا سنة واحدة. وكان رومانوس الثاني منصبًّا على الشهوات والملاهي، فاتكل على زوجته في إدارة الأُمُور وعلى رجل اسمه يوسف أبرينكاس Bringas، ولمس أبرينكاس ضعف العرب ورأى الظرف ملائمًا لإرجاع أقريطش إلى حوزة الروم، فأعد نيقيفوروس فوقاس أسطولًا عظيمًا وجيشًا كبيرًا واقتحم الخندق، فدخلها عَنْوَةً في ربيع السنة ٩٦١، ثم استولى على الجزيرة بأسرها، ونقل إليها جاليات يونانية وأرمنية، واستدعى نيقن مطانويتا القديس المبشر ليكرز فيها باسم المسيح وينصِّر سكانها المسلمين.

مغارة الكحل (٩٦٠)

وأحب سيف الدولة أن يغتنم هذه الفرصة السانحة فجَهَّزَ ثلاثين ألفًا وقام بهم إلى خرشنة، فأسرع لاوون فوقاس إلى تلال طوروس يسد عليه طريق العودة، وكمَن له عند ممر «مغارة الكحل» فهزمه فيه، وعظمت غنائمُ لاوون فأَسَرَ عددًا كبيرًا من المسلمين، وأطلق سراح جميع مَن كان قد وقع في الأَسْر من الروم.٤

عين زربا وحلب (٩٦٢)

ورأى نيقيفوروس أن يستغل الكارثة التي حلَّت بسيف الدولة فيفتتح قيليقية أكبر المعاقل البحرية الإسلامية بعد أقريطش وأقرب الطرق إلى سورية، فجال جولة موفقة في مطلع السنة ٩٦٢، واستولى في اثنين وعشرين يومًا على خمسين بلدةً أو حصنًا، وعاد في أول الصوم الكبير إلى قبدوقية، وأعاد الكرة في الخريف فافتتح عين زربة، ولم يقوَ سيف الدولة على الصمود في وجهه عند ممرات الأمانوس فتدفقت جيوش نيقوفوروس إلى سهول سورية حتى منبج على الفرات، ثم حاصر نيقوفوروس حلب أحد عشر يومًا (٢٠–٣١ كانون الأول ٩٦٢) فاقتحم سورها، ولكنه لم يَقْوَ على القلعة، وعاد إلى القسطنطينية بغنائمَ عظيمةٍ، وعلم بوفاة رومانوس الثاني وهو في طريقه إلى العاصمة.

نيقيفوروس فوقاس (٩٦٢–٩٦٩)

وتُوفي رومانوس الثاني إما مسمومًا أو مسقومًا، فتسلمت زوجتُهُ ثيوفانو زمامَ الحكم بالوصاية على ولديها القاصرين باسيليوس وقسطنطين، وكانت تكره أبرينكاس وتحب نيقيفوروس فاستدعت نيقيفوروس من حلب، وسمح هذا لجنوده أن ينادوا به فسيلفسًا وهو في طريقه إلى العاصمة، فلما نهض إليها من قيصرية قامت ثورة ضد أبرينكاس ودخل نيقيفوروس العاصمة وتقبل التاج من يد البطريرك مشتركًا في الحكم مع القاصرين، وبعد شهر واحد تزوج من ثيوفانو الوصية الأرملة، ولما جاء إلى الكنيسة وطلب الدخول من الباب الملوكي اعترضه البطريرك بوليفكتوس بسبب زواجه من الثانية في حياة الأُولى؛ خلافًا للناموس.

فتوحات الروم في سورية (٩٦٣–٩٦٩)

وكان نيقيفوروس جنديًّا مدهشًا وتكتيكيًّا قديرًا وقائدًا محنكًا، فأحبه الجُنُودُ وتعلقوا به، وكان زاهدًا قنوعًا قاسيًا متصلبًا، ولكنه كان — في الوقت نفسه — مُحبًّا عطوفًا، فأصبح رجل الساعة بقوة إرادته وتمسُّكه بالسلطة، وحبه للدولة وإخلاصه لها.

وأوقف الانقلاب في القسطنطينية الأعمال الحربية في قيليقية وسورية، فعاد سيف الدولة إلى حلب واستعاد عين زربا وغيرها في قيليقية، وحاصر ابن شمشيق مصيصة في صيف السنة ٩٦٣ ولم يستول عليها، وقام إلى أدنة فتحداه حاكم طرسوس فهزمه ابن شمشيق، ولكنه اضطر أن يُغادر قيليقية؛ لما حلَّ بها من قحط وجوع وأوبئة.

وفي ربيع السنة ٩٦٤ تولى نيقيفوروس الفسيلفس نفسه قيادة جيوشه، فأنشأ قاعدة هامة للتموين في قيصرية قبدوقية، وزحف برجاله فاقتحم عين زربا وأدنة واستولى على أسوس عند مدخل سورية، وعاد إلى قبدوقية لتمضية فصل الشتاء. وفي السنة التالية عادت قيليقية بأسرها إلى الروم بعد أن كانت زهاء ثلاثة قرون قاعدة برية بحرية، تنقضُّ منها جيوشُ الإسلام وأساطيلُهُ على الإمبراطورية. وفي شتاء هذه السنة عينها احتل الروم قبرص أيضًا، وفي شتاء السنة ٩٦٦ أغار نيقيفوروس على الجزيرة فدخل دارا ونصيبين واستولى على الآجرة المقدسة «القرميدة» Karmidion التي كانت تحمل صورة السيد العجائبية، ثم انقض على أنطاكية في حملة إرهابية.

وفي خريف السنة ٩٦٨ عاد الفسيلفس إلى الفتح، فحاصر ابن سيف الدولة في حلب، وقام بجيشه إلى حمص، فدخلها ثم انحدر منها إلى عرقة فطرطوس فجبلة، وأبقى فيها حاميات من الروم، ثم ظهر أمام أنطاكية يُشدد الحصار عليها بإمرة ميخائيل بورجس البطريق ويرمم قلعة بغراس في طريق أنطاكية الإسكندرونة، وأقام ابن أخيه بطرس فوقاس قائدًا عامًّا، وأوصاه بوجوب انتظاره وعدم اقتحام أنطاكية قبل عودته، وقام هو إلى القسطنطينية فدخلها بموكب نصر عظيم في مطلع السنة ٩٦٩.

وفي أثناء غيابه اتصل نصارى أنطاكية بقيادة الروم مؤكدين وقوع الفوضى في صفوف المسلمين، فاندفع البطريق وقام ببعض رجاله فتسلق الأسوار ودخل بعض الأبراج، وكاد يموت موتًا لولا وصول لاوون وإسعافه، وسقطت أنطاكية بيد الروم في الثامن والعشرين من تشرين الأول بعد أن بقيت إسلامية ثلاثة قرون ونيِّفًا.

واشتد حماس الجند وأَلَحُّوا بوجوبِ اقتحام حلب، وفعلوا، فسقطت في يدهم في كانون الأول من السنة نفسها، ووقَّع صاحبها قرغويه معاهدةً مع الروم، اعترف فيها بسيادتهم وحمايتهم، واعترف الرومُ بولايته على حلب وولاية بكجور بعده على أن يعينوا أميرًا عليها مَنْ يرونه لائقًا من أبناء حلب بعدهما، ومن شروط هذه المعاهدة أن يقيم في حلب ممثلٌ رسميٌّ للفسيلفس، وأن يدفع الحلبيون دينارًا عن كُلِّ ذكر في كل سنة، وأَنْ يَمْتَنِعُوا عن جباية الجزية من النصارى، وأن يؤمِّنوا طُرُق التجارة، وأن تُشرف لجنةٌ من الروم والحلبيين على جباية الكمارك.٥
وعاد بطرس فوقاس إلى أنطاكية، وحقق في مقتل البطريرك خريسطوفوروس — الذي أشرنا إليه سابقًا — فحبس ابن مانك أيامًا، ثم أخرجه إلى جسر باب البحر حيث طرحتْ جثةُ البطريرك، وأمر به فقُطِّع بالسيف عضوًا عضوًا ورُمي بكل ناحية قطعة، وأما ابنُ محمود وابن دعامة شريكاه في الجُرم فإنهما كانا قد حملا إلى سجن طرسوس وبقيا فيه مدة طويلة، ومات ابنُ محمودٍ في الحبس وبقي ابن دعامة إلى أَنْ جاء ميخائيل البورجي، فأحضره إلى أنطاكية وثقله بالحجارة وطرحه في النهر.٦

يوحنا جيمسكي (٩٦٩–٩٧٩)

ولم ترضَ ثيوفانو الفسيلسة عن حياتها الزوجية مع نيقيفوروس، وكان ابنُ أُخته يوحنا جيمسكي جميلَ الصورة، لا يَزال في الخامسة والأربعين من عمره فأحبتْه ثيوفانو، فأبعده نيقيفوروس، فأقنعت ثيوفانو زوجها فأرجعه إلى البلاط، وكانت مؤامرة بين ثيوفانو ويوحنا فذُبح نيقيفوروس ذبحًا في أواخر السنة ٩٦٩ ونُودي بيوحنا فسيلفسًا بالاشتراك مع باسيليوس وقسطنطين القاصرين.

وكان يوحنا جيمسكي أو ابن شمشيق — كما عرفه العرب — شُجاعًا باسلًا متزنًا صبورًا لطيفًا كريمًا، وكان قد اشترك في معظم حروب نيقيفوروس فعرفه الجنودُ وأَحَبُّوه وتعلقوا به، فأعاد باسيليوس ليكابينوس إلى الإدارة المركزية وانصرف هو إلى السياسة والحرب.

ثيودوروس بطريرك أنطاكية (٩٧٠–٩٧٦)

وكان الموقفُ السياسيُّ في سورية لا يزال حرجًا، فطلب الفسيلفس الجديد إلى البطريرك المسكوني بوليفكتوس ومجمعه المحلي أن ينتخبوا بطريركًا على أنطاكية وسائر المشرق؛ لأن هذا الكرسي الرسولي كان لا يزال شاغرًا منذ قتل خريسطوفوروس، واقترح الفسيلفس انتخاب الراهب ثيودوروس فتم انتخابه في الثامن والعشرين من كانون الثاني سنة ٩٧٠، ولما وصل ثيودوروس الثاني إلى مركز رئاسته في أنطاكية خرج إلى كنيسة «أرشايا» وحمل جسد سلفه خريسطوفوروس إلى القسيان.٧

دمشق تعترف بسيادة الروم (٩٧٥)

وأنهى ابنُ شمشيق مشكلة الروس والبلغار، فعزم على إزالة خلافة بغداد، والاستيلاء على بيت المقدس، ولكن كان عليه قبلَ هذا وذاك أَنْ يجابه دولةً فتية جديدة كانت قد قامت في مصر، فإن المعز لدين الله الخليفة الفاطمي الرابع كان قد سَيَّرَ جوهرًا الروميَّ إلى مصر في السنة ٩٦٨، فافتتحها وأزال الشعار الأسود العباسي وألبس الخطباء الأبيض، وفتح دمشق وأنفذ جيشًا إلى أنطاكية فحاصرها خمسة أشهر خلال السنة ٩٧٠-٩٧١، وكان الفسيلفس قد اكتفى بأن عيَّن ميخائيل بورجس دوقًا على أنطاكية وجعلها صالحة للدفاع، وكان قد أنفذ في السنة ٩٧٣ الدومستيقوس الأرمني مليه Mleh إلى الجزيرة غازيًا، فاستولى هذا القائد على ملاطية، ولكنه ارتد أمام آمد، فاعتقل وأُرسل إلى بغداد فتوفي فيها.

وفي السنة ٩٧٤ قام الفسيلفس بنفسه قاصدًا بغداد، فدخل أرمينية وحالف ملكها أشوت، ثم استولى على آمد وأحرق ميافارقين، ودخل نصيبين وأدخل أمير الموصل الحمداني في طاعته، وتعسر عليه تموين جيشه، فعاد إلى القسطنطينية.

