الرحلة الرابعة

بينَ جماجم الموتى

(١) كَيْفَ تَحَطَّمَ الْمَرْكَبُ

بَقِيتُ فِي «بَغْدَادَ» هَادِئَ الْبَالِ مُنْغَمِسًا فِي اللَّهْوِ وَالتَّرَفِ مُدَةً مِنَ الزَّمَنِ نَسِيتُ فِيهَا مَا قَاسَيْتُهُ مِنَ الشَّدَائِدِ فِي أَسْفَارِي السَّابِقَةِ وَتَطَلَّعَتْ نَفْسِي لِلسَّفَرِ — مَرَّةً أُخْرَى — طَمَعًا فِيمَا يَجُرُّهُ مِنَ الْكَسْبِ.

•••

فَلَم أَتَرَدَّدْ فِي إِمْضَاءِ هَذِهِ الْعَزِيمَةِ، وَاشْتَرَيْتُ بِضَاعَةً وَحُمُولًا كَثِيرَةً، وَسَافَرْتُ مِنْ مَدِينَةِ «بَغْدَادَ» إِلَى مَدِينَةِ «الْبَصْرَةِ» حَيْثُ اسْتَأْجَرْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ التُّجَّارِ مَرْكَبًا شِرَاعِيًّا كَبِيرًا سَارَ بِنَا أَيَّامًا وَلَيَالِيَ، وَكَانَتِ الرِّيحُ طيِّبَةً، وَالْأُمُورُ عَلَى مَا يُرَامُ، وَلَمْ نَزَلْ نَتَّجِرُ وَنَبِيعُ وَنَشْتَرِي فِي كُلِّ مَكَانٍ حَلَلْنَا بِهِ حَتَّى هَبَّتْ عَلَيْنَا عَاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ حَطَّمَتِ الْمَرْكَبَ وَمَزَّقَتْ شِرَاعَهُ تَمْزِيقًا.

فَغَرِقَ كُلُّ مَا مَعَنَا مِنَ الْبَضَائِعِ كَمَا غَرِقَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسَافِرِينَ، وَبَقِيتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ التُّجَّارِ سَابِحِينَ فِي الْبَحْرِ نِصْفَ نَهَارٍ، ثُمَّ ظَفِرْنَا بِلوْحٍ مِنَ الْخَشَبِ فَرَكِبْنَاهُ، وَلَمْ يَزَلْ سَائِرًا بِنَا بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الْعَاصِفَةُ وَطَابَتِ الرِّيح يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ قَذَفَتْنَا الْأَمْوَاجُ إِلَى شَاطِئ جَزِيرَةٍ وَنَحْنُ كَالْمَوْتَى مِمَّا كَابَدْنَاهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ.

(٢) جَزِيرَةُ الْغِيلَانِ

وَمَشَيْنَا فِي الْجَزِيرَةِ فَوَجَدْنَا كَثِيرًا مِنَ النَّبَاتِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْعُشْبِ وَالْمَاءِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا ثُمَّ نِمْنَا طُولَ اللَّيْلِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ النَّهَارُ اسْتَأْنَفْنَا السَّيْرَ فِي الْجَزِيرَةِ فَلَاحَ لَنَا قَصْرٌ عَالٍ فَقَصَدْنَا إِلَيْهِ، وَلَمَّا بَلَغْنَاهُ خَرَجَ عَلَيْنَا نَفَرٌ مِنَ الْمُتَوَحِّشِينَ وَهُمْ حُفَاةُ الْأَقْدَامِ عُرَاةُ الْأَجْسَامِ وَمَا كَادُوا يُبْصِرُونَنَا حَتَّى قَبَضُوا عَلَيْنَا، وَسَارُوا بِنَا إِلَى مَلِكِهِمْ فَأَمَرَنَا بِالْجِلُوسِ فَأَطَعْنَا، ثُمَّ أَحْضَرَ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ أَصْحَابِي وَعَافَتْهُ نَفْسِي فَلَمْ آكُلْ مِنْهُ شَيْئًا — وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ حَظِّي — فَإِنَّ أَصْحَابِي لَمْ يَنْتَهُوا مِنْ أَكْلَتِهِمْ هَذِهِ حَتَّى ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ أَمَارَاتُ الْخَبَلِ وَالْجُنُونِ، فَأَسِفْتُ لِذَلِكَ أَشَدَّ الْأَسَفِ وَأَدْرَكْتُ أَنَّ مَا أَكَلُوهُ مِنَ الطَّعَامِ هُوَ سَبَبُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الذُّهُولِ.

وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةَ الْغِيلَانِ مَعَ كُلِّ مَنْ يَرْمِيهِمْ سُوءُ الْحَظِّ وَنَكَدُ الطَّالِعِ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، إِذْ يُقَدِّمُونَ إِلَيْهِمْ هَذَا الطَّعَامَ الْعَجِيبَ فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ بِشَرَهٍ وَيُصِيبُهُمُ الذُّهُولُ، وَلَا يَزَالُونَ يَأْكُلُونَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَسْمَنُوا فَيَأْكُلَهُمُ الْغِيلَانُ، وَلَمَّا تَكَشَّفَتْ لِي هَذِهِ الْحَقِيقَةُ فَزِعْتُ فَزَعًا شَدِيدًا وَامْتَنَعْتُ عَنْ أَكْلِ طَعَامِهِمْ مُكْتَفِيًا بِمَا كُنْتُ أَقْتَاتُهُ مِنَ الْأَعْشَابِ، فَأَصَابَنِي هُزَالٌ شَدِيدٌ جَعَلَهمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيَّ وَلَا يُعْنَوْنَ بِمُرَاقَبَتِي، وَكَانَ يَخْرُجُ بِأَصْحَابِي — كُلَّ يَوْمٍ — وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْغِيلَانِ يَرْعَاهُمْ كَمَا تُرْعَى الْغَنَمُ.

(٣) هَرَبُ السِّنْدِبَادِ مِنَ الْغِيلَانِ

وَسَنَحَتْ لِي الْفُرْصَةُ — ذَاتَ يَوْمٍ — فَهَرَبْتُ مِنَ الرَّاعِي، وَمَا زِلْتُ أَجْرِي — بِكُلِّ قُوَّتِي — حَتَّى أَقْبَلَ اللَّيْلُ، فَنِمْتُ قَلِيلًا ثُمَّ أَصَابَنِي الْأَرَقُ لِشِدَّةِ مَا لَحِقَنِي مِنَ الْخَوْفِ، فَاسْتَأْنَفْتُ السَّيْرَ وَمَا زِلْتُ سَائِرًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَأَنَا آَكُلُ مِمَّا أَلْقَاهُ فِي طَرِيقِي مِنَ النَّارَجِيلِ «الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ» — الِّذِي كَانَ غِذَائِي وَشَرَابِي مَعًا — وَكُنْتُ أَسِيرُ بِالنَّهَارِ وَأَنَامُ بِاللَّيْلِ.

(٤) عَلَى شَاطِئ الْبَحْرِ

وَلَمَّا بَلَغْتُ شَاطِئَ الْبَحْرِ رَأَيْتُ جَمَاعَةً يَجْمَعُونَ حَبَّ الْفُلْفُلِ، وَمَا كَادَ يَقَعُ بَصَرُهُم عَلَيَّ حَتَّى بَدَءُونِي بِالتَّحِيَّةِ وَسَأَلُونِي — بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ —: «مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟».

فَقَصَصْتُ عَلَيْهِمْ مَا حَدَثَ لِي مَعَ الْغِيلاَنِ فَهَنَّأُوني بِالسَّلاَمَةِ وَقَدَّمُوا لِي طَعَامًا شَهِيًّا فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ.

(٥) فِي حَضْرَةِ الْمَلِكِ

وَلَمَّا ذَهَبُوا إِلَى مَلِكِهِمْ أَخْبَرْتُهُ بِقِصَّتِي فَعَجِبَ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَأَكْرَمَنِي وَآوَانِي عِنْدَهُ، وَخَرَجْتُ — فِي الْيَوْمِ التَّالِي — إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَأَيْتُهَا مَدِينَةً عَظِيمَةً مُزْدَحمَةَ الْأَسْوَاقِ.

