الفصل الخامس عشر

الربيع

(١) الربيع لساندرو بوتيتشيللي (Sandro Botticelli) (١٤٤٥–١٥١٠م)

وهو من أبرز المصوِّرين في فلورنسا في أواخر القرن الخامس عشر إن لم يكن أعظمهم تأثيرًا. يُحتَمل أن يكون قد تعلَّم على يدَي فرافيليبوليبي (١٤٠٦–١٤٦٩م)، ومن المؤكَّد أنه تأثر بالأخوَين أنطونيو وبييروليولا يولو (اللذَين كانا يديران أنجح ورشة فنية في فلورنسا، وأقدرها على استخدام الأساليب العلمية في الرسم والنحت والحفر والتصميم وصياغة الذهب). وأنه وهو الذي رسم لوحة الشجاعة حوالي سنة ١٤٧٠م لتُضاف إلى مجموعة اللوحات الست عن «الفضائل» التي رسمها بييرو (وهي محفوظة في متحف الأوفيتسي). وقد تميَّزت تلك اللوحة بواقعيتها الشديدة على خلاف لوحاته الأخيرة التي ابتعدت تمامًا عن الواقعية، واكتست غِلالةً شاعرية ودينية رقيقة صافية، مثل لوحته الوحيدة التي تحمل توقيعه، وتعدُّ آخر لوحة مؤرَّخَة له، وهي «الميلاد المعجز» (١٥٠٠م، المتحف الأهلي بلندن)، ونلمس فيها آثار الأزمة الدينية التي اشتعلت في أواخر القرن الخامس عشر، وانعكست على موقفه الغامض من الراهب الثائر سافونارولا، وتوجيه تهمة اللواط إليه. ويكفي أن نتأمَّل صورتَيه الشهيرتَين اللتَين تجدهما هنا عن «الربيع» و«مولد فينوس»، لنرى امتزاج الأسلوب القديم في اختيار الموضوعات الأسطورية بالمعاني والرموز المسيحية، مع التعبير عن العاطفة، بالاعتماد على الخطوط في تحديد معالم الأشكال، ممَّا يلخِّص الاتجاه العام للتصوير في القرن الخامس عشر. وقد رسم بوتيتشيللي هاتَين اللوحتَين الشهيرتَين لأحد أفراد عائلة «الميديتشي» التي كانت تحكم فلورنسا، وتدين لها النهضة الإيطالية المبكِّرة بفضل رعايتها، ولكننا لا نكاد نعرف شيئًا عن علاقته بهذه العائلة أو بدوائر الإنسانيين الكبار في تلك الفترة النادرة التي تُشبه المنارة الصغيرة السابحة فوق بحار ظلمات التاريخ البشري.

لقي بوتيتشيللي النجاح والشعبية، وجمع ثروةً كبيرة من لوحات العذراء «المادونا» ذات الوجه الحنون الرقيق، التي راح ينتجها بأعداد كبيرة. ولكن شهرته بدأت في الأُفول بعد سنة ١٥٠٠م، ولم تستطع الصمود في وجه الأفكار الجديدة والأساليب المبدعة التي ظهرت على المسرح بظهور ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو. ولسنا نعرف شيئًا عن السنوات العشر الأخيرة من حياته، خصوصًا بعد إنجاز لوحته سابقة الذكر عن «الميلاد المعجز» حوالي سنة ١٥٠٠م، ويبدو أنه كان قد تردَّى في حالةٍ بالغة السوء تمخَّضت عن عدد من اللوحات عن «التقوى» أو «الرحمة» (البييتا) اضطرب فيها أسلوبه إلى حدٍّ هستيري. وربما يغفر له هذه السقطات الأخيرة تلك الرسوم الرائعة التي أبدعها قبل ذلك (حوالي سنة ١٤٩٠م) لدانتي شاعر الكوميديا الإلهية، وكشفت عن حساسيته وشفافية أسلوبه ورقته وحنانه.

(٢) مانويل ماتشادو (Manuel Machado)

وُلد الشاعر الإسباني الكبير في إشبيلية سنة ١٨٧٤م، ومات في مدريد سنة ١٩٤٧م. كان أبوه من أهل العلم. درس الفلسفة واشتغل بالصحافة. أسَّس مع شقيقه أنطونيو منذ سنة ١٩٢٢م اتجاهًا غنائيًّا في المسرح الشعري. وهو شاعر وكاتب مسرحي. ظهرت قصيدته عن صورة الربيع لبوتيتشيللي في ديوانه «أشعار» الذي صدر سنة ١٩٤٠م في بارثيلونا، ص١٥٥، وقد كتب القصيدة سنة ١٩١٠م.

«الربيع»

آه من هذه التمتمة الهامسة الغائمة
للروعة الأولى!
من نشوة قبلة شاب
لم يزل يغالب الحياء!
آه من قلة الخبرة بأول عناق!
ستصحو من نومك والحب
يداعب قلبك بين أغانٍ
ونسائم رطبة،
وستبكي بغير هم ولا حزن،
وتعاني المرض الإلهي
الذي يُشبع الروح.
أول بادرة تنبئ بزهور البرتقال،
ملك، طفل، أنثى.
والعيون المثقلة بالشهوة،
سكرى بالنوم تسيل رطوبة،
حين تتصاعد العُصارات المذهلة،
ووجوه على شكل اليوسفي،
حيية كالزهور في الشمس،
ذهبية مُحمَرة،
في مروج الربيع،
التي تضحك من النشوة والبهجة.

