مناطق العرب

الحروف العربية

الحرف هيئة عارضة للصوت الساذج يتكون في مواضع من اللسان والحلق والسن والنطع١ والشفة، وهذه المواضع هي مخارج الحروف، ومحال أن يتكون الصوت في جميعها تكونًا طبيعيًّا يشمل الناطقين جميعًا، بل لا بد في ذلك من عمل وراثي يتبع حالة اللغة من الكمال ويقدَّر بقدرها، وذلك لا تجده على أكمل الوجوه إلا في لغة العرب.

وقد بينا فيما سبق أن الحرف الطبيعي في المنطق إنما هو الحرف الهاوي الذي يتسع مخرجه لهواء الصوت فلا يقع الحرف فيه على مدرج من مدارج الحلق ولا اللسان ولا غيرهما من سائر المخارج، ويتلوه في التكوين أحرف الحلق، لقربها من مصدر الصوت؛ ثم تكونت باقي الحروف على نظم طبيعي بطيء، وذلك بارتقاء أوتار الصوت وتفنن الإنسان في توقيع الأصوات عليها؛ لأن الحلق إنما هو في أصل الخلقة أداة الموسيقى اللغوية.

وثبتُ ما قدمناه ما وقف عليه علماء اللغات في مباحثهم، وهو أن بعض القبائل في أواسط إفريقية لا توجد في لغتهم الحروف الشفوية: كالفاء والباء والميم والواو؛ وبعض هنود كولومبيا لا يجدون سبيلًا إلى النطق بهذه الحروف «ب ف ج د و»، وأكثر أقوام أستراليا لا يستعملون حروف الصفير «س ص ز» ولا هذه الحروف «ش ث ط»؛ وأهل «نيوزيلاندا» لا ينطقون هذه الحروف «ب س د ف ح ج ل ن ص و ي»، وكذلك وجدوا اللغة الهيروغليفية القديمة — وهي من أقدم اللغات المعروفة — ليس من حروفها في المنطق «ب ج د ز ظ ض»، بل أنت ترى الدليل الذي لا سبيل إلى رده في هذه الحروف الطبيعية الخالدة التي لا يزاد فيها ولا ينقص منها وهي ما يتهيأ في منطق الحيوان السائم٢ فإنها على قدر الحاجة الحيوانية مما لا يتجاوز معنى الإحساس الذي هو النطق الباطني.

أما الحروف العربية فهي المعروفة اليوم بالحروف الأبجدية؛ أو ألف باء، ولم تكن على هذا الترتيب الهجائي من قبل، وإنما هو ترتيب نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر العدواني، في زمن عبد الملك بن مروان، حين بُدئ في إصلاح الخط وتمييز الحروف والحركات — كما سيأتي في موضعه — وكانت قبل ذلك على ترتيب «أبجد هوَّز» المعروف، وهو ترتيب السريانية والعبرانية.

ومن علماء اللغة من يرتبها على وجه آخر، كالخليل بن أحمد٣ فإنه اعتبر ترتيبها على مخارجها الطبيعية ذاهبًا من الصدر إلى الشفتين، وبنى على هذا الوضع كتاب «العين» الذي هو أول كتاب جمع اللغة فجعلها هكذا:
ع ح خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط
د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م و ا ي

وقد خالفه بعضهم، ولا نرى فائدة في استقصاء أقوالهم المختلفة.

وهذه الحروف ٢٩ حرفًا بإضافة الهمزة — وهو رأي سيبويه وعليه المحققون، وكان أبو العباس ثعلب لا يعدها منها — وتسمى حروفًا أصلية، وله أربع حركات أصلية أيضًا، وهي الفتحة والضمة والكسرة والسكون.٤

وهذه الحركات قديمة في اللغة، لأنها هيئات المنطق، ولكن دلائلها الخطية «َ ُ ِ ْ» لم تكن عندهم، بل اخترع أصولها السريان حينما تنصروا وأرادوا ضبط قراءتهم في الأناجيل، فوضعوا علامات صغيرة تدل على الحركات، وهي نقطة أو خط صغير فوق الحرف أو تحته أو بين يديه، ولا يزال أثر هذه الطريقة في المصاحف المخطوطة في القرن الثاني للهجرة؛ فقد كانت تكتب من غير نقط إلا للشكل؛ فالنقطة فوق الحرف علامة الفتحة، وتحته علامة الكسرة، وإلى جانبه علامة الضم؛ وأول من وضع هذه الطريقة للعرب أبو الأسود الدؤلي؛ ولذلك تأريخ يأتي في محله.