(٦) سُرُوجُ الْخَيْلِ

وَلَكِنَّنِي رَأَيْتُ أَهْلَهَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ بِلاَ سَرْجٍ وَلَا لِجَامٍ — لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ — فَذَهَبْتُ إِلَى الْمَلِكِ وَأَبْدَيْتُ لَهُ دَهْشَتِي مِمَّا رَأَيْتُ، فَقَالَ لِي: «إِنَّكَ تُحَدِّثُنِي عَنْ شَيءٍ لاَ أَعْرِفُهُ وَلَم أَرَهُ فِي حَيَاتِي قَطُّ» وَطَلَبَ إِلَيَّ أَنْ أَصْنَعَ لِفَرَسِهِ سَرْجًا وَلِجَامًا فَجَمَعْتُ بَعْضَ الْعُمَّالِ الْأَذْكِياءِ، وَرَسَمْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُلاَئِمُ حِرْفَتَهُ مِنَ الْعَمَلِ حَتَّى تَمَّ السَرْجُ فَحَلَّيْتُهُ بِطِرَازٍ ذَهَبِيٍّ نَفِيسٍ، وَأَرْشَدْتُ الْحَدَّادَ إِلَى طَرِيقَةِ صُنْعِ الرِّكَابِ وَاللِّجَامِ فَلَمَّا أَتَمَّ صُنْعَهُمَا ذَهَبْتُ إِلَى الْمَلِكِ — وَمَعِي سَرْجٌ وَلِجَامٌ وَرِكَابٌ — وَذَكَرْتُ لَهُ فَائِدَةَ كُلٍّ مِنْهَا فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ فَرَسِهِ فَأَسْرَجْتُهَا وَأَلْجَمْتُهَا، ثُمَّ رَكِبَهَا الْمَلِكُ فَسُرَّ مِنْ ذَلِكَ سُرُورًا عَظِيمًا وَشَكَرَ لِي هَذِهِ الْهَدِيَّةَ النَّفِيسَةَ، وَكَافَأَنِي عَلَيْهَا أَحْسَنَ مُكَافَأَةٍ.

ثُمَّ طَلَبَ إِلَيَّ أَعْيَانُ الدَّوْلَةِ أَنْ أَصْنَعَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَجَبْتُهُمْ إِلى مَا طَلَبُوا، فَغَمَرُونِي بِهَدَاياهُمُ النَّفِيسَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ.

figure

(٧) زَوَاجُ السِّنْدِبَادِ

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ قَالَ لِي الْمَلِكُ: «إِنَّنِي وَجَمِيعَ حَاشِيَتِي نُحِبُّكَ يَا سِنْدِبَادُ حُبًّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَنُرِيدُ أَنْ تَبْقَى مَعَنَا طُولَ عُمْرِكَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَزْوِيجِكَ حَتَّى لَا تُفَارِقَنَا، وَقَدْ تَخَيَّرْتُ لَكَ فَتَاةً جَمِيلَةً غَنِيَّةً لِتَتَزَوَّجَ مِنْهَا، فَمَاذَا أَنْتَ قَائِلٌ؟»

فَلَمْ أَسْتَطِعْ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ، وَرَضِيتُ بِالزَّوَاجِ مِنْ تِلْكَ الْفَتَاةِ — وَكَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَأَدَبٍ — فَعِشْنَا مَعًا عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ وَأَهْدَإِ بَالٍ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ — فِي كُلِّ يَوْمٍ — أَتَرَقَّبُ الْفُرَصَ لِلسَّفَرِ إِلَى بَلَدِي فِي أَوَّلِ سَفِينَةٍ تَمُرُّ بِهَذِهِ الْجَزِيرَةِ.

(٨) دَفْنُ الْأَحْيَاءِ مَعَ الْأَمْوَاتِ

وَحَدَثَ — فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ — مَا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ، فَقَدْ مَاتَتْ زَوْجَةُ جَارِي وَكَانَ مِنْ أَحَبِّ الْأَصْدِقَاءِ إِلَيَّ، فَلَمَّا ذَهَبْتُ أُعَزِّيهِ وَجَدْتُهُ فِي حَالٍ لَا تُوصَفُ — مِنْ شِدَّةِ الْجَزَعِ وَالْغَمِّ — فَقُلْتُ لَهُ: «تَشَجَّعْ يَا أَخِي وَلَا تَحْزَنْ».

