الفصل الثاني

في التراتيب الإدارية

نريد بالتراتيب الإدارية نظام الإدارة والخطط التي سار عليها الرسول الكريم في تنظيم شئون دولته، وقد استعرنا هذا التعبير من عنوان كتاب العلَّامة السيد عبد الحي الكتاني الفاسي الذي نشر جزأه الأول في سنة ١٣٤٦ﻫ بالرباط تحت اسم: «كتاب التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية». وهو كتاب قيِّم بَذل فيه مؤلفه جهدًا محمودًا، وكشف عن علم غزير واطلاع عميق واسع على الثقافة الإسلامية والخزانة العربية، وقد أراد المؤلف الفاضل أن يبين للناس ما كانت عليه أوضاع الإدارة الإسلامية في عهد النبي الكريم، فقد ذكر في مقدمته: «أن الذين اعتنوا بتدوين المدنية العربية والتراتيب الإدارية لخلفاء المملكة الإسلامية، وذكروا ما كان لأمراء الإسلام على عهد الدولة الأموية والخلافة العباسية من الرتب والوظائف والعمالات والعمال، أهملوا ما كان من ذلك على عهد رسول الله ، مع أنه — عليه الصلاة والسلام — حيث كان يشغل منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين والدنيا جمعًا مزج بين السلطتين، بحيث كادا أن يدخلا تحت مسمى واحد وهو «الدين». وكذلك وقع. كانت الإدارات اللازمة للسياستين على عهده صولجانها دائر، والعمالات بأتم أعمالها إلى الترقي والعمل سائر، بحيث يجد المتتبع وظائف حاشية الملك اليوم الخاصة بشخصه من صاحب الوضوء والفراش والنعال والإصطبل والحاجب، وغير ذلك، كانت موجودة عند النبي ، ولعل عن ذلك العهد أخذها ملوك الإسلام، كما إذا التفتَّ إلى ما يتعلق بالمراتب الإدارية من وزارة بأنواعها، وكتابة بأنواعها، والرسائل، والإقطاعات، وكتابة العهود والصلح، والرسل والترجمان، وكتاب الجيش والقضاة، وصاحب المظالم، وفارض النفقات، وفارض المواريث، وصاحب العسس في المدينة، والسجان، والعيون، والجواسيس، والمارستان، والمدارس، والزوايا، ونصب الأوصياء، والممرضات، والجرَّاحين، والصيارفة، وصاحب بيت المال، ومتولي خراج الأرض، وقاسم الأرض، وصانع المنجنيقات، والرامي بها، وصاحب الدبابات، وحافر الخنادق الصواغين، وأنواع المتاجر والحرف — تجد أن مدَّته — عليه الصلاة والسلام — مع قصرها لم تخلُ عن أعمال هذه الوظائف وإدارة هذه العمالات، وتجد أنها كانت مسندة للأكفاء من أصحابه وأعوانه. وربما يستغرب السامع هذا القدر على البديهة إذا سمعه ممن اقتصر على مطالعة بعض كتب السير للمتأخرين، وظن أنها خالية عن أمثال هذه الأمور؛ فإنه ربما يحيص حيصة الاستغراب، ولكن لا ضير فإن أكثر الذين يتعاطون السير اليوم غاية ما يقرءون من كتبها الهمزية.»١

والحق أن السيد الكتاني قد بذل جهودًا جبارة وطالع مئات المؤلفات من مطبوع ومخطوط في الفحص عن حكومة عهد النبي وتراتيبه الإدارية، وقد أوفقه الله إلى العثور على الكتاب النفيس المسمَّى «تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية» لأبي الحسن علي بن محمد بن أحمد بن موسى بن أبي غفرة الخزاعي (٧١٠–٧٨٩)، فقرأه واستدرك عليه وشرحه ونشره في مجلدين ضخمين بعنوان «التراتيب الإدارية». ولا شيء يؤخذ على كتاب الكتاني سوى سوء ترتيبه واضطراب بحوثه وضعف تأليفه، فإن المؤلف الجليل على الرغم من الجهد لم يستطِع أن يرتب كتابه ترتيبًا علميًّا حديثًا يفيد منه كل من يريد الاطلاع على حكومة النبي وأصول نظمه الإدارية، ولكنه جهد عظيم وعمل نافع جزى الله صاحبه عن الإسلام والعروبة خيرًا.

ونحن إذا رحنا ندرس شئون التراتيب الإدارية التي كانت في عهد حكومة النبي ، نجدها تنحصر في الشئون الآتية:

(١) الشئون الدينية

كان الرسول هو المشرف الأعظم على كافة مرافق الدولة الإسلامية وبخاصة الشئون الدينية، فهو المرجع الأول للمسلمين، وهو الموجِّه للدولة، وهو المشرِّع للمسلمين، فإمامة الصلاة وأذانها وتوقيتها وإمارة الحج وحجابة البيت والسقاية وتولِّي أمور الزكاة وصدقات الصوم؛ كان الرسول يشرف عليها بنفسه، أو يعهد إلى من يراه كفئًا للقيام بها.

(١-١) إِمامة الصلاة

هي من حقوق النبي، وقد كان يقوم بها بنفسه إلا في حال مرضه أو غيبته، فكان يأذن أن يتولاها غيره، وكان الرسول إذا بعث أميرًا في سرية أو فتح جعل إليه الصلاة، ولما مرِض مرَض موته فوَّض الصلاة لأبي بكر، فصلاها طول مدة مرضه إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، .

(١-٢) مؤذن الصلاة

اتخذ الرسول سبعة يؤذنون للناس ويدعونهم في أوقات الصلاة، «فأول» مؤذِّن له هو بلال الحبشي، وكان إذا أذَّن وقف على باب رسول الله فيقول: السلام عليك يا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة. و«الثاني» هو عبد الله بن أم مكتوم، وكان يؤذِّن في الفجر يتوخَّاه فلا يخطئه. «والثالث» هو أبو مخدورة، فقد كان رتَّبه لأذانه في مكة منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن بها إلى أن مات. «والرابع» هو سعد القرظ، أذَّن له بقباء ثلاث مرات. «والخامس» هو زياد بن الحارث الصدائي، أذَّن مرة لما كان بلال غائبًا، وأقام في صلاة الصبح. «والسادس» هو عبد العزيز بن الأصم، أذَّن مرة. «والسابع» هو ثوبان مولى النبي . ويقال إن عثمان بن عفان كان يؤذن للنبي.٢ كما يقال إن أول من أذَّن بمكة هو حبيب بن عبد الرحمن. ذكره الأزرقي في تاريخ مكة.٣

(١-٣) مَوقِت الصلاة

أمر النبي بلالًا بحفظ أوقات الصلاة؛ ففي «الموطأ» عن سعيد بن المسيب أن رسول الله حين قفل من خيبر أسرى، حتى إذا كان من آخر الليل عرَّس وقال لبلال: اكلأ لنا الصبح. ونام رسول الله وكلأ بلال.

(١-٤) أمير الحج

أول من قام للمسلمين بأمور الحج عتاب بن أسيد سنة ثمانٍ للهجرة حين ولَّاه النبي على مكَّة بعد فتحها، وكان عمره إذ ذاك عشرين سنة. أسلم يوم الفتح فولَّاه النبي عليها لما سار إلى حنين، وفي سنة تسعٍ حجَّ بالناس أبو بكر، وفي السنة العاشرة حجَّ النبي وخطب خطبة الوداع.

(١-٥) حجابة البيت الحرام

هذه إحدى الوظائف في عهد الجاهلية، وكان يتولاها عثمان بن أبي طلحة وشيبة بن عثمان قبيل الفتح، فلما فتح الرسول مكة دفع إليهما مفتاح الكعبة ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعلي، فقال لعثمان وشيبة: إنها لكما خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم.

(١-٦) سقاية البيت الحرام

هذه أيضًا إحدى الوظائف في عهد الجاهلية، وكانت لبني عبد المطلب، فأقرَّها النبي في الإسلام، حتى قال لهم — عليه السلام — وقد أتى على بني عبد المطلب وهم يسقون الناس على زمزم: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم.» فناولوه دلوًا فشرب. قال ابن باديس: طرح عليه الصلاة والسلام كل مأثرة كانت الجاهلية تتكبَّر بها … واستثنى من ذلك السدانة، وهي حجابة البيت، والسقاية؛ لأن فيهما تعظيم حرمات الله من حفظ البيت والقيام عليه.٤

(١-٧) المساجد ووظائفها وما يتعلق بها

قال الخزاعي في التخريج نقلًا عن الروض الأنف: إن مساجد المدينة تسعة مساجد سوى مسجد رسول الله، وكانوا كلهم يُصلون بأذان بلال.٥ وهذه المساجد هي: مسجد بني عمرو بن النجار الخزرجي، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابح من بني عبد الله الأشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة، والتاسع مسجد سالم.
أما أول مسجد خطَّه النبي في المدينة بعد مسجده فهو مسجد بني جهينة، قدموا إليه فخطَّ لهم مسجدهم. وأول مسجد قرئ فيه القرآن هو مسجد بني زريق.٦ وأول جمعة صلَّاها النبي في المدينة هي في مسجد بني أسلم ببطن الوادي، نقله السيوطي عن الزبير بن بكار في تاريخ المدينة.٧ أما مسجد النبي فقد بناه عقب وصوله إلى المدينة وقال: «ابنوا لي عريشًا كعريش موسى، ابنوه لي من لبِن، له ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل ذلك.» قيل له: وما ظلة موسى؟ قال: «كان إذا قام أصاب رأسه السقف.» وعمل فيه بنفسه ترغيبًا لهم،٨ وطفق ينقل معهم اللَّبِن في ثيابه ويقول وهو ينقل:
هذا الحمال
لا حمال خيبر
هذا أبرُّ
ربنا وأطهر٩
وجعلوا أساسه بالحجارة ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبن، وجعل يقول : لاهُمَّ إن الأجر أجر الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة.١٠ فأخذوا في بنائه وجعلوا عضادتيه من حجارة، وبنوه بالرهص، وهو الطين الذي يتخذ منه الجدار، ورفعوا جداره سبعة أذرع، وقيل: خمسة.١١ وجعلوه سبعين في ستين ذراعًا، وقيل: مائة في مائة مربعة.١٢ وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعلوا أوسطه رحبة، وبنى بيتين لزوجتيه١٣ عائشة وسودة، ثم زادها حتى بلغت تسعًا، ولم يجعل له سطحًا أول الأمر، ولما شكوا الحرَّ إليه جعل له سطحًا من خشب وسواريَّة جذوعًا وظللوه بالجريد ثم بالخصف، ولما وكف عليهم طيَّنوه.١٤ وقيل: إنهم لما قالوا له أن يطيِّنه قال: لا، عريش كعريش موسى. ولم يزل كذلك حتى قُبض.١٥ وكان له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب عاتكة وهو باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه، وهو باب عثمان، ولما حُوِّلت القبلة سدَّ الباب الذي خلفه.١٦ ولما ضاق المسجد بأهله وكثر المسلمون وسَّعه بإضافة المربد الذي كان بجانبه، اشتراه عثمان ووهبه للنبي،١٧ وقد جعله مسجدًا بسيطًا خاليًا من الزخرف والتزيين. ولما جمع الأنصار مالًا أتوا به النبي فقالوا له: ابنِ هذا المسجد وزيِّنه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: «ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى.»١٨ ويظهر أن المسجد النبوي لم يكن له محراب، فإني لم أعثر على أحد أشار إلى ذلك، وإنما ذكر السيوطي أن عمر بن عبد العزيز هو أول من أوجد المحراب المجوَّف حينما بنى المسجد النبوي، ونقل ذلك عن الواقدي.١٩ والمحراب كلمة عربية قديمة تطلق على صدر البيت، ومنها أخذت لصدر المسجد، وقيل: إن أصله محرام (من الإحرام) ثم أُبدلت الميم الثانية باءً. وقيل: إن الكلمة عبرية، ومحاريب اليهود هي كنائسهم. قال المجد الفيروزآبادي في القاموس: المحراب الغرفة، وصدر البيت، ومقام الإمام من المسجد، والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون بها. أما المئذنة أو المنارة، فلم يذكر أحد من المؤرخين أنها كانت مبنية في عهد الرسول، وإنما ذكروا أن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي أطول بيتٍ حذاء المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسَحَر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطَّى ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، ثم يؤذِّن. وذكر أهل السير أن بلالًا كان يؤذن على أسطوان في قبلة المسجد، يرقى إليها بأقتاب فيها، وكانت خارجة من المسجد.٢٠ وفي أُسد الغابة: أن النوار أم زيد بن ثابت هي التي قالت: إن بيتي كان أطول بيت حول المسجد الحرام، فكان بلال يؤذِّن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله مسجده، فكان يؤذِّن بعدُ على ظهر المسجد وقد رُفع له شيء فوق ظهره.٢١ وقيل إن بلالًا كان يؤذن من دار حفصة بنت عمر قرب المسجد.٢٢ وقال الكتاني: لم يكن منار في زمانه ، وإنما هو من سنَّة الصحابة، وكانوا في عهده يؤذنون عند باب المسجد وبين يدي الإمام.٢٣
وأما المنبر فقد ذكروا أن النبي كان يخطب بالناس يوم الجمعة في مسجده إلى جذع شجرة أو نخلة، ثم إنهم اتخذوا لهم منبرًا من خشب يخطب عليه،٢٤ فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؛ فإن لي غلامًا نجارًا؟ قال: «إن شئتِ فعلتِ.» فعملت له منبرًا،٢٥ فلما كان يوم الجمعة قعد النبي على المنبر الذي صُنع له، وقد جعلوا له ثلاث درجات أو أربعًا.٢٦ وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة، وقيل: بل في السنة الثامنة. وقيل: في التاسعة.٢٧ وكان موضع المنبر عن يمين مصلَّى النبي لاصقًا بجدار المسجد القبلي.٢٨
وقد كان هذا المسجد مفروشًا بالحصى، وربما وُضعت فيه الخمرة، وهي حصير من سعف النخل مضفور بالسيور ونحوها بقدر الوجه والكفين من المصلي. وقيل: هي السجادة التي يسجد عليها المصلِّي. وروى البخاري عن عائشة قالت: قال لي رسول الله: «ناوليني الخمرة من المسجد.» وروى النسائي عن ميمونة قالت: كان رسول الله يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد وتبسطها وهي حائض. كما روي أن المسجد كان مفروشًا بالحصير.٢٩ وقد كان المسجد ينظَّف ويخلَّق بالطيب؛ فقد رووا أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة فأصبح كئيبًا لذلك، فسألته امرأته فأخبرها، فعمدت إلى القبلة فغسلتها وخلَّقتها، فكانت أول من خلَّق القبلة. وقيل: إن الذي رأى ذلك هو النبي فحكَّها ثم أمر بخلوق فلطَّخ به مكانها، ثم خلَّق الناس المساجد. أما إضاءة المسجد النبوي، فقد رووا أنهم أول الأمر كانوا يوقدون المشاعل من سعف النخل، ثم إن تميمًا الداري حمل معه من الشام قناديل وزيتًا ومُقطًا، ولما انتهى إلى المدينة وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلامًا له يقال له أبو البراد، فقام فشد المقط — وهو الحبل — وعلَّق القناديل وصبَّ الماء فيها وجعل المفتل فيها، فلما غربت الشمس أسرجها، فخرج رسول الله إلى المسجد فإذا هو يزهر، فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: تميم يا رسول الله. فقال: «نوَّرت الإسلام نوَّر الله عليك في الدنيا والآخرة.» وفي الاستيعاب في ترجمة سراج مولى تميم: قدم على النبي في خمسة غلمان لتميم وأنه سرج للنبي بقنديل الزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا سعف النخل، فقال رسول الله : «ما اسمه؟» قال: فتح. قال النبي : «بل اسمه سراج.» قال: فسماني رسول الله سراجًا.٣٠
وقد كان للمسجد صُفَّة، وهي ظُلة في آخر المسجد، قال القاضي عياض: هي ظلة في مؤخرة المسجد النبوي يأوي إليها المساكين، ويُنسب إليها أهل الصفة. وقال الذهبي: إن القبلة قبل أن تحوَّل كانت في شمالي المسجد، فلما حوِّلت القبلة بقي حائط القبلة قبل الأعلى مكان أهل الصفة،٣١ وكان أهل الصفة جماعة من فقراء الصحابة وغربائهم يأوون في المسجد النبوي، وربما بلغ عددهم المائة يزيدون وينقصون. ومن مشهوريهم عمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وأبو هريرة، وابن أم مكتوم، وصهيب، وخباب. وقد طلب النبي من أغنياء المسلمين أن يطعموهم، وطلب إليهم أن يبعثوا بأقناء من نخلهم للمساكين، فبعث الناس ذلك، واستعمل على الأقناء معاذ بن جبل، فكان يمد حبلًا بين جذعين ويعلِّق عليه الأقناء، وكان يحفظها ويقسمها.٣٢
وقد كان للمسجد النبوي امرأة تعتني بتنظيفه وتطهيره؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد، ففقدها الرسول ، فسأل عنها، فقالوا: ماتت. فقال: «أفلا آذنتموني؟» قال: فكأنهم صغَّروا أمرها، فقال: «دلُّوني على قبرها.» فدلُّوه فصلَّى عليها. وروى ابن خزيمة في صحيحه أنه قال: «إن امرأة كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد.» وروى ابن ماجه أنها كانت تقمُّ المسجد، فماتت ليلًا، فلما أصبح رسول الله أخبر بها فقال: «ألا آذنتموني؟» فخرج بأصحابه فوقف على قبرها فكبَّر عليها والناس خلفه ودعا لها ثم انصرف. واسم تلك المرأة أم محجن، وقيل: محجنة. وهي من أهل الحبشة.٣٣ وكان في المسجد النبوي مجمِّر يطيِّبه ويبخره، وكان النبي يقول: جمِّروا مساجدكم. ويقال: إن مجمِّر مسجد النبي كان نعيم بن عبد الله المزني، وكذلك كان أبوه. وكان عبد الله مولى عمر بن الخطاب يباشر ذلك أيضًا. وفي سنن أبي داود عن عائشة قالت: أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور، وأن تطيَّب وتنظَّف، ونقل الخزاعي عن كتاب «الجامع من البيان والتحصيل» لابن رشد: أن رسول الله قال: «جمِّروا مساجدكم.» وفي «التمهيد» أن عبد الله المجمِّر مولى عمر بن الخطاب، كان يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر. وقيل إنه كان من الذين يجمِّرون الكعبة.٣٤

(١-٨) صاحب الصلاة

كان النبي يقوم بدعوة الناس إلى صلاة الجماعة، ويشتد عليهم في تركها لغير عذر مشروع، قال الخزاعي: كان يباشر ذلك بنفسه، حتى إنه همَّ بحرق الدور على الذين لم يشهدوا معه الجماعات كما في الصحيحين وغيرهما. وذكر الزمخشري في الكشاف: أن المصطفى استعمل عتَّاب بن أسيد على أهل مكة، وقال له: «… فقد استعملتك على أهل الله.» فكان شديدًا على المنافقين هيِّنًا على المؤمنين، وقال لهم: والله لا أعلم متخلفًا عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا المنافق.٣٥ وزاد الكتاني على ذلك قوله: إن أبا زياد الجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة ذكر غير واحد ممن ألَّف في السير أن عمر بن الخطاب وعليًّا كانا من عاداتهما إذا طلع الفجر خرجا يوقظان الناس لصلاة الصبح، وأن ذلك سبب قتلهما، فيؤخذ منه أن إيقاظ الناس ليس بمكروه ولا محرم، بل هو من باب التعاون على البر.٣٦

(١-٩) مرتِّب صفوف المصلين

كان من وظائف بلال عند الأذان أن يسوي صفوف الصلاة، ويضرب عراقيب المصلين بالدرة حتى يستووا؛ فقد نقل الكتاني عن الإمام أحمد في كتاب الصلاة (ص١٤): أن بلالًا كان يسوِّي الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة حتى يستووا. وقال بعض العلماء: قد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد رسول الله عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذن لأحد بعد النبي إلا يومًا واحدًا بعد مرجعه من الشام مدة أبي بكر.٣٧

(٢) الشئون السياسية

اهتم الرسول الكريم بالشئون السياسية، فعني بنفسه بالشئون الخارجية لحكومته، وكان يراقب أحوال العرب واليهود والنصارى خارج العاصمة، وكان أمله الأول هو الاستيلاء على مكة قلب الجزيرة العربية، فعمل كل ما في وسعه، وحالف من حالف ضد قريش حتى تمكَّن من القضاء عليها. وقد رأينا في الوثيقة المدنية شيئًا من العمل السياسي الحكيم الذي قام به من التحالف مع اليهود ضد قريش، ثم إنه — عليه السلام — انصرف إلى عمل كل ما في وسعه لحصر قريش التضييق عليها، وقد رأينا طرفًا من أعماله الحربية التي قام بها للقضاء على قريش وأحلافها. ونريد هنا أن نبين بعض الأعمال السياسية التي قام بها — عليه الصلاة والسلام: فمن ذلك أنه بعث عبد الله بن جحش الأسدي الصحابي السياسي الداهية العاقل (–٣ﻫ) يترصد قريشًا ومعه سرية، وقد كتب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان في ذلك الكتاب: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم.»٣٨ وهذه سياسة حكيمة بارعة سلكها النبي خوفًا من عيون قريش في مكة ومن المنافقين المقيمين بين ظهرانيه، ولو أشهر أنه فعل ذلك لعلمت قريش بمقدم هذه السرية وفتكت بأصحابها، فقد قال الواقدي: إن النبي أمر عبد الله أن يسلك طريقًا بعينه وهو طريق النجدية-ركية، فسار فلما بلغ بئر بني خميرة نشر الكتاب وقرأه فسار بمن معه، ولم يتخلَّف منهم أحد، ورجع سالمًا مطمئنًّا بأطيب الأخبار.

ومن أعمال النبي السياسية في تلك الفترة جوابه على كتاب جاءه من أبي سفيان يقول له فيه: «أما بعد، فإنك قد قتلت أبطالنا، وأيتمت أطفالنا، ورمَّلت نساءنا، والآن قد اجتمعت القبائل والعشائر يطلبون قتالك وقلع آثارك، وقد أنفذنا إليك نريد منك نصف نخل المدينة؛ فإن أجبتنا إلى ذلك، وإلا أبشر بخرب الديار وقلع الآثار.»

تجاوبت القبائل من نزار
لنصر اللات في بيت الحرام
وأقبلت الضراغم من قريش
على خيل مسومة ضرام
فطلب النبي من عليٍّ أن يكتب الجواب، فكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتاب أهل الشرك والنفاق والكفر والشقاق، وفهمت مقالكم، فوالله ما لكم عندي جواب إلا أطراف الرماح وأشفار الصفاح، فارجعوا — ويلكم — عن عبادة الأصنام، وأبشروا بضرب الحسام وبفلق الهام وخراب الديار وقلع الآثار، والسلام على من اتبع الهدى.

ألا أبلغ عني قريشًا
من لسان كالحسام
أن هلموا كي تلاقوا ما لقيتم
من الصمصام في بدن وهام٣٩

ونحن نرى من رسالة أبي سفيان سوء أدبه وضيق عطنه، كما نستشفُّ منه اضطراب وضع مكة وأهلها حتى لجأ أبو سفيان إلى تلك العبارات الشديدة ليخيف النبي ويهدده ثم يوعده، وكان من أحزم الحزم ومن السياسة الرشيدة والكياسة الحميدة أن يجيبه النبي بما أجابه من القوة، وأن الجواب ما سيراه لا ما سيسمعه، فإن القول والقلم لا يغنيان في موضع السيف والحسام.

ومن سياسات النبي الحكيمة أيضًا: ما رواه ابن هشام والطبري من مراوضة لغطفان حتى تخذل قريشًا أثناء غزوة الخندق، وقد أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن تلك الغزوة حين أقام المسلمون والمشركون كل جانب يتربص بصاحبه، حتى ضاق أمر الرسول وصحابته وقريش وأحلافها من غطفان وأحلافهم، وقد فكَّر الرسول مليًّا في الأمر، فلم يرَ سياسة أحكم من أن يفلَّ صفوف قريش ويحتال عليها بعد أن أتى البلاء على الناس في المدينة، فإنه — عليه الصلاة والسلام — كتب إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف زعيمَي غطفان يعدهما بإعطائهما ثلث ثمار المدينة وأموالها على أن يرجفا عنه بمن معهما، وجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم يوقَّع ولم يشهد عليه إلا المراوضة — المداراة والمداورة — حتى مكَّنه الله وخذل قريشًا وفرَّق جموعها.

