الْحَصَاةُ وَالْمَاسَةُ

سَقَطَتْ مَاسَةٌ ثَمِينَةٌ مِنْ قِلَادَةٍ كَانَتْ فِي عُنُقِ صَاحِبَتِهَا الْعَظِيمَةِ، وَبَقِيَتْ مَطْمُورَةً فِي الْأَرْضِ بَيْنَ الْحَصَى وَالتُّرَابِ زَمَنًا طَوِيلًا، إِلَى أَنْ عَثَرَ عَلَيْهَا جَوْهَرِيٌّ كَانَ سَائِرًا فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى الْمَلِكِ وَبَاعَهُ إِيَّاهَا، فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِوَضْعِهَا فِي أَظْهَرِ مَكَانٍ مِنْ تَاجِهِ.

وَاتَّصَلَ بِحَصَاةٍ كَانَتْ تَرْقُدُ بِجَانِبِ هَذِهِ الْمَاسَةِ خَبَرُ مَا أَدْرَكَتْهُ جَارَتُهَا الْمَاسَةُ مِنْ حَظٍّ سَعِيدٍ، فَهَزَّهَا سُرُورُ الْأَمَلِ بِبُلُوغِ مَا بَلَغَتْهُ جَارَتُهَا السَّابِقَةُ، وَقَالَتْ لِأَوَّلِ عَابِرِ سَبِيلٍ رَأَتْهُ مُتَّجِهًا نَحْوَ الْعَاصِمَةِ: «أَيُّهَا الْمُوَاطِنُ الْعَزِيزُ! أَرْجُوكَ أَنْ تَمُدَّ يَدَكَ وَتَلْتَقِطَنِي، وَتَحْمِلَنِي مَعَكَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنِّي سَئِمْتُ طُولَ الرُّقَادِ هُنَا فِي أَحْضَانِ الْوَحْلِ وَالتُّرَابِ، فَقَدْ كَانَتْ تَرْقُدُ فِي جِوَارِي حَصَاةٌ مِثْلِي، بَلْ أَصْغَرُ مِنِّي حَجْمًا، وَوَقَعَ عَلَيْهَا نَظَرُ فَاضِلٍ مِثْلِكَ، فَالْتَقَطَهَا وَحَمَلَهَا إِلَى قَصْرِ الْمَلِكِ حَيْثُ نَالَتْ حُظْوَةً (مَنْزِلَةً) فِي عَيْنَيْهِ، فَبَلَغَتْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْعِزِّ وَالْجَاهِ وَالسُّؤْدَدِ، أَرْجُوكَ يَا سَيِّدِي، وَأَسْتَحِلُفَك بِكُلِّ عَزِيزٍ لَدَيْكَ، أَنْ تُسَاعِدَنِي عَلَى الْوُصُولِ إِلَى جَلَالَةِ الْمَلِكِ؛ لِأَنِّي وَاثِقَةٌ مِنْ أَنِّي سَأَنَالُ حُظْوَةً فِي عَيْنَيْهِ كَمَا نَالَتْ تِلْكَ الْحَجَرَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي كَانَتْ جَارَتِي.»

•••

فَالْتَقَطَهَا الرَّجُلُ شَفَقَةً عَلَيْهَا، وَوَضَعَهَا فِي جَيْبِهِ إِلَى أَنْ بَلَغَ بِهَا الْمَدِينَةَ، وَكَانَتْ كُلَّ الْوَقْتِ تُعَلِّلُ نَفْسَهَا بِحَلَاوَةِ الْأَمَلِ بِقُرْبِ بُلُوغِهَا مَنْزِلَةَ صَدِيقَتِهَا الْقَدِيمَةِ فِي تَاجِ الْمَلِكِ، وَلَكِنَّ الَّذِي وَقَعَ كَانَ غَيْرَ مَا تَوَقَّعَتْ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَمَلَهَا أَلْقَى بِهَا إِلَى حَيْثُ بَقِيَتْ إِلَى أَنْ وُضِعَتْ فِي الْمَوْضِعِ اللَّائِقِ بِهَا فِي رَصْفِ الطَّرِيقِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