وَدَعَوْتُ لَهُ بِطُولِ الْبَقَاءِ، فَقَالَ لِي مُتَحَسِّرًا: «كَيْفَ يَطُولُ بَقَائِي وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْهَلَاكِ إِلَّا سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ»

فَقُلْتُ لَهُ: «لَا بُدَّ مِنَ الصَّبْرِ، وَسَيُطِيلُ اللهُ عُمْرَكَ وَتَنْسَى مُصَابَكَ هَذَا، وَيَكُونُ آخِرَ مَكْرُوهٍ يَلْحَقُكَ!»

فَقَالَ لِي: «أَمَّا طُولُ الْعُمْرِ فَلَيْسَ لِي فِيهِ مَطْمَعٌ، لِأَنَّني سَأُدْفَنُ مَعَ زَوْجَتِي حَيًّا — بَعْدَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ — وَقَدْ وَدَّعْتُ أَهْلِي وَأَصْدِقَائِي جَمِيعًا!»

فَدَهِشْتُ مِنْ قَوْلِهِ أَشَدَّ دَهْشَةٍ، وَسَأَلْتُهُ مُتَعَجِّبًا: «وَكَيْفَ تُدْفَنُ مَعَ زَوْجَتِكَ وَأَنْتَ حَيٌّ؟»، فَقَالَ لِي: «إِنَّ شَرِيعَةَ بِلَادِنَا تُحَتِّمُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ تَمُوتُ زَوْجَتُهُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَهَا حَيًّا، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ يَمُوتُ زَوْجُهَا أَنْ تُدْفَنَ مَعَهُ كَذَلِكَ؟»

فَزَادَتْ دَهْشَتِي، وَسَأَلْتُهُ: «أَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ أَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ القَاسِيَةَ؟»

فَأَجَابَنِي يَائِسًا: «ذَلِكَ مُحَالٌ، فَإِنَّ هَذَا الْقَانُونَ يَسْرِي عَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ كُلِّهِمْ، مِنَ الْمَلِكِ إِلَى أَصْغَرِ فَرْدٍ فِي الرَّعِيَّةِ.»

وَلَمْ يَكَدْ يَفْرُغُ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى اجْتَمَعَ حَوْلَهُ أَهْلُهُ وَعَارِفُوهُ، فَوَضَعُوا زَوْجَتَهُ فِي النَّعْشِ وَوَضَعُوا مَعَهَا كُلَّ حُلَاهَا، وَسَارُوا بِهِمَا إِلَى جُبٍّ بَعِيدٍ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَكَشَفُوا غِطَاءَهُ — وَهُوَ صَخْرَةٌ كَبِيرَةٌ — وَأَلْقَوا بِالزَّوْجَةِ فِيهِ، ثُمَّ رَبَطُوا زَوْجَهَا بِحِبَالٍ طَوِيلَةٍ وَوَدَّعُوهُ، وَوَضَعُوا — إِلى جَانِبِهِ — قُلَّةَ مَاءٍ وَسَبْعَةَ أَرْغِفَةٍ، وَلَمَّا أَنْزَلُوهُ فِي الْجُبِّ أَعَادُوا غِطَاءَهُ وَرَجَعُوا مِنْ حَيْثُ أَتَوْا؟

(٩) الشَّكْوَى إِلَى الْملِكِ

وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَصِفَ لَكُمْ مَا لَحِقَنِي مِنَ الْجَزَعِ وَالْخَوْفِ مِمَّا رَأَيْتُ، وَلَقَدْ أَسْرَعْتُ بِالذَّهَابِ إلَى مَلِكِ الْجَزِيرَةِ فَشَكَوْتُ لَهُ هَذِهِ الْعَادَةَ السَّيِّئَةَ الَّتِي لَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْجَزيرَةِ، فَقَالَ لِي مُبْتَسِمًا: «هَذِهِ هِيَ شَرِيعَةُ بِلَادِنَا، وَهِيَ سَارِيَةٌ عَلَيَّ وَعَلَى جَمِيعِ رَعِيَّتِي فَإِذَا مَاتَتِ الْمَلِكَةُ قَبْلِي دُفِنْتُ مَعَهَا، وَإِذَا مِتُّ قَبْلَهَا دُفِنَتْ مَعِي؟»

