الفصل الثالث والعشرون

تحذير أبوي …

figure
الصورة لجيرارد تيربورش (Gerard Terbursh) (١٦١٧–١٦٨١م)، وهو رسام هولندي تميَّز بتصوير الوجوه (البورتريه)، ومناظر الحياة العائلية بأسلوب رقيق يتسم بدقة معالجته للألوان والأضواء، واهتمامه برسم الثياب الحريرية والقطنية والعناية بتفاصيل الثنيات والانكسارات وملامح الوجوه التي ينبعث منها سحر يشبه سحر الدمى والعرائس.

كان أبوه رسامًا قليل الشأن. دفعه نبوغه المبكر إلى التنقل بين مدن وبلاد مختلفة، فعاش في أمستردام وهارلم — حيث كان «رمبرانت» و«هالز» يصنعان مجدهما — وزار إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، وأُتيحت له فرصة التعرف على كِبار فناني العصر مثل رمبرانت وهالز وفيلا زكويز وبيرنيني الذين لم يؤثِّروا في فنه تأثيرًا يُذكر. أشهر لوحاته هي لوحة «السلام في مونستر» التي يُصوِّر فيها أهم الشخصيات التي التقت في هذه المدينة الألمانية لتوقيع معاهدة فيستفاليا (١٥ مايو ١٦٤٨م) التي وضعت نهايةً لحرب الثلاثين المدمرة.

(١) فرانس فرايهيرفون جودي (Franz Freiherr Von Gaudy) (١٨٠٠–١٨٤٠م)

وُلد الشاعر الألماني في مدينة فرانكفورت على نهر الأودر (بجمهورية ألمانيا الديمقراطية) ومات في برلين. ينحدر من أصول اسكتلندية، وكان أبوه قائدًا بالجيش. درس في الكلية الفرنسية، ثم في مدرسة البلدية في مدينة «بفورتا». عمل ضابطًا بالجيش البروسي، ثم لم يلبث أن اعتزل الخدمة العسكرية سنة ١٨٣٣م. كتب الشعر والقصة القصيرة. وقد ظهرت قصيدته هذه عن لوحة جيرارد تيربورش «تحذير أبوي» في المجلد التاسع من مؤلفاته الكاملة التي نشرها أ. مولر، وصدرت في برلين سنة ١٨٤٤م وذلك مع مجموعة أخرى من القصائد التي استوحاها من صور وأعمال فنية ص١٠–٨٥.

«تحذير أبوي»

الفارس يسند ظهره على كرسيه المريح،
الساق على الساق، والقبعة على حِجره.
العاصفة التي اختزنها من وقت طويل
تنطلق على رأس ابنته.
«هل ظننت، لأنني سكت،
أن من الممكن أن يضحك أحد عليَّ؟»
أيًّا ما كان الأمر،
أنا لم أعد أصبر على هذا.
من هذا الرقيع الذي يُمثِّل دَور الراعي
أمام بيتي اثنتَي عشرة مرةً كل يوم؟
وعلى نحوٍ مزرٍ يقلب عينَيه
ويطرف بهما نحو مخدعك؟
هذا الذي تحالف مع القطط
ليفسد نومي كل ليلة؟
تهزين رأسك؟ ألم تسمعي شيئًا؟
حتى الموتى أيقظهم صوته.
ما اسمه؟ هل تعترفين؟
ماذا يبغي الوقح المدلَّل؟
تهزين رأسك؟ لم تريه؟
صاحب الشارب الكبير؟ أبدًا أبدًا؟
من كان ذلك الشاب
الذي سلَّمك الخطاب في الكنيسة؟
تهزين رأسك؟ لم تقرئي شيئًا؟
وتصوَّرت أن أباك نائم على أذنَيه؟
ولماذا لا تلبسين ثياب البيت؟
هل سيمر النبيل «بارت» الآن؟
تهزين رأسك؟ ليكن في علمك
أن الثوب الحرير لا يُلبَس إلا في الأعياد.
يحتبس صوت الأم فتُخفي أنفها
في الكوب وهي تتمتم بالدعوات.
وترشف نبيذ الراين من الكأس
قطرةً قطرة كأنه دواء.
الأم الشابة خجلى، أُقسم على هذا،
وقد رشاها العاشق المتيَّم من زمن طويل؛
لأن من يريد إغواء الابنة
يجد من الحكمة أن يبدأ بالأم.
تختنق العذراء وتنشج باكية،
تنظر للأرض وتسكت مهما قال الأب.
هل تُجدي الموعظة وتُثمر؟ أرجو هذا،
لكن في رأيي لن يتغيَّر شيء!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