والمراد بالحروف والحركات «الأصلية» التي يستوي في الإتيان بها الأقحاح من العرب الذين لم تخلط لغتهم ولا ورثوها مخلوطة؛ فإن لمن عداهم حروفًا أخرى تسمى متفرعة.

الحروف المتفرعة

وهي حروف من التسعة والعشرين حرفًا تتميز بإشراب الحرف٥ صوتًا من غيره، وهي قسمان: مستحسنة، ومستهجنة؛ ونحن نذكرها في هذا الفصل مقرونة بما يناسبها من لغات العرب، تحقيقًا لغرضنا التاريخي.

المستحسنة

أما المستحسنة فهي التي عرفت في لغة من يوثق بعربيته وتستحسن في قراءة القرآن وإنشاد الشعر بحيث لا تشوب المنطق منها هُجنة أو زراية، وهي:
  • (١)

    النون الخفيفة التي يكون مخرجها من الخياشيم. كما تقول «عنك» تخرج النون بغنة من الخياشيم، وهذه النون في منطق كثير من أشراف العرب، ومن لغاتهم أنهم يستجيزون في الشعر جمع الميم والنون في القوافي لاجتماعهما في الغنة التي ترتفع إلى الخياشيم، وعليها قول الراجز:

    بُنيَّ إن البر شيء هين
    المنطق اللين والطُّعَيِّم

    ينطقها «الطُّعَيِّن» للقافية. وقال آخر:

    ما تنقم الحرب العوان مني
    بازل عامين حديث سني
    لمثل هذا ولدتني أمي

    ينطقها «أُنِّي».

  • (٢)

    الهمزة التي بين بين (التسهيل)؛ وهي التي تقع متحركة بعد ألف؛ فإنهم ينطقون بها حرفًا بين الهمزة وبين حرف حركتها، ويجعلون الحركة التي عليها — أي الهمزة — مختلسة سهلة بحيث تكون كالساكنة وإن لم تسكَّن؛ فينطقون بها بحرف بين الهمزة والألف إن كانت مفتوحة: نحو تساءل، وبينها وبين الواو إن كانت مضمومة: نحو تفاؤل، وبينها وبين الياء إن كانت مكسورة نحو: قبائل.

    وهذا الحرف المنطوق به يسمى الهمزة المسهلة أيضًا، وذلك في لغة قريش وأكثر أهل الحجاز: يخففون الهمزة لأنها أدخل في الحلق ولها نبرة تجري مجرى التهوُّع٦ فثقلت بذلك على ألسنتهم. ويروى عن علي أنه قال: نزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل عليه السلام نزل بالهمزة على النبي ما همزنا. أما تحقيق الهمزة فهو الأصل، وهو لغة تميم وقيس.

لغات في التخفيف

والتسهيل نوع من أنواع التخفيف المقررة في علم الصرف، ولا محل لبسط ذلك في هذا الكتاب، ولكنا نذكر منه أمثلة من لغاتهم فيه جريًا على طريقتنا مع جمع الصور التاريخية لهذه اللغة كما سنفصله:٧

فمن العرب من يبدل الهمزة المفتوحة إذا كانت منفصلة — أي بين كلمتين — إلى لفظ ما قبلها ويدغمها فيه «ويسمونه التخفيف البدلي» فيقولون في «أو أنت»: أوَّنت، وفي «أبو أيوب»: أبوَّيُّون، وهكذا.

فإذا كانت الهمزة المنفصلة مكسورة أو مضمومة فأهل التخفيف لا يدغمونها فيما قبلها بل يقولون في نحو «أحلبني إبلك»: أحلبني بلك، وفي نحو «هذا أبو أمك» أَبُوُمِّك. فيُلقون حركة الهمزة على ما قبلها.

