ذكر من مات في هذه السنين من أعيان العلماء والأكابر والعظماء

مات الإمام الكبير والأستاذ الشهير صاحب الأسرار والأنوار الشيخ/ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي الصالحي، وُلد سنة خمسين وألف، وأحواله شهيرة، وأوصافه ومناقبه مفردة بالتأليف، ومن مؤلفاته: (المقصود في وحدة الوجود) وفرغ منه فى سنة إحدى وتسعين وألف، (وتحفة المسألة بشرح التحفة المرسلة) والأصل للشيخ محمد فضل الله الهندي، (والفتح الرباني والفيض الرحماني) و(ربع الإفادات في ربع العبادات) وهو مؤلف جليل في مجلد ضخم في فقه الحنفية نادر الوجود؛ و(الرحلة القدسية) و(كوكب الصبح في إزالة القبح) و(الحديقة الندَّية في شرح الطريقة المحمدية) (والفتح المكي واللمح الملكي) و(قطر السماء أو نظرة العلماء) و(الفتح المدني في النفس اليمني) و(بديعيتان) إحداهما لم يلتزم فيها اسم النوع وشرحه، والثانية التزم فيها، شرحها القلعي مع البديعيات العشر (ومن كلامه وفيه التلفيق):

ولى صارمٌ لما اقتحمت به الورى
وحومت في الصفين قصد قتال
أدرتُ به كأسَ المنون وكم غدا
مجرع وال في مجر موالي

وله، وفيه الإشارة:

يا حمزةُ اسمح بوصل
وامنن علينا بقرب
في شرك اسمك أضحى
مصحفًا وبقلب

وله، وفيه إرسال المثل:

يا مالك القلب رفقًا بالمتيم في
هواك إني على الأشواق لم أزلِ
مشقت حسنك كيف الموت أرقبه
وخائض البحر لا يخشى من البلل

وله، فيه تجاهل العارف:

لست أدري أهل عذارك آسٍ
أم لسيف الجفون ذاك حمايل
زعموا أنه غني جمال
ما لعيني تراه في الخد سايل

ومن كلامه رضى الله عنه:

مَن مجيري من فاتِك الطرف فاتك
لا تحاكيه يا غزال تفاتك
قمر طالع على غصن بانٍ
صانه الله وهو للصب هاتِك
بتثني بقامةٍ فتتنا
فارجعي يا غصون عن حركاتك
يا بديع الجمال جُرت علينا
الأمان الأمان من فتكاتِك
لك ذات بها سلبت البرايا
بتناويع حسنها من صفاتك
كم على وجهك الجميل خمار
من نفوس لما ظهرت بذاتك
فاكشف الوجه وامحق النفس منا
واحي منا ميتَ الهوى بحياتك
فيك بعنا نفوسنا واسترحنا
من بلاها فجُد لنا بالتفاتك
أنت طورًا ولا سواك وإنا
نحن طورًا ولا سوى آياتك

ومن كلامه:

لم أزل في الحب يا أملي
أخلط التوحيد بالغزل
وعيونى فيك ساهرةٌ
دمعها كالصيِّب الهطل
إن أحشائي بكم تلفت
بل وجسمي في الغرام بلي
واصطباري يوم جفوتكم
زال والتهيام لم يزل
جد لعينى باللقاء ولو
في الكرى يا غاية الأمل
وتلطف بالمشوق ودع
ذا الجفا واعطف وجد وصلِ
وأبح مُضناك بعض لقا
يا شِفا قلبي من العلل
يا مرادي حين قلتُ ويا
جل قصدي حين لم أقل
خذ أمانًا من قلاك لنا
إننا منه على وجل
ثم كن فيما تكون كما
كنتَ في أيامك الأول
ذا التجافي كم أكابده
آه قلَّت في الهوى حيلي
وسرت من نحو كاظمةٍ
نسمةٌ فيها انمحى طللي
وبروق الحيِّ لامعة
حان لما أومضت أجلي
هذه الأكوان أجمعها
شمة من وردة الأزل
عطرتني عندما نفحت
ما أنا عنها بمشتغل
طيب أثواب المليح بدا
فائحًا من جانب الكلل
وثغور الزهر قد بسمت
من روابي أشرف الرسل
يا عذولًا لامني سفهًا
أنا لا أصغي إلى العذل
قلبي المضني حليف جوى
عن هو الغزلان لم يمِل
مغرَمٌ صب بذي عظم
جل عن علمي وعن عملي
ماله في الخلق من شبه
ماله في الأمر من مثل
غير أن الأمر منقسم
للصواب المحض والزلل
وانقام الأمر يظهر في
مقتضى أشخاصه السفل
هذه أبهى ملابسنا
حلة ذرت على بطل
خمرة منها النهى سكِرت
شربة أحلى من العسل
فاقبلونا يا أحبائنا
وابشروا بالمنزل الجلل

وله:

قيل لى كن مع الأنام وداري
كل شخص فقلت ما ذل قدري
أنا عبد الغني لا عبد زيد
من جميع الورى ولا عبد عمرو

وله موالي:

كن باسم حبك تكن موجود لا باسمك
واخرج عن الكون إن الكون من رسمك
وانسب إلى الحب كللك واجعله قسمك
وروح عن الروح وامحق في الهوى جسمك

وله أيضًا:

يا غافلون استفيقوا يا نيام الجاه
وامحوا بما لم يزل ما لم يكن أوَّاه
وافنوا عن الفكر ان الفكر فيه تاه
وما تشاءون إلا أن يشاء الله

وله:

نحن الذي ما سمعنا من نواصحنا
حتى وقعنا باشرا؛ الهوى صحنا
والله الهوى ضرنا وأتلف نواصحنا
وما عجبنا الحسيني بالنوى صحنا

وله:

يا سفح قيسون لو كان لك عراشلناك
على البخاتي وما رحنا وخليناك
إن كان يا سفح هذا غايتك ومناك
نحن ارتحلنا نوصي بالنزول حداك

وله:

مفاصلي فصلت عما تسل عني
وأصبحت في هل أتى والليل آلمني
والنجم لي راقٍ والرحمن يرحمني
تبارك الله أصل الواقعة مني

وله غير ذلك، وهو كثير مشهور في دواوينه. توفي رضي الله عنه سنة ثلاث وأربعين وماية وألف، عن ثلاث وتسعين سنة.