وفي ربيع السنة ٩٧٥ انطلق ابنُ شمشيق من أنطاكية قاصدًا أوروشليم، وما إن أَطَلَّ على دمشق حتى فاوضه حاكمُها، فاعترف بسيادة الفسيلفس وتقبل حامية مسيحية، ودفع جزية ستين ألف دينار في كل عام، وكتب بذلك كتابًا وأخذ فيه خُطُوط الإشراف وقدَّم جماعة منهم رهينة، ولما كانتْ قواتُ الفاطميين قد التجأتْ إلى مُدُن الساحل قام الفسيلفس ابن شمشيق إلى الساحل قبل التوغُّل في الجنوب، فاحتل جبيل وبيروت وأسر أمير هذه المدينة نصر الخادم وحمله إلى بلاد الروم، ونزل على طرابلس فلم يتم له شيءٌ فيها، ثم استولى على بانياس وجبلة وسلم كليب النصراني كاتب رقطاس حصن صهيون فصيَّره الفسيلفس بطريقًا ثم «باسليقًا» على أنطاكية.٨

أوروشليم

وقام إلى طبرية فدخلها ثم قام إلى الناصرة فعف عنها احترامًا وإجلالًا وتسلق جبل الطور يمنًا وتضرعًا، وتقبل هناك دخول أوروشليم والرملة وعكة في الطاعة، وأرسل إليها عسكريين يقيمون فيها.٩

باسيليوس الثاني (٩٧٦–١٠٢٥)

وتُوفي ابن شمشيق مسمومًا، وكان باسيليوس وأخوه قسطنطين قد بلغا سن الرد أو ما يقرب منها، وكانا يهابان الخصي باسيليوس؛ لأنه كان قد تولى تربيتهما، وحدثته نفسه بالملك فأرجع أم الفسيلفسين ثيوفانو وعزل القائد الأعلى برداس اسكليروس وعيَّنه في وظيفة ثانوية في قيادة جيش الجزيرة، فذهب برداس واتحد مع أعداء باسيليوس الخصي، فكانت بينه وبين جيوش العاصمة مواقعُ هائلةٌ وحروب شديدة دامت أربع سنوات، ولجأ برداس إلى بغداد وطلب معونة الخليفة العباسي الطائع (٩٧٤–٩٩١).

أغابيوس بطريرك أنطاكية (٩٧٧–٩٩٦)

وكان باسيليوس الفسيلفس قد استدعى ثيودوروس الثاني البطريرك الأنطاكي في بدء ثورة برداس، وأرسل إليه «شلندي» يقله إلى القسطنطينية بحرًا، فسار البطريرك ولما بلغ طرسوس تُوفي فيها، فبعث أهل أنطاكية «يلتمسون بطريركًا يكون عليهم ويتولى تدبيرهم»، فاستقر الأمر على أن يكتبوا إلى الفسيلفس بمن يقع اختيارهم عليهم، فاختاروا جماعة وكتبوا إلى الفسيلفس بهم، وطلبوا إلى أغابيوس أسقف حلب أن يحمل رسالتهم إلى الفسيلفس، فسألهم أغابيوس أن يضيفوا اسمه إلى جملة الأسماء فأجابوه إلى ذلك، فشخص بالكتاب إلى حضرة الفسيلفس وأنهى إليه حال أنطاكية وتمسك أهلها بطاعته، «وأعلمه أن الصواب يقضي بأن يكون لها بطريرك يدبرها ويثبت أهلها على طاعته»، فكتب الفسيلفس إلى الماجيسطرس في أنطاكية يستميله ويعده بالإحسان إليه، ويضمن له ولاية أنطاكية مدة حياته، وأنه إذا تم ما استقر بينهما يكون أغابيوس بطريركًا على أنطاكية.

وعاد أغابيوس إلى أنطاكية متنكرًا بزي راهب، ولما وصل إليها اجتمع بالماجيسطروس وقدم له كتاب الفسيلفس، فقبله، ودعا، وقطع اسم فوقاس الثائر، واعترف بأغابيوس بطريركًا على أنطاكية.

ولما استقر أمر أغابيوس كتب رسائلَ الجلوس، وبعث بواحدةٍ منها إلى إيليا البطريرك الإسكندري، وقرن بها «أمانته» ليُعلم منها أنه يقول بما اتفق عليه أصحابُ المجامع المسكونية السبعة، وطلب إليه أن يذكر اسمه في الذبتيخة، فأنكر إيليا الإسكندري عليه فعله؛ لأنه ترك أبرشيته في حلب ليصير بطريركًا على أنطاكية فأصبح حاله «حال من تزوج ابنة ثم تركها وأخذ والدتها أو كمن طلَّق زوجته وتزوج بغيرها»، وأكد إيليا أن درجات الكهنوت مُرَتَّبَةً على مثال طغمات الملائكة والنجوم والكواكب التي تلزم نظامها ومواضعها، وطلب محضرًا من أهل أنطاكية وكهنتها وشيوخها يذكرون فيه واقع الحال، فَرَدَّ أغابيوس ردًّا طويلًا، وفق فيه بين التقليد الرسولي وبين كيفية وصوله إلى كرسي الرسولين في أنطاكية، وإليك نَصُّهُ بالحرف — كما حفظه يحيى بن سعيد الأنطاكي في تاريخه:

بسم الله الرحمن الرحيم

كتابي أيها الأب الروحاني الطاهر المشارك في الخدمة المساوي في الرتب، المتحد في الروحانية من الكرسي السليحي بمدينة الله الفائزة بفخر اسمه، المحفوظة بتلميذه وأول رسله يوم السبت السابع من كانون الأول عن سلامة بيع الله المقدسة وأولادها قبلي وسلامتي من بعدهم، والحمد لله على ما مَنَّ وأولى، وهو المسئول أن يتم إسبال ستره على هذا الشعب وإكمال نعمته على هذه الأمة قبلي وقبلك، وقبل كل راعٍ استرعاه في كل موضع ارتضاه بمنه وكرمه.

وقد وصل كتابُك أيها الأب الروحانيُّ الطاهرُ على يد أنبا يوحنا الراهب المنفذ من مسكنتنا إلى قدسك، وأحطت علمًا بمشتمله وسررت بأخبار سلامتك، وما استدللت عليه من الاستقامة قبلك، ثم طار بعد ذلك فكري وتعسف ذهني وذهل عقلي وتقطعت خواطري متأملًا ما كتبته ومتبحرًا ما أجبته، ولا أدري ما السبب الذي حملك على دفع غير مدفوع وإنكار غير منكر، والاحتجاج بما لا يسلغ، وفعل ما لا يليق، وقد كان ينبغي إذ عرفت موضع ابتدائي وإيثاري للتبارك بمشاركتك وإنفاذي رسولي إليك في وقت كان يكاد أن يتعذر فيه عبور الطيور من جهتنا إلى جهتكم، فضلًا عن الرسل والكتب إلا كنت تكتب بما كتبت به دون أن تتحقق أنك فيه على حق لا ينحل وحجة لا تبطل وصواب لا ينكر، وقاعدة لا ينسب أهلها إلى هوًى ولا غي ولا قصد ولا حال من الأحوال التي قدسك متبرئ منها ومرتفع عنها.

وأما أن تذكر — أيها الأب الروحاني — غمك بما صار إليه حالي وقلقك بما جرى عليه أمري، وإيثارك الموت دون السماع بمثله، فهذا ما كان يليق؛ إذ كان لم يجر بحمد الله ها هنا أرايسيس ولا فساد مقالة ولا نقص سُنَّة ولا حالة غير معروفة، والذي جرى هو أمرٌ صغُر حالي عنه وبعُد موضعي منه؛ لارتفاعه عني وقلة قيامي به وتفاوت نقص استحقاقي له، إلا أنه لم يكن مني ولا أتى بسعيي إلا ما اختاره أصحابي ورضي به شعبي وأمضاه رؤساء الدولة وعرفه علماء الملة في المدينة العظمى التي عليها يعول ومنها يقتبس.

وكيف يجوز أن يُنكر واحدٌ ما تجتمع عليه هذه الطبقة وترضى به هذه الأمة، وهو أمر مشهور عندنا مستعمل بيننا على قديم الزمان إلى حيث انتهينا.

والذي ذكرته أيها الأب الروحاني في هذا الباب أنا أعلم أنك لم تذكره إلا لبُعد العهد بهذا الحال ببلدك، ولعدم الكتب التي تنبئ بمثله في ناحيتك، ولقلة مَن يستعملها ويقتبسها في موضعك للأحوال التي دفع إليها أهل تلك الديار، مما نسأل الله المعونة عليه، وإذا أنت رجعتَ إلى الفحص عن ذلك وجدته أمرًا لم يبدأْ منا ولا يتناهى فينا، وذلك أنك تجد القديس أفسطاثيوس بطريرك مدينتي هذه وقد نقله السينودس المقدس بنيقية من حلب إلى أنطاكية، ووجدت القديس ملاتيوس منقولًا من لاريصة إلى حلب ومن حلب إلى أنطاكية، وقد حضر السينودس الثانية في القسطنطينية ونقل القديس غريغوريوس الثاولوغس من نازينزو وكرسه على كرسيها، ووجدت أوذوكسيوس قد نقل من مرعش إلى أنطاكية ومنها إلى القسطنطينية، ووجدت أوسابيوس قد نقل من بيروت إلى نيقوميذية ومنها إلى القسطنطينية، ووجدت جماعة آخرين منقولين إلى مواضع عدة.

هذا بعد مار بطرس السليح الذي هو أساس البيعة ورأس الشريعة، ومقامه اثنتي عشرة سنة بأنطاكية وانتقاله بعد ذلك إلى رومية، وكفاك به من شاهد وتناهى بمن ذكرناه قليلًا من كثير قدوة يقتدى بها وأصلًا يرجع إليه، وإذا كان ذلك كذلك فقد عرفت منا أيها الأب الروحاني ما طلبته ووجدت ما ابتغيته؛ إذ كان التماسُكُ في كتابك أَنْ يوجد في هذا الباب أصلٌ يرجع إليه وطريقٌ تفسح لك في قبول الكسس ورفع الاسم، لا سيما مع علمك بأن هذا ليس هو ما تدعو إليه حاجةٌ ضروريةٌ، وإنما يُراد به اتحادُ البيعة المقدسة بالروحانية، ومن طلب أن يتحد مع قدسك ويشارك خدمتك فليس يجوز أن تنفردَ عنه بالحجج التي احتججت بها ويتضح حلها ويقوم البرهان بصحة غيرها.

مِن ذلك تشبيهُ هذا الأمر بمن تزوج ابنة ثم تركها وأخذ والدتها، وقد ارتفع الكهنوت الإلهي عن التشبيه بالتزويج البشري، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان إذا تُوفي أسقف وكان له أخ يستحق رئاسته لا يجوز له أن يرجع موضعه، كما لا يجوز للأخ أن يأخذ زوجةَ أخيه بعد وفاته، والتشبيه بمن طلق امرأة وأخذ غيرها يبعد أيضًا عما نحن فيه ولا يليق أن يشبه به، وإلا لم يكن بالجائز للمدينة أن يصير عليها غير أسقفين، كما لا يجوز للامرأة أن تتزوج أكثر من زوجين. فأما قول السيد المسيح بأنه من طلق امرأته فقد جعلها أن تفجر، ومن تزوج مطلقة فإنه يفجر فلم يكن مقولًا عن الكهنوت، وإنما كان كلامه على اليهود لما حضروه مجربين له، فأراهم بعد طباعهم عما يوجبه ناموس الطبع اللطيف والعقل الحصيف من المحافظة على الزوجة البشرية والتمسك بحبها لأجل أن الاثنين قد صارا جسدًا واحدًا — كما قال الكتاب — حتى أظهر عيوبهم وأحوجهم إلى أن قالوا: لقد كان أخيرًا للرجل أن لا يتزوج بالكلية. وإن كان كذلك فأية مناسبة بين هذا المعنى وبين الكهنوت الإلهي التي هي درجاتٌ تتراقى من الدون إلى التي فوقها. فَأَمَّا تشبيه هذه الدرجات بطغمات الملائكة التي تحفظ كل طغمة منها موضعها ولا تتعداه إلى غيرها فهذا أيضًا مما لا يشبه في حال النقلة، وإلا لم يكن بالجائز للانغنسط أن يصير أيبوذياكون ولا للأيبوذياكون أن يصير تامًّا، ولا للتام أن يصير قسيسًا، ولا للقسيس أن ينتقل إلى ما فوق، فأما تشبيهها بالنجوم فإن الكواكب لازمة نظامها ومواضعها، لا ينتقل أحدها إلى موضوع غيره، فهذا أيضًا لا يليق؛ لأن الكواكب أجرامٌ غيرُ ناطقة رتَّب الباري كل واحد منها في موضوعه وجعل طبيعته لا تتغير عن حالته، فأما الإنسان فإنه جعله حيوانًا ناطقًا متحركًا من حال إلى حال ومِن أمر إلى أمر، والخليق به أَنْ يكون انتقالُهُ إلى ما هو أَشْرَفُ وحركتُهُ إلى ما هو أعلى، فمن هذا جاز أن ينتقل من ذكرنا نقله، وقد قامت الشواهدُ بهذا الحال.

