أَبُو خَالِدٍ السَّخِيُّ

وَرَقَدَ أَبُو خَالِدٍ١ عِنْدَ كُدَاسِ قَتٍّ٢ يَنْعَمُ بِمَا مَلَأَ بِهِ بَطْنَهُ، وَمَا ادَّخَرَهُ لِغَدِهِ، وَبَعْدَ غَدِهِ، مِنْ دَجَاجِ صَاحِبِ الضَّيْعَةِ.
وَمَرَّ بِهِ أَبُو كَاسِبٍ،٣ وَكَانَ جَائِعًا تَبْدُو أَمَارَاتُ السَّغَابِ٤ عَلَى بَدَنِهِ، وَفِي حَرَكَاتِهِ، وَمِنْ نَظَرَاتِهِ، جَلِيَّةً وَاضِحَةً، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَى النَّاظِرِ إِلَيْهَا أَدْنَى شَكٍّ فِي حَقِيقَتِهَا.

وَأَدَارَ الذِّئْبُ خَطْمَهُ نَحْوَ الثَّعْلَبِ، وَطَفِقَ يَعْوِي قَائِلًا: «أَرَانِي مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ جُوعًا يَا ابْنَ الْعَمِّ الْعَزِيزَ؛ لِأَنِّي لَمْ أُوَفَّقْ فِي كُلِّ يَوْمِي إِلَى مَا أُمْسِكُ بِهِ رَمَقِي، فَكِلَابُ هَذِهِ الْبِلَادِ فِي غَايَةِ الشَّرَاسَةِ، وَرُعَاتُهَا فِي مُنْتَهَى الْيَقَظَةِ.»

وَرَنَا إِلَيْهِ٥ الثَّعْلَبُ؛ وَبَعْدَ أَنْ تَثَاءَبَ وَتَمَطَّ٦ فِي كَلَامِهِ، هَزَّ رَأْسَهُ أَسَفًا وَحَسْرَةً، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا شِئْتَ فَتَفَضَّلْ وَخُذْ مِنْ هَذَا الْقَتِّ قَدْرَ مَا تُحِبُّ وَتَشْتَهِي، فَكُلُّهُ لَكَ إِذَا أَرَدْتَ، وَثِقْ بِأَنِّي لَنْ أُزاحِمَكَ عَلَيْهِ، مَا دُمْتَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ، أَيُّهَا الْحَبِيبُ الْغَالِي.»

•••

وَشَزَرَهُ٧ الذِّئْبُ، ثُمَّ أَدَارَ لَهُ ظَهْرَهُ وَمَضَى فِي سَبِيلِهِ بَعْدَمَا شَغَرَ٨ عَلَى قَتِّهِ.
١  كنية الثعلب.
٢  القت: الفصفصة المجففة، وتُعْرَف في مصر بالدريس، وهو البرسيم المجفف.
٣  كنية الذئب.
٤  الجوع الشديد.
٥  أدام النظرة إليه بسكون الطرف.
٦  مَدَّهُ ولوَّنَ فيه.
٧  نظر إليه بجانب العين مع إعراض وغضب.
٨  رفع إحدى رجليه فبال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