ومات إمام الأيمة شيخ الشيوخ، وأستاذ الأساتذة، عمدة المحققين والمدققين، الحسيب النسيب السيد/ علي بن علي إسكندر الحنفي السيواسي الضرير، أخذ عن الشيخ أحمد الشوبري الشرنبلالي والشيخ عثمان بن عبد الله النحريري الحنفيين، وأخذ الحديث عن الشيخ البابلي والشبراملسي … وغيرهم، وسبب تلقبه بإسكندر: أنه كان يقرأ دروسًا بجامع إسكندر باشا بباب الخرق، وكان عجيبًا في الحفظ والذكاء، وحدة الفهم وحسن الإلقاء، وكان الشيخ العلامة محمد السجيني إذا مر بحلقة درسه خفض من مشيته ووقف قليلًا وأنصت لحسن تقريره، ثم يقول: «سبحان الفتاح العليم».

وكان كثير الأكل ضخم البدن طويل القامة، لا يلبس زي الفقهاء بل يعتم عمامة لطيفة بعذبة مرخية، وكان يقول عن نفسه: «أنا آكل كثيرًا وأحفظ كثيرًا» وسافر مرة إلى دار السلطنة وقرأ هناك دروسًا، واجتمع عليه المحققون حين ذاك، وباحثوه وناقشوه، واعترفوا بعلمه وفضله، وقوبل بالإجلال والتكريم.

وعاد إلى مصر ولم يزل يملي ويفيد ويدرس ويعيد، حتى توفي في ذي القعدة سنة ثمانٍ وأربعين وماية وألف عن ثلاث وسبعين سنة وكسور، أخذ عنه كثير من الأشياخ كالشيخ الحفني وأخيه الشيخ يوسف والسيد البليدي والشيخ الدمياطي والشيخ الوالد والشيخ عمر الطحلاوي … وغيرهم.

وكان يقول بحرمة القهوة، واتفق أنه عمل مهمًا لزواج ابنه فهاداه الناس، وبعث إليه عثمان كتخدا القازدغلي فرْق بُنٍّ فأمر بطرحه في الكنيف؛ لأنه يرى حرمة الانتفاع بثمنه أيضًا مثل الخمر، ودليله في ذلك ما ذُكر في وصف خمرة الجنة في قوله تعالى: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ بأن الغول ما يعتري شارب الخمر بتركها وهذه العلة موجودة في القهوة بتركها بلا شك. توفي إلى رحمة الله تعالى سنة ست وأربعين وماية وألف.

ومات الإمام العلامة، والمحقق الفهامة، شيخ مشايخ العلم الشيخ/ محمد عبد العزيز الزيادي الحنفي البصير، أخذ عن: الشيخ شاهين الأرمناوي الحنفي عن العلامة البابلي، وأخذ عنه: الشمس الحنفي والدمنهورى والشيخ الوالد والدمياطي وغيرهم، توفي في أواخر ربيع الأول سنة ثمانٍ وأربعين وماية وألف.

ومات الشيخ الفقيه العلامة المتقن المتفنن الشيخ/ عيسى بن عيسى السفطي الحنفي، أخذ عن الشيخ إبراهيم بن عبد الفتاح بن أبي الفتح الدلجي العرضي الشافعي وعن الشيخ أحمد الأهناسي وعن الشيخ أحمد بن إبراهيم التونسي الحنفي الشهير بالدقدوسي وعن السيد علي بن السيد علي الحسيني الشهير بإسكندر، والشيخ محمد عبد العزيز بن إبراهيم الزيادي، ثلاثتهم عن الشيخ شاهين الأرمناوي، وأخذ أيضًا عن الشيخ العقدي والشيخ إبراهيم الشرنبلالي والشيخ حسن بن الشيخ حسن الشرنبلالي والشيخ عبد الحي الشرنبلالي ثلاثتهم عن الشيخ حسن الشرنبلالي الكبير. توفي المترجم في سنة ثلاث وأربعين وماية وألف.

ومات الأستاذ العلامة شيخ المشايخ/ محمد السجيني الشافعي الضرير، أخذ عن الشيخ الشرنبلالي ولازمه ملازمة كلية، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد ربه الديوي وأهل طبقته مثل الشيخ مطاوع السجيني وغيره، وكان إمامًا عظيمًا فقيهًا نحويًّا أصوليًّا منطقيًّا أخذ عنه كثير من فضلاء الوقت وعلمائهم. توفي سنة ثمان وخمسين وماية وألف.

ومات الإمام العلامة والبحر الفهامة إمام المحققين شيخ الشيوخ/ عبد الرءوف بن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن علي البشبيشي الشافعي، خاتمة محققي العلماء، واسطة عقد نظام الأولياء العظماء، ولد ببشبيش من أعمال المحلة الكبرى، واشتغل على علمائها بعد أن حفظ القرآن ولازم ولي الله تعالى العارف بالله الشيخ علي المحلي الشهير بالأقرع في فنون من العلم، واجتهد وحصل واتقن وتفنن وتفرد، وتردد على الشيخ العارف حسن البدوي وغيره من صوفية عصره، وتأدب بهم واكتسى من أنوارهم، ثم ارتحل إلى القاهرة سنة إحدى وثمانين وألف، وأخذ عن الشيخ محمد بن منصور الإطفيحي والشيخ خليل اللقاني والزرقاني وشمس الدين محمد بن قاسم البقري وغيرهم.

واشتهر علمه وفضله، ودرس وأفاد وانتفع به أهل عصره من الطبقة الثانية، وتلقوا عنه المعقول والمنقول، ولازم عمه الشهاب في الكتب التي كان يقرؤها مع كمال التوحش والعزلة والانقطاع إلى الله، وعدم مسايرة أحد من طلبة عمه والتكلم معهم، بل كان الغالب عليه الجلوس في حارة الحنابلة وفوق سطح الجامع حتى كان يظن من لا يعرف حاله أنه بليد لا يعرف شيئًا، إلى أن توجه عمه إلى الديار الحجازية حاجًّا سنة أربع وتسعين وألف وجاور هناك، فأرسل له بأن يقرأ موضعه، فتقدم وجلس وتصدر لتقرير العلوم الدقيقة والنحو والمعاني والفقه، ففتح الله له باب الفيض فكان يأتي بالمعاني الغريبة في العبارات العجيبة، وتقريره أشهى من الماء العذب عند الظمآن، وانتفع به غالب مدرسي الأزهر وغالب علماء القطر الشامي، ولم يزل على قدم الإفادة وملازمة الإفتاء والتدريس والإملاء حتى توفي في منتصف رجب سنة ثلاث وأربعين وماية وألف.