فأما ما التمسته أيها الأب الروحاني من إحضار محضر المدينة الشريفة يذكر فيه كيف جرت هذه الحالة والرضى به فلم يجر بذلك رسمٌ، ولا فَعَلَ هذا من تقدمني فأفعله أنا بعده، ولولا تعذُّر الطريق في هذا الوقت إلى ما هناك لقد كان ذلك سهلًا، فأما إنفاذ خطوط كهنة الكرسي وشيوخه بالرضى فهذا نُريد أن يكون لو لم يتم الأمر، وحينئذٍ تكونُ الشبهةُ لاحقةً في مثل هذا، فأما بعد تمامه ومضي سنة عليه فأنت تعلم أنه لو لم يحصل في الأول خطوطٌ ويقع إجماعٌ ورضًى قبل التوجه إلى المدينة المتملكة لَمَا كان تم.

وكان بعد تمامه اضطرابٌ ولم يقع بعده سكون، ونحن كنيستنا — بحمد الله — واحدةٌ، والمشاركة فيها من كل جهة واقعةٌ، والمحبة بين أولادها تامةٌ وكاملة، وليس ها هنا خلف ولا انفراد ولا انشقاق ولا حال فيها شبهةٌ تحتاج إلى إنفاذ ما التمسته، وطلبة مثل هذه في غير موضعها تجري مجرى المعاياة، والإجابة إلى مثل ذلك نقصٌ وإيقاعُ شبهة، فأما الحق بالمودة الإلهية والأليقُ بالأحوال الروحانية أن تدع التماس ما لم تجر العادةُ بالتماسه، والاحتجاج بما قد بَطَلَ وبمثله الرجوع إلى الواجب في توكيد المودة وإتمام اتحاد الخدمة والمشاركة؛ حتى يزول الشك، ويرتفع سبب الفساد، ولا يقع في البيعة انشقاق.

وأنت أيها الأب الروحاني تأتي في ذلك الواجب، وقد أردت إنفاذ البركة على ما جرى به الرسم والعادة، ولم تتأخر إلا لبُعد الطريق وصعوبة الوقت، وأنا أرصد الفرصة لإنفاذها وأراقبُ نفوذَ من يصلح لحملها وأنفذها وأتبارك بإصدارها، وإني في ذلك على الرسم الذي أنا قَلِقٌ لتأخُّره، وأنت أيها الأب الروحاني تأتي في قبولها عند وصولها ما جرت فيه العادةُ التي تتبع الروحانيات ولا ينقصها تأخرها ولا يزيد فيها تقدمها، مع إبهاجي بكتابك عاجلًا متضمنًا مِن أخبارك واستقامة أحوال من قبلك ما أُسر به، ومن حاجاتك ومهماتك ما أَقوم فيه بواجب المودة والأخوة الروحانية والمشاركة — إن شاء الله.

سلام ربنا وإلهنا يسوع المسيح يكون معك، وعندك حافظًا ومواقيًا وكافيًا ومشددًا من الآن وإلى كل أوان، وإلى دهر الداهرين، آمين.١٠

ووصل هذا الكتاب إلى إيليا البطريرك الإسكندري، ووافق على مضمونه، وقبل أغابيوس في الشركة واعترف ببطريركيته، ويُلاحظ هنا أن البطريرك الأنطاكي رأى في اعتراف زميله واجبًا روحيًّا «لتوكيد المودة وإتمام اتحاد الخدمة والمشاركة؛ حتى يرتفع سببُ الفساد، ولكي لا يقع في الكنيسة انشقاق»، ورأى هذا البطريرك أيضًا أن إرسال المحاضر بخطوط الكهنة والشيوخ أمرٌ لم يفعلْه مَن تَقَدَّمَهُ من البطاركة، واكتفى بأن يكون إيمانُهُ إيمانَ أصحاب المجامع المقدسة السبعة، وأن يكون شعبه راضيًا، وأن يكون رؤساء الدولة قد وافقوا على اختياره، ويلاحظ أيضًا أن لا إشارة البتة في هذا الجدل حول الاعتراف بالبطريركية إلى موافقة رومة وحبرها، وأن البطريرك الأنطاكي الجديد اعتزَّ بموافقة رؤساء الدولة في القسطنطينية «المدينة العظمى» وبعلم «علماء الملة» فيها.

حروب باسيليوس الثاني

وقُدر لباسيليوس أن يُصبح أَعْظَمَ قوة وأَطْوَلَ باعًا في الحرب من أسلافه، فإنه تمكن بجده وسعيه ومقدرته في الإدارة والحرب من تجييش عددٍ من الرجال أكبر بكثيرٍ مِنْ أي عددٍ جَنَّدَه أسلافُه، وحارب في وقت واحد في جبهات أربع في بلغارية وإيطالية وسورية والقوقاس.

وكان سعد الدولة الحمداني قد دخل حلب واستولى عليها، فحاول مرارًا أَنْ يَتَمَلَّصَ من الإتاوة التي كان بقجور قد قبل بدفعها إلى الروم، فأَدَّى هذا إلى إنفاذ حملاتٍ ثلاثٍ على حلب في السنوات ٩٨١ و٩٨٣ و٩٨٦، واضطر سعد الدولة أن يستنجد العزيز الفاطمي، فنشب خصامٌ بين الروم والفاطميين، ولَمَّا كان باسيليوس منهمكًا في القضاء على ثورة البرداسين؛ اضطرَّ بدَوره — في أواخر السنة ٩٨٧ — إلى أن يُصالح العزيز الفاطمي بمعاهدة كان من شروطها أن يذكر اسم العزيز في خطبة الجامع في القسطنطينية، وكان قد قام في القسطنطينية مسجد منذ القرن الثامن.

وتُوفي سعد الدولة الحمداني في السنة ٩٩١، فطمع العزيزُ بحلب، وحاصرها في السنة ٩٩٢، فاستجار لؤلؤ الوصي على ابن سعد الدولة باسيليوس الثاني، فأمر باسيليوس دوق أنطاكية ميخائيل بورجس أَنْ يُقَدِّمَ المعونة اللازمة، فظفر الفاطميون بجيشه في موقعة العاصي في الخامس عشر من أيلول سنة ٩٩٤، فرأى الفسيلفس أن يشرف بنفسه، فجمع جيشًا خاصًّا وجعل لكل مقاتل بغلين وهَبَّ بسرعة فائقة فقطع آسية الصغرى في ستة عشر يومًا، وفَاجَأَ الفاطميين عند حلب، فتراجعوا عنها حتى أبواب دمشق.

يوحنا الخامس بطريرك أنطاكية (٩٩٦–١٠٢٢)

وسخط باسيليوس على ميخائيل بورجس، وألزمه بيته، وولَّى على أنطاكية الدوق دميانوس دلاسانوس، وطلب إلى أغابيوس البطريرك أن «يكتب خطه بالزهد في رئاسة أنطاكية واعتزاله عنها» فامتنع البطريرك، فجعل الفسيلفس للبطريرك ديرًا في القسطنطينية يعرف بالأفرنذيو، وأمر أن يحمل إليه في كل سنة مِن دَخْلِ كنيسةِ أنطاكية أربعة وعشرين رطلًا من الدنانير «برسم نفقة مائدته»، فقبل البطريرك واستقال وتُوفي بعد ذلك بسنة.١١
«وصيَّر» باسيليوس — عوضًا عن أغابيوس — بطريركًا من أهل القسطنطينية اسمه يوحنا، وهو الخامس في المراجع الأرثوذكسية والثالث في المراجع الغربية، وكان خرتوفيلاكسًا في كنيسة الحكمة الإلهية، وأمر الفسيلفس أن «ترتب» كنيسة القسيان في أنطاكية على مثال كنيسة الحكمة الإلهية.١٢

باسيليوس والحاكم

وتُوفي العزيز الفاطمي، وتولى الحكم بعده الحاكم «بأمره» (٩٩٦–١٠٢١) فأنزل بدوق أنطاكية داميانوس دلاسانوس في تموز السنة ٩٩٨ هزيمة كبيرة وخر داميانوس مقاتلًا، فاضطر باسيليوس أن يعود إلى سورية لينقذ الموقف، فدخل أنطاكية في العشرين من أيلول سنة ٩٩٩ واستولى على حمص في تشرين الأول من السنة نفسها، ثم قام إلى طرابلس وحاصرها وسير سَرِيَّةً إلى بيروت وجبيل فظفرت بالأسرى والغنائم، وعاد الفسيلفس إلى طرسوس لتمضية فصل الشتاء، وبينما هو يعد العدة في طرسوس لمتابعة الحرب ضد الفاطميين علم بوفاة داود ملك الكرج، وكان داود هذا قد أوصى بملكه إلى الفسيلفس، فقام الفسيلفس بجيشه إلى ملاطية، ثم عبر الفرات ودجلة فقدم أمراء الكرج خضوعهم وضم الفسيلفس دولة داود إلى الإمبراطورية وعاد إلى القسطنطينية، وترك هذا كله أثرًا في نفس الحاكم الفاطمي فأسرع يفاوض في السلم وخصَّ أورستيوس بطريرك أوروشليم بالمفاوضة، فقام هذا البطريرك إلى أنطاكية ومنها إلى القسطنطينية، فكان صلح بين الدولتين لعشر سنوات.١٣
ومما يروى أن يوحنا البطريرك الأنطاكي فاوض زميله أورستيوس في أثناء مروره في أنطاكية في أمر كنيسة الكرج، فتنازل له عن المال السنوي الذي كان يتناوله من كنيسة الكرج لصنع الميرون، واحتفظ بحقه في أن يذكر هو وحده في الذبتيخة، وفي أن يوفد إلى الكرج أكسرخوسًا يتفقد أحوال الكنيسة فيها ويجمع دخل أوقاف الكرسي الأنطاكي منها.١٤

المسيح هو الملك

وتنصرت الحكومة وفاخرت بنصرانيتها واعتزت، وأصبح السيد المخلص في نظر الحكومة والشعب هو الملك، وأصبح الإنجيلُ دستور الدولة، فكنت إذا قصدت القصر الملكي تقرأ على جدران بعض البنايات العبارة: «المسيح الفسيلفس» أو المسيح الإمبراطور، وقد تسمع وأنت في طريقك إلى القصر؛ جماعاتٍ يرتلون، فإذا ما اقتربوا منك وجدتهم جنودًا حاملين الصليب عاليًا هاتفين: «المسيح المنتصر»، وإذا ما وصلت إلى مداخل القصر وجدت فوق العتبات أيقونات مقدسة تمثل المسيح مرتديًا لباس الملك متوجًا، وإذا دخلت ظننت أنك في كنيسة لا في قصر ملكي، فمن أيقونة للعذراء والدة الإله حامية العاصمة إلى ذخيرة تضم عود الصليب إلى أيقونة عجائبية تمثل السيد مصلوبًا، كان قد ظفر بها ابن شمشيق (يوحنا جيمسكي) في أثناء مروره في بيروت إلى زاوية مكرمة تحفظ حذاء السيد الذي وجده ابن شمشيق في جبيل إلى المنديل الذي كان لا يزال يحمل رسم وجه السيد، وقد احتفظت به الرها أكثر من تسعة قرون. وقد تقف قليلًا متأملًا مصليًا فيدخل القاعة رئيس أساقفة تتبعه حاشيتُهُ وقد جاء خصيصًا لتكريم هذه الآثار وتجديد التكريس.