فَزَادَ عجَبِي مِنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ: «وَهَلْ يَسْرِي هَذَا الْقَانُونُ الْقَاسِي عَلَى الْغُرَبَاءِ أَيْضًا؟» فَأَجَابَنِي: «نَعَمْ، فَهُوَ يَسْرِي عَلَى كُلِّ مَنْ تَزَوَّجَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ أَيًّا كَانَ جِنْسُهُ!»

فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِ مَهْمُومًا، وَصِرْتُ أَجْزَعُ كُلَّمَا لَحِقَ زَوْجَتِي أَقَلُّ أَذًى، وَأَخْشَى عَلَيْهَا كُلَّمَا مَرِضَتْ، وَكُنْتُ إِذَا جُرِحَتْ إصْبَعُهَا بِتُّ طُولَ اللَّيْلِ سَاهِرًا خَشْيَةَ أَنْ تَمُوتَ.

(١٠) وَفَاةُ زَوْجَةِ السِّنْدِبَادِ

وَكَانَ مَا خِفْتُ أَنْ يَكُونَ، فَلَمْ يَمْضِ عَلَى زَوْجَتِي زَمَنٌ يَسِيرٌ حَتَّى مَرِضَتْ ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَقَعَ عَلَيَّ هَذَا الْحَادِثُ وُقُوعَ الصَّاعِقَةِ، وَذَكَرْتُ أَنَّ كُلَّ مَوْتَةٍ تَعَرَّضْتُ لَهَا وَنَجَوْتُ مِنْهَا فِي رِحْلَاتِي السَّابِقَةِ كَانَتْ أَهْوَنَ عَلَى نَفْسِي مِنْ أَنْ أُدْفَنَ حَيًّا.

وَجَاءُوا فَكَفَّنُوا زَوْجَتِي فِي أَبْهَى أَثْوَابِهَا وَوَضَعُوا مَعَهَا كُلَّ حُلِيِّهَا، وَسِرْتُ خَلْفَهَا وَمَعِي كِبَارُ الدَّوْلَةِ وَأَعْيَانُ الْمَدِينَةِ يَتَقَدَّمُهُمُ الْمَلِكُ نَفْسُهُ حَتَّى بَلَغْنَا ذَلِكَ الْجُبَّ الْمَشْئُومَ، فَكَشَفُوا غِطَاءَهُ وَأَنْزَلُوا زَوْجَتِي فِيهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ الْمَلِكُ وَالْأَعْيَانُ يُوَدِّعُونَنِي، فَصَرَخْتُ بَاكِيًا مِنْ هَوْلِ مَا أَنَا قَادِمٌ عَلَيْهِ، وَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا — طَمَعًا فِي أَنْ يُطْلِقُوا سَرَاحِي — فَلَمْ يُصْغِ أَحَدٌ إِلَى كَلَامِي.

(١١) بَيْنَ جَمَاجِم الْمَوْتَى

ثُمَّ أَنْزَلُونِي إِلَى الْجُبِّ قَسْرًا وَأَنْزَلُوا مَعِي قُلَّةَ مَاءٍ وَسَبْعَةَ أَرْغِفَةٍ، وَأَعَادُوا غِطَاءَ الْجُبِّ ثَانِيَةً وَانْصَرَفُوا.

وَبَقِيتُ وَحْدِي فِي ظُلْمَةِ هَذَا الْجُبِّ — بَيْنَ جَمَاجِمِ الْمَوْتَى — مُتَرَقِّبًا سَاعَتِيَ الْأَخِيرَةَ بَيْنَ يَوْمٍ وَآخَرَ.

