تَعْلِيمُ الْأُمَرَاءِ

كَانَ لِلْأَسَدِ، مَلِكِ الْغَابَةِ، ابْنٌ وَحِيدٌ، فَلَمَّا طَوَى السَّنَةَ الْأُولَى مِنْ عُمُرِهِ السَّعِيدِ، رَأَى وَالِدُهُ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِلْبَدْءِ فِي تَثْقِيفِهِ تَثْقِيفًا يَلِيقُ بِوَلِيِّ عَهْدِهِ، وَفَكَّرَ الْمُسْتَشَارُونَ أَوَّلًا فِي أَنْ يَعْهَدُوا بِهَذِهِ الْمَهَمَّةِ إِلَى الْخُلْدِ لِمَا لَهُ مِنَ الشُّهْرَةِ الذَّائِعَةِ فِي حُبِّ النِّظَامِ وَالتَّرْتِيبِ، وَالتَّأَنِّي وَالتَّرَيُّثِ فِي كُلِّ أَعْمَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ، حَتَّى قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَأْكُلُ حَبَّةَ حِنْطَةٍ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَظَافَتَهَا، ثُمَّ عَدَلُوا عَنْهُ لَمَّا تَذَكَّرُوا أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدْرِكَ إِلَّا مَا يَقَعُ تَحْتَ أَنْفِهِ، وَأَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى إِدْرَاكِ مَا هُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ، خُصُوصًا لِأَنَّ مَمْلَكَةَ أُسَامَةَ١ تَخْتَلِفُ عَنْ بَيْتِ الْخُلْدَانِ٢ اتِّسَاعًا وَرَحَابَةً، ثُمَّ فَكَّرُوا فِي النَّمِرِ؛ لِرَشَاقَتِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَشَجَاعَتِهِ، وَبَرَاعَتِهِ فِي فُنُونِ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَلَكِنَّهُمْ عَدَلُوا عَنْهُ لِرُعُونَتِهِ، وَلِقِلَّةِ إِلْمَامِهِ بِالْأُمُورِ السِّيَاسِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَالْإِدَارِيَّةِ.

وَعَلِمَ الْعُقَابُ — مَلِكُ الطُّيُورِ — بِالْخَبَرِ، فَتَقَدَّمَ لِيَتَوَلَّى أَمْرَ تَرْبِيَةِ وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَابْتَهَجَ مَلِكُ الْغَابَةِ بِهَذَا التَّوْفِيقِ الْحَمِيدِ؛ إِذْ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَفْضُلَ مَلِكَ الطُّيُورِ فِي تَعْلِيمِ وَلِيِّ عَهْدِ مَلِكِ الْحَيَوَانَاتِ؟ وَهَكَذَا صَدَرَ الْأَمْرُ بِإِرْسَالِ وَلِيِّ الْعَهْدِ إِلَى مَسْكَنِ الْعُقَابِ لِيَتَهَذَّبَ تَهْذِيبًا يَلِيقُ بِمَلِكِ الْغَابَةِ.

وَمَرَّتْ بِضْعُ سَنَوَاتٍ، وَأَكْمَلَ وَلِيُّ الْعَهْدِ تَعْلِيمَهُ، وَعَادَ إِلَى وَالِدِهِ الْمَلِكِ، وَدَعَا الْمَلِكُ شَعْبَهُ الْمُتَعَطِّشَ إِلَى رُؤْيَةِ وَلِيِّ الْعَهْدِ الْمَحْبُوبِ، وَعِنْدَمَا اجْتَمَعَ كُلُّ الشَّعْبِ، ضَمَّ ابْنَهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا وَلِيَّ عَهْدِي الْمَحْبُوبَ! إِنِّي قَدْ دَنَوْتُ مِنَ الْقَبْرِ، وَأَرْغَبُ فِي أَنْ أُسَلِّمَكَ صَوْلَجَانَ مَمْلَكَتِي، فَقُلْ لِي أَمَامَ رَعِيَّتِنَا؛ كَيْفَ تَنْوِي أَنْ تَسُوسَ هَذَا الشَّعْبَ الْحَبِيبَ؟

وَقَالَ وَلِيُّ الْعَهْدِ: يَا أَبَتِ الْعَظِيمَ، إِنِّي تَعَلَّمْتُ مَا لَمْ يَتَعَلَّمْهُ سِوَايَ مِنْ أَفْرَادِ شَعْبِنَا الْمُجْتَمِعِ أَمَامَنَا هُنَا؛ ولذا تَرَانِي مُلِمًّا بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ طُيُورِ السَّمَاءِ مِنَ الْغِذَاءِ، فَأَنَا أَعْلَمُ مِنْ سِوَايَ بِمَا يَأْكُلُهُ كُلُّ جِنْسٍ مِنْهَا، وَعَدَدُ الْبَيْضَاتِ الَّتِي يَبِيضُهَا، وَإِنْ شَاءَ اللهُ وَتَبَوَّأْتُ الْعَرْشَ — بَعْدَ عُمُرِكُمُ الطَّوِيلِ — فَإِنِّي أَنْوِي أَنْ أُعَلِّمَ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْغَابَةِ، كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَبْنِيَ أَعْشَاشَهَا وَأَوْكَارَهَا …

١  عَلَم جنس للأسد.
٢  أو مناجذ جمع «خلد» من غير لفظه، والخلد من القواضم يعيش تحت الأرض، وليس له عينان ولا أذنان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