ومن سياسات النبي الحكيمة: صلح الحديبية والعقد الذي عقده مع أهل مكة، وهو هذا:
باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشرين سنة يأمن فيهن الناس ويكفُّ بعضهم عن بعض، على أنه من قدم مكة من أصحاب مكة حاجًّا أو معتمرًا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازًا إلى مصر والشام يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه ردَّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال،٤٠ وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه (فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وقالت بنو بكر: نحن في عقد قريش وعهدهم)، وإنك ترجع علينا عامك فلا تدخل مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا تدخلها بغيرها. وأشهد على هذا الصلح رجال المسلمين ورجال المشركين وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمان بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، ومكرز بن حفص و… من المشركين وعلي بن أبي طالب وكتب …٤١

وهذه المعاهدة تدل على أن الرسول إنما هادن القوم وقَبِل بما تضمنه بعض بنودها من القسوة على المسلمين؛ لأنه رأى أن الكفة راجحة وقتئذٍ مع قريش، فجاراهم ليأمن على أموال المسلمين ودمائهم. ونحن إذا دققنا في رسائله السياسية التي بعث بها إلى الملوك والأمراء والتي سنراها بعد، نطلع على جانب من السياسة العملية التي سلكها النبي الكريم في خارج الجزيرة العربية بعد أن استقرت له الأمور في بلاد العرب.

ومن مظاهر سياسة النبي الكريم اعتناؤه ببعض الشئون التي تتعلق بالسياسة، كأعمال التوثيق والمعاهدات والمبايعات وانتقاء السفراء ورسل الصلح أو الرسل عامة، والتراجمة … وما إلى ذلك من شئون السياسة، مما سنبينه بعد!

(٢-١) التوثيق … والمبايعة

التوثيق أو التثبيت: هو أن يعمد المتعاهدان إلى تثبيت تعاهدهما وتحالفهما بالكتابة والتوقيع. والمبايعة: هي أن يتعاهد الرجلان على أمر يتفقان على الإخلاص له والتفاني فيه. قال ابن الأثير في شرح قوله : «ألا تبايعوني على الإسلام؟» إن المبايعة هي عبارة عن المعاهدة على الإسلام، والمعاهدة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره.٤٢ وقد كان الرسول يبايع الرجال والنساء، يضع يده في أيدي الرجال يعاهدهم ويعاهدونه على الإسلام ونصرته والتفاني في تأييده والجهاد والهجرة والنصر والثبات والاستماتة في رعاية الدين وأهله، وحفظ عهد الله وميثاقه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

والمبايعة والتعاقد والتحالف أمور كانت تعرفها العرب في الجاهلية، وكان لهم أصول وقواعد يتبعونها في تحالفهم، فلما جاء الإسلام ودعا الرسولُ الكريم العربَ إلى الدخول في دين الله، كوَّن دولة وحَّدت متفرقي العرب، ونظمت شملهم، وسعت إلى خلق كيان سياسي لهم لا يقل عن كيان الدول القوية المعروفة وقتئذٍ في بلاد فارس والروم والأحباش. وقد عقد النبي الكريم مبايعات وعقودًا من رؤساء القبائل العربية حفظ لنا التاريخُ بعض نصوصها، وقد مر بنا بعض ذلك. كما يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان عنده ملء صندوق فيه نسخ العهود والمواثيق التي عقدها النبي وأبو بكر، ولكنها احترقت لما احترق الديوان يوم الجماجم سنة ٨٢ للهجرة، ولم يبقَ من تلك الوثائق إلا قليل جدًّا.

وقد حفظ لنا الدهر بعض تلك الوثائق الهامة، كالوثيقة التي وجدها المستشرق الفرنسي بارتيلمي في كنيسة قرب إخميم في مصر، وهي التي بعث بها النبي إلى المقوقس، والوثيقة التي نشرها المستشرق الألماني فلايشر، ونشرها وهي تتضمن كتاب الرسول إلى المنذر بن ساوي، والوثيقة التي عثر عليها المستشرق الإنكليزي دنلوب وهي تتضمن رسالة النبي إلى النجاشي.٤٣
على أن كتب الوثائق والتاريخ والحديث والسيرة قد حفظت لنا نصوص كثير من الوثائق، وقد جمعها الأستاذ المحقق الهندي محمد حميد الله الحيدرأبادي في كتابه القيِّم «مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة».٤٤ ومما جاء في مقدمة هذا الكتاب قوله: كان عصر النبي قبل الهجرة عصر تمهيد وتجربة، ولا يصح أن يقال: إن الجماعة الإسلامية بمكة كانت حينئذٍ دولة من الدول؛ فإنه لم يكن لها كيان سياسي ولا نظام إداري، ولا تصادف في هذا العهد ما يطلق عليه اسم السياسة الخارجية سوى بيعتَي العقبة اللتين أسستا بنيان الدولة الإسلامية، وكان لهما أثر عظيم فيما بعد، إلا أنهما لم تكتبا في قرطاس، ولم تؤخذا إلا سرًّا. وهاتان البيعتان تتعلقان بروابط المسلمين مع أهل المدينة، وكان فيهما وضع الدستور الأساسي (يريد بذلك وثيقة المدينة التي ذكرناها في الباب الخامس). ولما هاجر الرسول إلى المدينة وجد هناك عدة قبائل يهودية فعاهدهم فدخلوا في دولة وفاقية Fédération تحت رياسة محمد … وكانت هجرة مسلمي مكة وإقامة دولة إسلامية في المدينة سببًا لتوتر العلائق بين المسلمين وقريش، فنشأت بينهما وقائع بدر وأحد والخندق والحديبية وفتح مكة … ولم تبدأ علائق المسلمين السياسية مع الروم والفرس ومن تحتهم من الحبشة والغساسنة وأهل البحرين وعمان واليمن، والبحرين ونجران وحضرموت ومهرة وغيرها إلا بعد الحديبية … ومن المعروف أن قيصر الروم وكسرى الفرس لما دعاهما الرسول إلى الإسلام أبيا وردا دعوته، فكتب النبي رأسًا إلى الملوك والأمراء الذين تحت سيطرة هذين العظيمين، فمنهم من أجاب فأفلح، ومنهم من أدبر فهلك.٤٥ وقد ضمن الأستاذ الحيدرأبادي وثائق النبي ومعاهدات الدعوة الإسلامية وتجديد المعاهدات القديمة، وذكر عهود تولية العمال مع ذكر واجباتهم، كما ذكر عهود الأراضي وكتب الأمان والتوصيات، وبذل في جمع ذلك جهدًا يدل على فضل وإيمان. وقد كشف لنا بعمله هذا — جزاه الله خيرًا — عن كثير من النواحي السياسية والطرق التي اتبعها الرسول الكريم في كتابة وثائقه وعهود مبايعته ورسائله.

(٢-٢) السفارة

كان الرسول يختار لسفارته أناسًا من أعقل الصحابة وأجملهم صورة وأحسنهم حديثًا وأطلقهم لسانًا وقوة حجة، وكان إذا أرسل سفيرًا قال لهم: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتشاوروا وتطاوعوا.»٤٦

ومن سفراء الرسول الذين بعثهم إلى ملوك عصره وأمرائه: دحية بن خليفة الكلبي (–٤٥) وكان عاقلًا لبيبًا جميل الصورة بعثه إلى قيصر، فلما دخل عليه قال له: يا قيصر، أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع بذُلٍّ ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي؟ قال: نعم. قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من دبر خلق السماوات والأرض والمسيح في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى بن مريم، وعندك من ذلك أثارة من علم تكفي عن العيان، وتشفي من الخبر، فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة وشوركت في الدنيا، واعلم أن لك ربًّا يقصم الجبابرة ويغير النعم.

فأخذ القيصر الكتاب ووضعه على عينيه ورأسه وقبَّله، ثم قال: أما والله ما تركت كتابًا إلا وقرأته، ولا عالمًا إلا وسألته، فما رأيت إلا خيرًا، فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدًا ما هو أحسن فأرجع عنه فيضرني ذلك ولا ينفع، أقم حتى أنظر. فلم يلبث أن أتاه وفاة النبي .

ومما قاله دحية حين قدومه على القيصر:

ألا هل أتاها على نأيها
فإني قدمت على قيصر
فغررته بصلاة المسيـ
ـح وكانت من الجوهر الأحمر
وتدبير ربك أمر السما
ء والأرض فأغضى ولم ينكر
وقلت تقر ببشرى المسيـ
ـح فقال سأنظر قلت انظر
فكاد يقر بأمر الرسو
ل فمال إلى البدل الأعور
فشك فجاشت له نفسه
وجاشت نفوس بني الأصفر
على وضعه بيديه الكتاب
على الرأس والعين والمنخر
فأصبح قيصر من أمره
بمنزلة الفرس الأشقر٤٧

حاطب بن أبي بلتعة اللخمي (–٣٠ﻫ)

كان من فرسان قريش وشعرائها ورماتها وتجَّارها، بعثه الرسول إلى المقوقس جريج بن ميناء ملك مصر بكتابه إليه، فلما قدم عليه قال له: إنه قد كان رجل قبلك يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبِرْ بغيرك ولا يعتبر غيرك بك. فقال له: هات. قال: إن لك دينًا لن تدعه إلا لما هو خير منه؛ وهو الإسلام … فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب … وسأنظر.

وأهدى للنبي أم إبراهيم القبطية واسمها «مارية بنت شمعون»، وأختها «سيرين» أم عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وغلامًا اسمه «مابور» وبغلة اسمها «دلدل»، وكسوة وقدحًا من قوارير كان يشرب فيه النبي وكاتبه.٤٨

والعلاء بن عبد الله الحضرمي (–٢١ﻫ)

وكان عاقلًا مقدامًا أبلى بلاءً عظيمًا في الفتوح، بعثه الرسول إلى المنذر بن ساوي العبدي ملك البحرين، فقال له: يا منذر، إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين ليس فيه تكرم العرب، ولا أعلم أهل الكتاب ينكحون من يُستحى من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم على أكله، ويعبدون في الدنيا نارًا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب ألا تصدقه، ولمن لا يخون ألا تأمنه، ولمن لا يخلف ألا تثق به، فإن كان هذا هكذا فهو هذا النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه أو نقص في عقابه … فقال المنذر: قد نظرت في هذا الأمر الذي فيَّ فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا … وسأنظر.٤٩

وعمرو بن العاص السهمي (–٤٣ﻫ)

العاقل الداهية الحكيم الأشهر، بعثه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكَي عمان، فقال له: يا جلندي، إنك وإن كنت منا بعيدًا فإنك من الله غير بعيد، إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، وألا تشرك به من لم يشركه فيك. اعلم أنه يميتك الذي أحياك، ويعيدك الذي بدَّاك، فانظر في هذا الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة، فإن كان يريد أجرًا فامنعه، أو يميل به هوًى فدعه، ثم انظر فيما يجيء به هل يشبه ما يجيء به الناس، فإن كان يشبهه فسله العيان، وتخبر عليه في الخبر، وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال وخَفْ ما وعد. فقال الجلندي: إنه والله لقد دلَّني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وإنه يَغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، وإنه يفي بالعهد وينجز الموعود، وإنه لا يزال سرٌّ قد اطلع عليه يساوي فيه أهله، وأشهد أنه نبي.٥٠

شجاع بن وهب (وهبه) بن ربيعة الغنمي (–١٢ﻫ)

وكان من العقلاء الشجعان النبلاء، بعثه النبي إلى جبلة بن الأيهم بن الحارث بن أبي شمر الغساني بغوطة دمشق، فقال له: يا جبلة، إن قومك نقلوا هذا النبي من داره إلى دارهم — يعني الأنصار — فآووه ومنعوه، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك، ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم، ولو جاورت كسرى دِنت بدين الفرس لملك العراق، وقد أقر بهذا النبي الأمي من أهل دينك مَن إن فضلناه عليك لم يغضبك، وإن فضلناك عليه لم يرضِك. فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والجُمَع بالشعانين، والقبلة بالصليب، وكان ما عند الله خير وأبقى.

فقال له جبلة: إني والله لوددت أن الناس أجمعوا على هذا النبي الأمي اجتماعهم على خالق السماوات والأرض، ولقد سرني اجتماع قومي له، وأعجبني قتله أهل الأوثان واليهود، واستبقاؤه النصارى، ولقد دعاني قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، فانتدب مالك بن ناقلة من سعد العشيرة فقتله الله، وسأنظر.٥١

المهاجر بن أبي أمية المخزومي (–؟)

وكان من عقلاء العرب ودهاتهم وشجعانهم وتجَّارهم. بعثه إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، فلما قدم عليه قال له: يا حارث، إنك كنت أول من عرض عليه النبي نفسه فخطئت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرًا، فإذا نظرت في غلبة الملوك فانظر في غالب الملوك، وإذا سرَّك يومك فخَفْ غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلًا وأمَّلوا بعيدًا وتزودوا قليلًا، منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردتَ الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك، وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس له شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه. واعلم أن لك ربًّا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

فقال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه عليَّ فخطئت عنه، وكان ذخرًا لمن صار إليه، وكان أمره أمرًا سبق فحضره اليأس وغاب عنه الطمع، ولم يكن لي قرابة أحتمله عليها، ولا لي فيه هوًى أتبعه، غير أني أرى أمرًا لم يوسوسه الكذب ولم يسنده الباطل، له بدء سارٌّ وعاقبة نافعة، وسأنظر.٥٢
وهناك سفراء آخرون تطول أخبارهم منهم:
  • عبد الله بن حذافة السهمي: بعثه إلى كسرى ملك الفرس.
  • وعمرو بن أمية الضمري: بعثه إلى النجاشي.
  • وسليط بن عمرو السليطي: بعثه إلى ثمامة بن أثال ملك اليمامة.
  • شجاع الأسدي: بعثه إلى الحارث الغساني ملك البلقاء.
وكان بعث الرسول هؤلاء السفراء في محرم من السنة السابعة للهجرة.٥٣

(٢-٣) الرسالة

كما كان للرسول سفراء بعث بهم إلى الملوك والأمراء في عصره، كانت له رسل بعث بهم لتبليغ بعض رسائله التي تتضمن الدعوة إلى الإسلام، أو إلى عقد الصلح، أو تبليغ بعض الأخبار الدينية أو السياسية. ومن رسله حراش بن أمية الخزاعي؛ بعث به إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له، وأمره أن يبلغ أشرافهم ما جاء به؛ فعقروا جمل الرسول وأرادوا قتله، فمنعهم الأحابيش وخلُّوا سبيله، ثم أرسل المصطفى في ذلك عثمان بن عفان بإشارة عمر بن الخطاب، فبلغ ما أراد ونجا.٥٤
وروى ابن عبد البر في الاستيعاب أن النبي أرسل عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان، وبعث معه بهدية إلى مكة، ويروي أبو عبيد القاسم بن سلام أن هذه الهدية كانت تَمْرَ عجوةٍ، وأن النبي كتب إلى أبي سفيان يستهديه أدمًا، فأهداه إليه أبو سفيان، وكان ذلك أيام الهدنة بين الرسول وبين أهل مكة قبل فتحها.٥٥ وهذا يدلنا على حسن سياسة النبي، وأنه على الرغم من الخصومة الشديدة التي كانت بين النبي وبين قريش، فإن هذا لم يمنعه من أن يتلطَّف مع أبي سفيان رئيس قريش، فيهدي إليه ويستهديه، وفي هذا ما فيه من براعة النبي الكريم وكياسته. وقد كان الرسول يُحسن استقبال الرسل الذين يجيئون إليه ويتلطَّف معهم؛ فقد روى ابن حجر في الإصابة في ترجمة مسعود بن سعد الجذامي أن رسول الله لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ستٍّ، أرسل رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام … ثم ذكر القصة، وفيها: أن فروة كان عاملًا لقيصر على عمان من البلقاء، فكتب فروة إلى رسول الله بإسلامه، وأرسل إليه بهديَّةٍ مع رجلٍ من قومه يقال له مسعود بن سعد، فقرأ الرسول كتابه وقَبِل هديَّته، وأجاز رسولَهُ بخمسمائة درهم.٥٦ وهذا يدلنا على حُسن تلقِّي النبي لرسل غيره وإجازتهم.

(٢-٤) الترجمة

وكما اهتمَّ الرسول بأمر السفراء والرسل، كذلك اهتم باللغات الأجنبية للكتابة إلى أربابها بلغاتها، وإبلاغهم رسالة ربِّه تعالى بها. وفي كتاب التراتيب الإدارية بحثٌ مفصَّلٌ في معرفة النبي للُّغات الأجنبية ومناقشة النظرية القائلة بأن النبي أُرسِل إلى جميع البشر، وأن القرآن يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ. فهذا يقضي كونه — عليه الصلاة والسلام — يعرف غير اللغة العربية. ونحن — على الرغم من ضعف حجج القائلين بمعرفة النبي لِلُغات الأقوام والملوك الذين كاتَبَهم ودعاهم إلى الإسلام — نعتقد بأن النبي — عليه السلام — قد أوصى بعض أصحابه بتعلُّم بعض اللغات الأجنبية من فارسية ورومية وحبشية وعبرية وسريانية؛ لشدة حاجة الدعوة الإسلامية إليها، وقد احتاج النبي إلى تراجمة يترجمون له ما يُكتَب إليه بهذه اللغات. وقد تواترت الأقوال أنه طلب إلى زيدٍ بن ثابت أن يتعلَّم كتابة العبرية أو السريانية؛ فقد ذكر ابن حجر في ترجمة زيد: أن زيدًا كان من علماء الصحابة وفضلائهم، وأنه الذي جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر حين قال له: إنك شاب عاقل لا نتَّهمك. وإنه أتى النبي حين قَدِم المدينة، فقرأ عليه سبع عشرة سورة من القرآن كان يحفظها، فأعجبه وقرَّبه، ثم قال له: «تعلَّم كتاب اليهود؛ فإني ما آمنهم على كتابي.» قال زيد: ففعلتُ، فما مضى نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له.٥٧ ويُروى أنه أمره بتعلُّم السريانية أيضًا، وأنه تعلَّمها في سبعة عشر يومًا؛ ففي الاستيعاب لابن عبد البر أنه كانت تَرِد على رسول الله كتبٌ بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت بتعلُّمها فتعلَّمها في بضعة عشر يومًا. وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله : «أتُحسِن السريانية؟ إنه تأتيني كُتبٌ.» قال: قلت: لا. قال: فتعلَّمتها في تسعة عشر يومًا. وفي الأحكام الصغرى ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله : «إنه تأتيني كتبٌ من أناسٍ لا أحب أن يقرأهنَّ كل واحد، فهل تستطيع أن تتعلم السريانية؟» قال: قلت: نعم. فتعلَّمتها في سبعة عشر يومًا.٥٨
ويذكر الكتاني والخزاعي٥٩ أن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري كان يكتب للملوك ويجيب بحضرة النبي ، وكان ترجمانه بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلَّم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وقد نقل ذلك التلمساني في «العمدة»، وابن هشام في «البهجة»، ويذكر صاحب العقد أن زيدًا تعلَّم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب النبي ، والحبشية من خادم النبي، والقبطية من خادمته.٦٠ ويذكر ابن عساكر في تاريخه: أن الرسول قال له: «إنها تأتيني كتبٌ لا أحب أن يقرأها كل واحد، فهل تستطيع أن تتعلَّم كتاب العبرانية؟» أو قال: السريانية. فقلت: نعم. قال: فتعلَّمتها في سبع عشر ليلة.٦١ وتخلص من هذه الأقوال والروايات كلها أن زيدًا تعلَّم بعض اللغات الأجنبية بأمر الرسول، وأكثر الروايات على أنها عبرية، وأنه تعلَّمها في مِدراسٍ يهودي يسمَّى مدراس ماسكة.٦٢

ومهما يكن من شيء، فإن الرسول اهتمَّ بهذه الناحية لحاجته الشديدة إلى الكتابة باللغات الأجنبية، ولا شك في أنه كان يستعين ببعض صحابته من أرباب تلك اللغات؛ كصهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، وأنه أمر بعض الشبان من أذكياء الصحابة أن يتعلَّموا بعض اللغات الأجنبية التي لم يكن بين الصحابة من يعرفها أو يُحسن الكتابة بها؛ كالعربية أو السريانية.

(٣) الشئون الديوانية الإدارية

نظَّم الرسول الكريم شئون حكومته الإدارية والديوانية تنظيمًا كاملًا بعد أن استقرَّ أمرُه في المدينة، وقد اتخذ المسجد مقرَّ حكومته يحكم فيه، ويتقبَّل زيارة الوفود، ويفصل فيه بين الناس، ويعلِّمهم أمور دنياهم، ويفقِّههم في أمور دينهم. ولم يكن تنظيم النبي الكريم لأمور الدولة تنظيمًا ناقصًا كما يزعم ابن خلدون في مواضع كثيرة من مقدمته، ومنها قوله في الفصل الذي عنوانه (انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة): اعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول؛ فإن الغَلَبَ الذي يكون به المُلك إنما هو بالعصبية وما يتبعها من شدة البأس وتعوُّد الافتراس، ولا يكون ذلك غالبًا إلا مع البداوة؛ فطور الدولة من أولها بداوة، ثم إذا حصل المُلك تبعه الرَّفه واتساع الأحوال. والحضارة إنما هي تفنُّنٌ في الترف وإحكامُ الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه … ومثل هذا وقع للعرب لمَّا كان الفتح، وملكوا فارس والروم، واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة حتى حُكِي أنه قُدِّم لهم المُرَقَّق، فكانوا يحسبونه رِقاعًا، وعثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحًا …٦٣ إلخ تلك الأقوال السخيفة التي لا تقوم على شاهد، وإنما هي من تلفيق الشعوبيين وأعداء العرب والإسلام، مع أن الدولة الإسلامية المحمَّدية كانت وليدة نهضة عربية قوية أخذت من حضارة العرب القديمة خير ما فيها، وجاء محمدٌ مكمِّلًا لنواقص تلك الحضارة بما حباه الله من عقل وعلم، وحكمة وعرفان. وإن من يدقِّق في سيرة النبي وأصحابه وأخبار الأمة العربية في صدر الإسلام، يجد أن القوم كانوا متمتِّعين بنوع من الحكم الراقي المنظَّم، وأن النبي الكريم قد عمل خلال سِنِيه العشرة التي أقامها في المدينة على تأسيس حكومة كاملةِ المصالح مرتَّبةِ الشئون والإدارات والتراتيب والعمالات. يقول القاضي أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي: وأما الأمة السابعة، وهي الأمة العربية، فهم فرقتان: فرقة بائدة وفرقة باقية … وأما الباقية فهي متفرِّعة من جدَّين: قحطان وعدنان، ويضمهما جميعًا حالان: حال الجاهلية وحال الإسلام؛ فأما حال الجاهلية فمشهورة عند الأمم من العزِّ والمَنْعة … وكانوا طبقتَيْن: أهل مدر وأهل وبر؛ فأما أهل المدر، فهم أهل الحضر وسكان القرى، وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والكَرْم والماشية والضرب في الأرض للتجارة … وكانت عبادة الأوثان فاشية في العرب حتى جاء الإسلام. وجميع عبدة الأوثان من العرب موحِّدة الله تعالى، وإنما كانت عبادتهم ضربًا من التدين بدين الصابئة … وأما علمها الذي كانت تُفاخِر به وتُباري فيه، فعلمُ لسانها وإحكام لغتها ونظم الأشعار وتأليف الخُطب، وكانت مع ذلك أصل علم الأخبار، ومعدن معرفة السير والأمصار … وكانوا يدخلون البلاد للتجارة فيعرفون أخبار الناس، وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم … والعرب أصحاب حفظ ورواية لخفَّة الكلام عليهم ورقَّة ألسنتهم … وكانت للعرب مع هذا معرفةٌ بأوقات مطالع النجوم ومغاربها، وعلم بأنواء الكواكب وأقطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة؛ لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة، لا على طريق تعلُّم الحقائق، ولا على سبيل التدرُّب في العلوم … وأما حال العرب في الإسلام … كانت العرب حين بُعِث النبي قد تفرَّق شملها وتشتت أمرها، فضمَّ الله شاردها وسكَّن نافرها، وجمع عليه جماعة ممن كانوا بجزيرة العرب من قحطان وعدنان، فآمنوا به … وأقرُّوا لله بالتعظيم والتحميد، والتزموا شريعة الإسلام من اعتقاد حدوث العالم وخرابه … والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر …٦٤ ويقول السيد عبد الحي الكتاني: من عرف نهضة الإسلام وتعاليم النبي (عليه السلام)، وأمعن النظر في تلك النهضة، تحقَّق أن ليس هناك من أساليب التمدن ما لم يكن الإسلام في وقت ظهوره أصلًا له وينبوعًا. فمن تأمَّل ما بثَّه النبي من التعاليم وأنواع الإرشاد، وما حوى القرآن من آداب الاجتماع وسَنَّ من طرق التعارف والتمازج، وما أودع الله غضون كلماته الجوهرية من أحكام الطبيعة وأسرار الوجود وفرائد الكائنات، وما ضبط من الحقوق وسَنَّ من نظامات الحياة، وما تلته به السُّنة النبوية من تهذيب النفوس والأخلاق والإرشاد للأخذ بالأحسن فالأحسن، وأحكمته من سنن الارتقاء والإخاء البشري والتمتع بضروب الحرية، عَلِمَ أن التمدُّن الإسلامي في إبان ظهوره قامت معه تلك الأعمال لتأثير تلك التعاليم على قلوب سامعيها في ذلك الحين. نعم لا ننكر أن التمدُّن الإسلامي جرى مجرى النشوء الطبيعي في كل شيء، وسار سيرًا تدريجيًّا إلى أن وصل إلى أَوْجِه في السمو، فمن لم يتأمَّل ذلك ولم يُحِط نظرًا في الموضوع بما له وما عليه، لا بد أن يغيب عن علمه ما بلغته الإدارات والعمالات والصناعة والتجارة في تلك العشر سنوات التي قضاها النبي في المدينة بعد الهجرة النبوية، وأن الترقِّي والعمران وصل فيها إلى أحدث ما يُعرف من الوظائف اليوم في إدارة الكتابة والحساب والقضاء والحرب والصحة ونحو ذلك.٦٥

والحق أن الناس قد ظلموا التاريخ العربي والسيرة النبوية بكتاباتهم المرتجلة وبحوثهم المبتسرة، التي لم تَقُم على البحث المتواصل والجد والتنقيب عن الحقائق العلمية والتاريخية؛ لتعرف أصول الإدارة الديوانية والإدارية في حكومة النبي الكريم وصحابته الراشدين. وقد آليتُ على نفسي تقصِّي هذا البحث ودراسته دراسةً عميقة أهتدي بها إلى معرفة حقائق الأشياء، لا لأني عربيٌّ معتزٌّ بعروبتي وقوميتي، ولا لأني مسلم مؤمن بسمو ديني وشرف رسالة نبيٍّ؛ بل لأني إنسان محبٌّ للحق منقِّب عن الفضائل جاهدٌ في إدامة البحث، مواصل الليل بالنهار للتنقيب عن القضايا العلمية والنظريات الجوهرية. وقد هداني الله بحوله وقوته إلى ذلك، فاستطعتُ أن أتبيَّن الخطوط الأولى للإدارة الإسلامية في فجر الإسلام، ورتَّبت ذلك ترتيبًا لم يسبقني إليه باحثٌ من مسلمي هذا العصر ولا مستشرقيه، على أنني لم أدَّعِ أنني وفَّيتُ البحث، وما عملي إلا لَبِنَة في بناء المجد العربي والعز الإسلامي، وأرجو الله أن يهيِّئ لهذا البناء من يكمله ويعمل على حفظه وحمايته.