(٣) أليكس جوتيلنج (Alex Gutteling) (١٨٨٤–١٩١٠م)

شاعر هولندي وُلد في بلدة فونوسوبو في جزيرة جاوه، ومات في مدينة «دريبرجن» بهولندا. تتلمذ على الشاعر الهولندي أ. فيرفي الذي تأثر بالحركة الرمزية، وكان من مُريدي الشاعر الرمزي الكبير ستيفان جئورجه. وقد ظهرت قصيدته عن ربيع بوتيتشيللي مع مجموعة أشعاره التي عُني بنشرها أستاذه فيرفي على أثر وفاة الشاعر في سن مبكرة، وصدرت سنة ١٩١١م في أمستردام.

«الربيع»

في غابة الحنين التي تنمو فيها
أشجار الزيتون شاحبة الظلال،
تسطع أشكال نساء جميلة
وإن تكن رقيقةً محزونة.
فينوس الحبلى تتفكَّر وتنظر بعيدًا،
لكن لا تكاد تُبصر ربات الحنان النحيلات،
آه ويصوِّب «آمور» رب الحب
أول سهم يتعلم منه الإنسان
أن عليه يومًا أن يطلب حظه من البهجة،
وأن حلم الشباب لا يمكن أن يدوم.
وهنالك يأتي الربيع صافيًا متسربلًا بالمروج،
وزفير١ يحاول أن يمسك بعروسه،
فتفلت وتضحك منه في حياء.
وعلى العشب، حيث بدأت تسطع الزهور،
يقف «هيرميس» بصندله المُجَنَّح،
وكما يسرع في سيره ستمر سريعًا كل هذه السعادة.

(٤) دانتي جابرييل روسيتي (Dante Gabriel Rossetti) (١٨٢٨–١٨٨٢م)

شاعر ورسام ومترجم، اشتهر بتأسيس جماعة السابقين على رافائيل التي تخيَّرت نماذجها المثلى من الفنانين الإيطاليين المبكِّرين، وقد تأسَّست هذه الجماعة من الشعراء والفنانين سنة ١٨٤٨م. وكان من أهم أعضائها هولمان هنت وج. أ. ميلليه. وكان روسيتي يستوحي رسومه بنفسه ويكتب القصائد في وصفها … ظهرت هذه القصيدة «من أجل الربيع لبوتيتشيللي» في الجزء الأول من أعماله الكاملة، لندن، ١٩٠٦م، ص٣٥٢.

«لأجل ربيع ساندرو بوتيتشيللي»

بأي موكب لأي رأس سنة قديمة
جفَّفتها الريح،
تحتفي هذه السيدة؟
فلورا٢ التي يُسعدها الوضع الوشيك،
وتزيِّنها الأزهار،
أورورا وزفير٣
يتشابك شعرهما الرفاف
وهما يقتربان،
وحلقة ربات الرقة والحنان
توشك أن تهيم في قوس الأذرع البيضاء،
وهيرميس، ذو الصندل المُجَنَّح في قدمَيه،
هو الرسول الذي يعلن عن إرادة الآلهة.
عارية كما وُلدت، لم تصبح بعدُ عاريةً عري الموت.
تقف جذوع الأشجار الشابة سامقةً
كأنها أعمدة في معبد هذه السيدة.
فوق رأسها إله الحب «آمور»
يطلق سهامه.
أيكون السر هنا هو سر العرفان أم الأمل؟
وكيف يقدِّم الجواب ربيع ميت؟
بل كيف تقدِّمه هذه الأقنعة
لرأس السنة الجديدة التي جفَّفتها الريح؟

(٥) بوزيتر لند (Boseeter Lind) (١٩٢٣م–…)

شاعر سويدي، وُلد في فاكسيوه. درس الفلسفة واللاهوت والأنثروبولوجيا، ونشر دواوين عديدةً بجانب الروايات والقصص وكتب الرحلات والمسرحيات الدينية. رأى صورة بوتيتشيللي سنة ١٩٦٣م، وكتب القصيدة في السنة نفسها، وقد ظهرت مع قصائد أخرى في ديوانه الذي صدر سنة ١٩٦٤م في استوكهولم، ص٢٦.

«ربيع بوتيتشيللي»

من ينظر في عينيك،
يرى في عز النهار السماء المرصعة بالنجوم
فوق محجرَيك،
يرى شبكة النور الدقيقة
التي تلتقط الليل.
من ينظر في عينَيك،
يسبر أغوار المستقبل،
وفي منتصف النهار يرى الليل،
الذي تتجمَّع فيه النجوم الأزلية
في لغة واحدة يقرؤها القلب،
يرى الجواب الذي تدخرينه
في انتظار الإظلام المطبق.
آه أي أبعاد،
أي دروب نائية،
سيكون على عينيَّ أن تجوباها في عينَيك!
مجرات نجوم لا نهائية،
بقع ضبابية،
طرق لبنية مستعصية،
يشعها القلب في فضائه الكوني!
من ينظر في عينَيك،
يتبع الدروب التي كتبها القدر على العين،
يرى رحلة البشرية في الزمان
نحو صورة النجم المستيقظ
في ضوء النهار.
١  أي الريح الغربية.
٢  ربة الأزهار وملكة النبات.
٣  ربتا الفجر والريح الغربية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