وقد تكون أحد أعضاء الوفود الإسلامية المفاوضة، فيتاح لك الدخول إلى قاعة العرش، فتجد العرش عرشين أحدهما عليه الإنجيل الطاهر وهو عرش المسيح الملك، والثاني لنائبه على الأرض الفسيلفس، فإذا قابلت العرش الأول أو مررت مِن أمامه رسمت شارة الصليب بالأصابع الثلاثة وانحنيت إكرامًا وإجلالًا، وقد تكون أحد القضاة الزائرين فيدفعك اهتمامك بالقضاء إلى الوقوف في دار العدل لاستماع المرافعة وصدور الأحكام، فتذكر هناك أيضًا بأن الملك للسيد له المجد، فالقوانين والأحكام تستهل «باسم سيدنا يسوع المسيح»، وقد تكون تاجرًا تضطرك الظروف إلى زيارة أحد المصارف لتقبض تحويلًا ماليًّا معينًا فتنقد الدراهم والدنانير، فتجد رسم السيد المسيح على أحد الوجهين.١٥
وقد تكون عدوًّا محاربًا في الجزيرة أو في سورية، فتعد جيش الروم بعدد معين من الصلبان، وقد تمتنع في قلعة شيزر كما فعل ابن كراديس في السنة ٩٩٩، ثم تلتمس الأمان من ملك الروم وتشترط شروطًا فيجيبك إلى ذلك وينفذ إليك صليبه،١٦ وقد تقع الهدن بين الروم والمسلمين، فينفذ ملك الروم صليبًا من ذهب مرصعًا «أمانًا لعدوه ووفاء بالشرط».١٧

الفسيلفس نائب المسيح

ولَمَّا كان الملكُ الحقيقيُّ روحًا غير منظور أصبح الملك الملموس رمز الملك السيد ونائبه على الأرض؛ ثوبه ثوب الأيقونات، وتاجه وصولجانه مشرفان بالصليب المقدس، ولما كانت ثيابُهُ هذه هبةً ربانية حملها الملائكة إلى قسطنطين الكبير أصبح المحل الوحيد اللائق بحفظها هو الكنيسة، وأمسى قصر الفسيلفس من حيث التخطيط وهندسة البناء وتزيين الزوايا والقبب والجدران؛ أَشْبَهَ بالكنيسة من أي بناء آخر، وأمست أبواب قاعة العرش تُفتح وتُغلق في أوقات معينة كأبواب الأيقونسطاس في الكنيسة، وقام العرش في حنيَّة كعرش الأسقف في الكنيسة، وقضت هذه الصلة بين الفسيلفس وبين السيد الروح غير المنظور أن يظهر الفسيلفس ظهورًا على عرشه في الاستقبالات الرمية دون أي كلام أو تبادل أفكار، وتغرد الطيور الذهبية، وتزأر الأسود المصطنعة، ويسجد الحاضرون ثلاث سجدات، وما هي إلا لحظة حتى يرتفع الفسيلفس بعرشه نحو السماء فيختفي، وإذا قضت الظروف أن يستقبل الفسيلفس في باسيليقة المنيورة جلس على عرشه الذهبي صامتًا مسبل الجفنين، فإذا ما رَغِبَ في شيء رفع جفنيه ونظر إلى رئيس الخصيان، فتصدر إشارة عن هذا فيتم تنفيذُ الأمر الصادر دون كلام، وتنتهي المقابلة عندما يرسم الفسيلفس شارة الصليب فيخرج الزائرون متراجعين خاشعين، وقضت نيابة المسيح على الفسيلفس بأن يشترك مع البطريرك في ممارسة بعض الطقوس الدينية، فيخرج الاثنان إلى الشوارع بسحابة من البُخُور وموكب كبير، ويركب البطريرك حمارًا أبيض ويمتطي الفسيلفس جوادًا عربيًّا فيزوران في كل يوم جمعة كنيسة السيدة حامية العاصمة، وفي يوم الخميس الكبير يتفقدان العَجَزَة في المآوي، فيغسل الفسيلفس أرجل هؤلاء ويقبلها مذكرًا بما فعل السيد له المجد.

وجاء في كتاب الأعلاق النفيسة لابن رستة (٩٠٣) أنه إذا خرج الفسيلفس إلى كنيسة الحكمة الإلهية مشى أمامه اثنا عشر بطريقًا وحمل هو بيده حقًّا من ذهب فيه تراب، فإذا مشي خطوتين وقف ونظر إلى التراب وقبله وبكى، وما يزال يسير كذلك حتى ينتهي إلى باب الكنيسة، فيقدم رجل شيخ طشتًا وأبريقًا من ذهب، فيغسل الفسيلفس يده ويقول لوزيره: إني بريء من دماء الناس كلهم، ويخلع ثيابه التي عليه على وزيره ويأخذ دواة بيلاطس ويجعلها في رقبة الوزير ويقول له: دن بالحق كما دان بيلاطس.١٨

وإذا دخل الفسيلفس الكنيسة ليصلي استوى على عرش خاص واعتبر ممسوحًا من الله لينوب عن المسيح في الأرض، واستحق التناول بيده من المائدة المقدسة، ولكنه لم يرأس الكنيسة كما توهم البعض.

وكان على الفسيلفس أن يراعي هذا التقليد في حياته الخصوصية، فكان كلما انتهى من الطعام كسر الخبز وشرب الخمر، وإذا ما جلس إلى المائدة جلس حواليه اثنا عشر شخصًا، وعند كثرة الضيوف كانت تُقام اثنتا عشرة مائدة، وفي ليلة عيد الميلاد كان عليه أن يدعو أفقر الفقراء؛ لتناوُل الطعام معه، فالكل إخوان في المسيح. وكان يضيء غرفة نومه صليب وعدد من الكواكب، وكان يطل عليه من فسيفساء الجدران باسيليوس الأول المقدوني وعائلته وفي أيديهم الأناجيل!

ولما كان الفسيلفس نائب المسيح على الأرض كانت إرادتُهُ مطلقة، وكان هو مصدر السلطة، فكان هو يسن الشرائع ويلغيها، ويعين القضاة والوزراء ويعزلهم، ويوافق على انتخاب البطريرك، وكانت سلطتُهُ مسكونية تشمل العالم بأسره فلا تقف عند حد جغرافي أو سياسي، ولا يحق لمعترض أن يعترض عليها، وأصبح البطريرك الجالس إلى يمينه بطريركًا مسكونيًّا أيضًا له حَقُّ التقدُّم على سائر البطاركة بعد بطريرك رومة.

وضاقت — لا بل تضاءلت — صلاحياتُ مجلس الشيوخ مصدر السلطة في رومة القديمة، فأضحى في هذين القرنين متفرجًا يشاهد الحوادث الجسام دون أن يكون له رأيٌ فيها، وبات الزُّرْقُ والخضر في جملة المتفرجين لا مجالس لهم ولا صلاحيات، واستبدلوا أهازيج القتال بتراتيل الصلاة، يأتمرون بإشارة البروتوبسالطي بدلًا من سيف القائد المغوار.

الفسيلفس والكنيسة

والدولة والكنيسة عند الروم شخص واحد؛ فالفسيلفس يتسلَّط على الجسم والبطريرك على الروح، ولا دولة بدون كنيسة ولا كنيسة بدون دولة،١٩ فالآباء رأوا في شخص قسطنطين الكبير حاميًا داعيًا، فمنحوه لقب «المساوي للرسل» Isapostolos، ولم يتنازل أحدٌ مِنْ خُلفائه عن هذه المنحة، ونادى أعضاء المجامع المسكونية مرارًا بالفسيلفس حبرًا أعظم Pontifex Maximus، ومن هنا نشأت — في الأرجح — هذه الامتيازاتُ الروحيةُ التي تَمَتَّعَ بها ملوكُ الروم في داخل الكنيسة كمنح ولي العهد إكليل الإكليروس، والسماح للفسيلفس بالدفاع في أثناء مسحه فسيلفسًا كأنه شماس، ودخوله إلى الهيكل من الباب الملوكي، وتناوله الذبيحة بيده على المائدة المقدسة،٢٠ واضطر الفسيلفس في بعض الأحيان أن يتخذ موقفًا معينًا من بعض المشاكل العقائدية والإدارية الكنسية، فكان يلجأُ في مثل هذه الظروف إلى دعوة المجامع المحلية أو المسكونية، فيرعاها بعنايته وينفذ قراراتها، وتَطَرَّفَ بعضُهُم ففرض الحل فرضًا كما فعل هرقل عندما تبنى القول بالمشيئة الواحدة، والفسالسة مُحاربي الأيقونات.٢١
وتدخل بعضُ الفسالسة للمحافظة على النظام وتنفيذ قرارات المجامع، فقضى أحد قوانين يوستنيانوس الكبير (٥٣٥) بأن يحافظ هو على شرف الكهنوت فيقول كلمته في انتقاء الكهنة والأساقفة،٢٢ وتدخل بعضُهُم أيضًا فقرر بعض الأعياد الكنسية، فيوستينوس الأول (٥١٨–٥٢٧) هو الذي عمم الاحتفال بعيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول، ويوستنيانوس الكبير هو الذي ثبَّت عيد دخول المسيح إلى الهيكل في الثامن من شباط،٢٣ وموريقيوس هو الذي حدد الخامس عشر من آب عيدًا لانتقال السيدة العذراء،٢٤ ويعود الفضل في الاحتفاء بعيد النبي إلياس في العشرين من تموز إلى باسيليوس الأول (٨٦٧–٨٨٦) فإنه كان شديد التعلق به والتوسل إليه،٢٥ وفي السنة ١١٦٦ جعل عمانوئيل كومنينوس الأعياد نوعين؛ منها ما تجب البطالة فيه طوال النهار، ومنها ما تنتهي البطالة فيه عند الانتهاء من خدمة القداس.٢٦
ولم تنفرد كنائسُنا بهذا التدخُّل في شئونها؛ فقد تعرضت كنيسة رومة أيضًا إلى مثل هذا التدخُّل من فسالسة الشرق وأباطرة الغرب، وهو أمرٌ معروفٌ يُجمع عليه جميعُ المؤرخين، وكما ناضلت كنيسةُ رومة في سبيل استقلالها كذلك فعلت كنائسُنا، أولم ينصح البطريرك نيقولاووس إلى الفسيلفس لاوون السادس ألا يكون عثرة في سبيل الكنيسة، وأن يتصرف بما يشرف مركزَهُ العالي، ثم لما أَصَرَّ الفسيلفس على موقفه أَلَم يمنعه البطريرك من الدخول إلى الكنيسة، والبطريرك بوليفكتوس ألم يعترض نيقيفوروس فوقاس عندما حاول الدخول من الباب الملوكي؛ لأنه تزوج من الثانية في حياة الأولى خلافًا للناموس، ثم ألم يمنع هذا البطريرك نفسه يوحنا جيمسكي من الدخول إلى الكنيسة إلا بعد أن يقوم بشروطٍ معينة، وباسيليوس البطريرك ألم يرفض المثول أمام مجلس القضاء الأعلى مصرًّا على المحاكمة أمام مجمع مسكوني، وهل ننسى ما جاء في الأبناغونة بفضل فوطيوس العظيم، فالفسيلفس — بموجب هذه المجموعة — مسئولٌ عن الجسم فقط، أما الروح فإنها برعاية البطريرك صورة المسيح على الأرض، وهذا البطريرك لا تمس كرامته، ولا يُعتدى عليه، ولا يغيب عن البال أنه كان على الفسيلفس أن يتسلم تاجه من يد هذا البطريرك، وأن يعلن موقفه من بعض الشئون الهامة إلى البطريرك قبل التتويج، وكان لهذا البطريرك سلطةٌ روحيةٌ على الفسيلفس؛ لأنه راعي النفوس، ومنها نفس الفسيلفس، ولأنه كان عراب الأمراء، وكان هو الذي يعلن شرعية ولادتهم.٢٧
وليس من العلم بشيء أن نماشي الأب مرتينوس جوجي فنلوم الكنيسة الأرثوذكسية لخضوعها إلى الفسيلفس جاعلين من هذا الخضوع نظامًا قضى بأن يكون الفسيلفس هو البطريرك Césaropapisme،٢٨ وأن نضرب — في الوقت نفسه — عرض الحائط برأي كبار رجال الاختصاص أمثال أوستروغورسكي وفزيلييف وغريغوار وديل، وغيرهم.٢٩

الإنجيل دستور الدولة

وقضت هذه الفلسفة الدينية السياسية بأن يُعترف عند الروم بقدسية الإنجيل الطاهر ووجوب تطبيق أحكامه، فأصبحت دولتُهُم ديموقراطية في تساوي أبنائها مطلقة مستبدة في تنفيذ مبادئ الإنجيل الشريف، ولم يبق فيها أَيُّ تفوُّق نظري لطبقة على سواها، وأصبح بإمكان أَوْضَع الرجال أن يتسنَّم أعلى المراتب، أولم يكن لاوون الأول لَحَّامًا ويوستينوس الأول راعيًا للخنازير وفوقاس قائد مائة ولاوون الثالث شحاذًا متسولًا وباسيليوس الأول فلاحًا ورومانوس ليكابينوس أفاقًا؟ أولم يُنعت قسطنطين الخامس بالزبلي وميخائيل الثالث بالسكير وميخائيل الخامس بالقلفاط؛ أي نقَّال البضائع؟ والفسيليسات ألم تكن إحداهن خزرية وأخرى مغنية وغيرها مروضة للدببة؟ أولم يكن عددٌ كبيرٌ منهن بنات موظفين عاديين؟!