رتَّب الرسول الكريم شئون حكومته الإدارية والديوانية ترتيبًا منطقيًّا يؤيده العقل السليم وتوحيه الفطرة الصافية، ويتجلى ذلك الترتيب في معالجته للشئون الآتية وإسنادها إلى الأكفاء الأخيار من الصحابة؛ وهي …

(٣-١) الوزارة

الوزير في اللغة: هو المُعِين والعَضُد، وفي الاصطلاح: هو من يؤازر الأمير أو السلطان، ويحمل عنه بعض أثقال الإمارة وشئون السلطان. وفي القرآن الكريم يقول موسى في حق أخيه هارون: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وقد أكثر مؤرِّخو الإسلام والأحكام السلطانية وكتَّاب الخُطط من الكلام في الوزارة وأنواعها ومبدئها، وهم يذهبون إلى أن أوَّل من تلقَّب بذلك أبو سلمة الخلال، الذي كان يُلقَّب في أولية الدولة العباسية: وزير آل محمد، وأن الوزارة تسلسلت في ملك آل العباس بعدئذٍ. والحق أن النبي قد استعان ببعض كبار الصحابة وجُلَّة المسلمين ممن كانوا يوآزرونه في مسائل الدنيا والدين وحلِّ مشاكل المسلمين، وكان على رأس هؤلاء أبو بكر وعمر اللذان كانا يُلقَّبان بوزيرَي النبي. وقد كان هذا اللقب مستعمَلًا بمعناه المفهوم اليوم في عهد النبي؛ فقد روى النسائي عن عائشة أن النبي قال: من وَلِي منكم عملًا فأراد اللهُ به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا، فإن نسي ذكَّره، وإن ذكَّره أعانه. وقال أبو داود في سننه، في باب الوزير: روت عائشة أن النبي قال: «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل الله له وزيرَ صدقٍ، إن نسي ذكَّره، وإن ذكَّره أعانه، وإن أراد الله به غير ذلك جعل له وزيرًا سيئًا، إن نسي لم يذكِّره، وإن ذكَّر لم يُعِنه.»٦٦ وقد كان للنبي وزراء يشاورهم في القضايا المهمة أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابنيه وحمزة وجعفر وأبي ذر والمقداد وسلمان وحذيفة وابن مسعود وعمَّار.٦٧ وقال ابن خلدون: الوزارة أمُّ الخطط السلطانية والرُّتب الحكومية؛ لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة … وكان يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهامه العامة والخاصة، يخصُّ من ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول ودخلوا لها في كسرى وقيصر والنجاشي يسمُّون أبا بكر وزيره.٦٨

وهكذا كان عمر مع أبي بكر، وعثمان وعلي مع عمر، ولكن الاسم لم يُطلَق عليهم، ولا كانوا ينادون به.

(٣-٢) أمانة السر

اتخذ النبيُّ لنفسه صاحبَ سرٍّ يكاشفه بالأسرار الدولية والقضايا الخاصة التي لا يطَّلع عليها أحدٌ غيره، ولا غرو فإن النبي كما كانت له صفة النبوة التي تستدعي العصمة عن الخطأ، كان إنسانًا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقوم بأعمال البشر ويتصرَّف بتصرفاتهم، وهو عرضةٌ لكل ما هو للناس من نسيان وخطأ وما إلى ذلك. وقد اتخذ — عليه السلام — في تنظيم شئون الدولة الدنيوية بما تحتاج إليه من مرافق ومقتضيات، كما اعتمد في شئون الدين على ذات الإله سبحانه. وليس بغريب أن يرتِّب — عليه الصلاة والسلام — لأمور الدنيا ما تقوم به على أحسن وجه، ومن تلك الأمور اختياره طائفة من عقلاء الصحابة وفضلائهم — لأن الصحابة بلا شك كانوا مختلفي الدرجات العقلية والملكات الفكرية والمواهب العلمية — ليُكاشفهم ببعض الأسرار التي يرى ألا يطلع عليها غيرهم، فيستفيد بمواهبهم وملكاتهم وعقولهم، ويستعين بذلك على حلِّ بعض المشاكل الدنيوية، أو يتوصل إلى قضاء بعض ما كربه. ومن هؤلاء الرجال أبو بكر وعمر وعلي وسلمان وحذيفة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومصعب وغيرهم. فقد عرف مواهب كل واحد من كبار صحابته، وكان يُفضي إليه بما يرى عنده سواء أكان عِلمًا يستعين به أو خُطة يتمكَّن بها لتفهُّم بعض القضايا أو طريقة للوصول إلى حلِّها. ويظهر أن النبي كان يختص من هؤلاء الرجال المأمونين رجلًا يرى فيه الخير ويتوسَّم فيه حفظ السر؛ وهو الصحابي الجليل أبو حذيفة بن اليمان العبسي (–٣٦ﻫ)، الذي كان يُعرف بصاحب سرِّ رسول الله ، فقد ذكرت كُتب تراجم الصحابة أن حذيفة كان صاحب سِرِّ رسول الله، ويروي النسائي في السنن في قصته ذهاب علقمة للشام ولقائه في دمشق لأبي الدرداء، أن أبا الدرداء قال له: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ وقال في أُسد الغابة: حذيفة صاحب سر رسول الله في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسولُ الله . وسأله عمر: أفي عُمَّالي أحدٌ من المنافقين؟ قال: «نعم، واحد.» قال: من هو؟ قال: «لا أذكره.» قال حذيفة: فعزله فكأنما دل عليه. وكان عمر إذا ما مات ميِّت يسأل عن حذيفة، فإذا حضر الصلاة عليه صلَّى عليه عمر، وإلا لم يصلِّ عليه. ولَّاه عمر على المدائن، فكانت عادة عمر إذا استعمل عاملًا كتب في عهده: «بعثتُ فلانًا وأمرته بكذا.» فلمَّا استعمل حذيفة كتب في عهده: «اسمعوا له وأطيعوه وأعطوه ما سألكم.» فلما وصل المدائن استقبله الدَّهَاقِينُ فقرأ عهده فقالوا: سَلْنَا ما شئتَ. فطلب ما يكفيه من القوت، وأقام بينهم فأصلح بلادهم وفتح نهاوند سنة ٢٢ﻫ صلحًا، وغزا الدينور وماه سبذان وهمذان والري. ثم استقدمه عمر، فلما قرب من المدينة خرج للقائه وعانقه وسُرَّ بحالته، ثم أعاده إلى المدائن إلى أن مات فيها، وله في صحيح البخاري ومسلم نحوٌ من ٢٢٥ حديثًا.٦٩

(٣-٣) الكتابة

اتخذ النبي لنفسه كُتَّابًا متعددين؛ منهم من اختصَّه بكتابة الوحي، ومنهم من كان يكتب له الرسائل، ومنهم من كان يكتب إلى الأمراء في البوادي، ومنهم من كان يكتب له الإقطاع وكُتب العهود والصُّلح، ومنهم من كان يكتب له أموره الخصوصية. وقد روى بعض مؤلفي السير وكُتب الحديث أنه كان يوصي كتَّابه ببعض الوصايا المتعلِّقة بشئون الكتابة؛ فقد ذكر السيوطي في آخر كتاب «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة» حديثًا مسلسلًا بالكتاب من طريق عبد الحميد بن يحيى الكاتب، إلى سالم بن هشام الكاتب، إلى عبد الملك بن مروان الكاتب، إلى زيد بن ثابت كاتب رسول الله: أن رسول الله قال له: «إذا كتبت «بسم الله الرحمن الرحيم» فبيِّن «السين» فيه.» وفي «صبح الأعشى» و«الجامع الصغير» وغيرهما عن أنس بن مالك أن معاوية كان يكتب للنبي، فكان إذا رأى من النبي إعراضًا وضع القلم في فيه، فنظر إليه النبي فقال: «يا معاوية، إذا كنتَ كاتبًا فضَعِ القلم على أذنك؛ فإنه أذكر لكَ للمُملي.» وأنه قال مرةً لمعاوية حين كان يكتب بين يديه: «ألقِ «الدواة» وحرِّف «القلم» وأَقِم «الباء» وجرِّس «السين» ولا تعوِّر «الميم» وحسِّن «الله» ومُدَّ «الرحمن» وجوِّد «الرحيم».» وأنه ندب الكتَّاب إلى تتريب الكتاب، قال: «تَرِّبوا الكتاب ونحوه من أسفله؛ فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة.»٧٠
وقد ألف فيهم جماعة من العلماء؛ منهم القضاعي المؤرخ، ومنهم عمر بن شبَّة، ومنهم محمد بن علي بن أحمد بن حديدة، واسم كتابه «المصباح المضي في كتاب النبي وفي رسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي»، فرغ منه «سنة ٦٧٩ﻫ» بمصر، ومنهم الجمال الأنصاري، ومنهم ابن أبي الجعد.٧١

فأما كتابة الوحي

فقد كان يكتبها له عثمانُ بن عفان، وعلي بن أبي طالب، فإن غاب عليٌّ كتبها له أُبيُّ بن كعب أو يزيد بن ثابت. وفي الاستيعاب لابن عبد البر: وكان أُبيُّ بن كعب ممن كتب لرسول الله الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان أُبيُّ إذا لم يحضر دعا الرسول زيد بن ثابت.٧٢ وقال القضاعي: فإن لم يحضر أحدٌ منهم كتب الوحي من حضر من الكتَّاب؛ وهم: معاوية بن أبي سفيان، وجابر بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع. وكان عبد الله بن سعيد بن أبي سرح يكتب الوحي، فارتدَّ عن الإسلام ولحق بالمشركين، فلمَّا فُتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان، فأمَّنه رسول الله وحسن إسلامه. وممَّن كان يكتب له أيضًا أبو بكر، وعمر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد، وأخوه حبان، وحنظلة بن أبي عامر الأسدي، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول، والزبير بن العوام، ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وجهيم بن الصلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسيلمة. قال الكتاني: وأوصلهم القرطبيُّ في تفسيره إلى ستة وعشرين، وأوصلهم الشبراملي في كتاب القضاء من حاشية على المنهج في فقه الشافعية إلى أربعين، وأوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين فقال:
كتَّابه اثنان وأربعونا
زيد بن ثابت وكان حينا
كاتبه وبعده معاوية
ابن أبي سفيان كان واعيه
وبعد أن سرد ما أورده العراقي في ألفيَّته، وقال: وعدَّهم الرهبان الحلبي في حواشي الشفاء، فأوصلهم إلى ثلاثة وأربعين. وقال نصر الهوريني في المطالع النصرية: ولكن لم يكونوا كتَّاب وحي، وإنما كان أكثرهم مداومة على ذلك بعد الهجرة زيد بن ثابت، ثم معاوية بعد الفتح.٧٣
وأما الكتابة الديوانية ومتعلقاتها من كتابة السر والإقطاع والرسائل، فقد كان الرسول يمليها بنفسه على كتَّابه، أو يطلب إليهم أن يكتبوها ويعرضوها عليه، فإن استحسنها أجاز الكتاب وأرسله إلى صاحبه. قال في صبح الأعشى: إن الديوان اسم الموضع الذي يجلس فيه الكتَّاب … واعلم أن هذا الديوان أول ديوان وضع في الإسلام، وذلك أن النبي كان يكاتب أمراء وأصحاب سراياه من الصحابة ويكاتبونه. وكتب إلى من قرب من ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وبعث إليهم رُسله بكتبه، وكتب لعمرو بن خرم عهدًا حين وجَّهه إلى اليمن. وكتب لتميم الداري وإخوته بإقطاع الشام، وكتب كتاب القضية بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، وكتب الأمانات أحيانًا، إلى غير ذلك.٧٤
وقال المقريزي في الخُطط: «كتابة السر رتبة قديمة لها أصل في السُّنة؛ فقد خرَّج أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني في «كتاب المصاحف» عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله : «إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تَعَلَّم كتاب العبرانية؟» أو قال: كتاب السريانية. فقلت: نعم. فتعلَّمتها في سبع عشر ليلة.»٧٥ وهذا يدلنا على أن النبي قد كان يصطفي بعض الكتَّاب فيجعلهم يكتبون له بعض ما لا يريد أن يطَّلع عليه الآخرون، كما رأينا أنه كان يصطفي بعض أصحابه فيُودِعهم بعض الأسرار كما كان يفعل مع حذيفة بن اليمان فيما رأيت.

وأما كتابة البوادي

فكان في الغالب يتولاها معاوية بن أبي سفيان مع كتابة الوحي، وقيل: بل إن معاوية لم يكتب الوحي. روى شارح المواهب اللدنية: أن معاوية كان يكتب بينه وبين العرب.٧٦ وقال الخفاجي في «نسيم الرياض»: إن رجلًا قال للمعافي بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ — يعني أيهما أفضل — وخصَّهما بالسؤال لأنهما أمويان، فغضب المعافي على السائل وقال: لا يُقاس بأصحاب النبي أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحيه؛ لأنه لو لم يستأمنه ما استكتبه الوحي، وكفاه بهذه المرتبة التي لم يصل إليها عمر بن عبد العزيز وأضرابه، والمعافي رجل منطق، فما صح عنه يَرُدُّ ما قيل إنه — أي معاوية — لم يكتب له شيئًا من الوحي، وإنما كان يكتب له إلى القبائل والجهات.٧٧

وأما كتابة العهود والمواثيق

فقد كان يتولاها علي بن أبي طالب وعامر بن فهيرة وأبو بكر الصديق، ويقال: إن وثيقة الهجرة كتبها عامر بن فهيرة، وإن عامرًا كتب له أيضًا عهد الأمان لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، ويقال: بل الذي كتبه أبو بكر الصديق.٧٨

وأما من كان يكتب له في شئونه الخاصة وحوائجه من قضايا المال وما إلى ذلك

فقد رووا أن الذي كان يتولى ذلك له هو الحصين بن نمير والمغيرة بن شعبة. قال الكتاني: ذكره جماعة من المتأخرين، ومنهم القرطبي المفسِّر في المولد النبوي، والقطب الحلبي في شرح السيرة. وأشار إلى أنه مأخوذ من كتاب القضاعي الذي صنَّفه في كتَّاب النبي ، وفيه أنهما كانا يكتبان المداينات والمعاملات، فلا أدري هل أراد هذا أو الذي قبله.٧٩

اصطلاحاته في كتبه

كانت قريش قبل البعثة النبوية تكتب في صدور رسائلها وعهودها: «باسمك اللهم»، وقد جرى الرسول على ذلك في كتبه الأولى، ولما نزلت الآية: بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، كتب «باسم الله»، ولما نزلت إليه الآية: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» في صدور كتبه.٨٠
ولم تجرِ عادةُ محمد بذكر «الحمد»؛ فقد قال ابن حجر في فتح الباري: لم تجرِ العادة الشرعية ولا العرفية بابتداء المراسلات «بالحمد»، وقد جمعت كتبه — عليه السلام — إلى الملوك وغيرهم فلم يقع في شيء منها البداءة «بالحمد»، بل بالبسملة.٨١ وكان يذكر بعد البسملة قوله: «من محمد رسول الله إلى فلان»، وربما ذكر: «أما بعد» أو لم يذكرها، وربما بدأ كتابه بقوله: «سلام عليك»، أو: «السلام على من اتبع الهدى»، أو: «سلم أنت». وكان في الغالب يذكر اسم المرسل إليه بعد اسمه ، أو يكتفي بلقبه مثل: «عظيم الروم»، أو «صاحب مملكة كذا». وكان يعبِّر عن نفسه تارة بالإفراد وتارة بالجمع، فيقول: «بلغني» أو يقول: «بلغنا». وربما بدأ رسالته بقوله: «أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو». وقال صاحب صبح الأعشى: كان يفتتح أكثر كتبه بلفظ: «من محمد رسول الله إلى فلان»، وربما افتتحها بلفظ: «أما بعد»، وربما افتتحها بلفظ: «هذا كتاب»، وربما افتتحها بلفظ: «سلم أنت». وكان يصرِّح في الغالب باسم المكتوب إليه في أوائل المكاتبات، وربما اكتفى بشهرته، فإن كان المكتوب إليه مَلكًا كتب بعد ذكره اسمه: «عظيم القوم الفلانيين»، وربما كتب: «ملك القوم الفلانيين»، وربما كتب: «صاحب مملكة كذا». وكان يعبِّر عن نفسه في أثناء كُتبه بلفظ الإفراد مثل: «أنا» و«لي» و«جاءني» و«وفد عليَّ» وما أشبه ذلك. وربما أتى بلفظ الجمع مثل: «بلغنا» و«جاءنا» ونحو ذلك. وكان يخاطب المكتوب إليه عند الإفراد بكاف الخطاب مثل: «لك» و«عليك»، وتاء المخاطب مثل: «أنت قلت كذا» و«فعلت كذا»، وعند التثنية بلفظهما مثل: «أنتما» و«لكما» و«عليكما»، وعند الجمع بلفظه مثل: «أنتم» و«لكم» و«عليكم» وما أشبه ذلك. وكان يأتي في صدور كتبه بالسلام فيقول في خطاب المُسلِم: «سلام عليك»، وربما قال: «السلام على من آمن بالله ورسوله»، وفي خطاب الكافر: «سلامٌ على من اتبع الهدى»، وربما أسقط «السلام» من صدر الكتاب. وكان يتخلَّص من صدر الكتاب إلى المقصود تارة ﺑ «أما بعد»، وتارة بغيرها. وكان يختم كتبه ﺑ «السلام» تارة، فيقول في خطاب المسلم: «والسلام عليك ورحمة الله وبركاته»، وربما اقتصر على «السلام»؛ ويقول في خطاب الكافر: «والسلام على من اتبع الهدى»، وربما أسقط «السلام» من آخر كتبه.

أما عَنْوَنة كتبه

فلم أقف فيها على نصٍّ صريح، والذي يَظهر أنه كان يُعَنْوِن كتبه بلفظ: «من محمد رسول الله إلى فلان» على نحو ما في صدور كتابه: «من محمد رسول الله» عن يمين الكاتب و«إلى فلان» عن يساره.

وكتبه إلى أهل الإسلام على ثلاثة أساليب:
  • (١)

    أن يفتح الكتاب بلفظ: «من محمد رسول الله إلى فلان»؛ فمن ذلك كتابه إلى خالد بن الوليد في جواب كتابه إليه بإسلام بني حارث، وهو على ما ذكره ابن إسحق في سيرته: «سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولٍ لك يخبرني أن بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من إسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه قد هداهم الله بهداه، فبشِّرهم وأنذرهم وأقبِل ولْيُقْبِل معك وفدهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.»

  • (٢)
    أن تفتح المكاتبة بلفظ: «هذا كتاب» ويذكر المقصد فيما بعد، وهو قليل الوقوع في المكاتبات. ومن ذلك كتابه لقبيلة همدان من اليمن فيما ذكره ابن هشام، وهو هذا: «هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل مع وافدها ذي المشعار لمالك بن نمط ولمن أسلم معه، على أن لهم فَرَاعها ووَهَاطها وعزازها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها ويرعون عافيها، لكم بذلك عهد الله وذمام رسول الله وشاهدكم المهاجرون والأنصار.»٨٢
  • (٣)

    وأن تفتح المكاتبة بلفظ: «سلم أنت»؛ فمن ذلك كتابه إلى المنذر بن ساوي، وهو فيما ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال: «سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن مَن صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة الرسول، فمن أحب ذلك من المجوس فإنه آمن، ومن أبى فإن عليه الجزية.»

وأما كتبه إلى أهل الكفر للدعاية إلى الإسلام، فعلى ثلاثة أساليب أيضًا:
  • (١)
    أن يفتتح الكتاب بلفظ: «من محمد رسول الله إلى فلان»؛ فمن ذلك كتابه إلى هرقل وهو قيصر، وقيل: بل نائبه بالشام. وهو على ما ثبت في الصحيحين: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِم تسلم، أَسْلِم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت فإن عليك إثم الأريسيين، وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
  • (٢)

    أن يفتتح الكتاب بلفظ: «أما بعد»، وهو أقل وقوعًا مما قبله؛ فمن ذلك كتابه إلى أهل نجران ودينهم النصرانية، وهو فيما ذكره ابن الجوزي: «بسم الله الرحمن الرحيم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام.»

  • (٣)
    أن يفتتح الكتاب بلفظ: «هذا كتاب»؛ فمن ذلك كتابه مع رفاعة بن زيد إلى قومه، وهو فيما ذكره ابن إسحق: «هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامةً، ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله ورسوله، فمَن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب الرسول، ومن أدبر فله أمان شهرين.»٨٣ وأما كتب الأمراء إليه فقد ذكر القلقشندي أن كتب سراياه ومن أسلم من الملوك، تفتح المكاتبة إليه باسمه ، ويثنُّون بأنفسهم، ويأتون بالتحميد والسلام عليه ، ويتخلصون إلى المقصود ﺑ «أما بعد» أو غيرها، ويختمون بالسلام، وملوك الكفر يبدءون بأنفسهم، وربما بدءوا به . وكان المكتوب عنه منهم يعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد مثل: «أنا» و«لي» و«قلتُ» و«فعلتُ»، وربما عبَّر بعض الملوك عن نفسه بنون الجمع، ثم إن كان المكتوب عنه مسلمًا خاطبه بلفظ الرسالة والنبوة مع كاف الخطاب وتاء الخطاب، وإن كان كافرًا خاطبه بالكاف والتاء المذكورتين، وربما خاطبه باسمه، وإن كان المكتوب عنه مسلمًا ختم الكتاب بالسلام عليه .٨٤

(٣-٤) إمارة السلم

كان للنبيِّ أمراء ولَّاهم على بعض البلاد أو النواحي أو الأجناد أو بعض المصالح العامة كالقضاء والصدقات، فقد كان من عادة الرسول أن يوصي كل أمير بإحسان عمله وإتقانه، كما كان يعهد إليهم بكتب يكتبها إليهم بذلك في الغالب. وكان لا يخرج عن المدينة للغزو إلا ولَّى عليها أميرًا، كما أنه لم يكن يبعث سَرِيَّة للجهاد إلا ولَّى عليها أميرًا، ولم يُسلِم قومٌ إلا جعل عليهم أميرًا أو عاملًا يتولاهم ويجمع صدقاتهم، أو بعث من قِبَله أحدًا يؤمِّره عليهم ويفقِّههم في الدين.

وقد كان للنبي أمراء ولَّاهم المدينة في غيابه عنها، كما كان له أمراء ولاهم مكة وسائر مدن الجزيرة وعشائرها، فممَّن أمَّرهم على المدينة «السائب بن عثمان» أمَّره عليها حين خرج إلى غزوة بواط، وقد ذكرنا أسماء أمراء المدينة في كلامنا على غزوات النبي.

وأما أمراء مكة فأوَّلهم «عتاب بن أسيد»، أمَّره الرسول عليها بعد الفتح سنة ثمانٍ للهجرة وهو دون العشرين، وممَّن ولَّاه بعض أعمال مكة «الحارث بن نوفل الهاشمي».