أما إن كانت الهمزة في كلمة واحدة — أي غير منفصلة — نحو سوأة، وموألة، فإنهم يحذفونها فيقولون: سوة، ومولة.

فذلك كما ترى قريب من لغاتنا العامية، وأقرب منه أنهم يحذفون الهمزة بعد المتحرك المبني ويلقون حركتها عليه، فيقولون في نحو «قال إسحاق، وقال أسامة» قالِ سحق، وقالُ سامة.

وكذلك يحذفون الهمزة إذا كانت أول كلمة وكان آخر الكلمة التي قبلها ألفًا، وفي هذه اللغة: إن كان ما بعد الهمزة حرفًا ساكنًا حذفوا معها الألف التي قبلها لئلا يجتمع ساكنان، فإن لم يكن ذلك أبقوا الألف وحذفوا الهمزة وحدها؛ فيقولون في نحو «ما أحسن زيدًا»: مَحْسَنَ زيدًا، وفي «ما أشد عمرًا»: ما شَدَّ عمرًا، يُبقون في هذا المثال الألف التي قبل الهمزة لأن ما بعدها متحرِّك «وهو الشين».

الإمالة

من الحروف المستحسنة، الألف التي تُمال إمالة شديدة، وذلك أن يُنحى بالفتحة نحو الكسرة إلى حد لو زاد صارت الألف ياء؛ وهي الإمالة الكبرى، ويسمونها المحضة، ونطقها كحرف “E” أما غيرها فيسمونها الإمالة الصغرى، وبين بين، وبين اللفظين، وتسمى ترقيقًا أيضًا؛ وهذا خاص بإمالة الفتحة التي قبل الألف فقط: كعابد؛ والمراد من الإمالة إما غرض مناسبة صوت النطق بالفتحة إلى صوت النطق بالكسرة التي قبلها حتى تقرب منها: كعماد، أو التي بعدها: كعالِم؛ أو المناسبة لصوت النطق بياء قبلها: كسيَّال، وشيبان؛ أو للتنبيه على أصل الألف الممالة إذا كانت منقلبة عن ياء أو واو مكسورة: كباع، وخاف؛ أو للتنبيه على الحالة التي تصير إليها الألف في بعض الأحوال: كأفعى، وحُبلى؛ لأنهما تصيران في التثنية أفعيان، وحبليان.٨ وسائر أسباب الإمالة وأنواعها مفصل في كتب التصريف ولا تمس حاجتنا إليه، وإنما نقصد منه إلى معنى التاريخ اللغوي فقط.

فأصل التقريب شائع في كلامهم، يقرَّبون الحرف إلى الحرف للشبه بينهما، كما يقرَّبون الصاد من الزاي ونحوها — على ما سيأتي — وليست الإمالة مطردة في أهل اللغة الواحدة؛ فإن أهل الحجاز يميل بعضهم قليلًا في مواضع معينة، وأكثرهم لا يميلون؛ وبنو تميم وهم أحرص العرب عليها في منطقهم — يميل بعضهم في مواضع وينصب بعضهم «لا يميل» في مواضع أخرى، وقد يميلون جميعًا في أشياء معروفة.

والناسٍ كثير من العرب ممن تُرْتَضَى عربيتهم أنواعٌ من إمالة الألف، فيقولون: هو يريد أن يضربها! ونحو ذلك؛ لأن الهاء خفيفة والراء مكسورة، فكأنها عندهم «يضربا» — بدون هاء — ولذلك يميلون؛ وفي هذه اللغة يقولون: منها، فيميلون أيضًا، ويقولون: فينا، وعلينا، فيميلون للياء حيث قربت من الألف، وكذا «يدا، ويدها» يميلون فيهما للياء أيضًا؛ ومن أهلها بنو تميم وقوم من قيس وأسد.

وثم حروف تمنع من إمالة الألفات وهي «ص ض ط ظ غ ق خ» إذا كان حرف منها قبل الألف وكانت الألف تليه: كصادق، وضامن، وطائف، وظالم، وغائب، وقاعد، وخامد؛ وإنما منعت هذه الحروف الإمالة لأنها مستعلية إلى الحنك الأعلى، والألف إذا خرجت من موضعها استعلت إليه فغلبت عليها هذه الحروف وقرَّبتها منها لاستواء الصوت في مجموع الكلمة.

