الفصل الثالث عشر

العميان

figure
لبيتر بروجيل الأكبر، رسمها سنة ١٥٦٨م، وهي محفوظة في المتحف الوطني بمدينة نابولي.

بيتر بروجيل الأكبر أو الأول، الذي يُلَقَّب كذلك باسم بروجيل الفلاح أو الريفي (وإن لم يشتغل بالزراعة أبدًا!) كان من أعظم مصوري المناظر الطبيعية، وأهم رسام ساخر أنجبته هولندا (الأراضي الوطيئة) بعد هيرونيموس بوش (من حوالي ١٤٥٠م إلى ١٥١٦م). لا تُعْرَف سنة مولده على وجه التحديد، ولكن يُحْتَمل أن يكون قد وُلد بين سنتَي ١٥٢٥ و١٥٣٠م، وذلك قياسًا على تاريخ انضمامه إلى اتحاد الفنانين في أنتفيرب سنة ١٥٥١م، وسفره بعد ذلك مباشرةً إلى فرنسا وإيطاليا وصقلية. زار روما سنة ١٥٥٣م ثم رجع إلى وطنه عن طريق جبال الألب التي أثَّرَت مناظرها عليه تأثيرًا هائلًا تشهد عليه اللوحات التي رسمها في طريق عودته، وسجَّلت تطوُّر أسلوبه في تصوير المناظر الطبيعية، وإن لم يبدُ عليها مع ذلك أي أثر للفن الإيطالي، وبعد عودته إلى بلده بدأ يرسم على طريقة «بوش» ويتناول نفس موضوعاته. يرجع أول رسم معروف له إلى سنة ١٥٥٣م، وقد أبدع في السنوات العشر أو الاثنتَي عشرة الأخيرة من حياته أشهَر لوحاته التي صوَّرَ فيها بأسلوبه المتناهي في الدقة موضوعاتٍ دينيةً داخل مناظر طبيعية رحبة غنية بالتفاصيل، عبَّرَ فيها عن اهتمامه بالعادات الريفية وسخريته بمباذل القرويين ورذائلهم وأخطائهم «البريئة» من سُكر ونَهَم وجشع وبُخل … إلخ. ممَّا يُفيض على صوره المبكِّرة طابع الرسائل الأخلاقية، ويؤكد شعوره العميق بالطبيعة ووحدة الإنسان والبيئة (مثل صورته عن سقوط الملائكة المتمردين)، وقد ذهب بعض النقاد إلى أن صورته عن «مذبحة الأبرياء» تُعبِّر عن احتجاجه على مظالم الحكم الإسباني لبلاده، وأن رحيله من «أنتفيرب» إلى بروكسل (حوالي سنة ١٥٦٣م) كان بسبب خوفه من التعرض للاضطهاد.

أما هذه الصورة التي رسمها للعميان الستة فهي آخر ما رسم في حياته، ولعلها تحمل تحذيرًا للمبصرين بأنهم لمسوا خيراتهم، وأن البشر يسقطون دائمًا في حفر الطريق حتى تبتلعهم حفرة القدر أو الموت، وأن الفنان الملهم يمكن أن «يرسم» وصيته ونبوءته للأجيال …

(١) فالتر باور (Walter Bauer) (١٩٠٤م–…)

وُلد الشاعر الألماني في ميرزيبورج على نهر الزاله لأب من الطبقة العاملة، واشتغل بالتعليم بين سنتَي ١٩٢٩ و١٩٣٩م عندما استُدعِي للخدمة العسكرية بعد اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية. هاجر إلى كندا سنة ١٩٥٢م، وجرَّبَ حظَّه في أعمال مختلفة حتى انتهى به المطاف إلى التدريس بجامعة تورنتو. اهتمَّ في إنتاجه الروائي والقصصي بحياة الفنانين الكبار؛ فقد كتب روايةً عن فان جوخ، وقصصًا عن جورجونه ومايكل أنجلو ورمبرانت، وسيرةً ذاتية عن مايكل أنجلو، ومقالات عن جويا وكاسبار دافيد فريدريش، كما نشر مجموعات شعريةً وتمثيليات إذاعية وكتبًا للأطفال. يلاحظ القارئ أن المقطع الثاني من القصيدة يستعرض أعمال بروجيل الأساسية في لمحات سريعة لا تخفى على عارفيه ومحبي فنه. ويقول المؤلف إن عشقه للرسم والرسامين منذ طفولته لا يقل قوةً عن عشقه للأدب، وإنه شاهد صورة «العميان» في شبابه — سنة ١٩٢٥م — عند زيارته للمتحف الأهلي في نابولي، وكان في ذلك الحين يعمل على سفينة بضائع، فأحسَّ وهو في الجنوب بأنه يرى صورة الشمال في هؤلاء العميان …