وأما أمراء اليمن فأوَّلهم «باذان» أو «باذام» الفارسي، وكان ملك اليمن في الجاهلية، وأسلم حين كتب إليه الرسول فأقرَّه على عمله وبقي حتى مات بعد حجة الوداع، فولَّى ابنه شهرًا مكانه. وبعث النبي إلى اليمن أمراء فقهاء، كأبي موسى الأشعري بعثه إلى زبيد وعدن، وولَّى «خالد بن الوليد» على صنعاء، و«المغافر بن أبي أمية» على كندة، و«زياد بن لبيد» على حضرموت، و«أبا سفيان» على نجران.

ومن أمراء المدن: «سعد بن عبد الله بن ربيعة» ولَّاه الطائف، و«غسان بن أبي العاص» ولَّاه على الطائف أيضًا، و«العلاء بن الحضرمي» استعمله على البحرين، و«عمر بن حزم الأنصاري» استعمله على نجران، وأعطاه كتابًا جامعًا فيه من أحكام الإدارة والزكاة والديات والفرائض الشيء الكثير المفيد، و«عمرو بن سعيد بن العاص» ولَّاه وادي القرى، و«المنذر بن ساوي» ولَّاه على هجر، و«سواد بن غزية» ولَّاه على خيبر، و«عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي» ولَّاه الجنَد باليمن.

ومن أمراء القبائل «عمرو بن سبيع التغلبي» ولَّاه على بني تغلب وغطفان، و«الحارث بن بلال المازني» ولَّاه على جديلة من طيء، و«سعد الدوسي» ولَّاه على قومه دوس، و«سعيد بن خفاف التميمي» ولَّاه على بطون بني تميم، و«صيفي بن عامر» ولَّاه على بني ثعلبة، و«الضحَّاك بن قيس» ولَّاه على قومه، و«امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي» ولَّاه على كلب، و«عكاشة بن ثور» ولَّاه على السكاسك والسكون. وقد أحصى الحافظ العراقي في ألفيَّته في السيرة النبوية أسماء أمرائه بقوله:

أمَّر باذان بلاد اليمن
ثم ابنه شهرًا بصنعا يمن
وابن أبي أمية المهاجري
كندة … إلخ …

(٣-٥) إِمارة الحج

كان العرب في الجاهلية يحتفلون أشدَّ الاحتفال بموسم الحج وبمشاعرِه، وكان يتولَّى إمارة الحج «كعب بن لؤي»، وكان إليه الإمارة والحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة، ثم توارث أبناؤه هذه المفاخر إلى أن جاء الإسلام فأقرَّها، وأول أمير تولَّى إمارة الحج في الإسلام هو «عتاب بن أسيد» سنة ثمانٍ للهجرة. وفي السنة التاسعة حجَّ بالناس أبو بكر، وفي السنة العاشرة حجَّ الرسولُ بالناس، وخطب فيهم خطبة الوداع.

(٣-٦) الحِجَابة

كان المسجد النبوي هو مقرُّ الحكومة؛ ففيه كان يجلس النبي للناس، وفيه كان يستقبل الوفود، وفيه كان مسكنه، في حجرات خاصة. وما كان الرسول ليحجب نفسه عن الناس إذا ما كان في المسجد، أما إذا دخل ليستريح أو ليختلي ببعض أهله أو خاصته، فكان له حاجبٌ وآذِن وبوَّاب يقفون على بابه فُرادى أو مجتمعين، لا يُدخِلون أحدًا عليه إلا بعد الاستئذان.

وممَّن كان يتولَّى ذلك له أنسُ بن مالك، وأبو موسى الأشعري، ورباح الأسود، وربيعة بن كعب الأسلمي، ومهاجر مولى أم سلمة، وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، وهلال بن يسار، وغيرهم من مواليه وخدمه. فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: «جاء أبو بكر يستأذن على رسول الله فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يُؤذن لهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له …» وفي المواهب اللدنية: «ومِن تواضعه — عليه السلام — أنه لم يكن له بوَّاب راتب، ثم ذكر حديث البخاري المرويَّ عن أنس بن مالك، قال: مرَّ النبي بامرأة تبكي على قبر فقال: «اتقي الله واصبري.» قالت: إليكَ عني، فإنك لم تُصَب بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي . فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوَّابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى.» وقد علَّق الزرقاني شارح المواهب اللدنية على هذا الحديث بقوله: فلا ينافي وجود بوَّابٍ أحيانًا لأمرٍ ما.»٨٥

والحق أن النبي الكريم كان يتخذ الحجَّاب والبوابين في الأوقات التي يريد أن يخلو فيها إلى نفسه، أو إلى بعض الوفود ممَّن لا يريد أن تَكثر عليه الناس في محضرهم، وهذا أمرٌ من أمور السياسة الحكيمة، ومنهجٌ من مناهج الاجتماع المدني الرشيد.

(٣-٧) صاحب الخاتم

لا شك في أن العرب في جاهليتهم كانوا يتخذون الأختام يوقِّعون بها وثائق بيوعاتهم وصكوك معاملاتهم، ونحن وإن كنا لم نعثر على نصوص متعلقة بذلك، ولا على نماذج من تلك الأختام في الحفريات حتى الآن، إلا أن بعض المؤرخين ورجال السير يذكرون أن الرسول كتب إلى ملوك عصره قبل أن يتخذ الخاتم؛ فقد روى البخاري عن أنس قال: لما أراد رسول الله أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لن يقرءوا كتابك إذا لم يكن مختومًا، فاتَّخَذ خاتمًا من فضة ونقشه «محمد رسول الله»، فكأنما ننظر إلى بياضه في يده . وأخرج الترمذي في الشمائل المحمدية عن أنس أيضًا قال: كان خاتم النبي «محمد» سطر و«رسول» سطر و«الله» سطر. وقال البخاري: إن فصَّه كان منه. وفي سنن أبي داود والنسائي أنه كان من حديد، ملونًا عليه فضة.

وكان الذي يتولى العمل بالخاتم النبوي يوقِّع به ويعيده إليه «معيقب بن أبي فاطمة» و«حنظلة بن الربيع بن المربع بن صيفي» ابن أخي أكثم بن صيفي.٨٦
وفي الكتاب الذي بعثه إلى المنذر بن ساوي، والذي عثر عليه صورة الختم النبوي هكذا: ، وكذلك هو في كتاب المقوقس الذي عُثر عليه أيضًا.٨٧ وهذا يؤكد ما روي من أن كتابة الختم لم تكن على الترتيب العادي «محمد رسول الله» كما ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه.

(٣-٨) المحتسب

الحسبة وظيفةٌ شرعيةٌ تتصل بالقضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتصالًا وثيقًا، وقد أمر الرسول كل فرد أن ينصِّب نفسه محتسبًا يحاسب كل من يتعدَّى على حقوق الآخرين، أو يُفسد عليهم طرقاتهم وأسواقهم، ولكن الرسول الحكيم عرف أن الناس هم الناس، وأنه لا بد لهم من وازع يَزِعُهم، ويكون ذا سلطة حتى تكون كلمته مسموعة وإرشاداته متقبلة وتهديداته مخيفة. وقد كان الرسول يتولى ذلك بنفسه، فإذا رأى منكرًا أو فسادًا أو تعديًا على حقوق السابلة أو المشترين، أزال ذلك بيده، وعاقب كل من يعبث بحقوق الناس، وكذلك فعل الخلفاءُ من بعده. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول مرَّ على صرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «يا صاحب الطعام، ما هذا؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلتَهُ فوق الطعام حتى يراه الناس؟» ثم قال: «مَن غشنا فليس منا.» ويظهر أن الرسول قد عرف بوجود نفرٍ لا يتورَّعون عن غش الناس على الرغم من كثرة مراقبته ووجوده بين ظهرانيهم، ورأى بسديد عقله أن لا بد من تنصيب إنسان خاص يراقب أمور الأسواق والطرقات، ويحاسب المتعدِّين على أعمالهم المخالفة للمصلحة العامة أو لروح الشرع الإسلامي؛ فقد بلغ الرسول أن جماعة من تجَّار المدينة كانوا يتلقَّون ركبان التجار وأرباب البضائع من خارج المدينة، فيشترون بضائعهم ويغرِّرون بهم بالأسعار دون أن يعرفوا حقيقة الأسعار في سوق المدينة، فيأخذون البضائع بالرخيص عن أثمانها الحقيقية، ويبيعونها للناس بأكثر من أسعارها، ويربحون أرباحًا فاحشة، فنهى عن ذلك، وحرَّم تلقِّي الركبان التجار. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله، فبعث عليهم مَن يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يُباع الطعام. ولما وجد أنهم لا يمتثلون أمره ولم ينتهوا عن ذلك أمر بضربهم ومقاصصتهم، قال في الجامع الصحيح: عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة — أي بلا كيل ولا وزن ولا عدد — يُضرَبون على عهد رسول الله أن يبيعوه حتى يذهبوا به إلى رحالهم. وقال ابن عبد البر: استعمل رسول الله سعيد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة،٨٨ وعمر بن الخطاب على سوق المدينة،٨٩ وكانت لعُمر دَرَّة من جلد يضرب بها الناس ويؤدِّبهم.

وكان للرسول منادٍ خاص يأمره أن يُذيع في الناس ما يجب عليهم أن يعملوه من أمور الاحتساب وأحكام الشريعة؛ ففي صحيح البخاري عن أنس قال: كنتُ ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذٍ البطيخ، فأمر رسول الله مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمت. قال: فَجَرَتْ في سكك المدينة. وفي الصحيح أيضًا: عن زاهر الأسلمي قال: إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحُمُر، إذ نادى منادي النبي أن رسول الله ينهاكم عن لحوم الحُمُر. وفي سنن أبي داود: عن معاذ الجهني قال: غزوتُ مع النبي فضيَّق الناس المنازل وقطعوا الطرق، فبعث النبي مناديًا ينادي في الناس أن من ضيَّق منزلًا أو قطع طريقًا فلا جهاد له.

(٣-٩) صاحب العسس

اتخذ الرسول رجالًا يعسُّون بالمدينة يحرسون الناس ويتبعون أهل الريب والفساق وكل من يريد إفساد أمن المدينة، وكان جماعة من كبار الصحابة يحرسون النبي نفسه خوف الاغتيال، وذلك عقب وروده المدينة؛ فقد روى الترمذي عن عائشة قالت: سَهِرَ رسولُ الله مَقْدَمَهُ المدينة ليلةً فقال: «ليت رجلًا يحرسنا الليلة.» فبينما نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح. فقال: «من هذا؟» قال: سعد بن أبي وقاص. فقال له الرسول: «ما جاء بك يا سعد؟» قال سعد: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله فجئتُ أحرسه. فدعا له. وقد اتخذ الرسول «بديل بن ورقاء» حارسًا للمدينة وصاحب عسس لها، وجعل معه في ذلك أوس بن ثابت وأوس بن عرابة ورافع بن خديج.٩٠

وفي عهد أبي بكر تولَّى العسس عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وفي عهد عمر كان يتولَّى ذلك بنفسه، فيطوف في الليالي ويراقب أحوال الناس ويستصحب معه مولاه أسلم، وربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف.

(٣-١٠) صاحب البريد

لم يحتَجْ رسول الله أن ينظِّم شئون البريد تنظيمًا كاملًا؛ لصغر رقعة الحكومة الإسلامية في وقته، إلا أنه كان قد شرع في ذلك حينما أراد الاتصال بالبلاد المجاورة، ولكنه عوجل فتمَّم ذلك عمر بن الخطاب. وقد اكتفى النبي باتخاذ الرسل يبعث بهم إلى من يريد الاتصال بهم أو يتلقَّى منهم رسائلهم، وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف أنه — عليه الصلاة والسلام — كان يكتب إلى أمرائه: إذا أبردتم إليَّ بريدًا فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم. وإنما طلب الرسول إليهم ذلك للتفاؤل وحسن التلقِّي؛ فقد وردت عنه — عليه الصلاة والسلام — أخبارٌ كثيرة تؤيد اعتقاده بالفأل والطيرة؛ ولهذا اشترط في صاحب البريد أن يكون حسن الصورة … وقد انتظمت شئون البريد في عهد عمر حين دوَّن الدواوين ونظم شئون الدولة.

(٣-١١) الشئون العسكرية

جاء الرسول بدعوته سالكًا سبيل الحكمة والموعظة الحسنة، يدعو الناس إلى اتباع ما جاء به، فدخل في دينه نفرٌ من المستضعفين أو الأقوياء، فلقوا جميعًا من أهل مكة شرَّ ما يمكن أن يلقاه الإنسان من قومه، فطلب الرسول إلى خصومه أن يكفُّوا أذاهم فلم يسمعوا، وزادوا في طغيانهم وضلالهم وإيذائهم وتعذيبهم للمسلمين. ولم يَرَ الرسولُ وسيلةً إلا أن يطلب إلى قومه أن يفرُّوا بدينهم، فخرجوا من ديارهم هاربين بدينهم إلى حيث أَمِنوا على أنفسهم وأولادهم وعقيدتهم، واضطر النبي نفسه إلى الهجرة وترك بيته واللجوء إلى قوم يحبونه ويؤوونه، فلما استقرَّ فيهم أخذ خصومه يسعون لتأليب القوم الذين لجأ إليهم عليه، فلم ينجحوا، واضطر الرسول حين ضاق ذرعًا بهؤلاء العتاة وأحس بقوته أن يقابل قوتهم بالقوة، فلجأ إلى حربهم. ولم تكن حروب النبي كلها هجومًا، بل كانت حروب دفاع. هذا هو السر في لجوء النبي إلى الحرب وتعزيز الشئون العسكرية. فما لنفرٍ من المبشرين والمستشرقين يزعمون أن نبينا محمدًا لم ينجح في دعوته إلا بالسيف، وأنه كان سفاحًا، وأن دينه دين قتال وسفك دماء لا دين رحمة ورجاء!

إن الحملات التي شنَّها المبشرون وأعداء الإسلام على النبي تتركَّز في هذه القضية، وهي قضية باطلة؛ لأن النبي دعا إلى الإسلام أولًا بالحكمة والموعظة الحسنة والمنطق، فلما وقف المشركون في طريقه وحاربوه اضطر أن يدافع عن نفسه ودينه، فقاتل قريشًا وقاتل اليهود وقاتل الروم. ثم إن القتال — حتى في عصرنا الحاضر — هو الوسيلة الوحيدة التي تلجأ إليها الحكومات لإقرار الأنظمة والإصلاحات إذا قابلها الناس بالابتعاد عنها أو بالعنف، وهل يفلُّ الحديد إلا الحديد؟! وقد شرع الإسلام الجهاد، فقال تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

وقال النبي : «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.» وهذا قولٌ يُقرُّه المنطق والعقل؛ فإن الإسلام لم يأمر إلا بما أمرت كافة الشرائع والقوانين، وإن محمدًا ما كان مَلِكًا يطلب الحرب لأجل الحرب، بل نبيًّا رسولًا طلبها لإقرار الأمن والسلام والسكينة على الأرض. وقد تجلَّت مواهب النبيِّ العسكرية في غزواته؛ فقد كان شجاعًا لا يهاب الموت، يسير في الصفوف بين صحابته، ويمارس الحرب ممارسةً تدل على علو كعبه فيها. وقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى التي تجلَّت فيها مواهبه العسكرية وحُسن قيادته، ثم تتابعت الغزوات الكبرى التي علا فيها شأن الإسلام، والتي لم يُخذَل النبي في واحدة منها؛ وذلك لأنه كان ذا عبقرية عسكرية فائقة ليس فيها شيء من العسف ولا الظلم، إنها عبقرية ترضاها وتتطلَّبها البطولة في كل زمان ومكان، وسنرى في النقاط التالية تنظيماته العسكرية التي استطاع بها أن يقهر قومًا يفوقونه عددًا وعدة؛ لأنه لم يترك ناحيةً من النواحي التي يجب على قائد الجيش أن يهتمَّ بها إلا اهتم بها ونظم جيشه بموجبها.

إمارة الجيش

لا بد للجيش من قائد يقوده وينظم خطط هجومه ودفاعه، وقد كان النبي الكريم يتولَّى ذلك بنفسه في الغزوات التي يخرج فيها بنفسه؛ لِما حباه الله من شجاعة وبأس وذكاء وسياسة. وقد بلغت الغزوات التي قادها بنفسه وتولَّى الإمارة فيها ستًّا وعشرين موقعة، وقد اصطلح المؤرخون على تسمية كل معركة يكون النبي فيها «غزوة»، وكانت غزوة بدر الكبرى أجلَّ تلك الغزوات وأكثرها فائدةً للإسلام. وأما المعارك والوقائع التي لم يحضرها النبي، فكانت تسمَّى «سرايا»، وقد بلغت سراياه ستًّا وخمسين سَرِيَّة.

ديوان الجيش

المشهور أن عمر بن الخطاب هو أول من نظم للجيش الإسلامي ديوانًا تُسجَّل فيه أسماءُ المجاهدين، بادئًا بقريش وبطونها وأفخاذها، ثم بالقبائل الأخرى كل قبيلة على انفراد، وما ذلك إلا ليعلم عدد المقاتلة من كل قبيلة واستحقاقها وتنظيم موازنة الدفاع ومقدار العطايا وتقسيم الفيء على المسلمين، وسنرى تفصيل ذلك فيما بعد. ولم يتكلم أحدٌ من مؤرخي السيرة النبوية على أن النبي نفسه قد أمر بإيجاد ديوان الجيش لتسجيل أسماء المجاهدين، مع أن البخاري روى في صحيحه بسنده إلى حذيفة بن اليمان أن النبي قال: «اكتبوا لي مَن يلفظ الإسلام من الناس.» وأن حذيفة قد كتب ذلك له فبلغوا وقتئذٍ ألفًا وخمسمائة رجل. فهذا الحديث يدلُّنا على أن الرسول أمر باتخاذ هذا التقليد ليعرف عدد المقاتلين من أهل الإسلام، وقد رتَّب الرسول على المقاتلين من أهل الإسلام رؤساء عُرفوا «بالعرفاء»؛ لأنه كان بهم يتعرَّف أحوال المجاهدين، وعريف كل قوم هو زعيمهم والقائم بأمورهم، وهو الواسطة بينهم وبين الأمير. ولا بد من إقامة العرفاء؛ لأن النبي أو الأمير لا يستطيع أن يتعرَّف بنفسه أحوال كلٍّ منهم، وقد حذَّر الرسول هؤلاء العرفاء من الوقوع في الخطأ أو الظلم أو التعدي على الرعيَّة، وقد رُوي عنه «أن العرفاء في النار.» وهذا يُشعِر بأن الوظيفة وظيفة خطيرة، ويجب على صاحبها أن يكون أمينًا صادقًا عادلًا. ومثل هؤلاء العرفاء «النقباءُ»، وقد جعلهم الرسول نقباء على قومهم يراقبون أحوالهم ويحلُّون من مشاكلهم ويطلعونه على ما يحتاج إليه من معرفة أحوالهم.

تقاليد النبي في جيوشه

كان للنبي إذا عزم الخروج في غزوةٍ تقاليدُ قلَّما تخطَّاها، فمن ذلك أنه كان يستخلف على المدينة أميرًا يعهد إليه بالصلاة في القوم والحكم بينهم والمحافظة على شئون المدينة، وقد استخلف عبد الله بن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة على المدينة، وممَّن استخلفهم عليها أيضًا «أبو لبابة» و«جعال بن سراقة الضمري» و«سباع بن عرفطة الغفاري» و«أبو رهم الغفاري» و«علي بن أبي طالب». ومن تقاليده في ذلك أنه كان يستخلف على أسرته مِن أولي قرابته ليقوم بشئونهم ويقضي حاجاتهم؛ فقد استخلف عليًّا في غزوة تبوك وخلفه على عياله، وكان أكثر غزواته يستخلف حسان بن ثابت عليهم ويبعث بهم إلى أُطُمه؛ لأنه كان من أحصن آطام المدينة. ومن تلك التقاليد أنه يعرض جنده قبل السفر إلى الغزو أو في أوقات أخرى؛ ليتأكد من استعدادهم للحرب وقوتهم المعنوية؛ فقد روى ابن عبد البر عن سمرة بن جندب: أن النبي كان يعرض غلمان الأنصار كل عام، فمرَّ به غلامٌ فأجازه في البعث، وعُرض عليه سمرة بن جندب من بعده فردَّه لصغر سنِّه ولضعفه، قال سمرة: فقلت: يا رسول الله، لقد أجزتَ غلامًا ورددتني، ولو صارعني لصرعتُه. قال النبي: «فصارِعْ.» قال سمرة: فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث.٩١
وقال الإمام الشافعي: ردَّ سبعة عشر صحابيًّا عُرضوا عليه أبناءَ أربع عشرة سنة؛ لأنه لم يَرَهُم بلغوا السن، وعُرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة سنة فأجازهم. وقال البرهان: ويحتمل أن يزيد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذه السن في غزواته.٩٢ وكان في العرض يقف الناس أمامه صفوفًا صفوفًا؛ ففي طبقات ابن سعد الكبرى قصة قدوم العباس بن مرداس السلمي على رسول الله في تسعمائة من قومه على الخيول والقنا والدروع الظاهرة ليحضروا معه غزوة الفتح، قال العباس: فصفَّنا رسول الله وإلى جنبه أبو بكر وعمر.٩٣ وكان من عاداته في ذلك أن يسأل كل من يريد الغزو عن أهله، فإن لم يكن لهم مَن يعولهم سِواه ردَّه، وإن كان صغيرًا سأله هل أذن له أبواه في الخروج، فإن قال بالنفي ردَّه وقال له: فاستأذنهما، فإن أَذِنا لك فجاهد وإلا بِرَّهما. وأخرج الإمام أحمد والنسائي عن معاوية السلمي: أن رجلًا جاء إلى النبي فقال: أريد الغزو، وجئتك أستشيرك. فقال الرسول: «وهل لك من أم؟» قال: نعم. قال الرسول: «الزَمْهَا؛ فإن الجنة تحت أقدام الأمهات.»٩٤

وكان من عادته أنه إذا رجع من غزوة أو حرب أو حجٍّ أو عمرة وأقبل على المدينة، أنه كان يكبِّر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (الموطَّأ). وربما نُصِب للنبي عريشٌ عالٍ يُشرف منه على العسكر، وقد فعل ذلك في غزوة بدر، كما أشار عليه بذلك سعد بن معاذ. ومن ذلك أنه كان يقسِّم الجيش، ويعرِّف العرفاء في الجيش، ويرتِّب الأجناد، وغير ذلك مما فيه تنظيم شئون القتال.

أقسام الجيش

كان العرب يسمُّون الجيش خميسًا؛ لأنهم كانوا يقسمونه إلى خمسة أقسام: ميمنة، وميسرة، ومقدِّمة، ومؤخِّرة، وقلب، وربما قالوا: المجنبة اليسرى، والمجنبة اليمنى، والمقدِّمة، والساقة، والوسط. وكان من عادتهم أن يكون الأمير في القلب.

قال ابن هشام في أثناء فتح مكة: إن عبد الله بن أبي نُجيح روى أن رسول الله حين فرَّق جيشه من «ذي طوى»، أمر الزبير بن العوام أن يدخل بعض الناس من «كدى»، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من «كدى»، وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وغفار وسليم ومزينة وجهينة وقبيل من العرب. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصفِّ من المسلمين بين يدَي الرسول ، ودخل حتى نزل بأعلى مكة وضُربت له قُبَّةٌ هناك.