•••

وَلَاحَ لِي فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ الْمُظْلِمَةِ بَصِيصٌ ضَئِيلٌ مِنَ النُّورِ فَرَأَيْتُ حَوْلِي أَكْدَاسًا مِنْ عِظَامِ الْمَوْتَى وَجَمَاجِمِهِمْ، فَازْدَادَ رُعْبِي وَأَخَذْتُ أَلُومُ نَفْسِي عَلَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمَشْئُومَةِ وَنَدِمْتُ عَلَى مَا فَعَلْتُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، ثُمَّ رَضِيتُ بِقَضَاءِ اللهِ وَجَعَلْتُ أَقْتَصِدُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ حَتَّى لَا يَنْفَدَ مَا مَعِي مِنَ الطَّعَامِ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ، وَلَكِنَّنِي — بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ — اسْتَنْفَدْتُ زَادِي كُلَّهُ وَأَيْقَنْتُ حِينَئِذٍ بِالْهَلَاكِ. وَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ كُشِفَ غِطَاءُ الْجُبِّ وَنَزَلَ فِيهِ رَجُلٌ مَيِّتٌ وَزَوْجَتُهُ — وَمَعَهَا الْأَرْغِفَةُ السَّبْعَةُ وَقُلَّةُ الْمَاءِ — ثُمَّ أَعَادُوا غِطَاءَ الْجُبِّ ثَانِيَةً، وَمَا كَادَتِ الْمَرْأَةُ تَسْتَقِرُّ فِي الْجُبِّ بَعْدَ أَنْ أَعَادُوا غِطَاءَهُ ثَانِيَةً حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ، فَأَخَذْتُ مَا مَعَهَا مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ فَكُنْتُ آكُلُ مِنْهُ وَأَشْرَبُ مُقْتَصِدًا أَيَّامًا وَلَيَالِيَ، وَبَقِيتُ أَتَرَقَّبُ كُلَّ مَنْ يَدْفِنُونَهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَمُوتُونَ مِنَ الرُّعْبِ فَآخُذُ زَادَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الزَّمَنُ وَسَئِمْتُ الْحَيَاةَ فِي هَذَا الْجُبِّ الْمُظْلِمِ.

(١٢) النَّجَاةُ مِنَ الْجُبِّ

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ رَأَيْتُ — لِحُسْنِ حَظِّي — شَبَحًا يَدْنُو مِنِّي فَلَمْ أَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهُ لِظُلْمَةِ الْمَكَانِ، وَلَكِنَّنِي أَحْسَسْتُ أَنْفَاسَهُ عَنْ قُرْبٍ فَقُمْتُ خَائِفًا مَذْعُورًا، فَفَزِعَ مِنِّي ذَلِكَ الشَّبَحُ وَعَادَ مِنْ حَيْثُ أَتَى، فَتَبِعْتُهُ لِأَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ، فَرَأَيْتُهُ يَتَسَلَّلُ مِنْ مَنْفَذٍ صَغِيرٍ فِي آخِرِ الْحُفْرَةِ، فَلَاحَ لِي أَمَلٌ كَبِيرٌ فِي النَّجَاةِ، وَبَذَلْتُ جُهْدِي فِي تَوْسِيعِ هَذَا الْمَنْفَذِ حَتَّى تَمَّ لِي ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ مِنْهُ، فَرَأَيْتُنِي عَلَى شَاطِئ الْبَحْرِ فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ فَرَحًا لَا يُوصَفُ، ثُمَّ عُدْتُ إِلى الْجُبِّ فَجَمَعْتُ كُلَّ مَا قَدَرْتُ عَلَى جَمْعِهِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ الَّتِي دَفَنُوهَا مَعَ الْمَوْتَى، وَوَضَعْتُهَا فِي أَثْوَابِهِمْ وَأَكْفَانِهِمْ، وَبَقِيتُ أَذْهَبُ إِلَى الْجُبِّ كُلَّ يَوْمٍ فَأَحْمِلُ مِنْهُ مَا أَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ مِنْ كُنُوزٍ وَنَفَائِسَ ثُمَّ أَعُودُ إِلى شَاطِئ الْبَحْرِ مُتَرَقِّبًا قُدُومَ أَيِّ مَرْكَبٍ يَحْمِلُنِي إِلى بَلَدِي أَوْ يُبْعِدُنِي عَنْ هَذِهِ الْجَزيرَةِ الْمَشْئُومَةِ.

