الفصل الأول

القسم الأول من العهد المكي

كانت البعثة النبوية المحمدية وأول نزول الوحي في رمضان من السنة الثالثة عشرة قبل الهجرة، الموافقة لسنة ٥٧٠م، وكان له من العمر أربعون سنة؛ قال محمد بن إسحق:١ لما بلغ محمدٌ رسول الله أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين وكافة للناس بشيرًا، وأول ما بُدئ به الرؤيا الصادقة، وحبَّب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحبَّ إليه من أن يخلو وحده … وكان يجاور في غار حراء في كل سنة شهرًا، وكان ذلك مما تتحنَّث به قريش في الجاهلية … وكان رسول الله يجاور ذلك الشهر في كل سنة يُطعم مَن جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره أن يأتي الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعًا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته من السَّنة التي بعثه الله تعالى فيها، وذلك بشهر رمضان، خرج رسول الله إلى حراء كما كان يخرج لجواره، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله تعالى.

قال رسول الله: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتَّني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ. فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عنِّي، وهببت من نومي فكأنها كُتبت في قلبي كتابًا، فخرجتُ حتى إذا كنت وسط الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعتُ رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صافٍّ قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفًا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بعثتْ خديجةُ رُسلَها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف مكاني، ثم انصرف عني، فانصرفتُ راجعًا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مصغيًا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنتَ؟ فوالله، لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليَّ. ثم حدَّثتها بالذي رأيتُ، فقالت: أبشِرْ يا ابن عم واثبُت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به الرسول أنه رأى وسمع، فقال: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن صدقتِنِي يا خديجة فلقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له أن يثبت.»

فرجعت خديجة إلى رسول الله فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول الله جواره وانصرف صنَع كما كان يصنع؛ بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة ابن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال له: يا ابن أختي، أخبرني بما رأيتَ. فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر، ولتكذَّبَنَّه ولتؤذَيَنَّه ولتُخرَجَنَّه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم فلأنصرنَّ الله نصرًا يعلمه.٢ وشرع رسول الله في تبليغ رسالته إلى من يثق به من أهله وخاصَّته؛ فأول من أسلم به السيدة خديجة وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة مولى محمد، وأول ما فرض الله على المسلمين الوضوء والصلاة، وكانت في اليوم صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل الغروب، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، ولم تُجعل أربعة إلا بعد الإسراء. ثم أسلم أبو بكر الصديق وكان رجلًا محببًا في قومه فاضلًا ناسبًا خيِّرًا تاجرًا، وكان الرجال يقصدونه، فجعل أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، فصلوا وصدقوا رسول الله.
ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبو مسلمة عبد الله بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله، ثم تتابع الناس يدخلون في دين الله، حتى فشا الإسلام في مكة بعد ثلاث سنوات من الدعوة السريَّة. ولم يتعرَّض أهل مكة للمسلمين أول الأمر إلى أن جهر محمد بالدعوة تلبيةً لقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ، فأخذ يصدع بدعوته، ثم لما نزلت الآية: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فدعا الرسول بني عبد المطلب إلى طعامٍ صنعه علي بن أبي طالب، وتكلَّم الرسول فقال: «يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة.»٣ ثم دعا بطون قريش من فوق جبل الصفا بظاهر مكة، فلما اجتمعت إليه قال: «لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغِير عليكم، أكنتم تصدِّقونني؟» قالوا: نعم. فقال: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.» فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا جمعتنا؟

ثم تفرقوا، فأخذ الرسول يسفِّه أحلامهم وينتقد أصنامهم ويُنكر آلهتهم فيعيبها، فناكروه وأجمعوا أمرهم على خلافه وعداوته، فمضى محمدٌ على أمر الله مُظهِرًا لدينه لا يردُّه عنه شيء، فلما رأت قريش أن الرسول لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من عيب آلهتهم، ورأوا أن عمَّه أبا طالب حدب عليه وقام دونه، جاء رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب؛ وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا وعاب ديننا وسفَّه أحلامنا وضلَّل آباءنا، فإما أن تكفَّه عنا أو أن تخلِّي بيننا وبينه، فأنت على مثلِ ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه. فقال لهم قولًا رفيقًا، وردَّهم ردًّا جميلًا، ثم إنهم عادوا إليه ثانية فقالوا له: إن لك شرفًا وسنًّا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهَهُ عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفَّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. ثم انصرفوا، فعظُم ذلك على أبي طالب، وكره فراق قومه وعداوتهم، فبعث إلى محمد وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا، فأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن الرسول أنه قد بدا فيه بدو، وأنه خاذِلُه ومُسْلِمه، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» ثم بكى وقام، فناداه أبو طالب فقال: يا ابن أخي. فأقبل عليه فقال له: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببتَ، فوالله لا أُسْلِمك لشيء أبدًا.