قال سيبويه: ولا نعلم أحدًا يميل هذه الألف «مع المستعلية» إلا من لا يؤخذ بلغته؛ فإذا كان حرف من هذه الحروف قبل الألف بحرف وكان مكسورًا، فإنه لا يمنع الألف من الإمالة، نحو الضعاف، والصعاب، والقباب، مثلًا؛ لأنهم يضعون ألسنتهم في موضع هذه الحروف المستعلية ثم يصوبونها، فالانحدار أخف عليهم من الإصعاد.

وبقيت أشياء كثيرة لا تتعلق بغرضنا، ولكن جماع القول في هذا الباب التاريخي ما قاله سيبويه، من أنه ليس كل من أمال الألفات وافق غيره من العرب ممن يميل، ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه، وكذلك من كان النصب من لغته لا يوافق غيره ممن ينصب، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين في الكسر، فإذا رأيت عربيًّا كذلك فلا ترينَّه خلط في لغته. ولكن هذا من أمرهم.

المضارعة بين الحروف

  • (١)
    ومن الحروف المتفرعة المستحسنة، الشين التي تكون كالجيم؛ فإنهم يشربونها صوت الجيم متى كانت الشين ساكنة قبل دال؛ لأن الدال مجهورة شديدة والشين مهموسة رخوة٩ فيريدون بهذا النطق تناسب الصوت على ما هو من أمرهم. وذلك نحو أشدق ومشدود، فإنهم يشربون هذه الشين صوت الجيم لتنطق كحرف (J) وهي الجيم في منطق السوريين.
  • (٢)

    ومنها الصاد التي تكون كالزاي، وذلك أن الصاد متى كانت ساكنة وكان بعدها دال نطوقها زايًا مفخمة غير خالصة، لأنهم يضارعون بها أشبه الحروف بالدال في موضعه وهو الزاي، لأنها حرف مجهور غير مطبق، فيقولون في نحو «أصدر، ومصدر، والتصدير»: أزدر، ومزدر، والتزدير؛ ولكن كما ينطق عامتنا حرف الظاء؛ وقال سيبويه: وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايًا خالصة … إرادة أن يكون عملهم من وجه واحد، وليستعملوا ألسنتهم في ضرب واحد.

    وقد يضارعون بالصاد أيضًا منطق الزاي إذا كانت الصاد متحركة، نحو: صدق، وربما ضارعوا بها وهي متحركة وبعيدة عن الدال، نحو مصادر، بل وفي نحو الصراط أيضًا وإن لم يكن في الكلمة دال، ولكنهم يعتبرون الطاء كالدال. وفي شرح الفصيح لابن خالويه: إن من لغة بعض العرب أن يشم «الصفا والعصا» فيشرب الصاد صوت الزاي مع أنه ليس فيهما دال ولا ما هو في حكمها، قال: وهي لغة سوء.

    وكذلك قد يضارعون الشين بالزاي إذا كان بعدها دال، لأنها في الهمس والرخاوة كالصاد، فيقولون في نحو «أشدق»: أزدق؛ وقد مرت اللغة الأخرى في النطق بهذه الشين.

  • (٣)
    ومن الحروف المستحسنة ألف التفخيم، وهي ألف يُنْحَى بها نحو الواو فتكون كحرف (o)، وينطق بها أهل الحجاز في قولهم: الصلاة، والزكاة، والحياة، ويقال: إنهم كتبوا هذه الكلمات في المصحف بالواو بدل الألف على هذه اللغة، ولا يقاس في ذا المنطق بل ينتهى فيه عند ما انتهت إليه العرب.

الحروف المستهجنة

وهي حروف لا يستحسنونها ولا تكثر في لغة من تُرْتَضَى عربيته، ولا يؤخذ بها في قراءة القرآن وإنشاد الشعر؛ وهذه الحروف لا يستطيع بعضهم النطق بأصولها، فإذا اضطروا إليها حولوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها وهي:
  • (١)

    حرف بين الجيم والكاف ينطق به كمنطق الجيم المصرية، فيقولون في (كافر): جافر، وهو اليوم من لغات اليمن وبغداد.