ومات الأستاذ الإمام صاحب الأسرار وخاتمة سلسلة الفخار الشيخ/ أحمد بن عبد المنعم بن محمد بن محمد أبو السرور البكري الصديقي شيخ سجادة السادة البكرية بمصر، أجازه أبو الإحسان بن ناصر وغيره، وكان للوزير علي باشا الحكيم فيه اعتقاد عظيم — كما تقدمت الإشارة إلى ذلك — وعندما ذهب الأستاذ للسلام عليه تلقاه وقبّل يديه وأقدامه، وقال: «هذا الذي كنت رأيته في عالم الرؤيا وقت كربنا في السفرة الفلانية، ولعله الشيخ البكري كما أخبرني عن لسانه» فقيل له: «هو المشار إليه» فأقبل بكليته عليه، واستجازه في الزيارة بعد الغد، وأرسل إليه هديةً سنية، ونزل لزيارته مرارًا، ومن نظم الأستاذ المترجم قوله:

بروحي حبيبًا زارني بعد هجعةٍ
وقد غفلت عن العيون وشأنه
مليحًا من الأتراك مهما اقترحتُه
من الحسن أبدته لنا حركاته
ولم أدرِ إلا وهو بالباب طارقًا
وقد دخلت في مسمعي نغماته
فقمت له أسعى أناديه مرحبًا
وأهلًا وسهلًا بالبديع صفاته
ومرَّغْتُ خدى في ترات نعاله
فلما رأى ذلى جرت عبراته
وحلفته إلا وطئت محاجرى
بنعليك فاحمرت حيًّا وجناته
وبالغت في الأسام إلا فَعْلمَته
ومعظم أقامي عليه حياته
فقال إذًا لا بد أفعل حافيًا
فقلت له لا والعظيمة ذاته
فحط على خديِّ نعليه كارهًا
فيا طيبَ ما أهدته إليَّ نفحاتي
ويا ساعةً ما كان عندى أسرها
لقد عظمت منه إليّ هباته
وجاد ابتداء بالمبيت لطاقةً
وأبعد شيء كان عندي بياته
وما زلتُ طول الليل أرشف ثغره
أيرد قلبًا قد ذكت لهباته
وآتى إلى أقدامه وأضمها
إلى حر قلب طال فيه شتاته
وما راعني إلا المؤذن قائمًا
يحْيَعل إذ حانت عليه صلاته
وقمت أراعيه من البعد خيفة
وقد طال نحوي عطفه والتفاته

توفي سنة ثلاث وخمسين وماية وألف، ودُفن بمشهد أسلافه عند ضريح الإمام الشافعي، وذكر هذه القصيدة الشيخ عبد الله الشبراوي ونسبها إلى زين العابدين البكرىي فأعرفه.

ومات الإمام العلامة والعمدة الفهامة المتفنن المتقن المتبحر الشيخ/ محمد صلاح الدين البرلسي المالكي الشهير بشلبي، أخذ عن: الشيخ أحمد النفراوي والشيخ عبد الباقي القليني والشيخ منصور المنوفي … وغيرهم، وروى عن البصري والنخلي، وعنه أخذ الأشياخ المعتبرون. توفي ليلة الخميس سابع عشر صفر سنة أربع وخمسين وماية وألف.

ومات الإمام العالم العلامة والعمدة الفهامة أستاذ المحققين وصدر المدرسين الشيخ/ أحمد بن أحمد بن عيسى العماوي المالكي، أخذ عن الشيخ محمد الزرقاني والعلامة الشبراملسي والشيخ محمد الإطفيحي والشيخ عبد الرءوف البشبيشي والشيخ منصور المنوفي والشيخ أحمد النفراوي، كما نقلت ذلك من خطه وإجازته للمغفور له عبد الله باشا كبورلي زاده، وكان قد قرأ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ وسنن أبي داود وابن ماجه والنسائي والترمذي والمواهب قراءة لبعضها دراية، ولبعضها رواية، ولباقيها إجازة، وألفية المصطلح من أولها إلى آخرها دراية.

وكان إمامًا ثبتًا فقيها محدثًا أصوليًّا نحويًّا منطقيًّا، ولما توفي العلامة الشبراملسي تصدر للإقرا والإفادة في محله، وانتفع به الطلبة، وكان حلو التقرير فصيحًا كثير الاطلاع مستحضرًا للأصول والفروع والمناسبات والنوادر والمسايل والفوايد، تلقى عنه غالبُ أشياخ العصر، وحضروا دروسه الفقهية والمعقولية كما هو مذكور في تراجمهم، ولم يزل مواظبًا وملازمًا على الإقراء والإفادة وإملاء العلوم، حتى وافاه الأجل المحتوم، وتوفي في سابع جمادى الأولى من سنة خمس وخمسين وماية وألف وخلّف بعده ابنه أستاذنا الإمام المحقق، والنحرير المدقق، بركة الوقت، وبقية السلف، الشيخ عبد المنعم، أدام الله النفع بوجوده، وأطال عمره مع الصحبة والعافية آمين.

ومات الإمام العلامة الوحيد، والبحر الخضم الفريد، روض العلوم والمعارف وكنز الأسرار واللطائف، الشيخ/ محمد بن محمد الفلاتي الكثناوي الدرانكوي السوداني، كان إمامًا درَّا متقنًا متفننًا، وله يد طولى وباع واسع في جميع العلوم، ومعرفة تامة بدقايق الأسرار والأنوار، تلقى العلوم والمعارف ببلاده عن الشيخ الإمام محمد بن سليمان بن محمد النوالي البرناوي الباغرماوي، والأستاذ الشيخ محمد بندو، والشيخ الكامل الشيخ هاشم، والشيخ محمد فودو ومعناه الكبير، قال: «وهو أول من حصل على يديه الفتح، وعليه قرأت أكثر كتب الأدب، ولازمته حضرًا وسفرًا نحو أربع سنوات» فأخذ عنه الصرف والنحو حتى أتقن ذلك، وصار شيخه المذكور يلقبه بسيبويه، وكان يلقبه قبل ذلك بصاحب المقامات لحفظه لها واستحضاره لألفاظها استحضارًا شديدًا بحيث إذا ذكرت كلمة يأتي بما قبلها بالبديهة وعدم الكلفة.