وعلمت قريش بذلك فمشت إليه بعمارة بن الوليد، فقالت: هذا أنهد فتًى في قريش وأجمله، فاتَّخِذه ولدًا وأسْلِم إلينا ابن أخيك الذي خالف دينك ودين آبائك وفرَّق جماعة قومك فنقتله. فقال: لبئسما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذُوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون. ثم حميت الفتنة بين الجانبين، وطلبت قريش من قبائل الرجال الذين أسلموا أن يعذِّبوا أولئك الرجال ويفتنوهم عن دينهم، واتفقت كلمة قريش والقبائل على بني هاشم وبني المطلب، إلا أبا لهب؛ فإنه خرج عن قومه، وتحمَّلت بنو هاشم وبنو المطلب كثيرًا في سبيل نصرتهم.

ثم إن نفرًا من قريش اجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سنٍّ ومكانة فيهم، فقالوا له: قد حضر موسم الحج، وإن وفود العرب ستقدم إليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فأجمِعوا على رأي ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضًا؛ فماذا تقول يا وليد؟ فقال: قولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهَّان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلَّه رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحَّار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد الشمس. قال: والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا هو ساحر. فجعلوا لا يمرُّ بهم أحد إلا حذَّروه إياه وذكروا لهم أمره. وشاع أمر رسول الله يومئذٍ بعد رجوع الناس من الموسم؛ ولا سيما في «يثرب».