وعملًا بتعاليم الإنجيل المقدس ترفع الفسيلفس عن الشموخ والتكبر فدعا إلى مائدته البؤساء والمتشردين، وفتح بابه لجميع الرعايا من عباد الله يلجونه أنى شاءوا، واشتدتْ عنايتُهُ وعنايةُ البطريرك أيضًا بالمرضى والمصابين والعجز، فكثرت المآوي والمياتم ولا سيما المستشفيات، وأشهر هذه المؤسسات دير الإله القوي Pantocrator الذي أنشأه يوحنا كومنينوس (١١١٨–١١٤٣) في عاصمة ملكه، وفيه مستشفًى للرجال وآخر للنساء وثالث للأمراض المعدية، وكان يؤمه طبيبٌ أستاذ وعقاقيري ورهط من الطلبة، وكان يفاخر الأستاذ الطبيب بطريقته الخصوصية في تنظيف أدوات الجراحة وتطهيرها.٣٠

وساوى الروم بين الرجل والمرأة، فكان للنساء شأنٌ كبيرٌ في الحياة الاجتماعية، وشاطرن أزواجهن السلطة في كثير من الأحيان، وشاركت الفسيلسة زوجها حق السيادة وسبقته إلى تقبل طاعة الشعب وولائه، وكان الشعب لدى خروجها من الكنيسة يهتف لها: «أهلًا بالأوغسطة المحمية من الله، أهلًا بلابسة الأرجوان، أهلًا بمحبوبة الكل.»

ولم تكن هذه الديموقراطية وليدةَ نُضج سياسيٍّ أو فلسفي، ولكنها تَأَتَّتْ بطبيعة الحال عن تَقَبُّل الإنجيل وتقبيله واتخاذه دستورًا للدولة، فالدافع نفسه الذي جعل من الفسيلفس نائبًا للمسيح على الأرض أدى إلى السعي لجعل المجتمع الأرضي مماثلًا قدر المستطاع للمجتمع الرباني، ومن هنا هذه القسوة في العقوبات عند الروم: في قطع يدي المزور وحرق المرتشي، فالقانونُ إلهي والخروج عليه خطيئة تستوجب نار جهنم!

البطريرك

وجارت الكنيسةُ الدولةَ في نُظُمها، فكانت الكنيسةُ واحدةً كما كانت الإمبراطوريةُ واحدة جامعة، وكما جاز للإمبراطورية أن يكون لها إمبراطوران أو أكثر في آنٍ واحد، كذلك جاز للكنيسة أن تخضع لأكثر من رأس واحد،٣١ وتقبَّل المجمع المسكوني الثاني (٣٨١) هذه النظرية، فأوجب في قانونه الثاني على الأساقفة ألا يَتَعَدَّى أحدُهُم على الكنائس التي تقع خارج حدود أبرشيته، وأقر في قانونه الثالث أن يكون التقدُّم «في الكرامة» لأسقف القسطنطينية بعد أسقف رومة «لكونها رومة الجديدة»،٣٢ ثم أقر المجمع المسكوني الرابع في قانونه الثامن والعشرين هذا التقدُّم في الكرامة لأسقف القسطنطينية بعد أسقف رومة،٣٣ ثم جاء يوستنيانوس الكبير يشترع فتعرف إلى بطاركة خمسة: بطاركة رومة والقسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية وأوروشليم، واعتبرهم أساس النظام والسلطة في الكنيسة الواحدة الجامعة.٣٤

الشرطنة

وهو لفظ يوناني Cherotonia ومعناها الانتخاب، وكان البطريرك يُنتخب انتخابًا، فقد قضى قانون يوستنيانوس بأن ينتخب الإكليروس ووجهاء العاصمة ثلاثة فينتقي الأسقف المشرطن؛ أي أسقف هرقلية أفضلَ هؤلاء للسدة البطريركية،٣٥ ثم حرَّم المجمعان النيقاوي (٧٨٧) في قانونه الثالث والقسطنطيني (٨٧٠) في قانونه الثاني عشر سيامة بطريرك ينفرد أمير بانتقائه، كما حرما تدخل الشعب في الانتخاب، وأصبح انتخاب البطريرك بعد هذا محصورًا في مطارنة الكرسي، وتوجب على جميع المطارنة أن يشتركوا في هذا الانتخاب، ثم جاء في كتاب التشريفات لقسطنطين السابع (٩١٢–٩٥٩) أن المطارنة ينتخبون ثلاثة ينتقي الفسيلفس أحدَهم، وأنه إذا لم يرضَ عن الثلاثة جاز له أن ينتقي رابعًا يقبل به المطارنة،٣٦ وبقي الحال على هذا المنوال حتى آخر أيام الإمبراطورية: المجمع ينتخب والفسيلفس يرقي.٣٧

التنصيب والتولية

وكان التنصيب يتم على درجتين: إعلان اسم المنتخب Menouma وحفلة التنصيب Prozlesis، وكان الفسيلفس يدعو أعضاء مجلس الشيوخ والمطارنة وعددًا كبيرًا من سائر رجال الإكليروس إلى القصر ليقول: «إن النعمة الإلهية وقدرتنا المستمدة منها تعلنان ترقية فلان إلى رتبة بطريرك القسطنطينية.»٣٨ وعندئذٍ يظهر البطريرك المنتخب ليتقبل تهاني الشيوخ والمطارنة، ثم يصار إلى تنصيبه بطريركًا في الأحد التالي في كنيسة الحكمة الإلهية، فيترأس حفلة التنصيب متروبوليت هرقلية، ويقدم له الفسيلفس العكاز والمنذية والصليب،٣٩ ويدعى بعد هذا صاحب القداسة ويخاطبه المطارنة بالعبارة: «أيها السيد الفائق القداسة»، ويوقع هكذا: «بنعمة الله أسقف القسطنطينية رومة الجديدة والبطريرك المسكوني.»٤٠

الانتقاء

وحرمت مجامع نيقية (٣٢٦) وأنطاكية (٣٤١) وسرديكة (٣٤٧) تنقُّل الأساقفة من كرسي إلى كرسي، فتعذَّر على أساقفة الكرسي القسطنطيني أن يَتَبَوَّءُوا السدة البطريركية. والواقع أنه لم يرق هذه السدة من أساقفة الكرسي القسطنطيني سوى ستة بين القرن السادس والقرن الثاني عشر، وسوى أحد عشر بين السنة ١١٦٩ والسنة ١٤٤٠. وهكذا فإن انتقاءَ البطاركة كان يتم — في غالب الأحيان — من بين الكهنة والرهبان، وآثر الأساقفةُ المنتخبون أعضاء السنودوس كهنةَ كنيسة الحكمة الإلهية على سواهم، فرقَّوا في القرون الأربعة بين السنة ٣٧٩ والسنة ٧٠٥ ثمانية عشر كاهنًا من كهنة هذه الكنيسة إلى السدة البطريركية وسبعة من كنائس القسطنطينية الأخرى وثلاثة عشر كاهنًا من كنائس آسية الصغرى وأنطاكية وأسقفًا واحدًا وعلمانيين اثنين وثلاثة رهبان. وتخرج معظم هؤلاء من مدارس القسطنطينية أو أثينة أو الإسكندرية أو أنطاكية، فتحلَّوا بالعلم العالي وبسعة الاطلاع، وما بين السنة ٧٠٥ والسنة ١٢٠٤ رقي السدة القسطنطينية خمسةٌ وأربعون راهبًا وخمسة عشر كاهن رعية، وسبعة علمانيين وستة أساقفة.٤١

صلاحيات البطريرك

والبطريرك بموجب الأبناغوغة (٨٨٤–٨٨٦) معلم الكنيسة الأكبر ومفسر عقيدتها الأوحد، وهو صاحبُ السلطة الإكليريكية العليا، ينظر في ما يستأنف إليه من القرارات فيبرمها أو يلغيها، وتمتع بموجب نص الأبناغوغة بحق الستافروبيغية؛ أي بالسلطة المباشرة على كل ما يغرز فيه صليبه في جميع الأبرشيات الخاضعة لسلطته الروحية، فزاد هذا الامتياز نفوذَه ودَخْلَه في آنٍ واحد،٤٢ وكانت قراراتُهُ thespismata نافذةً مَرْعِيَّة الإجراء في جميع أنحاء الإمبراطورية، وكانت تصدر في ظاهرها عنه وحده، ولكنه قَلَّما أقدم عليها بدون موافقة لجنة السنودوس. وكان البطريرك يدعو السنودوس بكامله إلى الانعقاد للنظر في المسائل الهامة كإعداد اعتراف بالإيمان أو النظر في قضية عقائدية أو اتخاذ إجراء إداري هام،٤٣ فلما عظم أمرُهُ وكثرتْ مشاغلُهُ وتنوعت؛ نشأ حوله — في أواخر القرن الخامس أو أوائل السادس — سنودوس دائم، شمل مطارنة الأبرشيات القريبة من القسطنطينية، وعرف بالسنودوس الإنذموسى Endemousa، وظل السنودوس الأكبر الذي شمل جميع المطارنة هو المرجع الأخير في المشاكل الهامة، وعند تأزُّم الأُمُور كان البطريرك يدعو إلى الاشتراك في أعمال المجمع الأكبر وجهاءَ الشعب وأعضاء مجلس الشيوخ، فيتحول السنودوس إلى «مجمع عام» يمثل أكبر كبراء الكنيسة القسطنطينية من إكليريكيين وعلمانيين.٤٤
وظل البطريرك صاحبَ الكلمة الأولى والأخيرة في أُمُور الليتورجية، فكان هو وحده يقر الأعيادَ الجديدةَ، ويعدِّل التقويم الكنسي، ويشرف على ممارسة الأسرار؛ بَيْدَ أَنَّ واجبه الأكبرَ قضى بالسهر على انضباط الإكليريكيين وتقديهم بالأنظمة المرعية الإجراء، فكان عليه أَنْ يقمعَ الفساد ويؤدب العصاة والمعاندين، وكان يستندُ في تنفيذِ أحكامه إلى تعاوُن وثيق مع السلطات الزمنية، وإلى امتيازات خصه بها العرف والقانون، وأهم هذه أنه كان له حقُّ الإشراف على انتخاب الأساقفة وحق الامتناع عن الاعتراف بقانونية الانتخاب، فكان الأسقف المنتخب يظل أسقفًا منتخبًا إلى أن ينال من يد البطريرك الأوموفوريون Omophorion رمز السلطة الروحية.٤٥
وكان التشريع في الأحوال الشخصية لا يزال محصورًا كغيره من أنواع التشريع في يد الإمبراطور، وكان شغل لاوون السادس (٨٨٦–٩١٢) الشاغل أَنْ يكون له ولدٌ ذكرٌ يخلفه على العرش، وماتتْ زوجتُهُ فتزوج ثانية، ثم ثالثة، ثم رابعة، غير مكترث بنصوص القانون الذي سَنَّهُ هو نفسه، فكانت مشادة بينه وبين البطريرك أَدَّتْ إلى نُزُول هذا عن كرسيه، ولكنها لم تَنْتَهِ عند هذا الحد، فالكنيسةُ أصرت على شجب الفسيلفس وتوصلت في السنة ٩٢٠ إلى إصدار قرار أَسْمَتْهُ كتاب الاتحاد Tomos Enouseous منعتْ فيه الزيجةَ الرابعة منعًا قطعيًّا، وحرمت على المتجاسر عليها الدخول إلى الكنيسة، ونعتت الزيجة الثالثة بالدناسة ومنعتها على الذين لهم أولاد، والذين يزيد عمرهم على الأربعين، ووضعت المتزوجين الزيجة الثالثة تحت قصاص الابتعاد عن المناولة خمس سنوات،٤٦ فانتصرت بذلك انتصارًا باهرًا، وبدأت تنتزع حق التشريع في أمور الزواج والأحوال الشخصية من يد الفسيلفس والسلطات الزمنية، ثم جاء البطريرك أليكسيوس الأستودي (١٠٣٨) فلم يسمح بالزواج في درجة القربى السابعة إلا بعد الندامة والتوبة،٤٧ وتبعه البطريرك ميخائيل كيرولاريوس (١٠٤٣–١٠٥٩) فحرم هذه الزيجة تحريمًا،٤٨ وأصبح التشريع في أمور الزواج بعد هذا حقًّا من حقوق الكنيسة.٤٩

البطريركية

وقام القصر البطريركي Patriarchéion إلى جانب كاتدرائية العاصمة كنيسة الحكمة الإلهية، وأَطَلَّ بواجهته الجميلة على الفوروم الأوغسطي، وحَوَى في طابقه السفلي مكتبة البطريركية وقاعتَي المحاكمة السكريتون العظمى والصغرى وقاعة السندوس، وكان يربط هذا القصر بكنيسة الحكمة الإلهية من جهته الخلفية ممرٌّ يؤدي إلى منابر الوعظ والإرشاد.