«العميان»

موكب ستة عميان يخترق الصورة،
ينحدر إلى أسفل، السقوط حتمي؛
فالأعمى يتبع أعمى، لا بد من أن يسقط.
اليوم بديع، لكن ما نراه هو السقوط.
تلك هي الصورة، وهي وصية؛ فالكلمات الأخيرة
تُكتب وتُوقَّع في النهاية لا في البداية.
بعدها مباشرةً يموت بروجيل، سنة ١٥٦٩م.
في زمن جمع رفاقًا من أصحاب الرؤية؛
رابليه، مونتني، شكسبير.
وكذلك كان بروجيل، صاحب رؤية.
كان الزمن يصر بين القديم والجديد،
ويصمِّم وسط الخوف والجوع
على أن يجد المجهول.
لكن سبقت صورة العميان أشياء أخرى؛
بروجيل بأكمله وسجل أعماله في «الفلاندر»،
في العالم كله
سقط إيكاروس، دون أن ينتبه إليه أحد،
والنهار الساطع لم تعكِّر صفوه بقعة واحدة.
برج بابل يرتفع كما ترتفع الأشجار
إلى السماء،
لكن الفنان حريص أن يمنعها من ذلك.
الصلب يبدو كأنه عيد شعبي، لا في أي مكان،
بل في منطقة «فلاندر»،
لكن من يدركه الموت لا يشعر به أحد.
وكذلك اغتيال الأطفال، وتعداد السكان على عهد أغسطس،
وكل شيء يتم فوق الأرض الشبعى والممتلئة؛
تبرير «بروجل» في منطقة فلاندر،
حتى لو كانت ثم تلال وجبال،
فالرسام قد أزاحها وحاكى فعل الخالق،
فصول السنة تتبادل الأدوار طول العام،
الثمرة تحظى بالرعاية،
وقشرة القمح الذهبية تنزعها الأيدي،
وفي الظهيرة يتمدَّد الحصادون تحت الشجر.
نوفمبر يشهد رجوع الأبقار إلى البيت،
الصيادون والكلاب يفرحون بالدفء،
وأيام الشتاء تصبح في عيون الأطفال ربيعًا ثلجيًّا،
والنهر طريقًا باردًا تُخشخش عليه الأقدام.
الفلاحون يرقصون رقصًا مدويًا كالرعد،
الأرائك تلتوي، والناس يملئون البطون
ويتلمَّظون، ويتقيَّئون، ويفكون الحزام.
هذا هو العالم. حسن أن يكون وأن يكون كذلك.
واليوم الحاضر يقع بين الأمس والغد،
حتى حين تسوَد السماء وتصبح إسبانية،
وتتدحج الرءوس (إجمونت وهورن).
وكل شيء أحمق، والكل باطل؛
لأن كل شيء حياة، لعب من لعب الأطفال،
جاد وبلا ضحكات،
أمثال يتبعها كل إنسان،
وإن كان الكل يعرفها على حقيقتها،
لكن المعرفة لا تُعين؛ فالكل أسير القيد،
والكل سجين أو مشنوق.
المتخمون كسالى من أثر التخمة،
في أرض الأحلام.
و«جربته المجنونة»١ وصاحباتها لا يتردَّدن
في نهب الجحيم نفسه.
شياطين مساكين، اخترمهم الجوع،
النهم المحسوس لا يعرف حدًّا يتوقَّف عنده.
ثم يجيء الموت، أسراب من الموت،
عجز وسقوط، جثث، عفن، نصر أسود
سوَّى بين جميع الناس.
سَمِّه الحصاد.
كل هذا هو سجل «بروجيل» في منطقة فلاندر،
في العالم.
وذات يوم جميل، في فلاندر الجميلة،
والسماء تكسوها زُرقة خفيفة،
يتخلَّلها نور ناعم،
والأرض ساكنة حتى لتسمع صوت الثمرة
حين تسقط وتلمس الأرض،
تراهم قادمين، ستة شحاذين،
ستة عميان يسحبهم أعمى،
كل يوم، وكذلك في هذا اليوم،
وهم يثقون به ثقةً عمياء، كما يثقون ببعضهم.
واليد التي يضعها كلٌّ منهم على كتف صاحبه،
— نشعر بها وإن كنا لا نراها —
تربطهم بالدفء والأمان.
إنهم يثقون بأولهم في الصف؛ فالظلمة في عينَيه
تعني البعد الأبعد.
الدفء كذلك يعني القرية،
والريح هي الأفق الحر،
والمطر هو الخطر المحدق والثلج،
والعالم برد وسكون،
لكنهم يثقون فيه،
وكأنه يبصر ما لا يُبصرون. بيد أنه لا يرى؛
ولذلك يسقط فجأة.
الرطوبة معناها: جدول،
لكن سقطته أعمق. وهنا تبدأ الدورة من جديد؛
الثاني قد أفلتت منه العصا،
فانهار عليه وجرَّ الثالث معه،
والثالث لم يعرف بعد، وهو يحاول أن يعرف:
شيء قد حدث … فما هو هذا الشيء؟
ما أيسر هذا الأمر على المبصر.
والذي يمشي وراءه ويضع يده على كتفه،
ها هو ذا يتوقَّف، يتردَّد، يتفكَّر:
إني لأحس بحركة، والحركة تسحبني،
آه، كم يتمنَّى أن تخرج عيناه الخاويتان من الرأس
لكي ينظر … لكن هل يقدر؟!
والأمر كذلك بالنسبة للخامس منهم والسادس؛
فكلا الرجلَين يُحس الأمن، ولا يكترث كثيرًا،
والرسالة لم تبلغهما بعد، لكن السقوط
سيكون من نصيبهما.
الموجة تنسكب وتنداح من الأول للسادس،
تنمو، تتمدَّد في الظلمة من أولهم للآخر.
وكل شيء يتم في هدأة السكينة،
في يوم جميل، سكنت فيه الأرض،
والذين يمشون في النور ويرَون في النور
حالهم أفضل (مع ذلك يتمنَّى الإنسان
أن يعرف إن كان المبصرون يرَون أكثر ممَّا يرَون)،
ينتشر سكون شامل. والثمرة تسقط فوق الأرض
فتُسمع. لكن سقوط العميان على الأرض
لم يزعج راحة هذا اليوم.
الأرض تسمع ولا ترى. أم تراها تفعل؟
فترى العميان الذين يسوقهم أعمى
يسقطون دون أن تتحرَّك أو تتأثر.
صبرًا صبرًا؛ فسوف ينهضون من سقطتهم،
ويتمالكون أنفسهم، وينفضون الغبار عن ملابسهم،
ويواصلون مسيرتهم في الظلام …