وتلقى عن الشيخ محمد بندو علم الحروف والأوفاق وعلم الحساب والمواقيت على أسلوب طريقة المغاربة، والعلوم السرية بأنواعها الحرفية والوفقية وآلاتها الحسابية والميقاتية، وحصلت له منه المنفعة التامة، قال: وقرأت عليه الأصول والمعاني والبيان والمنطق وألفية العراقي، وجميع عقائد السنوسي الستة، وسمع عليه البخاري وثلاثة أرباع مختصر الشيخ خليل من أول البيوع إلى آخر باب السلم، ومن أول الإجازة إلى آخر الكتاب، ونحو الثلث من كتاب ملخص المقاصد، وهو كتاب لابن زكري معاصر الشيخ السنوسي في ألف بيت وخمسمائة بيت في علم الكلام، وأكثر تصانيفه … إلى غير ذلك. قال: «وسمعت منه كثيرًا من الفوائد العجيبة والحكايات الغريبة والأخبار والنوادر ومعرفة الرجال ومراتبهم وطبقاتهم» ذكر ذلك في برنامج شيوخه المذكورين.

وكان للمترجم همة عالية ورغبة صادقة في تحصيل العلوم المتوقف عليها تحصيل الكتب، وكان يقول عن نفسه: «إن مما مَنَّ الله علي به أني لم أقرأ قط من كتاب مستعار، وإنما أدنى مرتبتي إذا حاولت قراءة كتاب لم يكن موجودًا عندي أن أكتب متنه موسع السطور؛ لأقيد فيه ما أوردته من شروحه أو ما سمعته من تقريرات الشيخ عند قراءته، وأعلاها أن أكتب شرحه وحاشيته بدليل أنه لولا علو همتي وصدق رغبتي في تحصيل العلوم لما فارقت أهلي، وأنسي، وطلقت راحتي وبدلتهما بغربتي ووحشتي وكربتي، مع كون حالي مع أهلي في غاية الغبطة والانتظام، فبادرت في اقتحام الأخطار لكي أدرك الأوطار» (شعر).

إن الأمور إذا ما الله يسرَّها
أتتك من حيث لا ترجو وتحتسب
وكل ما لم يقدِّره الإله فما
يفيد حرص الفتى فيه ولا النصب
ثق بالإله ولا تركن إلى أحد
فالله أكرم من يُرجى ويُرتقب

ولما استأذن شيخه في الرحلة والحج فمر في رحلته بعدة ممالك، واجتمع بملوكها وعلمائها وممن اجتمع به في كاغ برن الشيخ محمد كرعك، وأخذ عنه أشياء كثيرة من علوم الأسرار والرمل، وأقام هناك خمسة أشهر، وعنده قرأ كتاب الوالية للكردي وهو كتاب جليل معتبر في علم الرمل، وقرأ عليه هو الرجراجي وبعض كتب من الحساب، وله رحلة تتضمن ما حصل له في تنقلاته، وحج سنة اثنتين وأربعين وماية وألف، وجاور بمكة وابتدأ هناك بتأليف (الدر المنظوم وخلاصة السر المكتوم في علم الطلاسم والنجوم) وهو كتاب حافل رتبه على مقدمة وخمسة مقاصد وخاتمة، وقسم المقاصد أبوابًا، وأتم تبييضه بمصر المحروسة في شهر رجب سنة ست وأربعين.

ومن تأليفه: (كتاب بهجة الآفاق وإيضاح اللبس والإغلاق في علم الحروف والأوفاق) رتبه على مقدمة ومقصد وخاتمة، وجعل المقدمة ثلاثة أبواب والمقصدَ خمسة أبواب، وكل باب يشتمل على مقدمة وفصول ومباحث وخاتمة، وله منظومة في علم المنطق سمّاها (منح القدّوس) وشرحها شرحًا عظيمًا سماه: (إزالة العبوس عن وجه منح القُدّوس) وهو مجلد حافل نحو ستين كراسًا، وله شرح بديع على كتاب: (الدر والترياق في علم الأوفاق) ومن تآليفه: (بلوغ الأَرَب من كلام العرب) في علم النحو … وله غير ذلك.

توفي سنة أربع وخمسين وماية وألف بمنزل المرحوم الشيخ الوالد، وجعله وصيًّا على تركته وكتبه، وكان يسكن أولًا بدرب الأتراك، وهو الذي أخذ عنه علم الأوفاق وعلم الكبير والبسط الحرفية والعددية، ودفنه الوالد ببستان العلماء بالمجاورين، وبنى على قبره تركيبة، وكتب عليها اسمه وتاريخه، (ومن كلامه):

طلبت المستقرّ بكل أرضٍ
فلم أرَ لي بأرض مستقرًّا
تبعت مطامعي فاستعبدتني
ولو أني قنعت لكنت حرًّا

ومات جامع الفضايل والمحاسن، طاهر الأعراق والأوصاف، السيد/ علي أفندي نقيب السادة الأشراف، ذكره الشيخ عبد الله الإدكاوي في مجموعته وأثنى عليه، وكان مختصًّا بصحبته قال أنشدني من فيه لنفسه:

أشكو إلى الله من قوم ذي رحمٍ
لا يختشى قطعها ذو اللب من ناس
مع أنني أحمد الله الكريم على
إقعادهم بين إقلال وإفلاس

قال: ومن منثوره قوله: «إن أول ما خُطَّت به معالي الأمور وافتتحت به دفاتر المنظوم والمنثور، حمد الله الذى جعل لكل دايرة قطبًا، ولكل عصر لسانًا رطبًا، لتدوم بهم نعمة النظام، وتقوم بهم حجة الإسلام على الأخصام، والصلاة والسلام على نبيه المبعوث لكافة الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام … إلى آخره، وحجَّ مع المترَجم سنة سبع وأربعين ومائة وألف، وعاد إلى مصر، ولم يزل على أحسن حال، حتى توفي في الليلة الثامنة عشرة من شهر شوال سنة ثلاث وخمسين وماية وألف.

ومات الأستاذ العارف الشيخ أبو العباس/ أحمد بن عثمان بن علي بن محمد بن علي بن أحمد العربي الأندلسي التلمساني الأزهري المالكي، أخذ الحديث عن الإمام أبي سالم عبد الله سالم البصري المكي، وأبي العباس أحمد بن محمد النخلي المكي الشافعيين وغيرهما من علماء الحرمين ومصر والمغرب، أخذ عنه: الشيخ أبو سالم الحفني والسيد علي بن موسى المقدسي الحسيني، وغيرهما من علماء الحرمين ومصر والمغرب، توفي سنة إحدى وخمسين وماية وألف.