ثم إن قريشًا ضاقت ذرعًا بمحمد وأصحابه، فأخذت تؤذيه بالقول وتسلِّط عليه سفهاءها يغمزونه ببذيء القول ويسخرون منه، وهو صامد في دعوته مؤمن برسالته يستغفر لقبيلته، ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.» ثم إن قريشًا أخذت تقسو في مجابهتها للنبي وجماعته، فأخذوا يعذِّبون فقراء المسلمين ويضربون مستضعفيهم ويجيعونهم ويعطِّشونهم، وممن عذبوهم آل عمار بن ياسر هو وأبوه وأمه؛ فكانوا يُخرِجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيمرُّ بهم الرسول فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.»٤ وكان أبو جهل إذا سمع بإسلام رجل من ذوي الشرف أنَّبه وأهانه في المجالس العامة، أما الفقراء والمستضعفون فقد لقوا منه ومن أمثاله عناءً كبيرًا، ولكن المسلمين لم يكونوا يحفلون بهذا الأذى، بل ظلوا يتابعون القيام بصلواتهم علنًا في فِناء الكعبة كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (سورة العلق: ٦–١٩). فنحن نرى من هذه الآيات الكريمات عتابًا شديدًا وتهديدًا مقذعًا لمن يمنعون المسلمين من الصلاة في حِمى الله، واستهانة بمن يظنون أنفسهم قادرين على منع المسلمين من الوقوف بين يدي الله في بيت الله، ولو كانوا وجهاء أو أشرافًا أو أغنياء أو زعماء.
وقد لقي النبي نفسه من سفهاء مكة مزعجات كثيرة؛ منها أن سفهاءهم حثوا التراب على رأسه، ومنها أنهم كانوا ينضِّدون الفرث والأرواث والدماء على ثيابه، ومنها بصق أمية بن خلف في وجهه، ومنها وطء عقبة بن أبي معيط على رقبته وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان، ومنها أخذ بعض سفهائهم برقبته وخنقه خنقًا شديدًا حتى أنقذه أبو بكر فجذبوا رأسه ولحيته وسقط أكثر شعره. أما السب والشتم والهجو الذي كان يُسمِعه إياه سفهاؤهم، فشيء كثير جدًّا.٥ وكان شرَّ هؤلاء السفهاء عليه أبو جهل (أبو الحكم) بن هشام، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. ومن شرِّ ما قام به أبو جهل أنه مرَّ مرة برسول الله وهو عند الصفا يدعو إلى دين الله ويبتهل إليه أن يهدي قومه، فآذاه وشتمه ونال منه بما يكره، وشتم دينه، فلم يكلمه رسول الله وانصرف لطيته، وشهد الأمرَ مولاةٌ لعبد الله بن جدعان، فحزنت لما أصاب محمدًا من أبي جهل، ولم تمضِ فترة حتى جاء حمزة بن عبد المطلب متوشِّحًا قوسه راجعًا من قنصٍ له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمرَّ على نادٍ من قريش إلا وقف وسلَّم وتحدَّث معهم، وكان أعزَّ فتًى في قريش وأشدهم شكيمة، فلما مرَّ بالمرأة قالت: يا أبا عمارة، لو رأيتَ ما لقي ابن أخيك آنفًا من أبي الحكم بن هشام، وجَدَه هنا جالسًا فآذاه وسبَّه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.
فاحتمل حمزةَ الغضبُ لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، مُعِدًّا لأبي جهل، فلما دخل المسجد نظر إليه فوجده جالسًا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه به فشجَّه شجًّا منكرًا، ثم قال: أوتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرُدَّ ذلك عليَّ إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة ينصرون أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا. ثم أقبل إلى حمزة يلاطفه، فتركه وانصرف. قال حمزة: ولما قلتُ لأبي جهل ما قلتُ أدركني الندم على مفارقتي دين آبائي وقومي، وبتُّ من الشك في أمرٍ عظيم، لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة وتضرَّعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق ويُذهِب عني الريب، فما استتممت دعائي حتى زاح عني الباطل وامتلأ قلبي إسلامًا، فغدوتُ إلى رسول الله فأخبرته بما كان من أمري، فدعا لي بأن يثبِّتني الله.٦
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن محمدًا قد عزَّ وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفُّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. ثم إن أكابر قريش أجمعوا أمرهم بعد أن رأوا من إسلام حمزة ما أرغمهم على أن يفاوضوا محمدًا، فقال عتبة بن ربيعة، وكان من عقلائهم ووجوههم: ألا أقوم إلى محمد فأكلِّمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل فنعطيَه ما يشاء ويكفُّ عنا؟ ثم إنه أتى رسول الله فقال له: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمتَ من البسط في العشيرة، والمكان في النَّسب، وإنك قد أتيتَ قومك بأمرٍ عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، وكفَّرت مَن مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا انظر فيها لعلك ترضى ببعضها. فقال رسول الله : «قل يا أبا الوليد أسمع.» فقال: يا ابن أخي، إن كنت تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريد مُلكًا ملَّكناك، وإن كان هذا الذي يأتيك تابعًا ورئيسًا من الجن لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه. فقال رسول الله: «قد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: «استمع مني: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ …» ثم مضى رسول الله يقرؤها، وعتبة قد أنصت وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، ثم انتهى رسول الله إلى السجدة فسجد، وقال: «لقد سمعت يا أبا الوليد، فأنت وذاك.» فقام عتبة ولم يتكلم، ثم قصد قومه حتى إذا رأوه قالوا لبعضهم: نحلف بأنه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قال: لقد سمعتُ قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، والله ليكونن لقوله الذي سمعتُهُ نبأٌ، فإن تُصِبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلكه مُلككم وعزُّه عزُّكم وكنتم به أسعد الناس. فقالوا: سَحَرك والله يا أبا الوليد. فقال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.٧

ثم إن الإسلام أخذ يفشو وعظماء قريش يتميَّزون من الغيظ، ثم إن قريشًا اجتمعت وتشاورت في أمر محمد وعزمت على التخلص منه، فقال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحَجَر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضختُ به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني. فقالوا: والله لا نُسلمك أبدًا، فامضِ لما تريد. فلما أصبح أخذ حجرًا وقصد الكعبة، وكان الرسول يصلي بين الركنين البرَّاني والأسود ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فلما سجد محمد احتمل أبو جهل الحجر وهجم نحو محمد، فلما دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه مرعوبًا، وقد يبست يداه حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه قريش فسألته عما به، فقال: لمَّا دنوت منه عرض لي دونه فحلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا أنيابه، فهمَّ بي أن يأكلني فتراجعت.