وكان الجيش يقسَّم إلى قسمين: «الخَيَّالة» و«الرَّجَّالة»، ويسمَّون البيادقة أيضًا، وهي تعريب الكلمة الفارسية: «بياده». وقد أخذ العرب منذ الجاهلية هذا الاصطلاح عن الفرس؛ فقد روى صاحب الاستيعاب أن خالد بن الوليد كان على مقدمة رسول الله يوم حُنين في بني سليم، وأن النبي جعله يوم فتح مكة على البيادقة، وهم الرجَّالة، وهم أيضًا المحيطون بالملك والمتصرِّفون له، وكان رماة الجيش هم عصب الجيش، وكان عليهم أميرٌ يتولَّى زعامتهم يأمرهم بالرمي ويمنعهم منه ويلزمهم أماكنهم، وقد كان أمير الرماة في غزوة أُحد عبيد الله بن جبير الأنصاري، أمَّره النبي عليهم، وأن المشركين لمَّا انهزموا ذهب الرماة ليأخذوا الغنائم، فنهاهم عبيد الله بن جبير أن يتركوا أماكنهم، ولكنهم مضوا وتركوه، فكان من أمر انخذال المسلمين ما كان. وكان يقدِّم بين يدَي الجيش طلائعَ يكشفون أحوال العدو ويتبيَّنون شئونهم، ويبعثون بها إلى النبي ؛ ليكون على معرفة بأحوال عدوه. فمن ذلك أنه بعث ثلاثة فرسان يستطلعون أخبار المشركين يوم أُحد، وكان من بين هؤلاء الثلاثة سليط بن سفيان الأسلمي.٩٥

عُدَد الجيش ومتعلَّقاته

اتخذ الرسول الكريم لجيشه من العُدَد ما كان معروفًا في زمنه من سيوف ورماح ودروع ولامات وقسي وسهام وخيل، وقد أمره الله سبحانه بالاستعداد الكامل في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ * تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ. وفي كتب التفسير والحديث والسيرة كثيرٌ من أخبار استعداد النبي وبعث البعوث لجمع السلاح وشراء العُدَد والخيل للجهاد. وممَّن بعثهم لذلك «سعيد بن زيد»؛ بعثه إلى نجد حيث الخيل الأصيلة القوية والسلاح الجيد، فذهب وابتاع ما وجد من خيل وسلاح، ولما أفاء الله على النبي أموال بني النضير أخذ منها لنفقة أهله سنة، ثم جعل ما بقي من المال والسبايا عُدَّةً للجهاد في سبيل الله. ولم يكتفِ الرسول بالاستعداد في الأسلحة الخفيفة، بل عمد إلى الاستعداد في الأسلحة الثقيلة كالمنجنيقات والدبابات والعرَّادات، وهي آلات ثقيلة ترمي الحجارة الثقيلة على أسوار العدو وقلاعه وثكناته فتهدمها. أما المنجنيقات فقد قال الخفاجي عنها: المنجنيق — بفتح الميم وكسرها — آلةٌ لرمي العدو بالحجارة الكبيرة، بأن يشد سوار مرتفعة جدًّا من الخشب يُوضع عليها ما يُراد رميه، ثم تضربه سارية توصله لمكان بعيد جدًّا، وكانت هذه الآلة قديمًا قبل اختراع المدافع والبارود.٩٦ وفي السِّيَر أنه حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق، وقال ابن هشام: حدَّثني من أثق به أن رسول الله أول من رمى بالإسلام بالمنجنيق أهلَ الطائف، وقال السيوطي في الأوائل نقلًا عن ابن دحية: أول ما رُمي بالمنجنيق في الإسلام في غزوة الطائف.٩٧ وفي كامل ابن الأثير أن الذي أشار على النبي بذلك هو سلمان الفارسي، وفي أوائل السيوطي أيضًا: أن أول من وضع المنجنيق هي بلقيس ثم جذيمة الأبرش.٩٨ وأما الدبابات — وواحدها دبابة — فهي آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدفعون إلى الأسوار ويثقبونها، وقال المجد الفيروزآبادي في القاموس: الدبابة تُتخذ في الحروب فتندفع في أصل الحصن فيشنُّون وهم في جوفها، وقال في التراتيب الإدارية: هي بيت صغير، تُعمل للحصون، يدخلها الرجال فينقبون من داخلها، ويكون سقفها حرزًا لهم من الرمي. وفي كتاب نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل: أول دبابة صُنعت في الإسلام دبابةٌ صُنعت على الطائف حين حاصرها النبي .٩٩ وأما العرَّادات فهي كالمنجنيق، إلا أنها أصغر منه. وفي طبقات ابن سعد أثناء كلامه عن وفد ثقيف على رسول الله: ولم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلامة حصار الطائف، كانا في جَرَش يتعلمان صنع العرَّادات والمنجنيق والدبابات. ومما يتعلَّق بعُدَد الجيش صُنع القلاع والحصون، وقد كان العرب يعرفون ذلك في جاهليتهم، فاستمر رسول الله على ذلك. ومما اختُرع في عهده أيضًا صنع الأخاديد والخنادق، وأول ما صَنع ذلك رسولُ الله في غزوة الأحزاب، أشار عليه به سلمان الفارسي، فأمر النبي بحفره بعد أن خطَّه، وقطع لكل عشرة من الصحابة أربعين ذراعًا، فاحتجَّ المهاجرون والأنصار في سلمان؛ لأنه كان رجلًا قويًّا، فقال هؤلاء: هو منا. وقال أولئك: هو منا. فقال الرسول: «سلمان منا أهل البيت.» وفي سيرة ابن هشام: أنه حفر الخندق بنفسه، ولما أقبلت قريش فرأت الخندق هالها ذلك، وقالت: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.١٠٠ وقال السهيلي في الروض الأنف: إن اتخاذ الخندق من مكائد الفرس؛ ولذلك تفطَّن سلمان وأشار به، والفرس أول من حفر الخندق، وبخت نصر أول من اتخذ الكمائن. ومما يتعلَّق بعُدَد الجيش راياته وألويته؛ فقد اتخذ النبي لنفسه رايات وأعلامًا؛ «فاللواء» ما يُعقَد في طرف الرمح ويُلوى عليه، و«الراية» ما يُعقَد فيه ويُترك حتى تُضعضعه الرياح، وقيل: بل هما شيء واحد، ولكن اللواء دون الراية، وقيل العكس. أما «العَلَم» فهو الذي يُرفع فوق الأمير، يدور معه حيث دار، وقد كان للرسول أناسٌ يحملون رايته ، ومنهم أبو بكر وعمر وعلي والزبير وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقيس بن سعد بن عبادة ومصعب بن عمير.١٠١ وكان من تقاليده أن يعقد الرايات لكل أمير يبعثه في سَرِية أو بَعْث. ويقال إن أول راية عقدها هي راية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة. وفي الإصابة أن سعد بن مالك وفد على النبي فعقد له راية سوداء وفيها هلال أبيض.١٠٢ وفي التراتيب الإدارية: قال ابن إسحق: دفع اللواء يوم غزوة بدر الكبرى إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض. وفي سنن النسائي وأبي داود: عن جابر أنه كان لواؤه يوم دخول مكة أبيض لا أصفر. وفي سنن أبي داود: عن سماك بن حرب عن رجال من قومه قال: رأيت راية النبي صفراء لا غبراء. وقال ابن إسحق في أخبار غزوة بدر: وكان أمام رسول الله رايتان سوداوان؛ إحداهما مع علي والأخرى مع بعض الأنصار. وذكر عبد الله بن حبان الأصفهاني «في كتاب أخلاق النبي » أنها كانت سوداء تسمى العقاب. وفي تاريخ البخاري: عن الحارث بن حسان قال: دخلت المسجد فرأيت النبي قائمًا على المنبر يخطب، وفلان قائم متقلدًا السيف، وإذا راية سوداء تخفق، فقلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قَدِم من ذات السلاسل.١٠٣

مكائد الجيش

قال النبي : «الحرب خدعة.» ولا ريب في ذلك؛ فإن إعلان الحرب هو قطعٌ لكل العلاقات الودية والإنسانية مع الخصم، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا من اتخاذ كل الوسائل للتغلب على العدو وقهره. وأول ما يجب على القائد الاهتمام به، هو أن يعرف أخبار عدوه وأحواله وعدده، ولا أفضل في ذلك من اتخاذ الجواسيس والعيون. وقد استحسن النبي ذلك وفعله، وكانت له عيون يبعث بهم للاستطلاع والتحقيق عن أحوال العدو؛ ومنهم «بسبس» أو «بسبسة بن عمرو»، فقد بعثه لتعرُّف عير أبي سفيان، وبعث معه عينًا آخرَ اسمه «عدي بن أبي الزغباء الجهيني» يتجسسان خبر أبي سفيان في وقعة بدر، فسارا حتى أتيا قريبًا من ساحل البحر. ومنهم «عبد الله بن أبي بكر الصديق»، كلَّفه أبوه حين خرج مع النبي للمهاجرة أن يستمع أخبار قريش ويأتيهما بها وهما في الغار، وكان شابًّا فطنًا، كان يبيت عندهما ويخرج وقت السحر، فيظل مع قريش يتسمَّع أخبارها وينقلها إلى النبي وأبيه. وممن بعثهم يتجسَّسون له أخبار العدو يوم بدر «علي بن أبي طالب» و«الزبير بن العوام» و«سعد بن أبي وقاص».١٠٤ وممن كان يتجسَّس للنبي «طلحة بن عبيد الله» و«سعيد بن زيد»، بعثهما إلى طريق الشام يتجسَّسان أخبار قريش، ثم رجعا إلى المدينة فقَدِماها يوم بدر، فضرب لهما الرسول بسهميهما وأجرهما. وفي طبقات ابن سعد: أن «أبا تميم الأسلمي» أرسل غلامه «مسعود بن هنيدة» من العرج على قدميه إلى رسول الله يخبره بقدوم قريش عليه، وما معهم من العَدد والعُدد والخيل والسلاح يوم أحد. وفي الاستيعاب: أن «حذيفة بن اليمان» بعثه النبي يوم الخندق ينظر إلى قريش، فجاءه بخبر رحيلهم.١٠٥ وبعث يوم غزوة هوازن «عبد الله بن أبي حدرد»، وأمره أن يدخل في الناس فيُقيم فيهم حتى يعلم علمهم ويأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد حتى دخل فيهم، فأقام بينهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله …١٠٦ وممن بعثهم الرسول يتجسَّسون له على قريش «أمية بن خويلد» و«بشر بن سفيان العتكي»، و«جبلة بن عامر البلوي» تجسَّس له يوم الأحزاب، و«خبيب بن عدي». وروى البخاري أن للنبي عشرة رهط عينًا، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت.١٠٧
ومن مكائده في حروبه اتخاذ المخذِّلين في صفوف أعدائه؛ لِمَا في ذلك من تضعيف أمرهم وإفساد قلوبهم؛ فقد روى ابن سعد: أن النبي بعث نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي إلى صفوف الأحزاب يخذِّلهم عن المسلمين، فأوقع بين قريش وبين قريظة وبين غطفان حتى صرف الله كيدهم عن المسلمين.١٠٨ وقد قدَّمنا تفصيل ذلك في كلامنا عن غزوة الأحزاب. ونقل الكتاني عن كتاب العلل لأبي حاتم: عن النواس بن سجعان قال: بعث النبي سريةً فقال لها: «تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، إن كل كذب مكتوب كذبًا لا محالة، إلا أن يكذب الرجل في الحرب؛ فإن الحرب خدعة.»١٠٩
ومن مكايد الحروب إحراق الأشجار وتقطيعها؛ لإفساد أمر العدو وعدم تمكينهم من الاحتماء بها، فقد روى مسلم في صحيحه: عن عبد الله بن عباس أن النبي أمر بإحراق نخيل بني النضير، وعهد بذلك إلى أبي ليلى المزني وعبد الله بن سلام، فأنزل الله عز وجل الآية: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ.١١٠
ومن مكائده في الحروب أنه كان يجعل لكل غزاة شعارًا وكلمة يتعارفون بها في الحروب، ويتداعى بها كل فريق، وهو الذي يقابله عند الأجانب في العصور الحاضرة ما يسمى باﻟ Mot d’ordre، فمن شعاراته : «يا كل خير»، و«يا أصحاب سورة البقرة»، و«يا حلال»، و«أنت أنت»، و«يا منصور أمنت»، و«هم لا ينصرون»، و«يا منصور». قال ابن عباس: وكان الشعار يوم بدر: «يا منصور»، ويوم حنين: «هم لا ينصرون»، وشعارهم يوم انهزموا: «يا أصحاب سورة البقرة»؛ تخصيصًا لهم. وقال بعض الشافعية، وقد ذكر الحقوق المرتبة على أمير الجيش لهم، فعَدَّ منها: أن يجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به ليصيروا به متميزين، وبالاجتماع به متظافرين.١١١

معاملته للأسرى والكفار

كان الرسول الكريم منصفًا مع خصومه على الرغم من اشتدادهم عليه ومحاولتهم الفتك به وقتله، ولم يُعلَم عنه أنه قتل أحدًا في حروبه إلا أُبيَّ بن خلف، وكان في كل حالاته داعية خير كارهًا للدماء والقتل، لا يترك فرصة — حتى في خلال المعارك — يدعو فيها خصومه إلى اعتناق الدين القويم. ولما أتمَّ الله للمسلمين فتح مكة ووقع أهلها أسرى في يد المسلمين عفا عنهم، وقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء.» وكان من عاداته إذا جاءه الأسرى أن يجعل عليهم رجلًا يراقب أحوالهم؛ ومن هؤلاء «أسلم بن بحرة الأنصاري»، وقد جعله على أسرى بني قريظة من اليهود. ومنهم «بديل بن ورقاء»، جعله النبي على الأسرى والأموال بالجعرانة. ومنهم «بريدة بن الحصيب»، جعله النبي على أسرى المريسيع. ومنهم «شقران» مولى النبي، استعمله على جميع ما وجد في رجال أهل المريسيع من المتاع والسلاح والغنم والشاء.

في أدب الجهاد

أوجب النبي الجهاد على كل قادر عليه؛ تلبيةً لأمير المسلمين وإعلاءَ كلمة الله. والواجب على كل من يخرج للجهاد أن يكون خروجه لله ولإعزاز دينه، لا للتفاخر ولا طلبًا للغنائم؛ فقد روى أبو موسى الأشعري عن النبي: أنه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يقاتل شجاعةً ويقاتل حميةً ويقاتل رياءً، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال الرسول : «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.» وعن ابن مسعود قال: «إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدًا أو قتل شهيدًا، فإن الرجل ليقاتل ليغنَمَ، ويقاتل ليُذكَر، ويقاتل ليرى مكانه.»١١٢ ويجب على المجاهد ألا يأخذ ما لا يحل له أخذه، فإن ذلك معصية كبيرة سماها القرآن «غُلولًا»، وقال أبو هريرة: خرجنا مع الرسول إلى خيبر، ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا، غنمنا المتاع والطعام والثياب. ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله عبدٌ له، فلما نزلنا قام عبد رسول الله يحلُ رحله، فرُمي بسهم فيه حتفه، فلما قلنا له: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله. فقال: «كلا، والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم.» قال: ففرغ الناس، فجاء الرجل بشراك أو بشراكين، فقال: أصبته يوم خيبر. فقال الرسول : «شراك من نار أو شراكان من نار.» وقال ابن الجوزي: وقد يكون الغازي عالمًا بالتحريم، إلا أنه يرى الشيء الكثير فلا يصبر عنه، وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل، وها هنا يتبين أثر الإيمان والعلم. روينا بالإسناد عن هبيرة بن الأشعث عن أبي عبيدة العنبري قال: لما هبط المسلمون وجمعوا الأفياض، أقبل رجل بحقٍّ معه فدفعه إلى صاحب الأفياض، فقال الذين معه: هل أخذت منه شيئًا؟ فقال: أما والله لولا الله لما أتيتكم به. فعرفوا أن للرجل شأنًا، فقالوا: من أنت؟ قال: والله لا أخبركم لتحمِّدوني، ولا أغريكم لتقرِّظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلًا حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.١١٣

(٤) الشئون الاجتماعية

كان الرسول العظيم على جانب كبير من رقة القلب والحنان والعطف على الناس أجمعهم، وقد أُثِرت عنه حوادث وأقوال تدلُّ على شدة عنايته — عليه السلام — بالناس وأحوالهم والعطف عليهم والدعوة إلى الإصلاح في الشئون الاجتماعية العامة.

وفدت على النبي جماعة من هوازن وهي مهزومة بعد وقعة حنين، وفيها عمٌّ له من الرضاعة، فأحسن النبي تلقيهم لأجل عمِّه من الرضاعة، ثم تشفَّع النبي لدى المسلمين أن يردُّوا على هوازن ما أخذوه من السبي، واشترى بماله من السبي ممَّن أبوا أن يردوا السبايا إلا بالمال، وما فعل ذلك إلا لرقَّة قلبه وحفظه العهود وتعليمًا للناس أن وراء الحقوق قضايا اجتماعية هامة يجب على المرء أن يرعاها. وكان إذا ودَّع رجلًا أخذ بيده، فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه. وكان كثير الرحمة للصبيان والعيال والبائسين والأرقاء والخدم، يهتم بهم ويفكِّر في أحوالهم، وقد اهتم أيضًا بشئون الناس الاجتماعية عامة، فأمر بعمل كل ما فيه إصلاح المجتمع الدنيوي، وأوجب على الناس القيام بكل ما فيه قوام مجتمعهم وإصلاحه، وحرَّضهم على التعاطف والتراحم وإقامة القسطاس وحفظ حقوق الآخرين وعمل كل ما فيه إصلاح شئون المجتمع الإسلامي من آداب وأخلاق فاضلة ومرافق عامة وما إلى ذلك.

(٤-١) الآداب العامة

في القرآن الكريم والسنة النبوية طائفة كبيرة من الآداب الجامعة التي أمر الناس بها، ويتجلَّى لنا بعضها في الآيات والأحاديث الآتية:

قال الله تعالى:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.١١٤

وقال سبحانه:

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.١١٥
وقال النبي : «حقُّ المسلم على المسلم، إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحَمَد الله فشمِّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه.» وقال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر من ألا تزدروا نعمة الله عليكم.» وقال النواس بن سمعان: سألت رسول الله عن البر والإثم فقال: «البر حُسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس.» وقال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه.» وقال: «مَن أحب أن يُبسط له رزقه، وأن يُنسأ في أثره فليصل رحمه.» وقال: «لا يدخل الجنة قاطع «رحمه».» وقال: «إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.» وقال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبغَ بعضكم على بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات)، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه.» وقال: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق.» وقال: «التاجر الصدوق يُحشَر يوم القيامة مع الصدِّيقين والشهداء، وإن الله يحب العبد المحترف، رحم الله امرأً سهل البيع، وسهل الشراء، وسهل القضاء، وسهل الاقتضاء.» وقال: «من أنظر معسرًا أو ترك له، حاسبه الله حسابًا يسيرًا، ومن الإحسان أن يقيل من يستقيله.»١١٦
هذه نقطة من بحر الآداب الاجتماعية التي دعا إليها النبي الكريم، وهي كما نرى قَبَسٌ من نور الإله الرحمن الرحيم الذي بعث نبيه محمدًا يختم رسالات الرسل الأكرمين، ويتمِّم مكارم الأخلاق، ولم تكن خطة النبي أن يقول فقط، ولكنه كان يقول ويعمل. وقد كانت حياته الخاصة وتصرفاته وأعماله كلها منطبقة تمام الانطباق على أقواله، فهو يأمر الناس بأمر، ويحضُّهم على مكرمة، ويكون أول العالمين بها، وهو يدعوهم إلى فضيلة، ويرشدهم إلى منقبة، ويكون أوَّل من يتحلى بها. وكان يراقب نفسه ويحاسبها على أعمالها، ويدعو الناس إلى مراقبة نفوسهم وجهادها، فإن هذا هو الجهاد الأكبر، وكان يقول: إذا أراد الله لعبد خيرًا بصَّره بعيوب نفسه.١١٧

وكان يحضُّ الناس على عدم التدخل في شئون الآخرين، إلا ما كان فيه مصلحة عامة أو فائدة للمجتمع. ولم يكن دينه دين آخرة وحسب، بل اهتم بشئون الدنيا والحض على العمل لها، وكان يقول: «رحم الله امرأً عمل عملًا فأتقنه.» وسنرى في النقاط التالية شدة عنايته بدقائق الأمور الدنيوية عنايته بإصلاح أحوالها.

(٤-٢) الاهتمام بمعاملات الناس وحفظ الحقوق العامة وإصلاح شأن البيئة الإسلامية

نظَّم الرسول أمور البيئة الاجتماعية، فأمر بالزكاة، وهي فرض على المسلم يدفعه لإصلاح شئون المجتمع. وقد نصَّ القرآن على أن مصارف الزكاة يجب أن تكون في هذه الأصناف الثمانية:
  • (١)

    الفقير: وهو من لا مال له ولا قدرة على الكسب.

  • (٢)

    المسكين: وهو الذي لا يفي دخله بخرجه.

  • (٣)

    السعاة: وهم الذين يجمعون مال الزكاة.

  • (٤)

    المؤلَّفة قلوبهم: وهم الأشراف الذين أسلموا وكان في إعطائهم المال ترغيب لقومهم بدخول الإسلام. وقد انقرض هذا الصنف الآن، كان خاصًّا بأيام الدعوة الإسلامية الأولى.

  • (٥)

    المكاتبون: وهم الأرقَّاء الذين يكاتبهم مواليهم على شيء من المال يدفعونه إليه فيحرِّروهم.

  • (٦)

    الغارمون: وهم المدينون الذين لا يملكون وفاء ديونهم.

  • (٧)

    الغزاة في سبيل الله: ممَّن ليس لهم راتب معين في ديوان الدولة.

  • (٨)

    أبناء السبيل: وهم المسافرون الذين انقطعت بهم الأسباب وفقدوا المال.

هذه هي مصارف الزكاة، وهي — كما نرى — مصارف معقولة أوجب الله لأربابها حقًّا مفروضًا في مال كل مسلم قادر. ومما أمر به الإسلام مما فيه إصلاح الشئون الاجتماعية تنظيم قضايا البيوع والمتاجرات والعقود والأقضية وكل ما له علاقة بالمعاملات وكسب العيش، وقد حضَّ الرسول الكريم على إحسان المعاملة فيها؛ فقد ورد عنه : «من الذنوب ذنوب لا يكفِّرها إلا الهم في طلب العيش.» وقال: «التاجر الصدوق يُحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء.» وقال: «رحم الله امرأً سهل البيع والشراء، سهل القضاء، وسهل الاقتضاء.» وكان ينهى عن احتكار الطعام، كما ينهى عن إخفاء عيوب البضائع، ويحرِّم كافة أنواع التلبيس والغش، ويأمر بالتساهل في البيع والشراء، واجتناب الظلم في المعاملات، ويحرِّض على المتاجرة والكسب، وينهى عن التواكل والتقاعس وتناول كل ما فيه شبه، وكان يقول: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.»

وإن من أهم ما حرَّض عليه النبي هو عدم التطفيف في الكيل والوزن، وقد شدَّد الله ونبيُّه النكير على من يفعل ذلك، فقال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ … وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن النبي اشترى مني بعيرًا بأوقيَّتين ودرهم أو بدرهمين، فلما قَدِم المدينة وزن لي ثمن البعير فأرجح. وفي سنن أبي داود أنه — عليه السلام — كان يقول للوازن: «زِنْ وأرجِح.»١١٨ وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله : «من ابتاع طعامًا فلا يبِعهُ حتى يكتاله.» ولم يترك الرسول شأنًا من شئون معاملات الناس إلا اهتم به، ودعا إلى حفظ الحقوق والقيام بأمور الناس ومصالحهم ومرافقهم على أحسن وجه، حتى إنه أمر ببناء المستشفيات ودور الضيافة والقيام بما فيه الترويح عن الناس من إقامة الحفلات البريئة وإجازة حلبات السباق.