(٢) إريش لوتس (Erich Lotz) (١٨٩٦–١٩٧٣م)

وُلد في مدينة دورتموند، ومات في توبنجن. كان أبوه جزارًا، وفقد بصره في الحرب العالمية الأولى، ولكنه تعلَّم مع ذلك رؤية الصور بخياله وتدريب ذاكرته على الاحتفاظ بالانطباعات الصورية. درس اللاهوت وقضى عشرين سنةً من عمره في التعليم بالمدارس العليا، ثم كُلِّف بالتدريس بجامعة هامبورج إلى أن تفرَّغ للتأليف والكتابة الحرة. ماتت زوجته فانطوى على نفسه ولحق بها بعد موتها بأربعة أيام. نشر عدة مجموعات شعرية ومقالات وذكريات عن شبابه، وقد ظهرت هذه القصيدة عن عميان بروجيل في ديوانه «والليل يسطع كالنهار» الذي صدر سنة ١٩٥٧م بمدينة توبنجن عن دار النشر هليوبوليس.

«بروجيل: أمثولة العميان»

الجرس يُجلجل في أرجاء البيت،
والرعب يرج فؤاد الليل الساكن.
وعلى مضض يجفو النوم جُفوني.
في الحلم رأيت الصورة،
آخر صور الرسام بروجيل:
نحو الموت الداهم تتعثر أقدام رجال ستة.
الكريات بتجويف الأعين جوفاء،
بغير بريق،
وشعاع الحب كذلك مُطفَأ،
والكل تشبَّث بقضيب وتحسَّس وجهة دربه.
سقطوا في قبضة قدر أعمى،
واندفعوا في الليل الأعمى.

(٣) كارلو كاردونا (١٩٥٠–١٩٧٣م)

وُلد الشاعر الإيطالي في بلدة فوريو، ومات بمدينة نابولي. كان أبوه من العمال، واتجه في شعره إلى ما يُسمَّى بالشعر المُجَسَّم الذي كان أحد رواده ومؤسسيه. ويلاحظ القارئ أن أصحاب هذا الاتجاه يهتمون بتشكيل كلمات القصيدة على الصفحة تشكيلًا يساعد على إبراز جوها وإيقاعها وانطباعها العام، بحيث يؤثر على العين بجانب تأثيره على الوجدان والعقل.

«عميان بروجيل»

على
اليسار
تترك الكنيسة
أعمى يتمسَّك
بعصا أعمى،
يتشبث بجسد أعمى،
يتمسك بعصا أعمى،
يتشبث بجسد أعمى،
يسقط في أرض عمياء
بغير قرار.
١  نسبةً إلى شخصية محبوبة في الأدب الشعبي الألماني خلَّدها غوته في مسرحيته الكبرى فاوست.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