ثم إن قريشًا فكَّرت تفكيرًا آخر، فطلبت إلى النضر بن الحارث — وكان من شياطين قريش كان قدم الجبرة وتعلَّم أحاديث ملوك الفرس وقصص إسفنديار، وكان إذا سمع القرآن قام فقال: يا معشر قريش، هلمَّ إليَّ أحدِّثكم حديثًا أحسن من حديثه — فطلبت إليه قريش أن يتوجَّه إلى أحبار يهود المدينة ومعه عقبة بن أبي معيط، فلما وصلا المدينة ووصفا محمدًا للأحبار وأسمعاهم بعض قوله، قال لهم الأحبار: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهنَّ فهو نبي: سلوه عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، وسلوه عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح. ثم جاءوا رسول الله فسألوه عن الأسئلة الثلاثة، فقال : «أجيبكم غدًا.» ثم إنه مكث خمس عشرة ليلة لا يأتيه الوحي، فأخذت قريش تتقوَّل الأقاويل، فحزن رسول الله حتى جاءه جبريل بسورة الكهف، وفيها معاتبة من الله على حزنه وتفصيلُ جواب ما سألوه عنه. ولكن سفهاء قريش وزعماءها وأحلافهم استمروا في خصومتهم العنيفة، وأخذت كل قبيلة تنابذ من أسلم من أبنائها وتؤذيهم بعنف وقسوة؛ وبخاصة المستضعفون؛ فإنهم كانوا يُلبسونهم أدراع الحديد حتى ينطقوا بكلمة الكفر وقلبهم مفعمٌ بالإيمان، إلا نفرًا تحمَّلوا الأذى الشديد ولم ينطقوا بكلمة الكفر؛ ومنهم بلال مولى أبي بكر الذي قبض عليه أمية بن خلف وأخذ يعذِّبه بقسوة ووحشية يريده أن يكفر بالله ويعبد اللات والعزى، فيرفض وهو متحمل لأشد العذاب. وممَّن لقي أشد البلاء أيضًا عمار بن ياسر وأمه وأبوه، وأم عميس، وعامر بن فهيرة، وزنيرة وأعتق النهدية وابنتها.

(١) الهجرة إلى الحبشة

لمَّا رأى الرسول تعذيب هؤلاء المستضعفين وأنه لا يقدر على نصرتهم، قال للمسلمين: «مَن أراد أن يخرج بنفسه مهاجرًا إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، حتى يجعل الله لنا فرجًا.» فخرج نفرٌ من المسلمين إلى الحبشة مهاجرين، وكان ذلك في السنة السادسة للبعثة، وهي أول هجرة في الإسلام، وكان فيها من الوجوه عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت الرسول، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو مسلمة بن عبد الأسد المخزومي، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وسهيل بن بيضاء، وجعفر بن أبي طالب، وزوجه أسماء بنت عميس، وغيرهم. فودَّعهم الرسول وجعل عليهم عثمان بن مظعون،٨ وبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلًا، فرحَّب بهم النجاشي وأمَّنهم وأحسن إليهم، فاستقروا هناك واطمأنوا. ولكن هذا الأمر أقضَّ مضاجع قريش، فبعثت وفدًا إلى النجاشي وبطارقته، فذهب، وكان قوامه عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وحملا هدايا كثيرة إلى النجاشي وبطارقته، فلما وصلا إليه قالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دينَ قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا فيهم إليك أشراف قومهم لتردَّهم عليهم؛ فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوه عليهم وعاتبوهم. فقالت البطارقة: صدقًا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلِمْهم. فلما سمع النجاشي كلامهم غضب، ثم قال: لا والله لا أُسلِمهم حتى أدعوهم وأسألهم. ثم أرسل إليهم فجاءوا، فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحدٍ من هذه الملل؟ فكلَّمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرفه ونعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرَنَا بالصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدَّقناه، فعدا علينا قومنا فخرجنا إلى بلادك واخترناك على مَن سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك. فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ فقال جعفر: نعم. ثم قرأ صدرًا من «سورة كهيعص»، وتُرجمت للنجاشي، فبكى حتى اخضلَّت لحيته وبكت أساقفه، وقال: إن هذا الذي جاء به عيسى. ثم التفت إلى الرسولين وقال: انطلقا، فلا والله لا أُسلِمهم. فرجعا أخيبَ ما يكون الرجوع. ولما قدِما مكة ودخلاها وعلما بإسلام عمر سُقط في يديهما، وتتابع فشل المشركين منذ يومئذٍ.٩