  • (٢)

    الجيم التي ينطق بها كالكاف، وكانت لغة سائرة في اليمن، وهي اليوم فاشية في أهل البحرين، فيقولون في «رجل، وجمل»: ركل وكمل.

  • (٣)

    الجيم التي كالشين، وهي عكس الشين التي كالجيم في الحروف المستحسنة، ولكنهم استهجنوا هذه لأنها إنما ينطق بها كذلك إذا كانت ساكنة وبعدها دال أو تاء نحو «اجتمعوا، وأجدر» يقولون فيهما: اشتمعوا وأشدر؛ وموضع الثقل أنه ليس بين الجيم والدال، ولا بينها وبين التاء تباين؛ بل هما شديدتان.

    ومن لغاتهم أيضًا أنهم يقربون الجيم من الدال في وزن (الافتعال) فيبدلون الدال مكان التاء من هذا الوزن ليكون العمل من وجه واحد، يقولون في نحو «اجتمعوا، واجترءوا»: اجدمعوا واجدرءوا.

  • (٤)

    حرف بين الكاف والقاف، وهذا لم يذكره سيبويه في كتابه بين الحروف المتفرعة، ولكن ذكره ابن فارس في فقه اللغة فقال: فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جدًّا، فيقولون: «القوم» فيكون بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم، قال الشاعر:

    ولا أكول لكدر الكوم قد نضجت
    ولا أكول لباب الدار مكفول

    يريد في كل ذلك القاف. وهذا الحرف يسمى القاف المعقودة، قال أبو حيان في ارتشاف الضرب: وهي الآن غالبة في لسان من يوجد في البوادي من العرب حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة لا بالقاف الخالصة المنقولة على وضعها الخالص على ألسنة أهل الأداء من أهل القرآن.

  • (٥)

    الضاد الضعيفة، قال سيبويه في مخرجها: إنها تتكلف من الجانب الأيمن، وإن شئت تكلفتها من الجانب الأيسر وهو أخف؛ لأنها من حافة اللسان مطبقة. وقال الفارسي: كما إذا قلت ضرب ولم تُشبع مخرجها «أي الضاد» ولا اعتمدت عليه ولكن تخفف وتختلس فيضعف إطباقها، ويقول السيرافي: إنها في لغة قوم ليس في لغتهم ضاد فإذا احتاجوا إلى التكلم بها في العربية اعتضلت عليهم فربما أخرجوها ظاء لإخراجهم إياها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم يتأت لهم فخرجت بين الضاد والظاء.

  • (٦)

    الصاد التي كالسين؛ يقربونها من السين لكونهما من مخرج واحد وهي كبعض لغات المتظرفين من العوام، يقولون في «صالح»: سالح.

    ومن لغات العرب إبدالهم السين صادًا إذا كان بعدها قاف، وكانتا في كلمة واحدة، فيقولون في «سُقت»: صُقت. وكذا يعتبرون الغين والخاء بمنزلة القاف، يقولون: صالغ وصلخ في «سالغ وسلخ»، وهذه من لغة بني العنبر، وقد قالوا أيضًا: صاطع، في «ساطع».

  • (٧)

    الطاء التي كالتاء، وهي فاشية في لغة عجم أهل الشرق؛ لأن الطاء في أصل لغتهم معدوم، فإذا نطقوا بها تكلفوا ما ليس في لغتهم فارتضخوا هذه اللكنة، فيقولون في «سلطان» سلتان بتفخيم قليل.

  • (٨)

    الظاء التي كالثاء، وهو حرف يجيء من المبالغة في إفشاء الظاء فتخرج كأنها ثاء مفخمة.

  • (٩)
    الباء التي كالفاء، في نحو «أصبهان وبلخ»، وهي على ضربين. أحدهما لفظ يكون الباء أغلب عليه من الفاء كحرف (P)، والآخر لفظ يكون الفاء أغلب عليه، وهما حرفان من حروف المعجم سوى الباء والفاء المخلصين. قال السيرافي: وأظن العرب إنما أخذوا ذلك من العجم لمخالطتهم إياهم.
  • (١٠)
    الياء كالواو في نحو قيل وبيع بالإشمام، وهو لغة بعض العرب، يشمون الياء صوت الواو فتخرج كحرف (eu).
  • (١١)
    الواو التي كالياء في نحو، مذعور وابن بور، ينطقون بها كحرف (u) وهي في لغة كثيرين من قيس وأكثر بني أسد: كفقعس ودُبير، يجيئون بها بدل واو المد التي بعدها راء مكسورة، فتميل الضمة إلى جهة الكسرة، ويتبع ذلك ميل الواو إلى جهة الياء كما قال سيبويه.