أما المستشفيات والشئون الطبية

فقد اهتم بها اهتمامًا كبيرًا؛ لِما في ذلك من العناية بشئون البيئة الإسلامية وحفظ حياتها وصحة أبنائها، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله قال: «إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها.» وهذا أدب اجتماعي كبير؛ فإن الخروج من البلد الموبوء فيه نقل للوباء إلى المناطق السليمة، وفيه إهمال للعناية بأمر المرضى بالمدينة وإصلاح أحوالهم، وأما عدم الدخول إليها فلئلا يُلقي الإنسان بنفسه في التهلكة. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه لما خرج إلى الشام وعلم أن فيها وباءً رجع بعد أن حمد الله على سلامته منه. وقال أبو الحسن بن طرخان الحموي: إن النبي كان يديم التطبُّب في حال صحته ومرضه؛ أما في صحته فباستعمال التدابير الحافظة لها من الرياضة، وقلة المتناول، وأكله الرطب بالقثاء، والرطب بالبطيخ، ويقول: «يدفع حر هذا برد هذا، وبرد هذا حر هذا.» وإكحال عينيه بالإثمد كل ليلة عند النوم، وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر القوي، ويقول: «أبردوا بها.» وأما تداويه في حال مرضه، فثابت بما روي من ذلك في الأخبار الصحيحة؛ فمنها ما رواه عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله كثرت أسقامه، وكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه، ومنها يسقى آخر عمره أو في آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، فكنت أعالجه بها.١١٩
وكان الرسول يُخرِج معه إلى الغزو والجهاد الممرضات، وكان يجعل لهن خيامًا يمرِّضن فيها من يُجرح أو يصاب في الله. ومن هؤلاء الممرضات رفيدة بنت سعيد الأسلمية الأنصارية وأختها كعيبة؛١٢٠ ففي صحيح مسلم عن عائشة: أن سعد بن معاذ أصيب يوم الخندق، رماه رجل من قريش، فضرب له خيمة في المسجد يعوده من قريب. وفي سيرة ابن إسحق: كان رسول الله قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده — عليه السلام — كانت تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيعة — أي مرض — من المسلمين.١٢١ وكان الرسول يوصي الناس بإتيان الأطباء المهرة المشهود لهم بالبراعة والحكمة والفضل، وقد عقد ابن أبي أصيبعة في كتابه فصلًا خاصًّا بالأطباء الذين كانوا على عهد رسول الله ؛ ومنهم طبيب العرب وحكيمهم وفيلسوفهم الحارث بن كلدة وولده النضر بن الحارث وابن أبي رمثة.١٢٢ وكان ينهى مدَّعي التطبب والكهان والرقاة والسحرة من أن يقوموا بمداواة الناس وإفساد أجسامهم، وإن من فعل شيئًا من ذلك وآذى فعليه عقابه. وقد روى أبو داود والنسائي والدارقطني عن عمرو بن شبَّة أن النبي قال: من تطبَّب ولم يُعلم عنه الطب فهو ضامن. ورواه أبو نعيم: من تطبَّب ولم يكن بالطب معروفًا فأصاب نفسًا فما دونها فهو ضامن. وقد علَّق الشيخ ابن طرخان الحموي على هذا الحديث بقوله: فيه احتياط وتحرُّز على الناس، وحكم سياسي مع ما فيه من الحكم الشرعي. وقوله: «تطبَّب»؛ أي تعاطى علم الطب ولم يكن من أهله، ومعناه: من تعاطى علم الطب ولم يتقدَّم له به استعمال ومزاولة وتدرَّب مع الفضلاء فقَتَل بطبِّه فهو ضامن.١٢٣ وممن كانوا يتعاطَوْن الطب في عهد النبي الشمردل بن قباب الكعبي وضماد بن ثعلبة الأزدي.١٢٤

أما دور الضيافة

فقد أمر النبي باتخاذها، وقد روى ابن هشام أن النبي لما فتح الله عليه مكة وفرغ من غزوة تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت، أخذت وفود العرب تتردَّد عليه من كل وجه، وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة النبوية، وكانت تُسمَّى سنة الوفود، فأمر الرسول ببناء الدور لإنزال هؤلاء الوفود وإكرامهم. وقال السمهودي: إن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها، الدار التي يقال لها الدار الكبرى؛ دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإنها سميت «بالدار الكبرى»؛ لأنها أول دار بناها أحد المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن يُنزِل فيها ضيوف رسول الله ، وكانت تسمَّى أيضًا دار الضيفان.١٢٥ ومن الدور التي كان النبي يُنزِل فيها ضيفانه دار رملة بنت الحارث النجارية،١٢٦ وفيها أنزل الرسول وفد بني تميم وبني كلاب وبني قريظة وبني حنيفة. ومنها دور أبي أيوب الأنصاري ويزيد بن أبي سفيان وأم شريك.١٢٧ وكان يضرب لهم الخيام والقباب في ناحية المسجد النبوي فينزلون فيها، ويبعث إليهم بطعامهم، ويجزل جائزتهم وتزويدهم حين سفرهم.١٢٨

وأما القيام بما فيه الترويح عن النفس

من الحفلات البريئة والمسابقات الرياضية، فقد أباحه . قال الغزالي في تعديد مزايا النبي الكريم ومحاسن أخلاقه، نقلًا عن بعض العلماء: كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا، ويضحك من غير قهقهة، يرى اللعب المباح فلا يكرهه، ويسابق أهله.١٢٩ وفي حديث عائشة — رضي الله عنها: قدم وفد من الحبشة على النبي فجعلوا يَزْفِنون ويلعبون؛ أي يرقصون، والنبي لا يمنعهم من ذلك، بل كان يبتسم.١٣٠ وفي الصحيحين للبخاري ومسلم أن عائشة قالت: جاء الحبش يزفِنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي أنصرِفُ عن لعبهم. وفيهما أيضًا: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنى تغنيان وتضربان الدفَّ، ورسول الله مسجَّى بثوبه، فانتهرها أبو بكر، فكشف رسول الله رأسه وقال: «دعها يا أبا بكر، فإنها أيام عيد.» وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: دخلتْ عليَّ جارية لحسان بن ثابت يوم فِطْرٍ ناشرة شعرها معها دفٌّ، فزجرتها، فقال رسول الله: «دعيها يا أم سلمة، فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا.» وروى جابر بن عبد الله: أن بعض الأنصار نكح بعض أهل عائشة، فقال لها رسول الله : «أهديتِ عروسك؟» فقالت: نعم. فقال: «فأرسلتِ معها بغناء، فإن الأنصار يحبونه؟» قالت: لا. فقال: «أدركيها بأرنب — وهي امرأة كانت تغني بالمدينة.» فأدركتها، وكانت من المغنيات المتقنات والجواري الراقصات. ومن الجواري المغنيات في المدينة أيضًا زمن الرسول: حمامة وزينب الأنصارية.١٣١

ولما قدم الرسول إلى المدينة خرج له الغلمان بالدفوف والألحان يحيونه وينشدون:

طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا للَّه داعي

وخرجت الفتيات يغنين ويقلن:

نحن جوارٍ من بني النجار
يا حبَّذا محمد من جار١٣٢

ويذكر صاحب الأغاني والإصابة عن ابن عباس أن رسول الله مرَّ بحسان بن ثابت وهو بفناء أطمه، ومعه سماطان من أصحابه، وجاريته «سيرين» تغنيهم، فانتهى إليها رسول الله وهي تقول:

هل عليَّ ويحكما
إن لهوت من حرجِ

فابتسم رسول الله وقال: لا حرج. ولما زُفَّت الفارعة بنت أبي أمامة قال لهم رسول الله ليلة زفافها، قولوا:

أتيناكم أتيناكم
فحيُّونا نُحييكم
ولولا الذهب الأحمر
ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمرا
ما سَمُنَتْ عذاريكم١٣٣
ومرَّ ابن عمر مرة في الطريق فرأى الحبش يلعبون، فأخرج درهمين فأعطاهم. لما ختن ابن عباس بنيه أرسلت دعوة للعابين فأعطاهم ابن عباس أربعة دراهم.١٣٤
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: سابق رسول الله بين الخيل التي أضمرت فأرسلها. وكان ابن عمر ممَّن سابق عليها. وسابق مرة بين الخيل، وكان سهل بن سعد الساعدي على فرس لرسول الله اسمه «الظرب»، فسبق الناس وكساه النبي بردًا يمانيًّا، وسابق مرةً فسبق أبو أُسيد الساعدي على فرس لرسول الله ، فلما طلع الفرس على الخيول جثا رسول الله على ركبتيه واطَّلع من الصف، وقال: «كأنه بحر.» وكسا أبا أسيد حلَّة يمانية. وأباح الرسول السباق والمراهنة في الخيل وكل ذي خفٍّ وحافر، أباح الترامي بالنبال، ومما يروى عنه: «لا سبق إلا في خفٍّ أو حافر أو نصل.» وقال ابن الأثير: «السبق ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة.» والمعنى: لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة: الإبل والخيل والسهام. وقد ألحق بها الفقهاء ما كان بمعناها. وفي الحديث: أنه أمر بإجراء الخيل وسبقها ثلاثة أعذُق من ثلاث نخلات. وقال ابن الأثير: سبَق بمعنى أعطى السَّبق، وقد يكون بمعنى واحد.١٣٥ وقال : «الْهَوا والعبوا؛ فإني أكره أن أرى في دينكم غِلظة.»١٣٦

(٥) الشئون المالية

مما لا شك فيه أن الناس في الجزيرة العربية كانوا قبل زمن النبي يعيشون عيشةً لها نُظُم اقتصادية واجتماعية، كان فيهم الأثرياء والتجار المنعَّمون، ولا شك أيضًا في أن هذا الأمر استمر بعد الإسلام؛ لأن النبي لم يهدم كل ما كان في الجاهلية، إنما جاء بفكرته ودينه يدعو الناس إلى الإسلام والدخول في دين الله. ثم إنه — عليه السلام — كان شديد الحرص — كما رأينا في الفصول السابقة — على تقوية أركان حكومته بعد الهجرة وعلى توطيد دعائمها، وجعلها حكومة لها مميزات الحكومات الأخرى الصالحة؛ لهذا نستغرب كل الاستغراب حينما نقرأ بعض الكتب لكتَّاب مسلمين أو مستشرقين أن حكومة النبي كانت حكومة بدوية خالية من النُّظُم والقوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن العرب كانوا قبله بداة وحوشًا يأكل بعضهم بعضًا، وأنه استطاع أن يجعل منهم كتلة يهاجم بها الأمم المتمدنة، ناسين أو متجاهلين أن النبي بعثه الله على حين فترة من الرسل لينقذ العالم من شروره وضلالاته، وأنه لم يجئ بشيء خارق للعادة ولا بمعجزات فوق قدر البشر سوى هذا القرآن الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه تنزيل من عزيز حميد. أما ما عدا ذلك فإن سننه وسُبله كانت سننًا وسبلًا عادية سلك فيها الطريق المستقيم، واتبع أنظمة الكون المألوفة، ونظم شئون بلاده من سياسية واجتماعية واقتصادية محتفظًا بالطيِّب الكامل الذي كان عندها من قبل، نابذًا الضار الفاسد، مضيفًا إلى ذلك كل ما هو حسن مفيد؛ هذه هي سيرة محمد في أمته. أما سيرته في الأمم الأخرى، فإنه دعاها إلى دينه الذي أمره الله بتبليغه، وهو دين قائم على التوحيد وتقديس النبوات الإلهية السابقة، مُحْيٍ لما اندرس من تعاليمها، آمرٌ بالتوحيد المطلق، ناهٍ عن الشر والفساد، محبذٌ لكل فضيلة عند تلك الأمم.

وبعدُ، فهذه هي سيرة النبي الكريم، وتلك هي طُرقه وآدابه وإصلاحاته، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا؟! وسترى في هذا الفصل أن النبي الكريم عني بشئون بلاده الاقتصادية والمالية عناية صحيحة، فاستبقى منها ما كان صالحًا، واستبعد منها ما كان طالحًا.

فأول أعماله المالية أن أوجد الديوان، فسجَّل فيه أصحاب العطايا، والمشهور أن عُمر أوَّل من فعل ذلك، ولا يعقل أن يكون المسلمون ظلوا في عهد الرسول وفي عهد أبي بكر بدون ديوان تسجَّل فيه أسماء أصحاب العطايا. وقد فَتشتُ طويلًا فوجدت في صحيح البخاري حديثًا رواه حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله : «اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس.» فكُتِب له ألف وخمسمائة رجل. وهذا ولا شك هو أول ديوان في الإسلام. وأغلب الظن أن الرسول استمرَّ في تسجيل ذلك فيما بعد، وأن أبا بكر اتَّبع سنَّة الرسول في ذلك، ولما جاء عمر نظَّمه ووسَّعه. وأما أقوال أبي هلال العسكري والماوردي في الأحكام السلطانية وغيرهما، أن عمر أول من فعل ذلك، فقول لا يعتمد على حجَّة، أو لعلهم يقصدون أنه وسَّعه ونظَّمه، وإلا فإنه كان موجودًا من قبله؛ فقد رأيت في حديث البخاري أن النبي هو أول من طلب ذلك.

(٥-١) أما بيت المال

فالمشهور أيضًا أن عمر هو أول من وضعه.١٣٧ وهو غير صحيح أيضًا؛ فقد ذكر السيوطي أن أبا هلال العسكري ذكر أن عمر هو أول من اتخذ بيت المال، وعلَّق عليه السيوطي بقوله: قلت: بل أبو بكر كما بيَّنتُه في تاريخ الخلفاء.١٣٨ وأخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل. فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة حوَّله فجعله في داره، فقدم عليه مالٌ فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوي بين الناس في القسم، وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله … فلما توفي أبو بكر ودُفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت أبي بكر؛ ومنهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئًا؛ لا دينارًا ولا درهمًا. وقال الكتاني بعد أن روى قولة ابن سعد هذه: ويمكن الجمع بأن أبا بكر هو أول من اتخذ بيت المال من غير إحصاء ولا تدوين، وعمر أول من دوَّن ذلك. قلت: وهذا قول غريب عجيب، كيف يصدر عن مثل الكتاني في فضله وعلمه! والذي أراه أن الرسول أوجد نوعًا من الديوان، فسجَّل فيه أسماء أصحاب الحقوق في الفيء، كما أنه اتخذ بيته مقرًّا للأموال، فقد رأينا أن الله لما أفاء عليه أموال بني النضير، أخذ منها لنفسه ولأهله ما يكفيهم مدة سنة، ثم جعل الباقي في الكراع والخيل والسلاح عدة في سبيل الله.١٣٩ ثم جاء أبو بكر فاتخذ بيت المال والديوان، وجاء عمر من بعدهما فنظَّم ذلك وبدأ بأهل بدر وبني هاشم وبني المطلب ثم الأقرب فالأقرب. وكان رسول الله إذا جاءته الأموال من الفيء قسمه في يومه، فأعطى صاحب الأهل والعيال حظَّين، وأعطى الأعزب حظًّا واحدًا. وقال أبو يوسف في كتاب الخراج: لم يكن في حياة رسول الله مرتبة معينة للجنود الذين كانوا يتألَّفون من جميع أمراء المسلمين، وإنما يأخذون مالهم في أربعة أخماس ما يغنمون، وفيما يرد من خراج الأرض التي أبقيت في أيدي أهلها كأرض خيبر. ولما ولي أبو بكر أعطى الناس وسوى بينهم في العطاء قائلًا: هذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة. فلما ولي عمر رأى في ذلك غير رأي أبي بكر، وقسم العطاء مفضلًا الأسبق إلى الإسلام فالأسبق.١٤٠
وكان الزبير بن العوام وجهم بن الصلت يكتبان له — عليه الصلاة والسلام — أموال الصدقات، وكان حذيفة بن اليمان يكتب له خوص النخل.١٤١ وفي الأحكام لابن العربي: أما ولاية الديوان فهي الكتابة، وقد كان للنبي كتَّاب وللخلفاء بعده. والكتابة هي ضبط عدد أفراد الجيوش لمعرفة أرزاقهم والأموال لتحصيل فوائدها لمن يستحقها.١٤٢ وكان معيقب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبي ،١٤٣ وكان يجعل على الأنفال والمغانم والفيء رجالًا يطلب إليهم أن يحصوها ويحفظوها إلى حين قسمتها. قال الخزاعي نقلًا عن ابن إسحق في أخبار يوم بدر: إن الرسول جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف الأنصاري. وقال ابن حزم: ولَّاه رسول الله الغنائم في يوم بدر وفي يوم خيبر. وقال القضاعي في كتاب الأنباء: كان يوم خيبر من السبايا ستة آلاف، ومن الإبل والغنم ما لا يُدرَك عدُّه. وروى ابن فارس في كتابه مسند الزهري: عن سعيد بن المسيب أن النبي ١٤٤ سبى يومئذٍ ستة آلاف بين غلام وامرأة، فجعل الرسول عليهم أبا سفيان بن حرب …١٤٥
وكان يجعل على كل قبيلة مَن يأتيه بصدقاتها وأموالها، ويحاسبه على ذلك. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله رجلًا من الأزد على صدقات بني سليم، يُدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه فقال: هذا مالكم وهذا هدية. فقال رسول الله : «فهلا جلست في بيت أبيك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا!» ثم خطب فحمد الله ثم أثنى عليه، وقال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل فيأتيني فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه الهدية إن كان صادقًا! والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله عز وجل يحمله يوم القيامة.١٤٦ وقد نقل هذا الحديث ابن القيم في كتابه «الطرق الحكمية»، وعلَّق عليه بقوله: كان النبي يستوفي الحساب على عمَّاله يحاسبهم على المستخرَج والمصروف، كما في الصحيحين. ثم ذكر حديث أبي حميد الساعدي السابق.١٤٧

وقد كانت موارد بيت المال في زمن النبي منحصرة في الجهات الآتية:

الجزية

وهي الأموال المأخوذة من أهل الذمة جزاءً للمنة عليهم بالإعفاء من القتل. وقد أخذها النبي في عهده من نصارى نجران، وهم عرب وعجم، كما أخذها من بعض أهل اليمن النصارى من العرب والعجم. وقال ابن عبد البر في التمهيد: عن ابن شهاب، أن أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب هم أهل نجران في عملنا، وكانوا نصارى، ثم قَبِل رسول الله الجزية من أهل البحرين، وكانوا مجوسًا. وممن تولَّى قبض الجزية في عهده أبو عبيدة بن الجراح كما في صحيح البخاري، ومعاذ بن جبل كما في سنن أبي داود.١٤٨ وقال : «ليس على مسلم جزية.» أي إنه إذا أسلم نصراني سقطت عنه الجزية، وإن مرَّ عليه بعض الحول وهو نصراني لم يُطالَب من الجزية بحصة ما مضى من السنة. وقيل: إن المراد بذلك أن الذمي إذا أسلم وكانت بيده أرض صولح عليها بخراج توضع عن رقبته وعن أرضه الخراج.١٤٩

العُشْر

هو زكاة الأرض وما سقته السماء وعُشْر أموال أهل الذمة في تجاراتهم. وفي الحديث: «ليس على المسلم عُشر، وإنما العشور على اليهود والنصارى.» وتؤخذ العشور على ثلاثة أنواع: ربع العُشر من المسلمين، ونصف العشر من أهل الذمة، والعشر كاملًا من أهل الحرب.١٥٠

الخراج

هو ما يؤخذ من الأرض صلحًا بين أهلها والمسلمين،١٥١ وله أحكام مفصَّلة جدًّا في كتب الفقه لا نريد التوسع فيها ها هنا.

الغنائم

وهي ما أُخذت من العدو في الحرب، وتقسَّم كما في الآية الكريمة: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ.

وخُمس ذلك لمن سماهم الله في كتابه؛ وهم: الله والرسول ولهما سهم، ولذوي القربى وبني هاشم وبني المطلب سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم، والأربعة الأخماس الباقية توزَّع بين المجاهدين من أهل الديوان وغيرهم. وقد استمر ذلك أيام الرسول، فلما جاء أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي قسموا الخمس على ثلاثة أسهم، فأسقطوا سهم الرسول وذوي القربى، وقسموها على ثلاثة: اليتامى والمساكين وأبناء السبيل،١٥٢ وجعلوا السهمين الباقيين في الكراع والسلاح والعدة في سبيل الله.١٥٣

الفيء

هو ما صالح عليه المسلمون بغير قتال، وليس فيه خُمس، وإنما هو لمن سمَّاهم الله١٥٤ في قوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ … إلخ الآية الكريمة.

الزكاة والصدقات

وهي ما يدفع المسلمون زكاة أموالهم وهم يملكون النصاب الشرعي المفصَّل في كتب الفقه بعد أن حول عليهم الحول، كما هو مقرر في الكتب الشرعية.

(٥-٢) السَّكَّة والعملة في الإسلام

المشهور بين الناس أن العرب في جاهليتهم وإسلامهم ظلوا يتعاملون بالسَّكَّة الأجنبية من دنانير رومية هرقلية ودراهم فارسية كسروية، إلى أن جاء عبد الملك بن مروان فسَكَّ العملة الإسلامية، وهو أول من فعل ذلك، ولم يُشِر أحد إلى أن أحدًا من الخلفاء سَكَّ عملة إسلامية إلا رواية نَسَبت ذلك إلى عهد عمر أو علي. وقد ذهب السيد عبد الحي الكتاني إلى أن السَّكَّة الإسلامية وُجدت من قبل، بل قال: إنها كانت في العصر النبوي؛ حيث يقول بعد أن أورد الروايات القائلة بأن عبد الملك هو أول من فعل ذلك: وربما يعكِّر عليه وعلى ما سبق من أن الدراهم في الزمن النبوي لم تكن من ضرب أهل الإسلام، ما وقع في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله عن كسر سَكَّة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. بوَّب عليه ابن ماجه بقوله: «باب النهي عن كسر الدراهم والدنانير» وأبو داود بقوله: «باب كسر الدراهم»، وأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك … وقال شيخ كبير من شيوخنا: هو محدِّث المدينة المنورة ومسندها الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي في حاشيته على سنن ابن ماجه المسمَّاة «إنجاح الحاجة»: في الحديث النهي عن الكسر بثلاث شرائط:
  • (١)

    أن تكون سَكَّة الإسلام.

  • (٢)

    أن تكون رائجة.

  • (٣)
    ألا يكون فيها بأس وضرر على المسلمين، فلو أزال سَكَّة الكفار لم يكن موردًا للنهي، وكذا لو أزال السَّكَّة غير الرائجة أو المزيَّفة. ونقله عنه الكنكوهي في «التعليق المحمود على سنن أبي داود» وأقرَّه، وهذا كما ترى كالصريح في أنه كان للمسلمين في الزمن النبوي سَكَّة مضروبة كانوا يتعاملون بها، ولله در صاحبنا العلامة السيد أحمد بن محمد الحسيني الشافعي المصري حيث قال في صفحة ١٨١ من «نهاية الإحكام فيما للنية من الأحكام» بعد أن ذكر حديث أبي داود هذا ونحوه: مقتضى هذا أن سَكَّة المسلمين كانت معروفة ومستعملة في زمنه — عليه السلام — وليس ما يخالفه في الأقوال الدالة على أن سَكة المسلمين لم تُضرب إلا في عهد عمر أو عهد مَن بعده أولى بالقبول منه إلا بمرجح وإن هو انتهى بلفظه. وفي تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان (صفحة ١٣٨): أما النقود التي ضُربت في عهد الخلفاء الراشدين، فكانت نحاسية في غاية البساطة كما جرى في الشكل، وليس عليها من الكتابة إلا صورة الشهادة بالحرف الكوفي. ولم تُضرب النقود الفضية في الإسلام حتى أيام الخليفة عبد الملك … وقد انتقده الرحالة الشيخ محمد أمين ابن الشيخ حسن الحلواني المدني في رسالته: «نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان» بقوله: لم يثبت في الرواية الصحيحة أن أحدًا من الخلفاء الأربعة ضرب سَكة إلا علي بن أبي طالب؛ فإنه ضرب الدرهم، على ما نقله صبحي باشا الموره لي، في رسالة له رسم فيها صورة ذلك الدرهم، وعزا ذلك إلى لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة. وأما هذه الثلاث المسكوكات التي رسمها جرجي زيدان، فلا تثبت على فرض وجودها؛ لأنها لم تكن عليها تواريخ دالة على زمنها، وأكبر شيء فيها دالٌّ على كذبها على الخلفاء كون أحدها فيها صورة شخص، وهذا مما تحرِّمه الديانة الإسلامية، فكيف يعقل ذلك الخلفاء، وكون هذه المسكوكات مزورة غير بدع عن الإفرنج وبياعي الأنتيكات.١٥٥ فكان غاية جواب جرجي زيدان عن ذلك بأنه أخذ تلك الرسوم عن مؤلف فرنسي وأحال على صفحة ٢٦ من «تاريخ مصر» لمارسا. وفي «المواهب الفتحية» لحمزة فتح الله المصري (١: ١٥٢)، نقلًا عن شرح العتبي على البخاري، أنه نقل عن المرغيناني: أن الدراهم كانت شبه النواة، ودوت في عهد عمر لما بعث معقل بن يسار وحفر نهره الذي قيل فيه: «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.» ضرب حينئذٍ عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها: «الحمد لله»، وفي بعضها: «محمد رسول الله»، وفي بعضها: «لا إله إلا الله وحده» على وجه وعلى وجهه الآخر «عمر». فلما بويع عثمان ضرب دراهم نقشها: «الله أكبر»، فلما اجتمع الأمر لمعاوية ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدًا سيفًا، فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدورة ثم غيَّرها الحجاج. ولما استقر أمر عبد الملك بعد ابن الزبير ضرب الدنانير والدراهم في سنة ٧٦ للهجرة، وفي رسالة النقود الإسلامية للمؤرخ الشهير التقي المقريزي: أن معاوية ضرب دنانير عليها تمثال متقلِّد سيفًا، وذكر أن عبد الملك بن مروان لما أمر الحجاج بضرب سَكَّة، ضربها وقدمت مدينة الرسول وبها بقايا الصحابة، فلم ينكروا منها شيئًا سوى نقشها؛ فإن فيه صورة، وكان سعيد بن المسيب يبيع ويشتري بها ولا يعيب من أمرها شيئًا.

وفي وفيات الأسلاف (صفحة ٣٦١): وأقدم سَكَّة في الإسلام فيما وُجد، ما ضُرب في خلافة عثمان سنة ثمانٍ وعشرين من الهجرة بقصبة هرتك من بلاد طبرستان، وكتب فيها بالخط الكوفي: «بسم الله». وفي خلافة علي سنة ٣٧ﻫ ضرب درهم عليه «ولي الله»، وفي سنة ٣٨، ٣٩ ضرب عليه «بسم الله ربي»، وضرب على درهم بالكوفي في جانب منه: «الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»، وفي دورته: «محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»، وفي الجانب الآخر: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وفي دورته: «ضُرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين». وعُثر على درهم فيه: «ضرب بدربيجرد في سنة سبعين»، وعلى درهم في مدينة يزد ضُرب سنة ٧١ وعليه بالخط الكوفي: «بسم الله»، وفي الطرف الآخر بالخط البهلوي: «عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين»، وقيل: إن أول من ضرب النقود مصعب بن الزبير سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله.

(٦) الشئون الاقتصادية والصناعية

عني النبي الكريم بالشئون الصناعية والاقتصادية والمعاشية بصورة عامة؛ فقد روى ابن القيم في «الهدي النبوي» أن النبي باع واشترى، وشراؤه كان أكثر، وآجر واستأجر، وإيجاره كان أكثر، وضارب وشارك ووكل وتوكل، وتوكيله كان أكثر، وأهدى وأُهدي إليه، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عامًّا وخاصًّا، ووقف … فلم يغضب، ولا عتب، وحلف واستحلف.١٥٦ وكان يتاجر في الجاهلية، وخروجه مع عمِّه بتجارة وتجارته لخديجة بالشام أمرٌ متواتر. وقد حضَّ الناس على الاكتساب وطلب الرزق للعيال، وكان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم تجارًا، ولما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال — أي المال الذي يأتي إلى بيت مال المسلمين — ففرض له أبو عبيدة الذي كان يتولى أمور بيت المال ما يكفيه وعياله، وكذلك كان عمر يخرج للعمل في الأسواق والاكتساب لعياله، فلما استخلف فرض لنفسه ما يكفيه من بيت مال المسلمين. وقد استمر هذا التقليد فيما بعد، وصار الخلفاء والقضاة والعمال يتركون تجاراتهم وصناعاتهم حين يتولى الواحد منهم أمرًا من الأمور العامة.