ومات الإمام العلامة والنحرير الفهامة شمس الدين/ محمد بن سلامة البصير الإسكندري المكي البليغ الماهر، أخذ العلم عن الشيخ خليل اللقاني والشهاب أحمد السندوبي والشيخ محمد الخرشي والشيخ عبد الباقي الزرقاني والشبرخيتي والأبي ذري وهو الشهاب أحمد الذي روى عن البرهان اللقاني والبابلي، وأخذ أيضًا عن الشيخ يحيى الشاوي والشهاب أحمد البشبيشي، وله تأليفات عديدة منها: تفسير القرآن العزيز نظمًا في نحو عشر مجلدات، وقد أجاز الشيخ أبا العباس أحمد بن علي العثماني وأملى عليه نظمًا، وذلك بمنزله بالجانب الغربي من الحرم الشريف، وعمر بن أحمد بن عقيل ومحمد بن علي بن خليفة الغرياني التونسي وحسين بن حسن الأنطاكي المَقَّرِي، أجازه في سنة إحدى وثلاثين وماية وألف في الطايف، وإسماعيل بن محمد العجلوني وغيرهم، توفي في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وماية وألف.

ومات الشيخ الإمام العالم العلامة صاحب التآليف العديدة والتقريرات المفيدة أبو العباس/ أحمد بن عمر الديربي الشافعي الأزهري، أخذ عن عمه الشيخ علي الديربي، قرأ عليه التحرير وابن قاسم وشرح الرحبية، وأخذ عن الشيخ محمد القليوبي الخطيب وشرح التحرير، والشيخ خالد على الآجرومية وعلى الأزهرية، وعن الشيخ أبي السرور الميداني والشيخ محمد الدنوشري المشهور بالجندي علم الحساب والفرايض، وأخذ عن الشيخ الشنشوري، ومن مشايخه: يونس ابن الشيخ القليوبي والشيخ علي السنيطي والشيخ صالح الحنبلي والشيخ محمد النفراوي المالكي وأخوه الشيخ أحمد النفراوي والشيخ خليل اللقاني والشيخ منصور الطوخي والشيخ إبراهيم الشبرخيتي والشيخ إبراهيم المرحومي والشيخ عامر السبكي والشيخ علي الشبراملسي والشيخ شمس الدين محمد الحموي والشيخ أبو بكر الدلجي والشيخ أحمد المرحومي والشيخ أحمد السندوبي والشيخ محمد البقري والشيخ منصور المنوفي والشيخ عبد المعطي المالكي والشيخ محمد الخرشي والشيخ محمد النشرتي والشيخ أبو الحسن البكري خطيب الأزهر.

وانتشر فضله وعلمه واشتهر صيته وأفاد وألف وصنف، فمن تآليفه: (غاية المرام فيما يتعلق بأنكحة الأنام) وكتب حاشية عليه مع زيادة أحكام وإيضاح ما خفي فيه على بعض الأنام، و(غاية المقصود لمن يتعاطى العقود) على مذهب الأئمة الأربعة، (والختم الكبير على شرح التحرير) المسمى: (فتح الملك الكريم الوهاب بختم شرح تحرير تنقيح اللباب) و(غاية المراد لمن قصرت همته من العباد) وختم على شرح المنهج سماه: (فتح الملك الباري بالكلام على آخر شرح المنهج) للشيخ زكريا الأنصاري، وختم على شرح الخطيب وعلى شرح ابن قاسم، وكتابه المشهور المسمى: (فتح الملك المجيد لنفع العبيد) جمع فيه ما جَرَّبه وتلقاه من الفوائد الروحانية والطبية وغيرها، وهو مؤلف لا نظير له في بابه، وله رسالة على البسملة وحديث البداءة، ورسالة تسمى: (تحفة الصفا فيما يتعلق بأبوي المصطفى) و(القول المختار فيما يتعلق بأبوي النبي المختار) ومناسك حج على مذهب الإمام الشافعي و(تحفة المريد في الرد على كل مخالف عنيد) و(فتح الملك الجواد بتسهيل قمة التركات على بعض العباد) بالطريق المشهورة بين الفرضيين في المسائل العائلة، ورسالة في سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه والوقوف في المحشر والشفاعة العظمى، وأربعون حديثًا وتمام الانتفاع لمن أرادها من الأنام، وحاشية على شرح ابن قاسم الغزي، ورسالة تتعلق بالكواكب السبعة والساعات الجيدة وبضرب المنادل العُلوية والسفلية وإحضار عامر المكان واستنطاقه وعزله ولوح الحياة والممات … وغير ذلك. توفي سابع عشرين سنة إحدى وخمسين وماية وألف.

ومات الإمام العلامة والبحر الفهامة شيخ مشايخ العصر، ونادرة الدهر، الصالح الزاهد الورع القانع الشيخ/ مصطفى العزيزي الشافعي، ذكره الشيخ محمد الكشناوي في آخر بعض تآليفه بقوله: وكان الفراغ من تأليفه في شهر كذا سنة ست وأربعين، وذلك في أيام الأستاذ زاهد العصر الفخر الرازي الشيخ مصطفى العزيزي، وناهيك بهذه الشهادة، وسمعت وصفه من لفظ الشيخ الوالد وغيره من مشايخ العصر من أنه كان أزهد أهل زمانه في الورع والتقشف في المأكل والملبس والتواضع وحسن الأخلاق، ولا يرى لنفسه مقامًا، وكان معتقَدًا عند الخاص والعام، وتأتي الأكابر والأعيان لزيارته ويرغبون في مهاداته وبره فلا يقبل من أحد شيئًا كائنًا ما كان، مع قلة دنياه، لا كثيرًا ولا قليلًا، وأثاثُ بيته على قدر الضرورة والاحتياج، وكان يقرأ دروسه بمدرسة السنانية المجاورة لحارة سكنه بخط الصنادقية بحارة الأزهر، ويحضر دروسه كبار العلماء والمدرسين، ولا يرضى للناس بتقبيل يده ويكره ذلك، فإذا تكامل حضور الجماعة وتحلقوا حضر من بيته، ودخل إلى محل جلوسه بوسط الحلقة فلا يقوم لدخوله أحد، وعندما يجلس يقرأ المقري، وإذا تم الدرس قام في الحال وذهب إلى داره، وهكذا كان دأبه. توفي سنة أربع وخمسين وأقام عثمان بك ذا الفقار وصيًّا على ابنته.