(٢) إسلام عمر بن الخطاب

كان عمر أشد الفتيان في قريش على الإسلام وأهله، وكان رجلًا ذا شكيمة، وكان يكره محمدًا ودعوته الجديدة، ويناوئ أصحابه، ولكنه لما رأى خروج المسلمين من ديارهم إلى الحبشة تأثَّر بذلك؛ فقد روى ابن إسحق عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت حثمة، قالت: والله إنا لنترحَّل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر حتى وقف عليَّ وهو على شركه، وكنا نلقى منه البلاء، فقال: إنه الانطلاق يا أم عبد الله. فقلت: نعم، والله لنخرجن في أرض الله؛ آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله مخرجًا. فقال: صحبكم الله. ورأيتُ له رقَّة لم أكن أراها، وقد أحزنه فيما أرى خروجنا.١٠ ثم إن عمرَ خرج يومًا وقد آلمه ما جاء به محمد، ففرَّق جمع قريش وشتَّت أبناءها، وعلم أنه وصحابته في دارٍ عند الصفا، فذهب إليه متوشحًا سيفه ليؤذيه على ما فعل بقريش، فلقيه في الطريق نعيم بن عبد الله، فقال له: إلى أين يا ابن الخطاب؟ فقال: أريد محمدًا هذا الصبائي الذي فرَّق أمر قريش وسفَّه أحلامها فأقتله. فقال نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم. قال: فأي أهل بيتي صبأ؟ قال: ختنك وابن عمك وأختك، فقد والله أسلما. فرجع عمر إلى بيت أخته وزوجها وعندها خباب بن الأرت ومعه صحيفة يقرأ فيها القرآن، ولما وصل سمع هيمنة فقال: ما هذه الهيمنة؟ فقالا له: لا شيء. فقال: بلى والله لقد سمعت أنكما تابعتما محمدًا. وبطش بختنه فأدماه، فقالت أخته: أسلمنا فاصنع ما بدا لك. ولما رأى الدم بختنه وأخته ندم على ما فعل، وقال: أعطني الصحيفة التي سمعتكم تقرءون فيها. فقالت أخته: يا أخي، إنك نجس على شركك ولا يمسُّها إلا الطاهر. فاغتسلَ وأعطته الصحيفة وفيها سورة طه، فقرأها وقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع خباب كلامه خرج وقال له: والله إني سمعت رسول الله يقول أمس: اللهم أيِّدني وأيِّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب؛ فالله الله يا عمر. فقال له: دُلَّني على موضعه أذهب إليه. فدلَّه فأتى رسول الله وهو وأصحابه في البيت عند الصفا، ثم طرق الباب، فرآه القوم متوشِّحًا سيفه، ففتح له الباب ولقيه رسول الله، فأخذ بحجرته وجبذه جبذةً شديدةً وقال له: «ما بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى يُنزل الله بك قارعة.» فقال عمر: جئتك لأومن بالله ورسوله. فكبَّر رسول الله وكبَّر القوم مبتهجين بذلك. ثم تفرَّق أصحاب رسول الله من مكانهم وقد عزَّ ما في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله ينتصفون بهما من عدوهم،١١ وكان إسلام عمر في السنة الخامسة للبعثة.
١  الروض الأنف، ١: ١٥١–١٩٣.
٢  الروض الأنف، ١: ١٦٢.
٣  الطبري، ١: ٢١٧.
٤  ابن الأثير، ٢: ٣٠.
٥  السيرة لابن هشام؛ والروض الأنف، ١: ١٨٤.
٦  السيرة لابن هشام؛ والروض الأنف، ١: ١٨٥-١٨٦.
٧  ابن هشام؛ والروض الأنف، ١: ١٨٥-١٨٦.
٨  الروض الأنف، ١: ٢٠٤–٢٠٧.
٩  الطبري، ٢: ٢٢٢؛ والسيرة الحلبية، ٢: ٢.
١٠  الروض الأنف؛ والسيرة لابن هشام، ١: ٢١٥-٢١٦؛ والسيرة الحلبية، ٢: ١٢.
١١  انظر: الروض الأنف؛ والسيرة لابن هشام، ١: ٢١٨. وهذه هي الرواية الأشهر في إسلام عمر، وهناك رواية أخرى يرويها أهل المدينة ذكرها ابن هشام، انظر السيرة، ١: ٢١٨-٢١٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١