وموارد بيت المال في ذلك العصر هي ما يدخله من ضرائب التجارة والزراعة والصناعة والامتهان، قال الماوردي: أصول المكاسب التجارة والزراعة والصناعة، والأشبه في مذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، والأكثر على أن أطيبها التجارة؛ لأن النبي اتَّجر ولم يزرع، وكان يقول: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

(٦-١) التجارة

التجارة في الأصل هي بيع الخمر والتاجر هو الخمار،١٥٧ ثم أطلقوها على كل عملٍ يُستدعى به الربح وكسب المال الحلال بالبيع والشراء والعمل في الأسواق، قال الراغب الأصفهاني: التجارة التصرُّف في رأس المال طلبًا للربح.١٥٨ وقد كانت للعرب قبل الإسلام رحلات تجارية مشهورة، كما كان لهم أسواق اقتصادية أمرها معروف. وللنبي أحاديث كثيرة في الحض على الاتجار، وفي تبيين مزايا التجارة وشرائطها، وما يجب على صاحبها من الأخلاق والأعمال. وقد جمعت كتب السنة طرفًا من ذلك في أبواب «الكسب» و«العمل» و«البيوع»، كما ألَّف فيها جماعات منهم الجاحظ في رسالته: «مدح التجار وذم عمل السلطان»، ومنهم الباعلوي حسين بن محمد حسين الحبشي (٧٨٢) في كتابه القيم: «البركة في فضل السعي والحركة»، ومنهم أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي صاحب «الإشارة إلى محاسن التجارة»، ومنهم الشهاب محمد بن حسن بن الصائغ الدمشقي صاحب «الألفية الميمية في التجارة والصنائع والفنون»، ومنهم محمد بن أبي الخير الأرميوني صاحب «النجوم الشارقات في بعض الصنائع المحتاج إليها في بعض الأوقات»، ومنهم الخزاعي في كتابه الجامع المفيد الذي نشره السيد عبد الحي الكتاني، وزاد عليه زيادات جليلة ونشره في القسم الثاني من «التراتيب الإدارية»، وهو أجمع ما أُلِّف في هذا الموضوع.

التجارة في العصر النبوي

يظهر أن التجارة كانت تُطلق في العصر الجاهلي وصدر الإسلام على من يسافر، أو يضرب في الأرض لجلب البضائع وبيعها، أو على من يبيع في الأسواق بيعًا جليلًا. أما إذا كان بيعًا حقيرًا فإنه ما كان تاجرًا؛ فقد روى قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمَّى في عهد الرسول السماسرة، فمرَّ بنا رسول الله فسمانا باسمٍ هو أحسن منه فقال: «… يا معشر التجار، إن البيع يحضره الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة.» فكان أول من سمانا تجارًا.١٥٩ وهذا يدلنا على أن صغار الباعة كانوا يسمون سماسرة، وأن الرسول سماهم تلطفًا وتحببًا تجارًا. قال ابن الأثير: السماسرة جمع سمسار، وهو القَيِّم بالأمر الحافظ له، وهو في البيع الذي يدخل بين البايع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع، والسمسرة البيع والشراء.١٦٠
وأهم أنواع التجارة في ذلك العصر هي تجارة الملبوسات والمأكولات والعطارية والسلاح وما إلى ذلك، أما تجارة الملبوسات: فكانت تُعرف بالبزازة، وقد كانوا يجلبون أصناف البز من بلاد الشام والروم واليمن وعمان وصحار، ويجعلون منه قلانسهم وعمائهم وقمصانهم وسراويلهم وأرديتهم وجببهم ومآزرهم وأكسية نسائهم وأمتعة بيوتهم، فقد روي أن النبي ترك يوم مات ثوبي حبرة، وإزارًا عمانيًّا، وثوبين صحاريين، وقميصًا صحاريًّا، وقميصًا سحوليًّا، وجُبَّة يمنية، وقميصًا وكساءً أبيض، وقلانس صغارًا لاطية ثلاثًا أو أربعًا، وإزارًا طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة.١٦١ ويذكرون أيضًا أنه كان يلبس القلانس تحت العمائم وبغير عمائم، وأن هذه القلانس كانت يمانية بيضاء مضريَّة، كما كان بعضها شاميًّا أبيض، وكانت له جبة شامية من صوف ضيقة الكُمَّين.١٦٢
ومن مشهوري البزازين في العصر النبوي عثمان بن عفان؛ فقد ذكر ابن قتيبة في المعارف في فضل صنائع الأشراف أن عثمان كان بزازًا، وقد أثرى من وراء هذه التجارة ثراءً عظيمًا، حتى إنه استطاع أن يقدِّم لجيش العسرة تسعمائة وخمسين بعيرًا.١٦٣
ومنهم طلحة بن عبيد الله، فقد كان من كبار التجار البزازين كما قال ابن قتيبة وابن الجوزي،١٦٤ وذكر ابن الزبير أنه سمع سفيان بن عتيبة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألف واقية كل يوم، والواقي وزنه وزن الدينار.١٦٥
ومنهم عبد الرحمن بن عوف١٦٦ وهو ممَّن كانوا يتاجرون بالبزازة والخزازة، وهي بيع الخز المنسوج من الصوف والإبريسم، ومنهم أيضًا الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز.١٦٧
وقد كان للبزازين سوق خاصة في زمن النبي، فقد روى أبو هريرة قال: دخلت السوق مع رسول الله فجلس إلى البزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزَّان يزن لهم الأثمان، فقال له : «زن وأرجِح.» فقال الوازن: إن هذه كلمة ما سمعتها من أحد.١٦٨
وكما كان العرب يستوردون الثياب والأقمشة القطنية والصوفية والحريرية من الخارج، فكذلك كانوا يحيكونها وينسجون بعضها في ديارهم، فقد روى البخاري عن سهل بن سعد: أن امرأة جاءت ببُردة منسوجة قال: أتدرون ما البردة؟ كساء مخطَّط، وقيل كساء مربَّع أسود، فقيل: نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها. فقالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي فجئت أكسوكها. فأخذها. وفي كتاب الإحياء في باب الفقر والزهد من ربع المنجيات: عن سنان بن سعد قال: حِكْتُ للنبي جبة صوف وجعلت حاشيتها سوداء، فلما لبسها قال: «انظروا، ما أحسنها وما أبهجها!» فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله، هبها لي. قال: فكان إذا سُئل شيئًا فلم يبخل به، فدفعها وأمر أن تحاك له جبة أخرى، فمات وهي في المحاكة.١٦٩ ورُوي عن سهل بن سعد أيضًا أنه قال: «عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل النساء المغزل.»١٧٠ وقال: «علموا أبناءكم السباحة والرماية، ونِعْم لهوُ المؤمنة في بيتها المغزل.»
وأما تجارة المأكولات، فقد كانت تجارة عامة رابحة، وكانوا يجلبون الحبوب والفاكهة والزيت من الشام واليمن، ويأخذون إليها الأغنام والخيول والطيور والعطور والأصواف والجلود. فقد روى البخاري في «كتاب البيوع» قال جابر: بينما نحن نصلي مع النبي إذ أقبلتْ من الشام عيرٌ تحمل طعامًا، فالتفتوا حتى ما بقي مع النبي إلا اثنا عشر رجلًا، فنزلت الآية: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا.١٧١ وفيه أيضًا: أنهم كانوا يجلبون دقيق الحوَّاري — الأبيض — والسمن والعسل من الشام إلى المدينة، وأن عثمان كان يتاجر بذلك. ولم تكن تجارة العرب مقصورة على التجارات البرية، فقد كانوا يركبون في البحر الأحمر، والبحر الأبيض. يذكر البخاري في باب البيوع بابًا عن التجارة في البحر وأنه لا بأس بها،١٧٢ وأن ممن كانوا يتَّجرون ببحر الشام طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد.١٧٣
وأما تجارة العطارية فهي تجارة عريقة في الحجاز واليمن، وكانت تَرِد إلى اليمن شحنات من العطور والطيوب الهندية عبر البحر الأحمر إلى اليمن، كما كان في اليمن نفسه كثير من العطور، وكانوا يحملونها معهم إلى الحجاز وبلاد الشام وبلاد الروم. وصناعة العطارية صناعة محبوبة، حتى روى ابن عمر عن النبي أنه قال: لو أذن الله لأهل الجنة في التجارة لاتَّجروا في البز والعطر. وكان عمر يحب تجَّار الطيب. وروى الثعالبي في التمثيل والمحاضرة عن عمر أنه قال: لو كنت تاجرًا لما أخذت على العطر شيئًا، فإن فاتني ربحه لم يَفُتني ريحه. وكانوا يضربون المثل بنظافة العطار وتقاوة مجلسه. وقد بوَّب البخاري في كتاب البيوع بابًا عنوانه: «باب العطار وبيع المسك»، وخرَّج فيه عن أبي موسى الأشعري عن النبي أن مجلس الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، وما يعديك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق ثوبك، وتجد منه ريحًا خبيثة. وكانت العطور المفضلة عندهم: الزعتر والعنبر والمسك والعود والكافور، وكانوا يتاجرون بها ويتطيبون بها ويصنعون منها صناعات حسنة، ويجعلون منها معجنات. قال الجاحظ: ومعجونات العطر كلها عربية، مثل الغالية والشاهرية والخلوق واللخلخة والقطر، وهو العود المطري والدربرة. وممن كان يتاجر ببيع الطيوب أسماء بنت مخربة؛ فقد ترجم لها ابن حجر وذكر أن ابنها عباس بن عبد الله بن ربيعة كان يبعث إليها من اليمن بعطر فكانت تبيعه في المدينة، وذكر منهن الحولاء بنت تويب العطار، ومليكة والدة السائب بن الأقرع.١٧٤

وأما تجارة السلاح، فقد كانت تجارة رابحة، وكانت سيوف الشام والهند تُنقل إلى الجزيرة، ويتغالى التجار في أثمانها، كما كانت في الخط والرماح الخطية تصدَّر إلى الخارج. وكانت في الحجاز جماعة من الحدادين والقيون المشهورين بصُنع الأسلحة من سيوف وأسنَّة ورماح ودروع؛ ومن أشهرهم أبو يوسف القين الذي أرضعت زوجته إبراهيم ابن النبي والخباب بن الأرتِّ، والأزرق بن عقبة الثقفي مولى الحارث بن كلدة. وكانت هذه الصناعة مشهورة بين يهود الحجاز أيضًا، ويروى أن النبي لما فتح خيبر صادر ثلاثين قينًا منهم، وقال اتركوهم بين المسلمين ينتفعون بصناعاتهم ويتقوون بها على جهاد عدوهم. فتركوهم وتعلَّموا منهم الحدادة.

وممن كان يتَّجر في الرماح نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد أُسِر يوم بدر، فقال له النبي: «أَفْدِ نفسك برماحك التي بجدة.» فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ففدى نفسه بها وكانت ألفَي رمح. وفي طبقات ابن سعد: أن نوفلًا أعان النبي يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، فقال له رسول الله : «كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف في أصلاب المشركين.»١٧٥

(٦-٢) الزراعة

على الرغم من قلة عناية العرب بصورة عامة، الرحَّل بصورة خاصة، بالزراعة لطبيعتهم البدوية، وكرههم للبقاء في مكان واحد وحبِّهم للانتقال من مكان إلى آخر. والزراعة تقضي بالاستيطان وعدم الرحلة، فإن الإسلام دعا إليها وحرَّض عليها ودعا إلى التحضر وكره التبدي؛ لما في ذلك من البعد عن حياة الفوضى، والدعوة إلى حياة منتظمة ثابتة. وقد كان للزراعة أهمية كبرى في نظر الإسلام، ففي صحيح البخاري: أن النبي دخل على أم فشر الأنصارية في نخلٍ لها، فقال: «لا يغرس المسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو دابة أو طير أو سبع إلا كانت له صدقة.» وفي مسند عمر بن عبد العزيز قال ابن شهاب: أرسل إليَّ عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال: جاء سعد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أقطعني الشديد فإنه بلغني عن رسول الله قال: ما من رجل غرس غرسًا إلا أعطاه الله من الأجر عدد الغرس والثمر.١٧٦
وكان بعضهم يتولَّى زراعة أرضه بيده، فقد رُوي عن عليٍّ أنه كان يتولى أرضًا له بنفسه، كما كان بعضهم يعطيها بالربع أو الثلث، ومنهم سعد وابن مسعود وجبر بن عتيك.١٧٧

(٦-٣) وأما الصناعة

فقد عَنَوْا ببعض الصناعات التي يحتاجون إليها، والتي تساعد عليها طبيعة بلادهم، وتدفع إمكانية أرضهم إليها، وقد رأينا أنهم أتقنوا الحدادة لحاجتهم إليها في صنع أوائل الحرب والحرث، وهناك صناعات أخرى. ومن الصناعات التي عُرِفوا بها: التجارة والدباغة والصياغة والبناء والصباغة والحياكة والنسيج والخياطة وما إلى ذلك، وفي كتب السيرة والحديث والأدب أخبار كثيرة عن الصناعات العربية وعن أربابها، فمن ذلك ما ذكره صاحب الإصابة في ترجمة الضحَّاك بن عرفجة (وفي رواية طرفة بن عرفجة أو عرفجة بن سعيد): أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، فأمره النبي أن يتخذ أنفًا من ذهب. ويروى أن جماعة من الصحابة قد فسدت أسنانهم فشدوها بالذهب. وروى الكاشاني في بدائع الصنائع (١: ١١٧) عن ابن عباس أنه نهى مصورًا عن التصوير فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال: إن لم يكن بدٌّ فعليك بتمثال الأشجار. وذكر فيه أن الصورة إذا كانت صغيرة لا تبدو من بعيد فلا بأس بها؛ لأن من يعبد الأصنام لا يعبد الصغير منها.

ويروى عن النبي أنه كان يحتقر بعض الصناعات، فقد رُوي عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله يقول: «وهبت خالتي فاختة بنت عمرو غلامًا وأمرتها ألا تجعله جازرًا ولا صائغًا ولا حجامًا.» أما الحجام والقصاب فللنجاسة التي يباشرانها مع تعذُّر الاحتراز، وأما الصائغ فلما يدخل في الصياغة من الغش أو لكثرة الوعد والكذب في كلامه.١٧٨
ومن الصناعات التي كانت تُباح للنساء: التجارة. وممن عُرِفن بها خديجة، وقيلة الأنمارية، «والقبالة»، و«الخفاضة» وهي ختانة النساء، و«الرضاعة»، و«الغزل»، و«الغناء». ومن جواري الأنصار المغنيات حمامة وأرنب.١٧٩

(٧) الشئون القضائية

عني العرب منذ جاهليتهم بشئون القضاء والعدل بين الناس، واختاروا له حكماء وهم عقلاؤهم، فحكموهم بينهم لا يخالفونهم فيما يقضون. وقد أُثِر عن عرب الجاهلية كثير من أحكام القضاء العادلة الصالحة، ولو جمعت لكانت مجموعة طيبة تعطينا صورة صادقة عن عدلهم وحسن قضائهم وبراعتهم في الفصل بين المتخاصمين. ولما جاء الرسول الكريم استبقى ما وجده طيِّبًا من ذلك، واستبعد القبيح المستهجن، وحرَّض القضاة على الحكم بين الناس بالإنصاف، وأوجب عليهم أن يحكموا بين الناس بالعدل إذا حكموهم. وقد أُثِرت عنه أحاديث جليلة وقصص متواترة تدل على شدة استمساكه بحبل العدالة والحفاظ عليها وتهديد قضاة السوء والظلم والجور، فمن ذلك ما رُوي عن بريدة أنه قال: «القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد منهم في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو بالجنة، ورجل عرف الحق ولم يقضِ به وجَارَ في الحكم فهو بالنار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار.» رواه الأربعة وصحَّحه الحاكم. وقال أبو هريرة: قال رسول الله : «مَن ولي القضاء فقد ذُبح بغير سكين.» رواه الأربعة وأحمد وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان، وقال علي: قال رسول الله : «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي.» قال علي: فما زلت قاضيًا بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقالت أم سلمة: قال رسول الله : «إنكم تختصمون إليَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعتُ له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار.» حديث متفق عليه.١٨٠

وللنبي أقوال في أحكام الشهادات والدعاوى والبيانات تدل على براعته في حسن التوجيه، وعمله على تحري الحق والحكم بالعدل.

(٧-١) أما في الشهادات

فقد نهى عن قَبول شهادة المطعون في دينهم وخلقهم، ومن يُتَّهمون بالخيانة، وأوجب في الشهادة أن يكون صاحبها أمينًا عادلًا صادقًا شريفًا غير حقود ولا مزوِّر، ولا بأس بمستور الحال، وخير الشهود هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها؛ ففي الحديث عن زيد بن خالد الجهني أن النبي قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها.» رواه مسلم. وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله : «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن.» حديث متفق عليه. وقال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت (أي خادمهم).» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة: أنه قضى بيمين وشاهد. رواه الترمذي وأبو داود. وعن أبي بكرة: أنه عدَّ شهادة الزور في أكبر الكبائر. حديث متفق عليه. وعن ابن عباس: أنه قال لرجل: «ترى الشمس؟» قال: نعم. قال: «على مثلها فاشهد أو دَعْ.» حديث أخرجه عدي بإسناد ضعيف.

(٧-٢) وأما في البيِّنات

فإنه أمر بأن البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر، وحذَّر من اليمين الكاذبة. وحكم بأن البيِّنتين إذا تعادلتا حُكِم لحائز الشيء، وإذا انعدمت البيِّنة نُصِّف الشيء بين الخصمين، وفي ذلك يقول : «لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه.» حديث متفق عليه، ورواه البيهقي هكذا: «ولكن البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر.» وقال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرَّم عليه الجنة.» فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن قضيبًا من أراك.» رواه مسلم. وعن أبي موسى: أن رجلين اختصما في دابة، وليس لواحد منهما بينة، فقضى بها رسول الله بينهما نصفين. رواه أبو داود وأحمد والنسائي. وعن جابر أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما: نتجت عندي. وأقاما بيِّنة، فقضى بها رسول الله لمن هي بيده. رواه الدارقطني. وعن ابن عمر: أن النبي ردَّ اليمين على طالب الحق. رواه الدارقطني أيضًا.

(٧-٣) القضاء

كان الرسول الكريم يتولى أقضية الناس فيحكم فيها بما أنزل الله، وقد كانت حياته كلها حياة قضاء بين الناس وهداية إلى وجه الخير والصلاح والعدل، قال الحافظ الشامي: جماع أبواب سيرته في أحكامه وأقضيته. وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت قضيته الخاصة شرعًا عامًّا، وإنما الغرض ذكر سيرته في الأحكام الجزئية التي فصل فيها بين الخصوم، وكيف كانت سيرته في الحكم بين الناس.١٨١ وقد ألَّف جماعة من العلماء في أقضية رسول الله، أجمعها ما ذكره الحافظ الشامي في «السيرة الشامية»؛ ومنها «أقضية رسول الله » لمحمد بن فرج المشهور بابن الطلاع (٤٩٧)، و«كتاب أقضية رسول الله » لأبي بكر بن أبي شيبة، و«كتاب أقضية الرسول» لعلي بن عبد العزيز المرغيناني الحنفي (٥٠٦)، و«الفتاوى النبوية في المسائل الدينية والدنيوية» لأبي علي الحسين بن المبارك الموصلي (٧٤٢)، وفي آخر «إعلام الموقعين» لابن القيم فصلٌ مطوَّل جمع فيه مصنفه أحكام الرسول وفتاويه، وقد جرَّدها منه وعلَّق عليها السيد صديق حسن خان ملك بهوبال وسماه «بلوغ السول في أقضية الرسول». وقد كان في عهد النبي جماعة يقضون بين الناس؛ منهم أبو بكر وعمر وعلي ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب وأبو موسى الأشعري ومعقل بن يسار. وقد بعث النبي عليًّا إلى اليمن ليقضي بين أهلها، وأوصاه ألا يقضي بين الخصمين حتى يسمع منهما، وأمره أن يعلِّمهم الشرائع. كما بعث معاذًا إلى الجند يعلِّم الناس القرآن وشرائعه ويقضي بينهم، وجعله على الصدقات، وبعث معاذًا قاضيًا إلى اليمن وأميرًا وجابيًا للصدقات، كذلك أبا موسى قاضيًا على اليمن ومصدِّقًا، وكان يقضي ويفتي على عهد رسول الله وفي أيام الخلفاء الراشدين.
وفي صبح الأعشى: أن القضاء وظيفة قديمة كانت في زمن النبي ، فقد ذكر القضاعي أنه ولَّى القضاء باليمن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، وأن أبا بكر ولَّى القضاء عمر. وفي أوائل السيوطي: أول قاضٍ في الإسلام عمر بن الخطاب، قضى لأبي بكر؛ كذا قال العسكري، قلت: لكن أخرج الطبراني بسند حسن عن السائب بن يزيد قال: إن النبي وأبا بكر لم يتخذا قاضيًا، وأول من استقضى عمر، قال: يردُّ عني الناس في الدرهم والدرهمين. وأخرج أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عن ابن عمر قال: ما اتخذ رسول الله قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان في آخر زمانه. قال للسائب بن يزيد ابن أخت نمر: اكفني بعض الأمور — يعني صغارها. وأخرج ابن سعد عن الزُّهري قال: ما اتخذ رسول الله قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر حتى قال للسائب ابن أخت نمر: لو روَّحت عني بعض الأمر حتى كان عثمان.١٨٢
والحق أن ما ذهب إليه السيوطي غير صحيح، فإن النبي أذن لبعض كبار صحابته بالقضاء في زمنه. ويظهر أن السيوطي ومن نقل عنهم ذهبوا إلى أن عمر هو أول من استحدث وظيفة القاضي وسمَّى لها إنسانًا بعينه وجعل لها جعلًا. أما أيام الرسول وأيام أبي بكر، فقد كانوا أمراء وفقهاء يقضون بين الناس بحكم عملهم، وفي وفيات الأسلاف: أول من نصَّب القاضي رسول الله ؛ حيث بعث عليًّا ومعاذًا إلى اليمن، وأول من دفعه إلى غيره من الخلفاء عمر ولَّى أبا الدرداء بالمدينة، وأبا موسى الأشعري بالكوفة، وشريحًا بالبصرة؛ تخفيفًا لنفسه من القيام بأعباء الخلافة والسياسة.١٨٣

المظالم

النظر في المظالم هو نوع من أنواع القضاء، إلا أنه أجلُّ وأوسع؛ فإن صاحب المظالم يكون ذا سلطة يقمع بها من لم يستمع إلى قضائه، قال المرجاني صاحب وفيات الأسلاف: النظر في المظالم وظيفة أوسع من وظيفة القاضي، ممتزجة مع السطوة السلطانية وتصفية القضاة بعلوٍّ بيِّن وعظيمِ رغبةٍ، تقمع الظالم من الخصمين، وتزجر المعتدي، وتُمضي ما عجز القضاة ومن دونهم عن إمضائه، ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد القرائن والأمارات، وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق، وحمل الخصم على الصلح، واستحلاف الشهود. وكان الخلفاء يباشرونها بأنفسهم إلى المهتدي بالله، وربما سلَّموها إلى قضاتهم.١٨٤
وقال السيد الكتاني معلِّقًا على كلامه: هذه الوظيفة كان يليها المصطفى بنفسه؛ لأنه كان ينتقد أحكام قضاته وعماله ويناقشهم.١٨٥ والحق أن الرسول كان يرعى هذه الأمة بقلبه وعينيه ويديه، ويحرص على حفظ حقوق أرباب الحقوق، ويضرب على يد الظالمين بالقصاص والعقوبات الشديدة والسجن والتعذيب والنفي والتعزير.١٨٦