تلك جملة ما عرفوه في مناطق العرب، وهي ولا شك آثار يرتضخونها من لغات أخرى: كالعبرانية والسريانية ولغة الفرس والروم والحبشة وغيرهم ممن خالطوهم في أقدم أزمانهم، ولا يزال ذلك بينًا في مناطق هذه اللغات إلى اليوم.

هوامش

(١) النطع: ما ظهر من الغار الأعلى للفم وفيه آثار كالتحزيز، وحروفه «ط د ت» وتسمى الحروف النطعية.
(٢) أما الحيوان المروض المأخوذ بالعناية والتعليم والتلقين، فقد يقتبس جملة من حروف اللغة التي يعلم بها، وبذلك تأتى لبعض الألمانيين أن ينطق كلبه بألفاظ خالصة من اللغة الألمانية، ولكنها في الجملة من حاجات الكلب الطبيعية: كالأكل والشرب، فلا تخرج عن معنى الإحساس أيضًا.
(٣) قال الأزهري في «التهذيب» نقلًا عن الليث بن المظفر — متمم كتاب العين بعد الخليل: لما أراد الخليل الابتداء في كتاب العين، أعمل فكره فيه فلم يمكنه أن يبتدئ من أول أ ب ت ث إلخ، لأن الألف حرف معتل، فلما فاته أول الحروف، كره أن يجعل الثاني أولًا «وهو الباء» إلا بحجة وبعد استقصاء؛ فتدبر ونظر إلى الحروف كلها وذاقها، فوجد مخرج الكلام كله من الحلق فصير أولها بالابتداء أدخلها في الحلق، وكان ذوقه إياها أنه كان إذا أراد أن يذوق الحرف، فتح فاه بألف «أي الحرف الطبيعي في النطق كما قدمنا» ثم أظهر الحرف «الذي يريد ذوقه» نحو ا ت، ا ح، ا ع، فوجد العين أقصاها في الحلق وأدخلها، فجعل أول الكتاب العين، ثم ما قرب مخرجه منها، الأرفع فالأرفع، حتى أتى على آخر الحروف.
(٤) في كتاب «سر الصناعة» لابن جني: الحركات أبعاض حروف المد واللين؛ فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو، وكان متقدمو النحويين يسمون الفتحة: الألف الصغيرة، والكسرة: الياء الصغيرة، والضمة: الواو الصغيرة.
(٥) سمى سيبويه بعض الحروف: بالمشربة، وذلك في باب الوقف من كتابه.
(٦) يريد أن صوت الهمزة في مخرجها من الحلق يشبه صوت من يتكلف القيء.
(٧) نتقدم إلى القراء أن يتقصصوا ما ذكرناه من لغات العرب وما نذكره وما سنذكره منها في الفصول التالية، لأنها في حقيقتها درجات تاريخية، ثم هي بجملتها لا يجمعها كتاب كائنًا ما كان لمتقدم أو متأخر.
(٨) من لغات العرب أن بعضهم يبدل الألف في أفعى وحبلى ياء في الوقف، فيقول: أفعِى وحبلِى «بكسر العين واللام»، وبعضهم يبدلها واوًا فيقول: افعوا وحبلوا، وقال ابن سيده في المخصص: بعض العرب يجعل الياء والواو ثابتتين في الوصل والوقف. وفي سر الصناعة: حكى سيبويه عنهم في الوقف: هذه حبلاء، يريدون حبلى ورأيت رجلاء، يريدون رجلًا؛ وقال: إن الهمزة فيهما بدل من الألف، وحكى أيضًا أنهم يقولون: هو يضربها، بالهمزة. وهذا كله في الوقف.
(٩) انظر فصل مخارج الحروف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