(١٣) مَرْكَبُ النَّجَاةِ

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ — بَيْنَما أَنَا عَلَى شَاطِئ الْبَحْرِ — إِذْ لَاحَ لِي مَرْكَبٌ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَمْ أَكَدْ أَرَاهُ حَتَّى نَهَضْتُ قَائِمًا وَأَخَذْتُ أُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِي وَأُشِيرُ لِمَنْ فِيهِ بِيَدِي، وَأَمْسَكْتُ بِقِطْعَة مِنَ الثِّيَابِ فَلَوَّحْتُ لَهُمْ بِهَا، حَتَّى فَطِنُوا إِلَيَّ، فَحَوَّلُوا مَرْكَبَهُمْ إِلى الشَّاطِئِ حَتَّى بَلَغُوهُ، فَبَدَأْتُهُمْ بِالسَّلَامِ فَرَدُّوا عَلَيَّ أَحْسَنَ رَدٍّ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُونِي مَعَهُمْ، فَلَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي ذَلِكَ، وَسَأَلُونِي عَنْ قِصَّتِي فَخَشِيتُ أَنْ أُخْبِرَهُمْ بِالْحَقِيقَةِ كُلِّهَا لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ فَتَسُوءَ الْعَاقِبَةُ، وَقُلْتُ لَهُمْ: «أَنَا تَاجِرٌ وَقَدْ غَرِقَ مَرْكَبِي فَنَجَوْتُ بِهَذِهِ الثِّيَابِ عَلَى لَوْحٍ مِنَ الْخَشَبِ حَمَلَنِي إِلى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ!»

figure

وَعَرَضْتُ عَلَى رُبَّانِ السَّفِينَةِ هَدِيَّةً نَفِيسَةً — مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى صَنِيعِهِ — فَرَفَضَ وَقَالَ لِي: «أَنَا لَا آخُذُ عَلَى مَعْرُوفٍ أَجْرًا وَلَا جَزَاءً» فَشَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّ الشُّكْرِ!

(١٤) اَلْعَوْدَةُ إِلَى الْوَطَنِ

وَعَلِمْتُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ إِلى «الْبَصْرَةِ» فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَزَلِ الْمَرْكَبُ سَائِرًا بِنَا مِنَ جَزِيرَةٍ إِلى جَزِيرَةٍ وَمِنْ بَلَدٍ إِلى بَلَدٍ، وَهُمْ يُطْعِمُونَنِي مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَا يَبْخَلُونَ عَلَيَّ بِشَيْءٍ مِمَّا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَتَّى وَصَلْنَا إِلى «الْبَصْرَةِ» فَأَقَمْتُ بِهَا أَيَّامًا قَلَائِلَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ مِنْهَا إِلى «بَغْدَادَ».

فَفَرِحَ بِي أَهْلِي وَأَصْحَابِي فَرَحًا لَا يُوصَفُ وَهَنَّأُونِي بِالسَّلَامَةِ، وَوَهَبْتُ الْفُقَرَاءَ كَثِيرًا مِنْ مَالِي وَعَزَمْتُ عَلَى تَرْكِ الْأَسْفَارِ بَعْدَ مَا لَقِيتُهُ مِنَ الْمَتَاعِبِ وَالشَّدَائِدِ.

•••

وَلَمَّا انْتَهَى «السِّنْدِبَادُ» مِنْ كَلَامِهِ أَمَرَ لِلْحَمَّالِ بِمائَةِ دِينارٍ فَأَخَذَهَا شَاكِرًا وَانْصَرَفَ هُوَ وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ.

وَلَمَّا جَاءُوا فِي الْغَدِ بَدَأَ «السِّنْدِبَادُ» يَقُصُّ عَلَيْهِمْ مَا حَدَثَ لَهُ مِنَ الْعَجَائِبِ فِي رِحْلَتِهِ الْخَامِسَةِ فَقَالَ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