ولم تختلف الإدارةُ البطريركية في أوائل عهدها عن إدارات المطرانيات، فتألفتْ من إكليريكيين يعاونون الأسقف في القيام بواجباته الطقسية وفي قضاء حاجاتِ الشعب الخاضع لسلطته، ثم تطورتْ ظروفُ أسقف القسطنطينية، فأصبح بطريركًا ثم بطريركًا مسكونيًّا، فتنوعت الواجبات وتعددتْ، وكثر عددُ الموظفين وتفاوتوا في الأهمية، فأصبحوا طبقات. ويقدر العلماءُ عدد الإكريكيين في البطريركية القسطنطينية في هذا العهد الذي نحن بصدده بحوالي خمسمائة، كما يرجحون أَنَّ عدد كبار الموظفين لم يتجاوز الخمسة والأربعين موظفًا، ويرون أن أهم هؤلاء كانوا خمسة: السنكلوس والإيكونوموس والسكيلاريوس والسكيفوفيلاكس والخرتوفيلاكس.

أما السنكلوس Sugkellos فإنه كان في البدء أمين سر البطريرك، وموضع ثقته فيه ومعاونه الأول في الإدارة، وعظم أمره فاعتبر — في غالب الأحيان — وريث البطريرك وخليفتَه، فرقي السدة البطريركية بين عهد يوحنا القبدوقي (٥١٨) وعهد ميخائيل كيرولاريوس (١٠٤٣) ثلاثة عشر سنكلوسًا،٥٠ وتدخل الإمبراطور بانتقاء السنكلوس، وتمت ترقيتُهُ إلى منصبه في قصر الإمبراطور،٥١ ومنح مرتبة خصوصية في التشريفات الإمبراطورية، وتقدم على المطارنة٥٢ وعهد إليه بمهمات سياسية،٥٣ فأصبح رجل الإمبراطور في البطريركية، ثم تطورت الظروف، فمنح الإمبراطور هذا اللقب المطارنة المقربين، فنشأتْ مشادةٌ بينهم وبين زملائهم الذين لم يحملوا هذا اللقب؛ انتهت بشغب يوم عيد العنصرة في كنيسة الحكمة الإلهية في السنة ١٠٢٩، فظهر عندئذٍ لقب البروتوسنكلوس.٥٤
وعُني الأيكونوموس Oikonomos بتدبير مصالح البطريركية المادية، وكان عليه أَنْ يفتش الأوقاف ويَجْبِيَ دَخْلَها، وكانت هذه الأوقافُ كثيرةً متنوعة، منها الأراضي الزراعية والقرى والأديرة، وتَوَجَّبَ على الأيكونوموس أن يتسلم المعونات السنوية من صُندوق الدولة، وأن يُشرف على إنفاقها.٥٥
وسكيلاريوس الإمبراطور هو حارس السكليون Sakellion أي أمين الصندوق، أما سكيلاريوس البطريرك فإنه كان ناظر الأديرة وحافظ النظام فيها.٥٦
وحفظ السكيفوفيلاكس Skeuophylax الأواني المقدسة والبدلات الحبرية وكتب الخدمة المقدسة، وأعد كل ما لزم لخدمة القداس، ومن هنا اهتمامه بالقمح والخمر والزيت والشمع وما نتج عن ذلك من مشاكل، ولا يخفى ما وصلت إليه الأواني المقدسة من ترصيع وتزيين وتجميل وما حوته البدلات الحبرية من جواهر.٥٧
ويُستدلُّ من أعمال المجامع أن الخرتوفيلاكس Chartophylax كان في القرنين السادس والسابع مدير محفوظات البطريركية وأمين مكتبتها،٥٨ ثم أصبح في القرن التاسع أكبر كبراء البطريركية وأقرب المقربين إلى البطريرك، يحل محله عند الحاجة وينفذ القانون باسمه،٥٩ ونراه في القرن الحادي عشر مسيطرًا على جميع أعمال البطريركية مقدمًا على المطارنة في التشريفات الملكية؛ «لأنه فم البطريرك ويمينه»،٦٠ وشملت المحفوظات التي تولى حفظها القوانين الملكية والأحكام البطريركية واعترافات الأساقفة بالإيمان وأعمال المجامع المسكونية والمحلية ولوائح الأساقفة. وكانت هذه الأوراق جميعها تختم بخاتم البطريرك وتوقع بتوقيع الخرتوفيلاكس. وقضى الواجبُ أن يعنى الخرتوفيلاكس بجميع الكتب الكنسية والمحافظة على سلامتها، ومنع كل دس فيها ومقابلتها عند الاقتضاء بغيرها وترجمتها،٦١ وتنوعت أعمالُهُ الإداريةُ واتسعت صلاحياته، فكان عليه أن يحقق في كل ترقية إكليريكية قبل السماح بها، وكان عليه أيضًا أن يُشرف على انتخابات الأساقفة، وأن يُراقب جميعَ كهنة القسطنطينية ورهبانها، وكان يجلس للنظر في سلوك الإكليريكيين فارضًا الندامة والتوبة ومهددًا بالقطع إذا قضت الظروفُ بذلك، وكان يفصل في دعاوى الزواج والطلاق. وكان عليه — بالإضافة إلى هذا كله — أن يَفُضَّ جميع الرسائل الموجهة إلى البطريرك المسكوني، وأن يقترح أجوبتها، ولم يستثن من هذه سوى رسائل البابا والبطاركة.٦٢
وشملت الحاشية البطريركية موظفين آخرين أبرزهم آمر السكليون؛ أي السجن البطريركي، وله حق الإشراف على كنائس القسطنطينية والرفرنداريوس Referendarius ناقل رسائل البطريرك إلى القصر الملكي والمنذاتون Mondaton معلن الطقوس اليومية، والأيبوميمنسكون Hypomimneskon معادل الميستيكوس في القصر والأيرومنمون Hieromnemon المشرف على فرز الأصوات في الانتخابات الواقف وراء البطريرك يوم التتويج، وأساتذة المدرسة البطريركية وأمين الإنجيل والواعظ ومفسر الأسفار المقدسة، ومن هؤلاء الموظفين الكاتاستاسيوس المراقب العام في الخدمة الإلهية والبروتوباباس معاون البطريرك في الهيكل، والبروتوبسالتيس المرتل الأول والنوميكوس مدير الموسيقى.

الأساقفة

وبينهم المطارنة في مراكز ولايات الدولة ورؤساء الأساقفة في مناطقهم المستقلة والأساقفة في المدن وأمهات القرى، وكان البرديوت «الإكليريكي الزائر» قد حلَّ محل الخوراسقف.

وقضت قوانين يوستنيانوس بأن ينتخب الأسقف انتخابًا، وبأن يشترك في هذا الانتخاب إكليروس الأبرشية ووجهاء المركز، فيتفقون على ثلاثة ينتقي الأسقف المشرطن أَلْيَقَهم، وكان هذا الأسقف المشرطن إما متروبوليت الولاية أو البطريرك أو ممثله. وقضت هذه القوانين أيضًا بأن يكون المرشح قد أكمل الخامسة والثلاثين من العمر، وأن لا يكون قد تزوج مرتين، وألا تكون زوجتُهُ قد ترملتْ من قبل،٦٣ وجاز انتخابُ العلمانيين لهذه الدرجة شرط التدرُّج في مدة من الزمن لا تقل عن ثلاثة أشهر،٦٤ وتَوَجَّبَ على المرشح أن يكون عالمًا مطلعًا، وأَنْ يَتَمَكَّنَ من الإجابة عن الأسئلة التي يوجهها إليه الأسقف المشرطن.٦٥ وأوجب الآباءُ في مجمع نيقية الثاني على المرشح لدرجة الأسقفية أن يُعيد المزامير عن ظهر القلب،٦٦ وحُرمت السيمونية تحريمًا واعتُبر العاطي والآخذُ مشتركين في الجرم.٦٧
وظل هذا التشريعُ نافذًا طوال قرون متتالية، فقد ورد بتمامه في بروخيرون باسيليوس الأول (٨٧٨)،٦٨ وجُلُّ ما أُضيف إليه أن آباء مجمع نيقية الثاني أوجبوا خلع الأسقف الذي يصل إلى كرسيه بتدخل علماني،٦٩ وأن آباء المجمع الخامس السادس حرموا العيشة الزوجية، وأوجبوا على كل إكليريكي متزوج يصل إلى رتبة الأسقفية أن يبتعد عن زوجته فيدخلها ديرًا بعيدًا عن مركز عمله.٧٠ وألغى لاوون السادس القانون الذي منع انتخاب أسقف أبي ولد شرعي وسمح للأساقفة بإعالة ذويهم المعوزين،٧١ وحرم وصول عبد آبق إلى الكرسي وأوجب إعادته إلى سيده.٧٢
وحاول الأباطرةُ التدخُّل في الانتخابات، وتدخلوا، ولكن الكنيسة قاومتهم مقاومة عنيفة، فالبطريرك تراسيوس حارب تدخُّل الفسيلفس في السنة ٧٩٠ في انتخاب أسقف أماستريس ولم يعترف إلا بمرشح الشعب والإكليروس،٧٣ وكان نيقيفوروس فوقاس قد أَصْدَرَ قانونًا قضى بوجوب موافقة الفسيلفس على ترشيح الأسقف، فهبَّ بوليفاكتوس البطريرك يحاول إلغاء هذا القانون، فاستغل ظروف يوحنا جيمسكي وأكرهه على الإلغاء،٧٤ وفي السنة ١٠٧١ ألغى السنودوس انتخابَ أسقف برناسوس بعد أن ثبت تدخُّل الفسيلفس.٧٥
ولم يحصر القانون حق الترشيح، بل أَبَاحَهُ لجميع الإكليريكيين على السواء،٧٦ ولكن ظروف الإكليريكيين المقربين من البطريرك والمطارنة عاونتهمْ على الوُصُول إلى الكرسي الأسقفيِّ أكثر من غيرهم، وكاد التشريحُ ينحصر بعد أوائل القرن الثامن برؤساء الأديار وكبار الرهبان، ثم قدمت السلطات الروحية شمامسة الكرسي البطريركي ومُتَخَرِّجِي المدرسة البطريركية وأساتذتها على غيرهم، فتميز رهطٌ من الأساقفة بعلمهم وثقافتهم أمثال يوحنا مفروبوس أسقف أفخايتة وثيوفيلاكتوس أسقف أوخريدة وأفستاثيوس أسقف ثسالونيكية، ولم يقتصرْ في الترشيح على الرهبان إلا بعد القرن الرابع عشر.٧٧

واجبات الأساقفة وامتيازاتهم

وقضى القانونُ والعرفُ والتقليد على الأسقف بأن يكون نبيل النفس حُرَّ الخلال محمود الشمائل، وقورًا محترمًا، وأن يخضع لرئيسه متروبوليت الولاية، وأن يبقى في أبرشيته فلا يبرحها إلا لضرورة، وأن يكرس وقته للوعظ والإرشاد، وألا يطمع في المال ويجمعه لنفسه. وكان مطلق السلطة في المسائل الإكليريكية،٧٨ معفى من معظم الضرائب غير خاضع لسلطة الوالدين،٧٩ لا يطلب للشهادة أمام المحاكم إلا بإذن الفسيلفس،٨٠ وكان حُرَّ التصرُّف بأمواله الشخصية التي توفرت لديه قبل السيامة، أما دخله بعد السيامة فإنه اعتبر مالًا كنسيًّا لا يجوز إنفاقه بصورة شخصية،٨١ وحرم على الأسقف تعاطي الأعمال المدنية كجباية الضرائب وتصفية الثروات وقبول الوصاية،٨٢ ولكنه تَوَجَّبَ عليه الإشرافُ على اقتصاديات الأسقفية والمؤسسات الخيرية الخاضعة له.٨٣