ومات الإمام العمدة المتقن المتفنن الشيخ/ رمضان بن صالح بن عمر بن حجازي السفطي الخوانكي الفلكي الحيسوبي، أخذ عن رضوان أفندي وعن العلامة الشيخ محمد البرشمسي، وشارك الجمال يوسف الكلارجي والشيخ الوالد وحسن أفندي قطة مسكين … وغيرهم، واجتهد وحسب وحرر وكتب بخطه كثيرًا جدًّا، وحسب المحكمات وقواعد المقومات على أصول الرصد السمرقندي الجديد، وسهل طرقها بأدق ما يكون، وإذا نسخ شيئًا من تحريراته رقم منها عدّة نسخ في دفعة واحدة، فيكتب من كل نسخة صفحة بحيث يكمل الأربع نسخ أو الخمسة على ذلك النسق، فيتم الجميع في دفعة واحدة، وكان شديد الحرص على تصحيح الأرقام، وحل المحلولات الخمسة ودقايقها إلى الخوامس والسوادس، وكتب منها عدة نسخ بخطه، وهو شيء يعسر نقله فضلًا عن حسابه وتحريره، ومن تصانيفه: (نزهة النفس بتقويم الشمس) بالمركز والوسط فقط، والعلامة بأقرب طريق وأسهل مأخذ وأحسن وجه مع الدقة والأمن من الخطأ، وحرر طريقة أخرى على طريق (الدر اليتيم) يدخل إليها بفاضل الأيام تحت دقائق الخاصة، ويخرج منها المقوم بغاية التدقيق لمرتبة الثوالث في صفحات كبيرة متسعة في قالب الكامل، واختصرها الشيخ الوالد في قالب النصف، ويحتاج إليها في عمل الكسوفات والخسوفات والأعمال الدقيقة يومًا يومًا.

ومن تآليفه: (كفاية الطالب لعلم الوقت وبُغية الراغب) في معرفة الدائر وفضله، و(السمت والكلام المعروف في أعمال الكسوف والخسوف) و(الدرجات الوريفة في تحرير قسي العصر الأول وعصر أبي حنيفة) و(بغية الوطر في المباشرة بالقمر) ورسالة عظيمة في حركات أفلاك السيارة وهيئاتها وحركاتها وتركيب جداولها على التاريخ العربي على أصول الرصد الجديد، و(كشف الغياهب عن مشكلات أعمال الكواكب) و(مطالع البدور في الضرب والقسمة والجذور) وحرك ثلثمائة وستة وثلاثين كوكبًا من الكواكب الثابتة المرصودة بالرصد الجديد بالأطوال والأبعاد ومطالع الممر ودرجاته لأول سنة تسع وثلاثين وماية وألف، و(القول المحكم في معرفة كسوف النير الأعظم) و(رشف الزلال في معرفة استخراج قوس مكث الهلال) بطريقي الحساب والجداول.

وأما كتاباته وحسابياته في أصول الظلال واستخراج السموت والدساتير، فشيء لا ينحصر ولا يمكن ضبطه لكثرته، وكان له بالوالد وصلة شديدة، وصحبة أكيدة، ولما حانت وفاته أقامه وصيًّا على مخلفاته، وكان يستعمل البرشعثا ويطبخ منه في كل سنة قزانًا كبيرًا، ثم يملأ منه قدورًا ويدفنها في الشعير ستة أشهر، ثم يستعمله بعد ذلك ويكون قد حان فراغ الطبخة الأولى.

وكان يأتيه من بلده الخانكة جميع لوازمه وذخيرة داره من دقيق وسمن وعسل وجبن … وغير ذلك، ولا يُدخل لداره قمح إلا لمؤنة الفراخ وعلفهم فقط، وإذا حضر عنده ضيوف وحان وقت الطعام قدَّم لكل فرد من الحاضرين دجاجة على حدته، ولم يزل حتى توفي ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمانٍ وخمسين وماية وألف يوم الجمعة، ودُفن بجوار تربة الشيخ البحيري كاتب القسمة العسكرية بجوار حوش العلامة الخطيب الشربيني.

ومات قاضي قضاة مصر/ صالح أفندي القسطموني، كان عالمًا بالأصول والفروع صوفي المشرب في التورع، وليَ قضاء مصر سنة أربع وخمسين وماية وألف، وبها مات سنة خمس وخمسين وماية وألف ودُفن عند المشهد الحسيني.

ومات السيد/ زين العابدين المنوفي المكي أحد السادة المشهورين بالعلم والفضل، توفي سنة إحدى وخمسين وماية وألف، ورثاه السيد جعفر البيتي بما هو مثبت في ديوانه.

ومات السيد الشريف/ حمود بن عبد الله بن عمرو النَّمَوِي الحسيني المكي أحد أشراف آل نمي، كان صاحب صدارة ودولة وأخلاق رضية ومحاسن مرضية، حسن المذاكرة والمطارحة، لطيف المحاضرة والمحاورة. توفي أيضًا سنة إحدى وخمسين وماية وألف، ورثاه السيد جعفر البيتي أيضًا بما هو مشهور ومثبت في ديوانه.

ومات الأجلُّ الفاضل المحقق/ أحمد أفندي الواعظ الشريف التركي، كان من أكابر العلماء أَمَّارًا بالمعروف ولا يخاف في الله لومة لايم، وكان يقرأ الكتب الكبار، ويباحث العلما على طريق النِظار، ويعظ العامة بجامع المرداتي، فكانت الناس تزدحم عليه لعذوبة لفظه وحسن بيانه، وربما حضره بعض الأعيان من أمراء مصر فيسبهم جهرًا، ويشير إلى مثالبهم، وربما حنقوا منه، وسلطوا عليه جماعة من الأتراك ليقتلوه، فيخرج عليهم وحده فيغشي الله على أبصارهم. مات في حادي عشرين الحجة سنة إحدى وستين وماية وألف.

ومات القطب الكامل السيد/ عبد الله بن جعفر بن علوي مدهر باعلوي نزيل مكة، ولد بالشِحْر وبها نشأ ودخل الحرمين، وتوجه إلى الهند ومكث في دلهي مدة تقرب من عشرين عامًا، ثم عاد إلى الحرمين، أوخذ عن والده وأخيه العلامة علوي ومحمد بن أحمد بن علي الستاري، وابن عَقيلة وآخرين، وعنه أخذ الشيخ السيد عبد الرحمن العيدروس.