التوثيق

لم يُعرَف أن القضاة في عهد النبي كانوا يدوِّنون المَحاضر والسجلات، ولم أرَ أحدًا أشار إلى ذلك، بل قال الإمام الرافعي في شرح الوجيز في الفقه الشافعي: كان النبي ومَن بعده من الأئمة يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات،١٨٧ وهذا يدل على ما قلناه. وإنما عُرف أن النبي وقضاته كانوا يوثِّقون بعض قضاياهم من عتق وطلاق وبيوع بوثائق يكتبونها ويعطونها لصاحب العلاقة، وقد حفظ لنا التاريخ نصَّ أقدم وثيقة شرعية أوردها السيد الكتاني وافتخر بإيرادها، واعتزَّ بأن المغاربة هم الذين حفظوها وتوارثوها، ولم يفطن إليها أحد من المشارقة، فقد نقل في كتابه عن العمدة لأبي عبد الله التلمساني نصَّ كتاب عتق «أسلم» مولى رسول الله، وذكر أنه وحده بخط الحكم المنتصر بالله أمير المؤمنين ابن عبد الرحمن الناصر المرواني، وهذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم. إني أعتقك لله عتقًا مبتولًا إليه، أعتقك وله المنَّة عليَّ وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام وعصمة الإيمان، شهد بذلك أبو بكر وشهد عثمان وشهد علي وكتب معاوية بن أبي سفيان» … فهذا عقد في عتق نبوي بنصه من الذخائر المكتوبة والكنوز الثمينة، فتلقَّهُ شاكرًا وللمغاربة ذاكرًا؛ حيث إن كلًّا من الحكم المنتصر وصاحب العمدة وفرائد الدرر مغاربة، وكأنه لم يقف عليه أحد من أعلام المشرق، فلذلك لا تراه في مدوناتهم الأثرية.١٨٨
وممَّن كان يكتب الوثائق في العهد النبوي المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، كانا يكتبان المدينات والمعاملات، والعلاء بن عقبة وزيد بن أرقم، وكانا يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء.١٨٩ وكان زيد بن ثابت يقسِّم الفرائض ويكتبها لهم، وقد أثنى عليه الرسول بقوله: «أفرضكم زيد.» وكان عثمان بارعًا في الفرائض أيضًا. وفي المسند للدارمي: قال ابن شهاب الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمه غيرهما. وكانت عائشة تحسن الفرائض، قال مسروق: والله الذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض.١٩٠

(٨) الشئون الثقافية

لم يُعرف عن نبي اهتمَّ بالعلم وتشجيع أهله اهتمام الرسول الكريم محمد ؛ وذلك لما رآه من تقهقر الحالة الثقافية التي كان عليها قومه، على الرغم مما حباهم الله من ذكاء فطري ولغة غنية ومَلَكات فطرية رائعة وخيال خصب وأدب رفيع من شعر ونثر وحكمة ومثل. ولكنهم على الرغم من ذلك كله كانوا أقلَّ ممَّن كانوا حولهم من الأمم عنايةً بالعلم واحتفالًا بالدرس، حتى أطلقوا عليهم لقب «الأميين»، وسماهم بالأميين، ولكن غلبة الجهل وسيطرة البداوة على الحضارة جعلهم يُنبَذون بهذا اللقب ويعرفون بين الناس بالأمية. رأى محمد قابليات قومه العرب من ذكاء وفهم ونباهة وحب استطلاع وحرص على طلب معالي الأمور، فدفعهم إلى طلب العلم دفعًا، وقذف في قلوبهم حب العلم وأهله، وطلب الفضل وتقدير رجاله، وتلقُّف الحكمة من أي مصدرٍ أتت، وكان يحلِّق حلقات العلم في مسجده ويدعو أصحابه إلى طلبه، وكان يفضِّل طالبي العلم على العبَّاد والزهاد ويقول: «إنما بعثت معلمًا.» وقال عبد الله بن عمر: إن رسول الله مرَّ برجلين في مسجده فقال: «كلاهما خير، وأحدهما أفضل من صاحبه. أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلِّمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بُعثت معلمًا.» وجلس معهم. وهناك أحاديث عديدة وردت عن النبي في الحض على طلب العلم وحفظه والنهي عن الأمية والجهل، وقد نبغ في عهد النبي جماعة من جلَّة الصحابة بالعلم، وشهد النبي لهم بذلك؛ فقد روى حذيفة عنه أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي — وأشار إلى أبي بكر — واهتدوا بهدي عمر، وإذا حدَّثكم ابن أم معبد فصدِّقوا.» وقال: «استقرئوا القرآن من أُبي وابن مسعود.» وقال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم بأمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبي بن كعب، وأقضاهم علي، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأبو ذر أزهد أمتي وأصدقها، وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية أحكم أمتي.»١٩١
وكان يُعنَى بأذكياء صحابته، وخصوصًا الشبان الأحداث ذوي القابليات والمواهب، فيثقِّفهم ويحرِّضهم على اكتساب العلم، وكان يطرح عليهم الأسئلة ليختبر ما عندهم من العلم، وربما ألغز لهم الألغاز ليرى استعدادهم وفَطانيتهم؛ فقد عقد البخاري في صحيحه بابًا عنونه بقوله: «باب طرح الإمام الأسئلة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم»، ثم روى عن عبد الله بن عمر عن النبي أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البوادي — أي إنهم أخذوا يسردون أسماء الشجر فلا يصيبون. قال ابن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله. قال: «هي النخلة.»١٩٢ وكان ابن عمر أصغر الحاضرين، وكان عاشر عشرة منهم أبو بكر وعمر وأبو هريرة وأنس، وكان عمر يقول لابنه: إن تكن قلتها أحب إليَّ من حمر النعم. وكان يحضُّ أصحابه على نقل العلم إلى مَن وراءهم ويقول: «رُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع.»١٩٣ وكان يتخوَّلهم بالعلم والموعظة كي لا ينفروا كراهة السآمة.١٩٤ ويقول: «من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين.»١٩٥ وكان يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها.»١٩٦ وكان يقول: «حقُّ الولد على الوالد أن يعلِّمه الكتابة والسباحة والرمي.»

(٨-١) التدوين

أمر الرسول الكريم بتدوين القرآن، وقد رأيت تفصيل ذلك في بحثنا عن الكتابة في الباب السابق. أما كتابة الحديث النبوي، فقد ابتدأت منذ زمن مبكر أيضًا، ولكن بعضهم كان يكره ذلك خوف اختلاطه بالقرآن. ولكن بعضهم كان يكتب ما يسمعه من الرسول لحرصه على حفظ كلامه؛ فقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رجل يجلس إلى الرسول فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى الرسول فقال: «استعِنْ بيمينك.» وأومأ بيده إلى الخط، وقال ابن عمر: قلت يا رسول الله إني أسمع منك أحاديث، أفتأذن لي أن أكتبها؟ قال: «نعم.» فكان أول كتاب كتبته بيدي كتاب النبي إلى أهل مكة. قال ابن سعد: وكان ابن عمر يسمِّي صحيفته تلك «الصادقة»، وكذلك فعل عبد الله بن عمر، فقد روي عن أبي هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله مني إلا ما كان من عبد الله بن عمر. وقال: كان يكتب بيده ويَعِيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسولَ الله في الكتابة فأذِنَ له. ويظهر أن أبا هريرة قد أخذته الغيرة فكتب أيضًا؛ فقد روى الحسن بن عمرو بن أمية قال: تُحدِّث عند أبي هريرة بحديث! فأخذ بيدي إلى بيته فأراني كتبًا من حديث رسول الله — عليه الصلاة والسلام — فقال: هذا هو مكتوب عندي. قال ابن عبد البر: ويمكن الجمع بين خبر عدم كتابة أبي هريرة وكتابته بأنه لم يكتب في العهد النبوي، ثم كتب بعده، وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتيقَّن أن المكتوب عنده بخط غيره. وقال السيوطي في كتابه «تدريب الرواة»: وأباح كتابة الحديث طائفةٌ وفعلوها؛ منهم عمر وعلي وابنه الحسن وابن عمر وأنس وجابر وابن عباس وعمرو.١٩٧
وقال أستاذ أساتذتنا الإمام الشيخ طاهر الجزائري في كتابه «توجيه النظر إلى أصول الأثر»: توهَّم أناس أنه لم يقيَّد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شيء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك، فقد ذكر بعض الحفَّاظ أن زيد بن ثابت ألَّف كتابًا في الفرائض، وذكر البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمر كان يكتب الحديث، وذكر مسلم في صحيحه كتابًا أُلِّف في عهد ابن عباس في قضاء علي فقال: حدَّثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا نافع عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابًا ويخفي عني. فقال: ولد ناصح، أنا أختار له الأمور اختيارًا وأخفي عنه. فقال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى علي بهذا إلا أن يكون ضلَّ.١٩٨
ويذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمة الحارث بن كلدة الثقفي الطبيب الحكيم الذي اختلف في إسلامه وصحبته: أن له آثارًا مدوَّنة؛ منها «كتاب المحاورة في الطب» بينه وبين كسرى أنو شروان،١٩٩ ومما يذكر عنه أنه ألَّف ودوَّن عروة بن الزبير، فقد ذكر عنه ابن سعد في ترجمة الطبقات أن هشام بن عروة بن الزبير قال: أَحرَق أبي يوم الحرَّة (سنة ٦٣ﻫ) كتب فقه كانت له، وكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إليَّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي.٢٠٠

(٨-٢) علماء الصحابة

كان الخلفاء الأربعة أئمة مشارًا إليهم بالعلم والدين والعربية، وكان أبو هريرة وابن عباس أحفظ الصحابة لحديث رسول الله، وكان عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة أعلم الناس بالفتوى، ويمكن أن نجمع من فنون كل واحد مجلدًا كبيرًا، ويليهم في ذلك أبو بكر وعثمان وأبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسلمان وجابر وأبو سعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعمران بن الحصين وأبو بكرة وعبادة بن الصامت وابن الزبير وأم سلمة، ويمكن أن يُجمَع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير. وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسًا مقلُّون في الفتيا جدًّا، لا تُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث، كأبيِّ بن كعب وأبي الدرداء والمقداد.٢٠١
١  التراتيب، ١: ٣-٤.
٢  التراتيب، ١: ٧٤؛ والأوائل للسيوطي، ٨.
٣  أوائل السيوطي، ص٨.
٤  التراتيب، ١: ١١٠–١١٣.
٥  التراتيب، ١: ٧٨.
٦  أوائل السيوطي، ص١٤.
٧  الأوائل، ص١٦.
٨  وفاء الوفا للسمهودي، ١: ٢٣٤.
٩  قال ابن شهاب: تمثَّل الرسول بشعر رجل من المسلمين، ولعله ابن رواحة أو علي بن أبي طالب، ولم يبلغنا في الأحاديث أن تمثَّل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. والحمال مخفف الميم مكسور الحاء، وهو المحمول من اللبن، والمعنى أن هذا المحمول من اللبن أبرُّ عند الله وأطهر من حمال خيبر ذات التمر والزبيب. ا.ﻫ. للسمهودي، ١: ٢٣٢.
١٠  السمهودي، ص٢٣٣.
١١  ن.م، ١: ٢٣٨.
١٢  ن.م، ١: ٢٣٩.
١٣  ن.م، ١: ٢٣٩.
١٤  ن.م، ١: ٢٣٩.
١٥  ن.م، ١: ٢٣٩.
١٦  ن.م، ١: ٢٣٩.
١٧  ن.م، ١: ٢٤٠.
١٨  ن.م، ١: ٢٤٢.
١٩  الوسائل للسيوطي، ص١٤.
٢٠  التراتيب، ١: ٧٩.
٢١  انظر أُسد الغابة للسيوطي، ٥: ٥٥٧، والوسائل للسيوطي، ص١٢.
٢٢  التراتيب، ١: ٧٩.
٢٣  التراتيب، ١: ٧٩.
٢٤  الوفاء للسمهودي، ١: ٢٧٥.
٢٥  اختُلف في اسم النجار هذا كما اختُلف في اسم الذي أشار على النبي بعمله. انظر التراتيب، ١: ٦٧، والوفاء للسمهودي، ١: ٢٧٤، والوسائل للسيوطي، ص١٧.
٢٦  وقد ظل كذلك إلى أن جعله مروان في خلافته ستًّا. انظر التراتيب، ١: ٦٩، والوفاء للسمهودي، ١: ٢٧٥–٢٨٣.
٢٧  السمهودي، ١: ٢٨١.
٢٨  ن.م، ١: ٢٧٩.
٢٩  التراتيب، ١: ٨٤–٨٦؛ والاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة «سراج».
٣٠  التراتيب، ١: ٨٤–٨٦؛ والاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة سراج.
٣١  التراتيب، ١: ٣٢١.
٣٢  خطط المقريزي، ٤: ٢٩٣؛ والتراتيب، ١: ٤٧٣.
٣٣  التراتيب، ١: ٨٧–٨٩.
٣٤  التراتيب، ١: ٨٧.
٣٥  ن.م، ١: ٩٨–٩٠.
٣٦  ن.م، ١: ٩٠.
٣٧  التراتيب، ١: ٩٠.
٣٨  ابن هشام، ١: ٤٢٣؛ والطبري، ١: ١٢٧٣، وفي مغازي الواقدي يختلف نص الكتاب بعض الاختلاف.
٣٩  ذكره الحيدرأبادي في الوثائق السياسية (ص٨-٩) نقلًا عن مخطوط السيرة النبوية لمحمد بن جرير الطبري، وقد استبعد الحيدرأبادي صحة هذا الكتاب نظرًا إلى أسلوبه، ونحن نستغرب هذا القول؛ فإن أسلوبه صحيح مستقيم، إلا إذا كان اضطراب البيتين يجعله يقول هذا القول فلا شك في أن تحريف البيتين من صنع النساخ.
٤٠  العيبة: موضع السر. والمراد بها هنا الصدر. والمعنى أن صدورنا معقودة على الوفاء بما عاهدنا عليه لا يدخلها أي غل. والإسلال: الإعانة على العدو. والإغلال: الخيانة.
٤١  الوثائق السياسية للحيدر أبادي، ص١٣.
٤٢  النهاية في غريب الحديث، ١: ١٠٥.
٤٣  انظر الوثائق السياسية للحيدر أبادي، ص٥٠–٥٦، طبعة مصر سنة ١٩٤١.
٤٤  انظر الوثائق السياسية للحيدر أبادي، ص٥٠–٥٦، طبعة مصر سنة ١٩٤١.
٤٥  ن.م، مقدمة الكتاب.
٤٦  التراتيب، ١: ١٩١.
٤٧  الفرس الأشقر مثل يقال: «أشقر إن يتقدم ينحر وإن يتأخر يقصر.» يضرب لمن يتردد في الشيء لا يريد فعل ما يرجح عنده فيه. انظر الروض الأنف ٢: ٣٥٩.
٤٨  الروض الأنف، ٢: ٣٥٥-٣٥٦.
٤٩  الروض الأنف، ٢: ٣٥٦.
٥٠  الروض، ٢: ٣٥٧؛ والتراتيب، ١: ٢٠١.
٥١  الروض، ٢: ٣٥٧-٣٥٨.
٥٢  الروض، ٢: ٣٥٨.
٥٣  انظر بقية السفراء وبعض أخبارهم في التراتيب، ١: ١٩٩.
٥٤  التراتيب، ١: ١٩٥.
٥٥  نقل ذلك صاحب التراتيب، ١: ١٩٨.
٥٦  الإصابة، ٦: ٩٠.
٥٧  الإصابة، ٣: ٢٣.
٥٨  التراتيب، ١: ٢٠٣.
٥٩  انظر التراتيب، ١: ٢٠٢ وما بعدها.
٦٠  العقد الفريد لابن عبد ربه، ٢: ١٤٤.
٦١  تهذيب ابن عساكر، طبعة دمشق، ٥: ٤٤٣–٤٥٠.
٦٢  ابن عساكر، ٥: ٤٤٣، وقد طُبعت خطأً «ماسلة» باللام.
٦٣  المقدمة، ص٢٠٢، مصر، طبعة إبراهيم حليم.
٦٤  طبقات الأمم، مطبعة السعادة، ٦٣–٧٣.
٦٥  التراتيب، ٤-٥.
٦٦  سنن أبي داود باب «اتخاذ الوزير».
٦٧  الاستيعاب لابن عبد البر. راجع تراجمهم فيه إذا شئت.
٦٨  المقدمة، ص٢٧٨.
٦٩  صبح الأعشى، ٦: ٢٧١-٢٧٢.
٧٠  صبح الأعشى، ٦: ٢٧١-٢٧٢.
٧١  انظر تاريخ دمشق لابن عساكر؛ وتهذيب التهذيب، ٢: ٢١٩؛ والإصابة، ١: ٣١٧.
٧٢  الاستيعاب، ١: ٢٦.
٧٣  التراتيب، ١: ١١٥–١١٧.
٧٤  انظر صبح الأعشى، ١: ٨٩ وما بعدها.
٧٥  الخطط، المقريزي.
٧٦  المواهب اللدنية، ٣: ٣٦٩.
٧٧  نسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض.
٧٨  انظر التراتيب، ١: ١٢٣؛ وابن هشام، ص٣٣٢؛ وابن الأثير، ٢: ٥٦٤.
٧٩  التراتيب، ١: ١٢٤.
٨٠  صبح الأعشى، ٦: ٢١٩.
٨١  التراتيب، ١: ١٤٠.
٨٢  الفراع جمع فرعة، وهو ما ارتفع من الأرض، والوهاط جمع وهطة وهو ما اطمأن منها، والعزاز ما صلُب منها وخشن، والعلاف علف الدواب، والعافي ما ليس لأحد.
٨٣  صبح الأعشى، ٦: ٣٦٥–٣٨٢.
٨٤  انظر بعض تلك الرسائل في صبح الأعشى، ٦: ٤٦٦–٤٦٨.
٨٥  المواهب اللدنية، ٢: ١٢٠.
٨٦  العقد الفريد، ٢: ١٢٢، ١٧٤.
٨٧  راجع صورة الكتابين في الوثائق السياسية للحيدر أبادي ٥٠–٥٦.
٨٨  الاستيعاب؛ والسيرة الحلبية، ٣: ٣٥٤.
٨٩  الاستيعاب؛ والسيرة الحلبية، ٣: ٣٥٤.
٩٠  الإصابة، ١: ٨٢.
٩١  الاستيعاب.
٩٢  التراتيب، ١: ٢٣٢.
٩٣  الطبقات، ٤: ١٥.
٩٤  التراتيب، ١: ٢٣٣.
٩٥  انظر ذلك الخبر في ترجمة سليط في الوصاية لابن حجر.
٩٦  نقله صاحب التراتيب (١: ٣٧٢) عن نسيم الرياض في شرح شفاء عياض للخفاجي.
٩٧  الوسائل، ص٦٨؛ وابن دحية هو عمر بن الحسن الكلبي (٦٣٣) مؤلف التنوير في مولد السراج المنير، انظر كشف الظنون، ١: ٢٦٢.
٩٨  الوسائل، ص٦٢.
٩٩  التراتيب، ١: ٣٧٥.
١٠٠  الاستيعاب، ٢: ٥٧٢.
١٠١  سيرة ابن هشام.
١٠٢  الإصابة في ترجمة سعد بن مالك.
١٠٣  التراتيب، ١: ٣٢٠.
١٠٤  التراتيب، ١: ٣٦١.
١٠٥  الاستيعاب، ١: ١٠٥.
١٠٦  شرح المواهب اللدنية، ٣: ٢.
١٠٧  التراتيب، ١: ٣٦٢.
١٠٨  الطبقات ٤: ١٩.
١٠٩  التراتيب، ١: ٣٦٧.
١١٠  سورة الحشر: آية ٥.
١١١  التراتيب، ١: ٣٢٨.
١١٢  تلبيس إبليس لابن الجوزي، ص١٤٦.
١١٣  ن.م، ص١٤٧.
١١٤  سورة المؤمنون: آية ١–١١.
١١٥  الفرقان: آية ٦٣–٧٤.
١١٦  اقتطفنا هذه الأحاديث من «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» للحافظ ابن حجر، طبع ليدن سنة ١٩٣٣، ص٢٥٧ وما بعدها.
١١٧  انظر المرشد الأمين للغزالي صفحة ١٨٦؛ وإحياء العلوم للغزالي أيضًا، وهما من أجلِّ الكتب المنظمة لبيان الأخلاق المحمدية رضي الله عن مؤلفهما.
١١٨  انظر السنن وشرح الخطابي على سنن أبي داود، طبع الطباخ، ٣: ٦٠.
١١٩  نقله صاحب التراتيب الإدارية (١: ٤٥٥) عن كتاب الأحكام النبوية لابن طرخان وطبقات ابن سعد (١: ١١٦).
١٢٠  انظر ترجمتها وأختها في الإصابة لابن حجر في باب تراجم الصحابيات.
١٢١  التراتيب، ١: ٤٥٤.
١٢٢  طبقات الحكماء لابن أبي أصيبعة.
١٢٣  التراتيب، ١: ٤٦٦.
١٢٤  انظر ترجمتها في الإصابة.
١٢٥  وفاء الوفاء للسيد السمهودي، ١: ٥٥٥.
١٢٦  الإصابة، ٨: ٨٤.
١٢٧  التراتيب، ١: ٤٤٦–٤٥٠.
١٢٨  ويُقال هي رملة بنت الحارث، وقيل بل هما اثنتان. انظر التراتيب، ١: ٤٤٧–٤٤٩.
١٢٩  المرشد الأمين للغزالي، ص١٥٩.
١٣٠  انظر النهاية لابن الأثير (زفن).
١٣١  التراتيب، ٢: ١٢٤–١٢٩.
١٣٢  ن.م، ٢: ١٣٠-١٣١.
١٣٣  ن.م، ٢: ١٣٧-١٣٨.
١٣٤  ن.م، ٢: ١٤٥.
١٣٥  النهاية في غريب الحديث، مادة «سبق».
١٣٦  التراتيب الإدارية، ٢: ١٥٧.
١٣٧  انظر صبح الأعشى، ١: ٣-٤.
١٣٨  انظر الوسائل صفحة ٩٧؛ وتاريخ الخلفاء صفحة ٥٣.
١٣٩  التراتيب، ١: ٣٣٠، عن جامع الترمذي.
١٤٠  الخراج، ص٢٢٠.
١٤١  صبح الأعشى، ١: ١١.
١٤٢  التراتيب، ١: ٢٢٩.
١٤٣  العقد الفريد، ٢: ١٤٤.
١٤٤  العقد الفريد، ٢: ١٤٤.
١٤٥  التراتيب، ١: ٣٨٠.
١٤٦  شرح سنن أبي داود، ٣: ٨.
١٤٧  الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص٢٢٧.
١٤٨  التراتيب، ١: ٣٩٢.
١٤٩  النهاية لابن الأثير؛ والخراج لأبي يوسف، ص١٤٥.
١٥٠  الخراج ليحيى بن آدم، ص١٩٥.
١٥١  ن.م، ص٢٠.
١٥٢  الخراج لأبي يوسف، طبعة السلفية، ص٢٣.
١٥٣  ن.م، ص٢٥، والخراج ليحيى بن آدم، ص١٨، السلفية.
١٥٤  الخراج لأبي يوسف، صفحة ١٥٨.
١٥٥  انظر صحيفة ٥ من الكتاب طبع الهند (لكنو).
١٥٦  التراتيب، ٢: ٢.
١٥٧  غريب الحديث لابن الأثير (تجر).
١٥٨  مفردات القرآن، ص٧٢.
١٥٩  الوسائل للسيوطي، ص٤٤.
١٦٠  غريب الحديث (سمسر).
١٦١  تاريخ الخميس، ٢: ١٩٣.
١٦٢  تاريخ الخميس، ٢: ٢١١-٢١٢.
١٦٣  المعارف.
١٦٤  تلبيس إبليس.
١٦٥  التراتيب، ٢: ٣٢.
١٦٦  التراتيب، ٢: ٣٢.
١٦٧  تلبيس إبليس.
١٦٨  التراتيب، ٢: ٣٢.
١٦٩  الإحياء للغزالي.
١٧٠  التراتيب، ٢: ٦٠.
١٧١  صحيح البخاري، ٣: ٥٥.
١٧٢  ن.م، ٣: ٥٦.
١٧٣  تلبيس إبليس.
١٧٤  انظر تراجمهن في الإصابة لابن حجر.
١٧٥  طبقات ابن سعد، ٤: ٣١.
١٧٦  التراتيب، ٢: ٤٣.
١٧٧  انظر ترجمته في الإصابة.
١٧٨  التراتيب، ٢: ١٠٦.
١٧٩  انظر ترجمتها في الإصابة.
١٨٠  اخترنا هذه الأحاديث من «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» للحافظ ابن حجر العسقلاني، ص٢٤٧–٢٥٠.
١٨١  التراتيب، ١: ٢٥٣.
١٨٢  الوسائل للسيوطي، ص١٠٤.
١٨٣  وفيات الأسلاف، ص٣٦٦، لعالم قازان شهاب الدين المرجاني.
١٨٤  ن.م، ص٣٦٦.
١٨٥  التراتيب، ١: ٢٦٦.
١٨٦  انظر التراتيب، ص٢٩٤، فقد عقد فصولًا مطولة قيِّمة عن السجن والتعزير في عهد رسول الله.
١٨٧  ن.م، ص٢٧٦.
١٨٨  التراتيب، ١: ٢٧٥.
١٨٩  التراتيب، ١: ٢٧٥.
١٩٠  انظر مسند الدارمي، طبع الهند، ص٣٨٥.
١٩١  التراتيب، ٢: ٢٢٧.
١٩٢  الجامع الصحيح للبخاري، ١: ٢٢.
١٩٣  ن.م، ١: ٢٤.
١٩٤  ن.م، ١: ٢٥–٢٧.
١٩٥  ن.م، ١: ٢٥–٢٧.
١٩٦  ن.م، ١: ٢٥–٢٧.
١٩٧  التراتيب، ٢: ٢٤٣–٢٤٧.
١٩٨  توجيه النظر، ص٨.
١٩٩  طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، ١: ١١٨.
٢٠٠  طبقات ابن سعد، ٥: ١٣٣.
٢٠١  فقهاء التراتيب، ٢: ٤١١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١