الكهنة

وظل هؤلاء متزوجين — كما جرت العادة من قبل — وحرمت القوانين انفصالهم عن زوجاتهم، وأُجيز لهم في أواخر القرن التاسع الزواجُ حتى نهاية السنة الثانية بعد الرسامة، ثم جاء لاوون السادس فأبطل هذا التوسع.٨٤
واحتفظت كنيستنا بالشماسات قرونًا طوالًا، وفرضت عليهن شروط بولس الرسول في رسالته الأُولى إلى تيموثاوس: «لا تكتتب في عِداد الأرامل إلا التي لها ستون سنة على الأقل، ولم تتزوج إلا مرة واحدة، ويشهد لها بالأعمال الصالحة بأن تكون قد أحسنت تربية أولادها وأضافت الغرباء وغسلت أقدام القديسين وأمدت المتضايقين وسعت في كل عمل صالح.» (٥ : ٩-١٠)، ولكنهن بقين غير إكليريكيات لا يحق لهن الوعظ أو ممارسة الأعمال الكهنوتية، واكتفين بمعاونة الكهنة فكن يرأسن تعميد النساء ويعلمن الموعوظات ويراقبن النساء المؤمنات في الغونايكيون gunaikeion (مد النساء) في أثناء القُدَّاس الإلهي، وكُنَّ أيضًا يتفقدن المرضى والمصابين، وكان قانونُ يوستنيانوس قد قضى بعد قبولهن بهذه الدرجة قبل الخمسين، وبوجوب محافظتهن على الآداب والوقار، فإذا ما أجحفن بالنذر فحدن عن السيرة الحسنة أو تزوجن عُوقبن بالموت،٨٥ ثم لطَّف هذا القانون في عهد باسيليوس الأول وقبلن شماسات في الأربعين من العمر،٨٦ وما فتئن يعملن في حقل الرب حتى القرن الثالث عشر، وزالت الحاجةُ إلى تعميد النسوة، وأصبحن كلهن معمَّدات في الصغر، فزال السببُ الرئيسي لوجود الشماسات وانقطعت أخبارهن.٨٧
وكانت القوانينُ المدنية والكنسية قد ميزت الكهنة بما يزيدهم وقارًا واحترامًا؛ باللحية واللباس الخصوصي وشارة الصليب على القلنسوة لكبرائهم في ثسالونيكية، وبصيانتهم وعدم الاعتداء عليهم وبإعفائهم من بعض الضرائب، ومن السخرة والخدمة العسكرية، وبحصر النظر في دعاويهم أمام محاكم الأساقفة. وكان قد أبيح لهم العمل لتأمين الرزق، فمنعهم لاوون السادس من معاطاة المحاماة وغيرها من الأعمال المدنية، وحَرَّمَ عليهم العمل بالأجور كإدارة الأملاك.٨٨

الرهبان

ولعب الرهبان دورًا هامًّا في الكنيسة والدولة، ولم ينتموا — بادئ ذي بدء — إلى طغمة الإكليروس، وإنما اعتُبروا علمانيين مربوطين بنذر وجب القيام به على أكمل وجه بإشراف الأساقفة، ثم تدرج بعضهم في سلم الكهنوت وبقي معظمهم علمانيين، فعرف الإكليريكيون منهم بالرهبان المقدسين hieromoines. ثم تكاثر هؤلاء المقدسون فعظُم شأنهم، وما فتئوا يتقدمون حتى احتكروا الكرسي الأسقفية.
وعرف الروم نوعين من الترهُّب: الشرقي والباسيلي، وتَمَيَّزَ التَّرَهُّبُ الشرقيُّ بالتأمُّل والانفراد، فكان الراهب منفردًا منعزلًا monos monomakos يعيش في صومعة مقفلة egkleistoi أو على عمود stulites أو على شجرة dendrites، وجاء القديس باخوميوس في القرن الرابع فجمع هؤلاء الزهد حول دير معين يعيشون فيه مجتمعين، وتكتل النساك في فلسطين، فعاشوا في صوامعَ قريبة، واشتركوا في مائدة واحدة وصلاة واحدة مرة في الأسبوع،٨٩ أما الطريقة الباسيلية فإنها تميزتْ بالعيشة المشتركة والعمل المشترك والطاعة، ووافقت هذه الطريقة ظروفَ المناطق اليونانية في آسية وأوروبة فانتشرت انتشارًا واسعًا، وقامت الصوامعُ والأديارُ في كُلِّ مكان، وأشهرُها أديرةُ جبل القديس أوكسنديوس وجبل أوليمبوس في بيثينية وجبل آثوس في شبه جزيرة خلقيذية وجبل الميتيورة في ثسالية.

وحدد القديس باسيليوس ساعات الصلاة والدرس والعمل والأكل والنوم وعين نوع اللباس وتفاصيله، واكتفى بعدد محدود من الرهبان في الدير الواحد ونهى عن الكثرة، وصعب الخروج من الدير والدخول إليه، وأوجب الطاعة الكاملة للرئيس.

وأقبل الناس على الترهُّب جماعات واندفعوا في سبيل الرهبنة وانفردوا في تأسيس الأديار فأحدثوا بلبلة وتشويشًا، فاتخذ المجمع المسكوني الخلقيدوني (٤٥١) قراراتٍ منعت تأسيس الأديار قبل موافقة الأسقف صاحب العلاقة، وأوجبت إقامة الرهبان في الأديار وعدم خروجهم منها بدون إذن الأسقف، كما أوضحت أن واجب الرهبان الأول هو الصوم والصلاة في الأديرة، وحرمت على العبد تقديم النذر بدون موافقة سيده، كما منعت الزواج بعد تقديم النذر.

وجاء يوستنيانوس (٥٢٧–٥٦٥) فاشترع قوانينَ اعترف بها بقدسية الحياة الرهبانية، ثم اتخذ من مبادئ القديس باسيليوس الكبير وقرارات المجامع أساسًا للتنظيم، فمنع إنشاء الأديرة في أية أبرشية قبل موافقة أسقف هذه الأبرشية وبركته،٩٠ وأوجب إحاطة الدير بسور ومراقبة بابه،٩١ وحرم بعد ذلك انطلاق الرهبان «التائهين» الذين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخرَ مستعطين خبزهم اليومي، وأبعد أديرة الراهبات عن أديرة الرهبان وفرق بين الأسكيتيرية asketeria أديرة التائبات وأديرة الرهبان،٩٢ وجعل على كل دير رئيسًا بلقب أيغومينس hegoumenos، ومعناه المدير أو أرشمندريت archimandrites ومعناه حارس الحظيرة،٩٣ ومنح الراهبات حق انتخاب هذا الرئيس، وأوجب خضوعهم للتفتيش، فكان على البطريرك أن يُوفد أكسرخوسًا لهذه الغاية مسلحًا بالتعليمات البطريركية اﻟ Entalma.٩٤
ولم يتعرضْ يوستنيانوس لنُظُم الرهبان الداخلية، فكان على المؤسس أن يذكر أَهَمَّهَا في تيبيكيون Typikon التأسيس، وكان للرئيس والأسقف حق الإضافة والتعديل، وواظب الرهبانُ منذ عهد القديس باسيليوس الكبير على صلوات الساعات السبع بما فيها من صلوات الميسونوكتيكون Mesonuktikon وصلوات الأورثروس Orthros، وكان من حسن حظ كنيستنا أن أوجب القديس سابا بالتيبيكون تقدُّم اللغة اليونانية على السريانية والعربية، فأكره الرهبان السريان والعرب أَنْ يشتركوا في ليتورجية الكنيسة الكُبرى بعد إقامة الصلاة بلغتهم في الكنائس الصُّغرى، فظلت كنيستنا — بفضل هذا التدبير — على صلةٍ وثيقة بكنائس اليونان واللاتين، وتسنى لها متابعةُ الفكر الكنسي الجامعي والاشتراك فيه، وقضى هذا التيبيكون أيضًا بأن يكون الأيغومينس يونانيًّا، أو في الأرجح متهلنًا يُجيد اللغة اليونانية.٩٥

ودافع الرهبانُ دفاع الأبطال عن الأيقونات، فذاقوا الأمرَّين في عهد قسطنطين الخامس (٧٤٠–٧٧٥)، ثم انتصروا فعادوا إلى سابق عزهم وسطوتهم، فحاول البطريرك القسطنطيني نيقيفوروس الأول (٨٠٦–٨١٥) أن يحد من غلوائهم، ثم جاء الفسيلفس نيقيفوروس فوقاس (٩٦٣–٩٦٩)، فمنع إنشاء الأديرة الجديدة وتوسيع القديمة، ولكن الفسيلفس باسيليوس الثاني (٩٧٦–١٠٢٥) ألغى هذه الأحكام، فعاد الرهبان إلى سابق عهدهم.

القديس ثيودوروس الأستودي (٧٥٩–٨٢٦)