وله مؤلفات نفيسة منها: (كشف أسرار علوم المقربين) و(لمع النور بباء اسم الله يتم السرور) و(أشرف النور وسناه من سر معنى الله لا نشهد سواه) والأصل أربعة أبيات للقطب الحداد، و(اللآلي الجوهرية على العقائد البنوفرية) و(شرح ديوان شيخ بن إسماعيل الشحري) و(النفحة المهداة بأنفاس العيدروس بن عبد الله) و(الإيفا بترجمة العيدروس جعفر بن مصطفى) وديوان شعر ومراسلات عديدة، وقيل تولى القطبانية، ومن شعره قوله:

خليليَّ طاب القلب وانشرح الصدر
وجاء المنى والأمن والفتح والنصر
وقد جاء وجه الحق بالحق وانجلى
بنور اتحادٍ عندنا الحلق والأمر
فلا شيء غير الله في كل ما نرى
وآياته في كل مجلي به زهر
وما هذه الأكوان إلا مراتب
لوحدته اللاتي هي القُل والكثر
وإن له أسماء حسني كما أتى
بتنزيله فافهم فقد ظهر السرُّ
أما قال إنسا الحقيقة حيث قد
نهى عن سباب الدهر ذاك هو الدهر
وفي محكم التنزيل تكفي شواهد
من الآي من قد يهتدي عندنا الغر
ففروا إلى الله القريبُ طريقُه
فإن أولى التحقيق في قدسه فروا
وسيروا على اسم الله بالصدق والتقى
فإن مراد الله فيكم هو اليسر
ما نحن إلا عبيد الله ليس لنا
شيء من الأمر في التحقيق والنظر
إن الهموم من الأوهام منشؤها
ورؤية الغير ترمي العبد في الغير

وممن أخذ عنه وصحبه الشهاب الأخاي وأحمد باعفان والطيب بن أبي بكر ومصطفى وحسين ابنا عم العيدروس ومصطفى بن عبد ربه بن شيخ وابن أخيه حسين بن علوي بن جعفر مدهر، ومن كلامه أيضًا:

ما نحن إلا عبيد الله ليس لنا
الأمر في التحقيق والنظر
إن الهموم من الأوهام منشؤها
ورؤية الغير ترمي العبد في الغير

وله مخاطبًا السيد العيدروس:

سلام على الشهم المنيف الذى سما
وجيهًا بمجد قد علا حيه السما
سلام عليه كلما أمَّ طايف
إلى الطايف المشهور أنعم به حمى

وله:

يا من هم مظاهر
والحق فيهم ظاهر
حجبتم لأنكم،
ألهاكم التكاثر

وله كرامات شهيرة، توفي بمكة سنة ستين ومائة وألف.

ومات السيد الأجلُّ/ عبد الله بن مشهور بن علي بن أبي بكر العلوي أحد السادة أصحاب الكرامات والإشراقات، كان مشهورًا بإراءة الخضر. ذكره السيد عبد الرحمن العيدروس، وترجمه في ذيل المشرع وأثنى عليه، وذكر له بعض كرامات، توفي سنة أربع وأربعين ومائة ألف.

ومات الأستاذ النجيب الماهر المتفنن/ جمال الدين يوسف بن عبد الله الكلارجي الفلكي تابع حسن أفندي كاتب الروزنامة سابقًا، قرأ القرآن وجوَّد الخط، وتوجهت همته للعلوم الرياضية كالهيئة والهندسة والحساب والرسم، فتقيد بالعلامة الماهر رضوان أفندي وأخذ عنه، واجتهد وتمهّر، وصار له باع طويل في الحسابيات والرسميات، وساعده على إدراك مأموله ثروة مخدومه، فاستنبط واخترع ما لم يُسبق به، وألَّف كتابًا حافلًا في الظلال ورسم المنحرفات والبسايط والمزاول والأسطحة، جمع فيه ما تفرق في غيره من أوضاع المتقدمين بالأشكال الرسمية والبراهين الهندسية، والتزم المثال بعد المقال، وألَّف كتابًا أيضًا في منازل القمر ومحلها وخواصها وسماها: (كنز الدرر في أحوال منازل القمر) وغير ذلك، واجتمع عنده كتب وآلات نفيسة لم تجتمع عند غيره، ومنها نسخة الزيج السمرقندي بخط العجم … وغير ذلك، توفي سنة ثلاث وخمسين وماية وألف، رحمه الله.

ومات الإمام العلامة والعمدة الفهامة مفتي المسلمين الشيخ/ أحمد بن عمر الإسقاطي الحنفي المُكنَّى بأبي السعود، تفقه على الشيخ عبد الحي الشرنبلالي والشيخ علي العقدي الحنفي البصير، وحضر عليه المنار وشرحه لابن فرشنه وغيره، والشيخ أحمد النفراوي المالكي، والشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني، والشيخ أحمد بن عبد الرزاق الروحي الدمياطي الشناوي، والشيخ أحمد الشهير بالبناء، وأحمد بن محمد عطية الشرقاوي الشهير بالخليفي، والشيخ أحمد بن محمد المنفلوطي الشافعي الشهير بابن الفقيه، والشيخ عبد الرءوف البشبيشي … وغيرهم كالشيخ عبد ربه الديوي ومحمد بن صلاح الدين الدنجيهي والشيخ منصور المنوفي والشيخ صالح البهوتي.

مَهَرَ في العلوم وتصدَّر لإلقاء الدروس الفقهية والمعقولية، وأفاد وأَفتى وألف وأجاد، وانتفع الناس بتأليفه، ولم يزل يملي ويفيد حتى تُوفي سنة تسع وخمسين وماية وألف.

ومات الأستاذ الكبير والعالم الشهير صاحب الكرامات الساطعة، والأنوار المشرقة اللامعة، سيدي/ عبد الخالق بن وفا قطب زمانه وفريد أوانه، وكان على قدم أسلافه، وفيه فضيلة وميل للشعر، وامتدحه الشعراء وأجازهم الجوائز السنية، وكان يحب سماع الآلات، وامتدحه بعض شعراء عصره بقوله:

دع عنك حاتمَ طي وابن زائدة
واترك حديثَ بني العباس والخلفا
وانظر بعينيك هل أبصرت من رجل
في الجود يشبه عبد الخالق بن وفا

توفي رحمه الله في ثاني عشر ذي الحجة سنة إحدى وستين وماية وألف في عشر السبعين، وتولى بعده في خلافتهم سيدي محمد أبو الإشراق بن وفا، وأعقب المترجم أولادًا كلهم اندرجوا إلَّا ابنة هي أم السيد أبي الإمداد الذي تولى نقابة الأشراف قبل خلافته على سجادتهم في خلافة السيد أبي الإشراق.

ومات الأستاذ شيخ الطريقة والحقيقة قدوة السالكين ومربي المريدين الإمام المسلِّك السيد/ مصطفى بن كمال الدين المذكور في منظومة النسبة لسيدي عبد الغني النابلسي، كما ذكره السيد الصديقي في شرحه الكبير على ورده السحَري البكري الصديقي الخلوتي، نشأ ببيت المقدس على أكرم الأخلاق وأكملها، ربَّاه شيخه الشيخ عبد اللطيف الحلبي وغذاه بلبان أهل المعرفة والتحقيق، ففاق ذلك الفرعُ الأصلَ، وظهرت به في أفق الوجود شمس الفضل، فبرع فهمًا وعلمًا، وأبدع نثرًا ونظمًا، ورحل إلى جُلِّ الأقطار، لبلوغ أَجَلِّ الأوطار، كما دأب على ذلك السلف، لما فيه من اكتساب المعالي والشرف.

ولما ارتحل إلى إسلامبول لبس فيها ثياب الخمول، ومكث فيها سنة لم يؤذن له بارتحال، ولم يدرِ كيف الحال، فلما كان آخر السنة قام ليلة فصلى على عادته من التجهد، ثم جلس لقراءة الورد السَّحَري، فأحب أن تكون روحانية النبي في ذلك المجلس، ثم روحانية خلفائه الأربعة والأئمة الأربعة والأقطاب الأربعة والملايكة الأربعة، فبينما هو في أثنائه إذ دخل عليه رجل فشمر عن أذياله كأنه يتخطى أناسًا في المجلس، حتى انتهى إلى موضع فجلس فيه، ثم لما ختم الورد قام ذلك الرجل فسلم عليه، ثم قال: «ماذا صنعت يا مصطفى؟» فقال له: «ما صنعت شيئًا» فقال له: «ألم ترني أتخطى الناس؟ ولم يتخلف أحد ممن أردتَ حضوره وما أتيتك إلا بدعوة، والآن أذن لك في الرحيل، وحصل الفتح والمدد» والرجل المذكور هو الولي الصوفي السيد محمد التافلاتي، ومتى عبّر السيد في كتبه بالوالد فهو السيد محمد المذكور، وقد منحه علومًا جمة، وتآليفه تقارب المائتين، وأحزابه وأوراده أكثر من ستين وأجلها ورده السحري، إذ هو باب الفتح، وله عليه ثلاثة شروح أكبرها في مجلدين.

وقد شاد أركان هذه الطريقة، وأقام رسومها، وأبدى فرائدها، وأظهر فوائدها، ومنحه الله من خزاين الغيب ما لا يدخل تحت حصر، قال الشيخ الحفني: «إنه جمع مناقب نفسه في مؤلف نحو أربعين كراسًا تسويدًا في الكامل ولم يتم، وقد رأى النبي في النوم وقال له: «من أين لك هذا المدد؟» فقال: «منك يا رسول الله» فأشار أن نعم، ولقي الخضر عليه السلام ثلاث مرات، وعرضت عليه قطبانية المشرق فلم يرضها، وكان أكرم من السيل وأمضى في السر من السيف، وأوتي مفاتيح العلوم كلها حتى أذعن له أولياء عصره ومحققوه في مشارق الأرض ومغاربها، وأخذ على رؤساء الجن العهود، وعمَّ مدده سائر الورود، ومناقبه تجل عن التعداد، وفيما أشرنا إليه كفاية لمن أراد».

وأخذ عنه طريق السادة الخلوتية الأستاذ الحفني، وارتحل لزيارته والأخذ عنه إلى الديار الشامية — كما سيأتي ذلك في ترجمته — وحج سنة إحدى وستين، ثم رجع إلى مصر، وسكن بدار عند قبة المشهد الحسيني، وتوفي بها في ثاني عشر ربيع الثاني سنة اثنتين وستين وماية وألف، ودُفن بالمجاورين، ومولده في آخر المائة بعد الألف بدمشق الشام.

ومات العلامة الثبت المحقق المحرر المدقق الشيخ/ محمد الدفري الشافعي، أخذ العلم عن الأشياخ من الطبقة الأولى، وانتفع عليه فضلاء كثيرون منهم: العلامة الشيخ محمد المصيلحي، والشيخ عبد الباسط السنديوني، وغيرهما. توفي سنة إحدى وستين وماية وألف.

ومات الأجلُّ المكرم عبد الله أفندي الملقب بالأنيس، أحد المهرة في الخط، الضابط كتب على/ الشاكري وغيره، واشتهر أمره جدًّا، وكان مختصًّا بصحبة مير اللواء عثمان بك ذي الفقار أمير الحاج، وكتب عليه جماعة ممن رأيناهم، ومنهم شيخ الكتبة بمصر اليوم حسن أفندي مولى الوكيل المعروف بالرشدي، وقد أجازه في مجلس حافل. توفي سنة تسع وخمسين وماية وألف، وأرخه الشيخ عبد الله الإدكاوي فقال:

من مضى نحو ربه قلت فيه
بيتَ شعر مؤرخًا مأنوسًا
يا أمال الأنام أدعوك جهرًا
يا رحيمًا كن للأنيس أنيسا

ومات الإمام الفقيه المحدث شيخ الشيوخ المتقن المتفنن الشيخ/ أحمد بن مصطفى بن أحمد الزبيري المالكي الإسكندري، نزيل مصر وخاتمة المسندين بها الشهير بالصباغ، ذكر في برنامج شيوخه أنه أخذ عن: إبراهيم بن عيسى البلقطري وعلي بن فياض والشيخ محمد النشرتي والشيخ محمد الزرقاني وأحمد الغزاوي وإبراهيم الفيومي وسليمان الشبرخيتي ومحمد زيتونة التونسي نزيل الإسكندرية وأبي العز العجمي وأحمد بن الفقيه والكنكسي ويحيى الشاوي وعبد الله البقري وصالح الحنبلي وعبد الوهاب الشنواني وعبد الباقي القليني وعلي الرميلي وأحمد السجيني وإبراهيم الكتبي وأحمد الخليفي ومحمد الصغير والوزاري وعبده الديوي وعبد القادر الواطي وأحمد بن محمد الدرعي، ورحل إلى الحرمين فأخذ عن البصري والنخلي والسندي ومحمد أسلم وتاج الدين القلعي والسيد سعداته.

وكان المترجم إمامًا علامة سليم الباطن معمور الظاهر، قد عم به الانتفاع، روى عنه كثيرون من الشيوخ، وكان يذهب في كل سنة إلى ثغر سكندرية فيقيم بها شعبان ورمضان وشوالًا، ثم يرجع إلى مصر يملي ويفيد ويدرس، حتى توفي في سنة اثنتين وستين وماية وألف، ودفن بتربة بستان المجاورين بالصحراء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