وأدى هذا التضييقُ الشديدُ على الرهبان إلى تفكيرٍ جِدِّيٍّ في الرهبنة والترهب، وقام في الجبل المقدس نفسه في جبل أوليمبوس من دعا إلى الإصلاح والتجدد، فظهر — بادئ ذي بدء — القديسُ يوانيكيوس الكبير الذي اشتهر بالفضيلة والتقوى، وأسس في أوليمبوس ثلاثة أديار كانت حياته المثلية فيها أكبرَ رادع عن الشر وأَشَدَّ دافع للخير، وهو الذي علمنا أن نقول: «الآب رجائي والابن ملجائي والروح القدس وقائي، أيها الثالوث القُدُّوس المجد لك.»٩٦
وظهر أيضًا ثيودوروس المعترف الأستودي، أبصر النور في القسطنطينية في السنة ٧٥٩، ونال حظًّا وافرًا من التربية الصالحة والعلوم الفلسفية، ثم عافتْ نفسه الدنيا وما فيها في الثانية والعشرين من عمره، فلجأ وجماعة من رفاقه إلى عقار له في السكوذيون في جبل أوليمبوس، ووضع نفسه ورفاقه تحت تصرُّف خاله القديس أفلاطون الذي كان قد سبقه إلى العُزلة والتأمُّل في دير السكوذيون، ونذر ثيودوروس نفسه فبهر أقرانه بالتقوى والصلاح والمحافظة على التقليد الرهباني، فرقاه البطريرك تراسيوس في السنة ٧٨٤ إلى رتبة الكهنوت. وألمَّ بخاله مرضٌ عضالٌ، فأوصى بانتخابه رئيسًا على دير السكوذيون، فأصبح هيغومينًا في السنة ٧٩٤.٩٧
وقام ثيودوروس بأعباء الرئاسة بجِدٍّ ونشاط وغيرة وتَفانٍ، فقدس نفسه قبل تقديس غيره واحترم القوانين ليحترمها غيرُهُ، فسطعت الحياةُ الرهبانية في السكوذيون بكل سناها، وكان خطيرَ النفس رفيع الأهواء فصبا إلى إصلاح كامل يشمل الحياة الاجتماعية بأسرها، فطالب بتطبيق المبادئ المسيحية في جميع النواحي، وقال باستقلال الكنيسة وحريتها في انتخاب أساقفتها، وأوجب مكافحة السيمونية، وخلع من رشا للوصول إلى الكرسي، ومحاربة من لم يحترم الأيقونات ومن غالط في العقيدة وأنب كل تهتك دنس.٩٨
واتخذ ثيودوروس موقفًا حازمًا من الفسيلفس قسطنطين السادس؛ لتشبثه في تطليق امرأته الشرعية ثيوذورة، فنفي إلى تسالونيكية هو ورهبانه في السنة ٧٩٥، ثم أعادته إيرنية في السنة ٧٩٧، ثم أقلق المسلمون البلاد وظهرتْ طلائعُ جيوشهم في بيثينية، فرحل ثيودوروس وجماعتُهُ في السنة ٧٩٩، واستقروا في دير الستوذيوس Stoudios في القسطنطينية،٩٩ فأم الرهبان هذا الدير من كل حدب وصوب حتى فاق عددُهم الألف،١٠٠ ولم ينعم ثيوذوروس براحة البال طويلًا؛ فإن لاوون الخامس الأرمني (٨١٣–٨٢٠) أثار على الكنيسة والرهبان حربًا أليمة سبقت الإشارة إليها، واضطهد هذا الفسيلفس ثيوذوروس ورهبانه بأنواع منوعة من الإهانة والسجن والنفي، ومات لاوون فقضى ثيوذوروس البقية الباقية من حياته في ديره مطمئنًا متفرغًا للإرشاد والإصلاح، ورقد بيسوع شيخًا طاعنًا سنة ٨٢٦.
وقسم ثيوذوروس العمل الرهباني إلى دوائرَ معينة، وأقام على رأس كل دائرة قيمًا جعله مسئولًا عن عمله فيها، وحدد ثيوذوروس الواجبات في هذه الدوائر المختلفة ونظمها نظمًا؛ ليسهل على الرهبان حفظُها. ثم اشترع قانون عقوبات لمن خالف هذه القوانين، ودعا الرهبان إلى اجتماعٍ عامٍّ ثلاث مرات في الأسبوع ليعظهم في التقوى والطاعة وضبط النفس والاندفاع في سبيل العمل المشترك، ودونت هذه الإصلاحات في مصنفاته، ولا سيما الكاتيكيسيس Katekesis الصغير بعظاته المائة والأربع والثلاثين،١٠١ والكاتيكيسيس الكبير بأقسامه الثلاثة وعظاته السبع والسبعين،١٠٢ وقد خلَّد شخصيته في رسالته إلى تلميذه نقولاووس، فلتراجعْ قبل غيرها،١٠٣ وأما التيبيكون الذي يُعزى إلى القديس ثيودوروس فإنه في الحقيقة تطبيقٌ معدل الأنظمة الأستودية في أديرة مختلفة.١٠٤
وتتجلى مبادئ ثيوذوروس في تيبيكون دير الإفرجيتيس Evergestis الذي أُنشئ في القسطنطينية في أوائل القرن الحادي عشر، فقد حدد هذا التيبيكون كيفية الترتيل والتكريس والتطهير، وبيَّن ساعات الصلاة في الليل والنهار وأوجب إقامة القداس الإلهي يوميًّا. وأجاز المناولة ثلاث مرات في الأسبوع للرهبان المقدمين ومرة واحدة في الأسبوع لسائر الرهبان. وأوجب الاعتراف قبل المناولة وحصر حَقَّ استماع الاعتراف برئيس الدير وحده، وقضى عليه بوجوب الإصغاء مرتين في النهار: في الصباح وبعد العشاء. وسلطة الرئيس بموجب هذا التيبيكون واسعةٌ مطلقةٌ، وعلى الرهبان أن يحترموا هذا الرئيس ويطيعوه طاعة تامة، وهو يعين رؤساء الدوائر دونه، وأهم هؤلاء الأيكونوموس Oeconomos وهو القهرمان ويمين الرئيس وقد يخلفه في الرئاسة، وهنالك السكيفوفيلاكس Skeuophylax وهو أمين الكنيسة والذوخياريوس Dochiarios وهو أمين الصندوق وضابط اللوازم والإبيستيمونارخوس Epistemonarchos وهو الناظر المحافظ على النظام والترابيزاريوس Trapezarios وهو مدير المائدة ورئيس الطهاة والخبازين، وعلى الرهبنة أن تحتفل بعيد تأسيسها وبذكرى المحسنين إليها، وعليها أيضًا أن تؤوي المسافرين والمرضى، فتنزلهم عندها وتُعنى بهم.١٠٥
١  Gelzer, H., Genesis der Byzantinischen Themenverfassung, 8; Canard, M., Dynastie, des Hamdanides, I, 718-719.
٢  Canard, M., op. cit., I, 741–747.
٣  Philipson, A. E., Byzantinische Reich, 173.
٤  Canard, M., op. cit., I, 800–803.
٥  Schlumberger, G. Nicéphore, op. cit., 730–733; Canard, M., op. cit., I, 831–838. الزبدة لكمال الدين بن العميد «مجموعة كنار، ص٤١٩–٤٢٤».
٦  Eutichius, Ann., II, (Yahya b. Said), 134-135.
٧  Eutichius, Ann., II, (Yahya b. Said), 138.
٨  Eutichius, Ann, II, (Yahya b. Said), 145-146.
٩  Laurier, E., Chronique de Matthieu d’Edesse, 16–24; Georges Hamartolus Continuator, 865.
١٠  Eutichius, Ann, II, (Yahya b. Said), 150–154.
١١  Eutichius, Ann. II, (Yahya b. Said), 177.
١٢  Ibid.
١٣  Dolger, Reg., 788; Schlumberger, G., Epop., II, 201–208.
١٤  Echos d’Orient, 1934, 136.
١٥  Guerdan, R., Grandeurs et Misères de Byzance, (Paris, 1954), 1–5; Ensslin, W., Emperor and Imperial Administration, Byzantium, (Oxford 1953), 273 ff.
١٦  Eutichius, Ann., II, (Yahya b. Said) 183.
١٧  زبدة الحلب لابن النديم، ص٦٦.
١٨  الأعلاق النفيسة لابن رستة، ص١٢٣–١٢٦.
١٩  Epanagoge, II-III; Treitinger, O., Ostromische Kaiser, 158-159.
٢٠  Bréhier, L., Institutions, 432.
٢١  Ibid., 432–435.
٢٢  Linginthat, Z., Nov, Just., 16 Mars, 535.
٢٣  Leclercq, H., Dict. Aech, Chrét., XII, 910–916, XIV, 1720.
٢٤  Dolger, Reg., 147.
٢٥  Theophanes Cont, V, 8.
٢٦  Dolger, Reg., 1466.
٢٧  Dolger, Reg., 823; Grumel, Reg. I, 830.
٢٨  Jugie, M., Schisme Byzantin, 3–10.
٢٩  Ostrogorsky, G., The Byzantine State, 214-215, 217–219 n. 1; Grégoire H., The Byzantine Church, Byzantium, 129-130; Diehl, C., Problémes de l’Histoire Byzantine, 59–61.
٣٠  Oeconomus, L., Les Oeuvres d’Assistance et les HÔpitaux Byzantins; Codellas, S., The Pantocrator, Bull, Hist. Med., 1942, 392–410.
٣١  Bréhier, L., Institutions, 447.
٣٢  Mansi, III, 559.
٣٣  Mansi, VII, 428-429.
٣٤  Lingenthal, Nov., Just., 109, 123, 131.
٣٥  Lingenthal, Nov., Just., 174.
٣٦  Vogt, A., Livre des Cérémonies, II, 14, (1040–1048).
٣٧  Codinus, LV, 20 (101-102), Symeon de Thessalonique, 224.
٣٨  Vogt, A., op. cit., II, 14, (1044).
٣٩  Ibid., II, 14 (1040–1048) 38 (1177).
٤٠  Bréhier, L., Investiture des Patriarches de Constantinople, Misc, Merca, III, 3658, ff.; Laurent, Byzantion, 1929, 629–631.
٤١  Bréhier, L., Institutions, 482–486.
٤٢  Lingenthal, Nov. Leon VI 31 ff.; Mitard, Mélanges Diehl, I, 220.
٤٣  Grumel, Reg., 805, 839.
٤٤  Acte Synodal de Georges Xiphilin, 1191, éd. Papadopoulos kerameus, Byz. Zeit., 1902, 75 ff.
٤٥  Chrysanthos, Hist. of the Church of Trebizonde, 178; Concile de Constantinople, 870, Canon 12; Monnier, H., Les Novelles de Léon le Sage, 34-35.
٤٦  Grumel, Reg, 669.
٤٧  Grumel, Reg, 844, 845, 847.
٤٨  Lambros, Byz. Zeit., 1896, 565.
٤٩  Brehier, L., Institutions, 492.
٥٠  Athenagoras, Ann. Soc. Etudes Byz., IV, 1928, 9-10.
٥١  Constantin VII, Ceremoniis, éd, Reiske, II, 5.
٥٢  Athenagoras, op. cit., 12–14.
٥٣  Ibid., 25 ff.
٥٤  Grumel, Les Metropolites Syncelles, Et. Byz., 1945, 92 ff.; Athenagoras, op. cit., IV, 31 ff.
٥٥  Grumel, Reg. 768-769, 772, 774; Dolger, Reg., 1956; Codinus, ps., Officialibus, éd. Will, I, 23.
٥٦  Codinus, ps., Officialibus, I, 25-26; Siméon de Thessalonique, Sacri ord., 242 (461).
٥٧  Codinus, op. cit., I, 25-26; Siméon de Thess., op. cit., 242 (461); Athenagoras, op. cit., IV, 4-5.
٥٨  Dvornik, Légendes 53; Mansi, VIII, Col. 1035, X, Col. 1000, XI, Col. 214–216.
٥٩  Fortescue, Dict, Arch. Chrét. III, Col. 1015.
٦٠  Dolger, Reg., 1175; Nicole, Byz. Zeit, 1894, 19.
٦١  Beurlier, Bull. Soc. Aniiq. Fr., 1895, 92-93; Balsamon, Meditations, P. G., Vol. 104, Col. 1083.
٦٢  Fortescue, op. cit. Col. 1017; Grumel, Reg., Preface, XII.
٦٣  Nov. Jus. 6 (535), 123 (546).
٦٤  Nov. Jus. 123 (546).
٦٥  Nov. Jus. 6,8.
٦٦  Mansi, XIII, Col. 417-418.
٦٧  Nov. Jus. 6, 9.
٦٨  Prochiron de Basile, éd, Lingenthal, 28, 155–160; Vast, H., le Cardinal Bessarion, 272.
٦٩  Mansi, XIII, Col. 419–422.
٧٠  Mansi, XI, Col. 945–948, 965.
٧١  Léon VI, Nov. ed, Lingenthal, 16-17; Monier, H., Les Nov. de Léon le Sage, 173.
٧٢  Monier, H., op. cit., 66.
٧٣  Vie de Saint Georges d’Amastris, 15–20.
٧٤  Dolger, Reg. 723, 726; Schlumberger, G., Epopée, III, 16-17.
٧٥  Kougeas, Melanges Sp. Lambros, 574–579.
٧٦  Nov. Jus., 6 (535).
٧٧  Bréhier, L., Institutions, 511-512.
٧٨  Epanagoge Basilii, VIII, 1 (77); Vogat. A., Basile I, 273.
٧٩  Prochiron de Basile éd. Lingenthal, XXVI, 78 (145).
٨٠  Barhebraeus, III, 1.
٨١  Prochiron de Basile, XXIV, 1 (133).
٨٢  Epanagoge Basilii, IX, 1.
٨٣  Ibid., IX, 9.
٨٤  Nov. Léon VI, éd. Lingenthal, 3, 79; Monier, H., Nov. de Leon, 24.
٨٥  Nov. Jus., 6 (535), 123 (546).
٨٦  Vogt, A., Basil I, 279-280.
٨٧  Balsamon, P. G., Vol. 137, Col. 442, Vol. 138, Col. 987; Blastares, P. G., Vol. 119, Col. 1272.
٨٨  Nov. Leon, 86; Spulber, C., Etudes de Droit Byzantin, Nov. 86, 288.
٨٩  Besse, dom, Les Diverses Sortes de Moines en Orient avant le Concile de Chalcédoine, Rev. Hist. Relig., vol. 40, 159 ff.; Jerphanion, G., La Voix des Monumenls, II, 111 ff.
٩٠  N. J., 67 (538).
٩١  N. J. 5 (535).
٩٢  C. J., I, 3, 43 (529).
٩٣  Dict. Arch. Chrél., I, Col. 2739.
٩٤  N. J. 133 (539).
٩٥  Dimitrijevskij Travavx de l’Aacademie de Kiev, 1890; Kurtz, Byz. Zéit., 1894, 168–170; Laures Palestiniennes, Dict. Arch. Chrét. IX, 1966–1976.
٩٦  Van Den Gheyn, Acta Sanct. Boll. Nov., 325–371.
٩٧  Vie de Saint Théodore, P. G. Vol. 99, Col. 236–241, 248-249; Dvornik, F., Legendes, 115; Marin, Saint Théodore, 24-25.
٩٨  Berhier, L., Institutions, 541.
٩٩  Delahaye, H., Stoudion-Studios, Analecta Bollandiana, 1934, 64; Janin, Les Eglises du Précurseur a Const., Echos d’Or., 1938, 319.
١٠٠  Delahaye, H., Byz. Monasticism, Byzantium. 148-149.
١٠١  Théodore le Studite, P. G., Vol. 99, Col. 509–688; Van Der Vost, La Pétite Catéchèse de Saint Théodore, Anal. Boll., 1914, 31.
١٠٢  Gardner, Alice, Theodore of Studium, His Life and Times, 78 ff; Cozza Luzi, Nava Patrum Bibliotheca, IX, 1–217.
١٠٣  Gardner, A., op. cit., 71–74.
١٠٤  P. G., Vol. 99, Col. 1703–1720.
١٠٥  Delahaye, H., Byz. Monasticism, Byzantium. 150–152, Vréhier, L., Institutions, 542–545.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١